بلال فضل(٢): في ظاهرة السلفية المدخلية

أهلاً بكِ وبضيوفكِ. أود أن أقول إن هناك كثيرًا من الكلام الذي قاله الشيخ محمود، وهو -على فكرة- رجل يتحدث بناءً على منطق يقبله، لأن الدين، كما يقول، ليس ملكًا للأزهر، وبالتالي هو شخص لا يملك إجازة رسمية في فهم الشريعة الإسلامية. لكنه يروج لمفاهيم معينة، وأنا سعيد جدًا باستضافتكِ له، لأنها تُظهر للناس مدى بساطة مسألة السلفيين، وأنها لا تدعو للخوف. إخواننا المسيحيون، الذين لديهم فكرة معينة عن السلفيين، يمكن أن يروا من خلال هذا الحوار أن المشكلة ليست في الدين نفسه.

عندما تحدث الشيخ محمود عن خطابه المعنون بـ"أنا أو الفوضى"، كان يعطي إشارة لإطلاق هذه الألغام، التي تظهر من خلال أمثال الشيخ محمود -مع احترامي له-، ليثبت للجميع، سواء كانوا مسيحيين أو ليبراليين، أن المشكلة ليست بين هذه الطوائف، بل بين التيارات المتشددة وبعضها البعض. في النهاية، مصر التطرف والتشدد لا مستقبل لها، والتاريخ يعلمنا أن المستقبل في مصر للاعتدال.

فضيلة الشيخ يقول إنه لا يوجد نص في القرآن أو السنة يدعو إلى الخروج على الحاكم الظالم، بينما أي شخص يحفظ القرآن يعلم أن هناك مشكلة في هذا الطرح. هؤلاء يتعاملون مع الناس على أساس أنهم هم من يحتكرون فهم القرآن والسنة، وأننا يجب أن نفهم الدين من خلالهم. لا، أنا أذهب مباشرة إلى القرآن والسنة. في القرآن الكريم، يقول الله سبحانه وتعالى: **﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ۝ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾** [الشعراء: 151-152]. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية". وفي حديث آخر: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه". هذا التأويل يُستخدم لتبرير عدم التغيير باليد، لكنه لا ينفي المبدأ.

للأسف، الناس ابتعدت عن التراث الإسلامي، فظن أمثال الشيخ محمود وبعض السلفيين أنهم يستطيعون احتكاره. لكن هذا التراث ملكنا جميعًا. هناك دراسات مهمة جدًا، مثل دراسة الدكتور أحمد عامر عن "سيد الشريعة في مقاومة الحكومات الجائرة في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية"، وكتب الدكتور محمد يوسف موسى عن "نظام الحكم في الإسلام"، والدكتور عبد الحميد متولي عن "مبادئ نظام الحكم في الإسلام"، والدكتور محمد ضياء الدين الريس عن "النظرات السياسية الإسلامية". هذا فقه وعلم كبير، أكبر بكثير مما يظن البعض أنهم يستطيعون الخروج بقولهم إن القرآن "حمّال أوجه". هذه الآية صريحة: **﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾**، وهي لا تقبل التأويل. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: "إذا رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه". وفي حديث آخر: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر". وفي حديث صحيح آخر: "أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله".

هناك عشرات الآيات والأحاديث التي تدعم هذا الموقف. ومع ذلك، يأتي شخص لأنه يرتدي عمامة بيضاء فيقول إن هذا ليس موجودًا! أنا أتحدث عن الشيخ محمود وعن عشرات الآراء السلفية. بدأت كلامي بإعلان احترامي له، لكنني أقول إنه على مدى عقود، غاب تعليم أساسيات الدين الحنيف، مما جعل الناس بلا حصانة دينية ضد الشطط. أنا رجل سينمائي، لكنني أحب ديني وقرآني وسنة نبينا. لا أحتاج إلى وسطاء بيني وبين القرآن والتراث الإسلامي. المشكلة أننا تركنا أناسًا يصبحون وسطاء بيننا وبين هذا التراث.

التراث الإسلامي مليء بفكرة مقاومة الظلم، سواء في القرآن أو السنة أو أفعال الخلفاء الراشدين. سيدنا أبو بكر الصديق قال للمسلمين في أول خطبة له: "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم". وسيدنا عمر قال: "من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقوّمه". هذه فكرة مقاومة الظلم موجودة في تراثنا. لا أحد يستطيع ترويعنا بفكرة أن القرآن أو التراث الإسلامي يدعو إلى غير العدل والتسامح وحرية الدين والعقيدة. الدولة، وفقًا للدستور، تقول إن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. لكن المؤسسات، مثل دار الإفتاء، هي المسؤولة عن تفسير ذلك. الناس التي خرجت بالملايين وضحت بدمائها في ميادين مصر، فعلت ذلك في وقت كان البعض يترددون فيه، متمسكين بفكر متخلف عن عدم الخروج على الحاكم الظالم والفاسد. لو ظننتم أن الديمقراطية هي حكم الأغلبية على الأقلية، فسنخرج مرة أخرى إلى الشوارع للدفاع عن حريتنا. الدين ليس ملكًا لكم، بل هو ملك كل المصريين، مسلمين ومسيحيين.

في ميدان التحرير، رأيت سلفيين في غاية الروعة والجمال. وقف شاب منهم في قلب الميدان، وأمسك الميكروفون وقال: "أعتذر لأخواتي السافرات، لأنني كنت أتهمهن بالخروج على الإسلام. أدركت أننا مخطئون، لأننا نحكم على الناس بالمظهر". هذا هو الفكر السلفي المعتدل. نحن نطالب بأن يحكم القانون. نحن ضد احتجاز أي شخص، مثل كاميليا أو غيرها، كما قال الدكتور عماد والأستاذ وائل. الحكم للدولة والقانون، ونقف ضد أي شخص يتجاوز سلطة القانون. لكن أن يأتي أحدهم ويقول للناس آية أو حديثًا ويفرض تأويله، فهذا غير مقبول. القرآن، كما قال الإمام علي، "حمّال أوجه"، لكن هناك فقه عظيم، مثل فقه الإمام المواردي في "الأحكام السلطانية"، وابن حزم وغيرهم، يوضح كيف تجنب الشريعة الإسلامية استضعاف النص مع ضرورة الواقع. هذا تراث أبدع فيه المسلمون عبر قرون. هناك أصول فقهية، لو اتبعها الجميع، لما وصلنا إلى هذه النقطة.

أنا لست خريج شريعة، بل مخرج سينمائي وكاتب وصحفي، لكنني مطلع جيدًا على هذا التراث. أتحدث بنصوص القرآن والسنة، وليس بآرائي الشخصية. أقول للشيخ محمود: كما تستدل أنت بنصوص، أستطيع أنا أيضًا أن أستدل بنصوص. الحل هو العودة إلى الكتاب والسنة. أنت نفسك تختلف مع سلفيين آخرين ينتمون إلى نفس فرقتك، وتقول إنهم أخطأوا حين شاركوا في المظاهرات. إذن، الحل هو العودة إلى الكتاب والسنة، كما قال الله: **﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾** [النساء: 59]. السلفيون الذين شاركوا في المظاهرات رجعوا إلى الكتاب والسنة، وأنا وغيري نرجع إلى الكتاب والسنة. أدعوك، أستاذ محمود، إلى برنامجي لنناقش هذا الموضوع بالحجة والدليل، ونرى من منا معه الحق.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة