فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟


لا تستمد معنى حياتك من شيء واحد، بل استمد معنى حياتك من عدة أشياء. بمعنى أنني، على سبيل المثال، أستمد معنى حياتي من عملي، تجارتي، أبنائي، أسرتي. لكن يظل هناك سؤال قائم: هل وجدت أماكن في دول معينة شهدت حروبًا أو كوارث، فذهبت هذه الأمور كلها؟ ذهبت الأسرة، ذهب المال، ذهب كل شيء، وارد جدًا أن يحدث هذا. فماذا ستفعل حينها؟ 

[موسيقى]

أيمن، دائمًا ما يكون هناك شيء في الخلفية، أليس كذلك؟ لكن بالطبع، بسم الله. هذه نقطة كنت أود أن أذكرها لك. من بين المحاورين الأذكياء الذين مروا بي، أنت - والله - لست بمجاملة. أقسم بالله، أعني ذلك. تحدثت إليك وأنا مرهق، وأرسلت إليك رسالة أقول فيها إنني لا أرغب في الحديث لأن صوتي لا يزال ضعيفًا. لكن بعد دقيقة قلت سأرد عليه، وسأنهي المكالمة في دقائق معدودة. لكن والله العظيم، قضيت معك ساعة! أيمن، والله، لديه القدرة على استنباط الأسئلة. أسميه "العريكة"، فهو يعرك المسألة حتى تنتهي القصة. مستعد، قادر على استخراج المعاني. قلت لزوجتي، قالت: ماذا فعلت؟ قلت: والله لو سجلوا المكالمة وباعوها، لعرف كيف يستخرج الأشياء. أنا عرفت الأشياء، لكن الآن أنت وضعتني في تحدٍ: هل أنا أفضل منك أم أننا متساوون؟ لا، والله، كلانا له عينان في رأسه! لكنني قلت إن هذا في الخلفية، وما شاء الله، بهذه القدرة، يبدو أن هناك صياد مواهب! [ضحك]

لكن موضوعنا اليوم، لا أدري، هل هو رفاهية أم شيء فعلي يبحث عنه الناس؟ أعني المعنى، هل هو شيء حقيقي يفترض أن يبحث عنه الناس، أم أنه مجرد هبّة من الأشياء الجديدة في البحث عن الذات والبحث عن المعنى؟ هل هو حاجة حقيقية؟ إذا أردنا أن نصل إلى صلب الموضوع، فهناك سؤال هو: المعنى الكبير، المعنى الوجودي، الذي يراه الناس عادةً شيئًا طرفيًا، فلسفيًا، نظريًا. اذهب إلى أي شخص في مجلس وقُل له: هيا، لنتحدث عن معنى الحياة. انظر إلى ردة فعله التي ستأتيك! غالبًا، أزعم - وإن لم أجرِ دراسة - أتوقع أن أغلب من تسألهم هذا السؤال لن يفهموا ماذا تقصد. يعني، معنى الحياة؟ نحن نعيش، فماذا؟ لكن المعنى الجزئي للأشياء، ماذا تعني لهم؟ هذا الجميع مهتم به. خذ مثالاً: تجد شخصًا توفي أحد والديه، وعنده ساعة أو خاتم قديم، فتجد أن له قيمة عنده. نعم، ليس مستعدًا لبيعه مهما أعطيته. تسأله لماذا؟ يقول لك: له معنى، له قيمة عندي، له قصة. هذا هو الجانب المعنوي الذي يهتم به الناس ويفكرون فيه غالبًا.

لكن، لو تحدثنا بشكل عام، المعنى في مقابل المادة، لأن بالضد تتميز الأشياء. كل شيء له جزءان: جزء معنوي وجزء مادي. الذي يستحوذ دائمًا على الاهتمام هو الجزء المادي. نقصد به، على سبيل المثال، كوب القهوة: له جزء مادي هو الكوب نفسه، وجزء معنوي هو ما يتحدثون عنه دائمًا من مزاج، سعادة، روقان. هذا هو الجزء المعنوي. الكتاب له جزء مادي وجزء معنوي، السيارات لها جزء مادي وجزء معنوي. كم نسبة الناس المهتمين بالجزء المعنوي للسيارة مقارنة بمن يهتمون بالجزء المادي، شكلها، حجمها، سعرها، ماركتها، وما إلى ذلك؟ قلة من يهتمون بمعنى السيارة، يقولون: المهم أن توصلني، تجيبني، توديني، أشعر فيها بالراحة. لكن في الأصل، الذي يستحوذ على الاهتمام هو الجزء المادي، لسببين: الأول هو طغيان المادية في هذه الحياة، والثاني - وهو الأبرز - أننا كائنات مولعة بكل ما تدركه حواسنا، فنعلق به. السيارات سهل إدراكها، الملابس سهل إدراكها بحاستك، سهل أن تراها، سهل أن تلمسها. لكن ليس سهلاً أن تستغرق في تأملها، في تأمل وظيفتها، في تأمل معناها. هذا يتطلب جهدًا فكريًا، جهدًا ذهنيًا. فتجد أنني، وأنا أمشي مثلاً، أراقب سلوك الناس: كم نسبة الناس الذين يتفرجون على الناس، حركاتهم، أشكالهم، ألوانهم، من أين هؤلاء، ماذا يفعلون، ماذا يقولون؟ هذا هو الجزء الظاهري منهم، مقابل الناس الذين يفكرون في سلوكهم، يتأملون في كلماتهم، يتأملون في الأبعاد التي وراءهم. لذلك، الجانب المادي دائمًا يلفتنا لكونه ظاهرًا وسهل أن تطاله الحواس، بينما الجانب المعنوي مخفي. أيهما أهم؟ هذا قد نناقشه لاحقًا. لكن هل تقول إن اهتمام الناس بالمادية على حساب المعنوية هو طبيعة الإنسان، أم أنه خلل في تركيبتنا اليوم؟ الجزء المعنوي يحتاج إلى طاقة، إلى تأمل. ليس من السهل أن تتأمل، أو أن تنظر إلى شيء ما، أو تمشي في الشارع بكل بساطة. سأحاول، قدر المستطاع، أن أتحدث بلغة عادية دون الحاجة إلى تعريفات أو لغة علمية. أنت تمشي في الشارع، الوظيفة السهلة هي أن تستخدم حواسك: ترى، تسمع. لكن الوظيفة الأصعب هي الأمور العقلية: التأمل، التحليل، التفكيك، التركيب. هذه تحتاج إلى جهد ذهني. الإنسان في وضعه الطبيعي يميل إلى ألا يلجأ إلى الوظائف العقلية. نعم، في الأصل هو مادي. لكن عندما نتحدث من ناحية فلسفية، هذا شيء آخر. أنا أتحدث عن حياتي الطبيعية: هل الأصل فيني أن أتأمل وأحلل وأفكك؟ لا، بل ألاحظ الأشياء كما هي، ظواهرها، علاقاتها.

خذ مثلاً الأحاديث في المجالس، هناك مستويات يسمونها مستويات الفهم. المستوى الأول، أو ما يسمى المستوى الصفري، ماذا يتحدث عنه؟ يصف الظاهرة كما هي، بمعنى أنه يجيب على سؤال: ماذا يحدث؟ فتجد الناس دائمًا، وفق تحليل صاحب هذا النموذج - نسيت اسمه - يجيبون على سؤال: ما الذي يحدث؟ الأحاديث العامة: أين ذهبت؟ أين جئت؟ ماذا رأيت؟ وجدت زحامًا أم لم تجد؟ وهكذا. هذه هي الأحاديث الظاهرة، الأشياء التي يدركها العقل، الجانب الظاهر المادي. عندما تسأل شخصًا، يقول لك: والله وجدت زحامًا عند المطعم، ولم آتِ. هذه هي الملاحظات الظاهرة. تقول مثلاً: في ظنكم، لماذا يسهل على الناس أن ينساقوا إلى أشياء كهذه؟ قد يجيبونك بإجابة أو اثنتين، ثم ينتقلون إلى وصف شيء آخر. أعمال الذهن ليست سهلة. التفكير متعب، ولذلك نحن كبشر لسنا دائمًا مولعين بإصدار الأحكام. ألا تلاحظ، مثلاً، في تويتر، الواحد يقرأ هاشتاغ، وفورًا يكتب رأيه؟ لماذا يكتب رأيه مباشرة؟ ولماذا، مثلاً، لو جاءت سيرة أحد في مجلس، قصة سياسية، قصة ثقافية، قصة دينية، الكل يحكم بسرعة؟ إصدار الحكم، ما دمت لم تصدر حكمًا، فإن عقلك لا يزال يبحث عن إجابة. وبالحكم، تقفل الموضوع، فترتاح. لذلك، عندما تسألني: ما رأيك في فلان؟ أمامي خياران: إما أن أتبع فلانًا، أقرأ له، أرى أشياء عنه، وأتعب، أو أن أنظر إليه ظاهرًا وأعطيك حكمًا وأرتاح. فنلجأ إلى هذا الشيء. لذلك، الوظائف العقلية ليست سهلة، ممارسة الحكم والتحليل ليست سهلة. لذا، وصف الله عز وجل الإنسان بأنه ظلوم، وهي صيغة مبالغة. عندما أجلس في مجلس وأحكم على فلان وفلان، والمثقف الفلاني "ما عنده سالفة"، والرجل "ما عنده"، وفلان "كذا"، أحكام نراها عادية، لكنها في الحقيقة قد تكون بعيدة عن الصواب، قد تكون فيها ظلم وجور. إذا لم أقاوم هذه الرغبة، فهذا هو الوضع الطبيعي للإنسان، يلجأ إلى هذه الأشياء التي تريحه، منها الأحكام السريعة، الأحكام الجائرة، الأحكام الظالمة. قد تكون ظالمة، ليس لأنه مولع بالظلم، بل لأنه يحب أن يستعجل. لذلك، الوضع الذي يزيل هذا الوضع الطبيعي هو أن تسيطر على نفسك. من هنا جاء مفهوم أنك إذا غفلت عن ذاتك، تنسى نفسك، ترى نفسك تنطلق في هذه الأشياء.

الذي جاء بهذا الحديث هو أن الوظائف العقلية ليست سهلة. الأصل في الإنسان أن يلجأ إلى الحكم السريع القائم على الحواس: أرى شيئًا، أحكم؛ أسمع شيئًا، أحكم، بعيدًا عن التأمل، بعيدًا عن التفكير. ولنغلق هذا الاستطراد الصغير: حكم الناس على الأشياء أو نظرتهم إليها بظاهرها هو أمر طبيعي، ليس مجرد سلوك مادي سطحي حديث، يعني ليس مقتصرًا على عصرنا الحالي. هذا هو الوضع الطبيعي الذي ينبغي للإنسان أن يتسامى عليه. لكن هل هو تطرف؟ لا، لكن الإنسان، مثلاً، فيه غرائز. هل وجود الغرائز يعني أنه يطلق لها العنان؟ لا، بل يحتاج إلى السيطرة عليها، وإلا تحول عن إنسانيته إلى شيء آخر. فكون الشيء أودع فيك لا يعني مبررًا لممارسته بطريقة غير محسوبة، غير مدروسة. ومن ضمنها هذه الجزئية.

فكرة البحث عن المعنى، هل هي فكرة في عصرنا هذا، أم أنها على مر التاريخ؟ هل الإنسان يبحث عن معنى وهو حاضر في ذهنه، أم ينبغي أن يبحث عن معنى فيشعر بالخواء ويقول: لا أعرف لماذا أنا موجود؟ أعطيك مثالاً دائمًا أقوله، يوضح ويبسط الفكرة: كيف أن الإنسان دائمًا مولع بالمعنى؟ قبل المثال، هناك مثال بسيط: لو كنت طالبًا في المدرسة واستدعاك أحد المدرسين، وضعك في غرفة وأغلق عليك الباب. هل تستطيع التعايش مع هذا الوضع؟ حصة، حصتان، ثلاث، أربع؟ لا تستطيع. سؤال المعنى سيبدأ يقلقك: ماذا؟ تبدأ تراجع تاريخك: طيب، أنا... تراجع التاريخ لتعرف المنشأ، تفكر في حالك الآن، ثم تفكر: ماذا سيحدث لي؟ انظر إلى هذه البساطة، هذه هي الأسئلة الوجودية. [ضحك]

هذه، ببساطة، الأسئلة الوجودية. المثال الذي كنت أقوله مرة، سجلته: لو فجأة استيقظت في جزيرة، هل خُطفت؟ هل أنت تحلم؟ لا يهم. فجأة استيقظت في جزيرة من الجزر، ووجدت ناسًا يمارسون حياتهم، ناس يذهبون ويجيئون، وأنت تنظر، تريد أن تكلم أحدًا، تريد أن تعرف شيئًا، لكنك لا تعرف شيئًا. فبدأت تتعايش، تبحث عن الأساسيات في حياتك التي تبقيك حيًا: من أين تأكل؟ من أين تشرب؟ من أين تأتي بالأشياء الأساسية؟ عندما أمنتها، بدأت تريد أن تفهم سلوك هذه القرية أو هذه الجزيرة. وجدت أن هناك ناسًا يدخلون إلى قلعة معينة، إذا دخلوها لم يخرجوا منها. هل ينفع في تلك اللحظة أن يأتي أحد ويقول لي: تعايش مع الجزيرة، وابحث عن شغفك، وطور ذاتك؟ أنا أريد أن أعرف: أين أنا؟ وهؤلاء الذين يدخلون القلعة ولا يخرجون، أريد أن أعرف، يومًا ما سأدخل، إلى أين سأذهب؟ من هنا نعرف أن سؤال المعنى ليس سؤالاً ترفيًا، ليس سؤالاً يسأله من يريد ويتركه من لا يريد. لماذا؟ لأنني قد أفعل شيئًا في هذه الجزيرة ينافي قوانينها، فيجعل نهايتي مأساوية. فأنا بحاجة إلى معرفة غايتها، الهدف الذي وجدت من أجله. هذه القلعة، باختصار، هي وجودك في الحياة وعيشك فيها. أنت محتاج إلى تلبية الأشياء التي تجعلك تعيش إنسانًا صالحًا، إنسانًا طيبًا. ثم هذه القلعة هي ختام هذه الحياة، أن تنتقل إلى دارها.

[موسيقى]

فكرنا في هذا، قلنا: كيف نطرح النسخة الثانية؟ قلنا: لماذا لا يكون بودكاستًا ثابتًا طوال السنة؟ يا سلام! وبما أنني طالب شعر، لماذا لا أذهب إلى الضيف في مكانه الذي يرتاح فيه؟ لكن لا تكثر من الترحيب وقِلة الأدب، ليكون الضيف في أتم راحته في الحديث. قلنا: ليس شرطًا أن يكون شاعرًا، لكن له علاقة بالشعر: محب للشعر، راوي للشعر، ناقد للشعر. تابع بودكاست "ذا قال" بالصوت والصورة على تطبيق راديو ثمانية. عندما أسأل عن المعنى، المعنى لصيق بالإنسان. اذهب إلى أي طفل، العب معه لعبة، قل: تعال، سنركض هنا في هذه المنطقة، ثم نذهب هناك. سيبدأ بصيغة أو بأخرى يسألك: طيب، وبعدين؟ يعني، ما الهدف من هذا؟ هذا هو الولع بالمعنى. الطفل، عندما تشتري له لعبة، تجده يقلبها، يريد أن يفهم معناها. فلا، سؤال المعنى أودعه الله في الإنسان، وهو دائم البحث عن المعنى منذ منشأ البشرية، منذ قصة نبي الله آدم عليه السلام. سؤال المعنى كان موجودًا في عهد آدم عليه السلام عندما نزل إلى الأرض، واستخلفه الله وأعطاه الرسالة الأساسية لوجوده في الأرض: "فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري..." بمعنى، هذه هي الهدف العام، ستصلون إليه بطرق مختلفة، بأنبياء مختلفين، برسالات مختلفة. هذا هو المعنى الأساسي لوجودكم. ثم الجواب على السؤال النهائي: من هنا منشؤكم، رسالتكم في الحياة، وهذه عودتكم بهذه الطريقة. فبالتالي، كون هذا الشيء موجودًا منذ تاريخ البشرية، من أصل وجودها، فهو شيء فطري، لا يولد إنسان به وآخر بدونه.

هل نحن اليوم نعيش أزمة معنى؟ نعم، أنت تتحدث على مستوى مجتمع عربي إسلامي، عالمي، موجود. أزمة المعنى هذه موجودة. لنقل إنها المادي مقابل المعنوي. بمعنى، هناك شيء في علم النفس يسمى "خواء المعنى"، فقدان المعنى. مصطلح "فقدان المعنى". هم كانوا يتحدثون هنا عن المعنى الوجودي، الأسئلة الوجودية الكبرى: من أنا؟ من أين وجدت؟ إلى أين أذهب؟ الأسئلة التي قد يسألها صاحبنا في الجزيرة. لاحظ، أعود إلى مثال الجزيرة: الإنسان الذي لم يجد إجابات لمعنى الجزيرة، ولا ماذا تمثل هذه القلعة، ولا وجد لها جوابًا، منطقيًا، هل يمكن أن يعيش براحة واطمئنان؟ مستحيل. الموضوع مقلق. حتى لو قرأت لفلاسفة تحدثوا عن هذه القلعة وما بعدها، يظلون فلاسفة. ماذا يدريهم؟ ربما بعد هذه القلعة عذاب، بلاء. أسأل الفيلسوف: هل جربت؟ يقول: لا. طيب، كيف عرفت؟ يقول: تأملت. غياب إجابات هذه الأسئلة يسبب قلقًا. على مستوى الأسئلة الكبرى، هذا القلق يخف عندما تجد إجابات. وكلما ازداد اليقين، قلّ هذا القلق. يأتي ملحد ويقول: أنتم تواسون أنفسكم بهذه الإجابات. لا يهم، إذا تحدثنا على نطاق علمي، هذه الأسئلة مطمئنة. الناس الموقنون بها، ماذا سيحدث بعد ذلك؟ أنت تشكك فيه، وأنا موقن به. كل واحد وما يراه، لكن أنا مطمئن، هل أنت مطمئن؟ هذا شيء راجع لك. لكن هذه الأسئلة، لأنه قد يشكك ويقول إنها تطمينية. كما قال برتراند راسل، لاحظ أن نسبة التدين تزداد في الشعوب المنكوبة التي تتعرض لحرب أو ما شابه. هذه الظاهرة، هو - كونه لا ديني - فسرها بأن الدين خدعة، يواسيهم. فهم يريدون أي شيء يتعلقون به. هذا تفسيره. أنا لن أتحدث من زاوية دينية، بل من زاوية عادية: هل الدين ساهم؟ هل أشعرهم بالراحة؟ لا أنسى مرة، أرسل لي شخص إلكترونيًا، وهو لا أدري، عنده شك وما إلى ذلك. كان لديه وصية على إخوته، أحدهم أصابته مصيبة بعد وفاة أمهم. كان يقول لي: أخشى عليه، لقد بدأ يفقد إيمانه، وأنا لا أريد أن يفقد إيمانه. قلت له: لماذا؟ ربما، على العكس، إذا كنت وصلت إلى اللا أدرية ومطمئن بها، دعه يصبح مثلك. قال: لا، والله، أعرف أن الإيمان سيطمئنه، وهو بحاجة إليه في هذه اللحظة. سواء كان الإيمان صحيحًا أم لا، هو بحاجة إليه الآن، وأريد أن أجعله يحافظ على إيمانه. كيف أفعل ذلك؟ هذه الأسئلة فعلاً مطمئنة. تصديقها أو تكذيبها شيء راجع لك، هذا باب آخر، ليس موطن حديثنا الآن.

أحيانًا، النقطة التي أنطلق منها أنساها. كنت أسألك: هل نحن في أزمة معنى؟ وأنت ذهبت إلى مثال، لكن أود أن تأخذ مثال الجزيرة وتسقطه على حياتنا اليوم، على واقع الحياة. ما هو مثال الجزيرة؟ نعم، ذكرت أن السؤال: هل هذا شيء ترفي أم غير ترفي؟ إذا أردنا أن نسقط على حياتنا، فهو معرفة السؤال النهائي، سؤال المصير: إلى أين سأتجه؟ من أين أتيت؟ إلى أين سأذهب؟ من أنا؟ ما هو دوري؟ مدى اقترابي أو ابتعادي عن هذه الأسئلة وإجاباتها. أنا، كمسلم مثلاً، سؤال المصير بالنسبة لي هو أن الناس سيموتون، ثم يُبعثون ويُحاسبون. أنا، كمسلم، مقتنع بهذه القناعة. هل يفترض أن تؤثر هذه القناعة على سلوكي أم لا؟ يفترض، في علم النفس، أن كل سلوك وراءه اعتقاد. لماذا، إذن، عندي اعتقاد بسؤال المصير أو بالأسئلة الوجودية، لكن تأثيرها على سلوكي محدود؟ ما الذي يجعلني أعمل وفق هذا الاعتقاد؟ القاعدة تقول: إن السلوك وراءه اعتقاد. كلما قوي الاعتقاد، قوي السلوك. كلما ضعف الاعتقاد، ضعف السلوك. دعني أعطيك مثالاً من القرآن، سورة المطففين: ماذا يمارسون؟ يمارسون الخداع في السوق. الله عز وجل، بعد أن عرفهم: "الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون"، ماذا قال؟ "ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون؟" إذن، لو كانوا يظنون أنهم مبعوثون، لما فعلوا هذا الشيء. لاحظ أن عدم اهتزاز القناعة بالسؤال الوجودي الأساسي يضعف السلوك.

دعني أعطيك مثالاً من علم النفس الوجودي، الذي يتحدث عنه رولو ماي، أعتقد أن اسمه كذلك. في أسس علم النفس الوجودي، كان يقول إنهم أجروا تجارب محاكاة تشبه بعض سلوكيات المسلمين. من ضمنها تجربة يسميها "تجربة إدراك الموت". يأخذ أشخاصًا كارهين للحياة، يضعهم في قبر، يجري لهم مراسم تأبين، يشيعهم، ثم يقول لهم: لو خرجت، ماذا ستفعل؟ ما الشيء الذي تريد فعله؟ هذه تجربة طويلة، مفادها أن يخرج وهو يريد الحياة. رولو ماي يقول إن ضعف اليقين بسؤال المصير يجعل الإنسان يشعر بشعور عميق بالخلود. وتجربة الموت هي التجربة الحتمية التي لا ينكرها أحد، لا ملحد ولا مؤمن، كلنا سنموت. يقول: من أغرب الأشياء أننا جميعًا سنموت، والكل متفق على هذه الحقيقة، لكن في داخل كل واحد منا شعور بالخلود. يشعر أنه لن يموت الآن، بل سيطول. هذا الخلود هو منبع عدم تعديل الناس لسلوكياتهم. مثال: أنا ظالم للناس، لموظفين، لأبنائي. ما الذي يجعلني أعدل؟ لو كنت موقنًا أنني سأموت، لتغير كل هذا. لكنك تعتقد أنك لن تموت إلا بعد زمن. تجد، على نطاق الوعي، تسأل أي شخص، يقول: والله، لا أدري، هل سأخرج من هذه الغرفة أم لا؟ لكن على نطاق اللاوعي، هو مؤمن أنه سيخرج، سيبني عمارة، سيسافر، سيذهب ويجيء، أموره طيبة. فيقول: يتغير سلوكه دينيًا ودنيويًا. لكن كونه لم يتغير يعكس إشكالية في درجة اليقين بهذا السؤال المصيري. لذلك، يقول رولو ماي: هذا الشعور بالخلود، يجب أن نشكك فيه، نهزه. يقول: لاحظ، عندما يموت شخص قريب منك، يبدأ هذا الشعور يهتز قليلاً. تقول: والله، جاء هنا، ربما غدًا يأتي هنا. صار الموضوع قريبًا. تجد أن الناس الذين يموت لهم شخص قريب، يبدأ هذا الشعور يهتز، يسبب لهم قلقًا، لأن هذه قناعة راسخة عندهم أنهم سيظلون أحياء. فكون أحدهم مات يعني أن الموضوع قد يكون قريبًا، ليس بعيدًا. لكنه يقول: سرعان ما نتجاهل هذا الشعور، نعود إلى الحياة، نصارع، نرجع إلى الأشياء الميكانيكية التقليدية، بحيث نطمئن إلى وضع الخلود. لا أريد أحدًا يهزني، ينبهني، دعني مرتاحًا. لذلك، لا نحب الأحاديث التي تضيق الصدور، مثل: مات فلان، الموت، وما إلى ذلك. هذا السؤال مزعج. لكن رولو ماي، في تجربتهم، ماذا كان يفعل؟ كان يسميها تجربة الموت أو شيء من هذا القبيل. يقول: هدفي منها أن تعرف قيمة الحياة، لا أن أجعلك تيأس. وبالمناسبة، لأن فيكتور فرانكل، مؤسس نظرية المعنى، تحدث عن قلق الموت. يقول: نحن نريد تأسيس نظرية معنى الحياة أو العلاج بالمعنى، لكن أحد الأشياء التي تهددها هو قلق الموت. أريد أن أصنع معنى للحياة، لكن هناك موت، فما الحل؟ يقول: يجب أن أعالجه، أتعامل مع الموت. لذلك، في فلسفتنا الإسلامية، الموت هو باعث للحياة. كيف؟ عندما أستشعر أن هذه الحياة ستنتهي، هل يفترض أن يؤدي بي ذلك إلى اليأس من الحياة، أم أن يجعلني أعيش حياة صحيحة؟ الثاني. يفترض أن يجعلني أعيش حياة صحيحة. إذا كان الموت باعثًا للحياة، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "زوروا القبور، فإنها تذكركم بالآخرة"، الهدف ليس، كما يعتقد البعض، أن تنكد علينا. لا، الهدف أنه إذا كنت تملك أشياء يفترض أن تحسنها في الدنيا، أصلحها، اجعلها أجمل، أفضل. الموت يذكرك أن هذه الحياة محدودة، يفترض أن تخرجها بأفضل إخراج ممكن. فالموت لا يجعلني أنعزل في صومعة أو أعتزل، بل هو حافز. لكن عندما يغيب عني ذكر الموت، أعود إلى الحياة: سأرد حقوق الناس لاحقًا، سأحسن لاحقًا، سأقدم رسالتي التي أريد تركها بعدي لاحقًا. ويأتيك الموت وأنت لم تفعل شيئًا.

جديد على الرياض، الحمد لله على السلامة! في أول يوم لك في الرياض، ستتعلم أشياء كثيرة منها وعنها. ستكتشف أن الرياض مدينة الخيارات، وأكبر مصدر للمواقف. قد يضيع يومك وأنت تبحث عن موقف، أو يمكنك أن تكون صاحب موقف: تسكن قريبًا من كل شيء، أو يصبح كل شيء قريبًا منك. تقدر تعيش في دارك، أو تتعرف على جارك. تقدر تسكن في مكان عادي، أو تسكن في سفير، مجتمع يلبي احتياجاتك ويتجاوز توقعاتك.

تجربة الموت التي سميتها، نسيت اسمها، لكن ما كان الهدف منها؟ هو يريد تذكير الناس، لكن كيف يطبقها على حياة الناس خارج نطاق التجربة؟ كان الهدف للناس الذين يأتون إليه بمشاكل في حياتهم، بين اكتئاب ويأس من الحياة أو فقدان لمعناها. عندما يجري هذه التجربة، يجد أن الإنسان له رغبة في الحياة. فيكتور فرانكل، عندما كان يأتيه مريض مكتئب جدًا، كان يقول: كنت أسأله أول سؤال: لماذا لم تنتحر؟ هو طبيب، لكنه يسأل: أنت مكتئب من الحياة، لماذا لم تنتحر؟ الهدف من هذا السؤال هو اكتشاف المعنى الذي أبقاه حيًا. يقول: أستخدم هذه النقطة كنقطة انطلاق لعلاج هذا المريض. لأنه، ما دام لم ينتحر ووصل إلى العيادة، فهناك شيء يعيش من أجله. دوري كمعالج هو اكتشاف ما هو هذا الشيء. فتجربة الموت كانت إحدى أهدافها إدراك قيمة الذات. أحيانًا، يصل الإنسان إلى مرحلة يؤدي بها قلق المعنى إلى الشعور بأن حياته ليس لها معنى، أنا لست لي معنى. أستغرب من شيء: في يوم القيامة، الله عز وجل يعكس بصورة معينة قيمة تعلق الإنسان بذاته وتقدير ذاته. طالما ترى أن ذاتك ليس لها معنى، وحياتك ليس لها معنى، وأنت لست لك معنى، فهذا يجعل بعض الناس يتخذون خطوة طويلة نحو الانتحار، أو يهمشون أنفسهم، لا يعطون أنفسهم قيمتها، دائمًا يرخصون أنفسهم. لأنهم يرون أنفسهم لا قيمة لها. يوم القيامة، ماذا يقول الله؟ يقول: "يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه، وصاحبته، وأخيه، وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعًا". نفسك تساوي العالم بمن فيه، بأقاربك، بأهلك. إذن، لك قيمة. أنت لا ترى أنك ذو قيمة في الدنيا، لكن هناك، لا زيف، الجميع يقول الحقيقة. فإذا كنت خاسرًا يوم القيامة، فأنت ستفتدي بالعالم ومن فيه، بدءًا بالمقربين، من أجل أن تفتدي. ذاتك فعلاً لها قيمة عندك. شعورك بعدم قيمة نفسك هو شيء طارئ، ليس هو الأصل. لكن ما الذي يجعل الإنسان يشعر بهذا الشعور؟ فقدان المعنى. فقدان المعنى هو السبب الرئيسي.

أتمنى ألا يزعلوا الأطباء النفسيون، يقولون: أنت تتكلم في تخصصنا! لكن هذه نفس بشرية، يجب أن نقرأ فيها جميعًا. أنا تخصصي تربوي. بدأت مدارس علم النفس مع فرويد، الذي كان يرى أن اللذة هي مصدر كل شيء، وأصل كل شيء، ودافع الإنسان هو اللذة. الاضطرابات النفسية تنشأ عن فقدان اللذة، عن الكبت، وهكذا نظريته. لكن الجوهر هو اللذة. جاءت بعده مدرسة أدلر، التي ترى أن شعورك بالعجز هو الذي يؤدي إلى الاضطراب، وسعيك إلى امتلاك القوة هو صلب النظرية. ثم جاء فرانكل، وأنا منتصر لمدرسته وأحبها كثيرًا. عندي بحث نقدي للنظرية، وما زلت أحبها، لأنها، في وجهة نظري، أعطت الإنسان قيمته الحقيقية. يقول: المعنى هو السبب. هناك اللذة، هناك القوة، ثم مدرسة فرانكل: فقدان المعنى هو سبب الاضطرابات، وسعي الإنسان إلى المعنى هو الذي يدفع للحياة. فجوابًا على سؤالك: قد يأتي فرويدي ويقول: لا، فقدان اللذة والكبت الجنسي يفسر بهذا التفسير. لكن فرويد نفسه يقول: أنا في القاعدة الأساسية للإنسان، تركت الأشياء العليا، القيم والأشياء العقلية، ليس لي دخل بها. لكنه فعليًا دخل فيها، لكنه يعترف أنه في القاعدة الأساسية. وقد يأتي أدلري ويقول: لا، فقدان القوة، الشعور بالعجز، هو الذي يؤدي إلى الاضطراب. لكن فقدان المعنى، وهي المدرسة الثالثة، في وجهة نظري ووجهة نظر الدراسات المتخصصة، هي السبب الرئيسي لأشياء كثيرة جدًا. عندما أفقد معنى الشيء، أفقد قيمته. لماذا؟ المعنى هو لب الشيء، جوهره، غايته، هدفه. عندما يفقد المعنى، ينزع المعنى من هذا الشيء. أنت جئت من أجل معنى، ففقدت هذا المعنى، فلم يعد لهذا الشيء قيمة. الأسرة، يفترض أن من معانيها السكينة والطمأنينة والأمان. إذا لم يوجد في هذه الأسرة سكينة ولا طمأنينة ولا أمان، فإن صلب الأسرة، جوهرها، عمودها الفقري، غير موجود. تقول لي: هناك متعة مادية، عندهم سيارات، لكن لا أسرة. طالما لا توجد هذه المبادئ الأساسية، فهذه الأسرة مفقودة. لذلك، عندما نفقد لب الشيء أو جوهره أو زبدته، نفقده. يبقى فقط هيكل مادي ليس له قيمة. وطبيعة المادي أنه يضمحل بالتدريج. كيف؟ قيمته ووهجه يضمحلان. اشترِ سيارة جديدة، لنقل إن راتبك لا يتجاوز 7000 ريال، وفجأة، بطريقة أو بأخرى، وُهبت لك أفخم سيارة، سيارة أحلامك، شيء لا تسعى إليه لأنك تشعر أنه صعب أو مستحيل. فجأة وُهبت لك. أتحدى إنسانًا على وجه الأرض يبقى فرحه بهذه السيارة متصاعدًا. مستحيل. أنت، من إنسان تحت المتوسط، أو حتى فقير، تركت سيارة بملايين، منطقيًا، ستشعر أنك إذا امتلكتها ستكون أسعد إنسان. لا، السعادة ستبقى متناقصة. يقول لك: في البداية، هي كل شيء، ثم شيء من أشياء، ثم لا شيء. هل هذا يعني تزهيدًا في الأشياء المادية؟ لا، نحن نحتاج إلى الأشياء المادية، إلى الأشياء التي تكمل حياتنا، تقيم صلب حياتنا. نأكل، نشرب، نمتلك الأشياء التي نريدها، توفر لنا احتياجاتنا، تعيشنا حياة كريمة. هذا ليس تزهيدًا. لكن الوعي بتقديمها: هل هي قبل المعنى؟ هل هي أهم من المعنى؟ لا. أقول لك الآن: إذا فقدت المعنى، فهي مع الوقت ستموت، تنطفئ، تنتهي.

معلش، سؤال بسيط: ماذا تقصد عندما يكون للإنسان معنى؟ بصدق، ما هو المعنى الذي يبحث عنه، الذي قد يجعل حياته سعيدة ومرتاحًا فيها؟ قد يقول أحدهم: لا أدري. هذه مسألة أخرى، قد ندخلها لاحقًا. لكن عادةً، عندما يُطرح هذا السؤال في المجالس أو حتى مع الأصدقاء، خصوصًا ونحن نتحدث كسعوديين، كمسلمين، فإن معنى وجود الإنسان هو عبادة الله. لكن لا أريد الدخول في هذا. تفضل. هناك معنى وجودي كلي، الذي ذكرته، ممتاز. ما معنى الحياة بالنسبة لك؟ استاذ فلسفة في جامعة، نسيت اسم الجامعة، ربما في هيوستن أو شيء من هذا القبيل، كتب مقالاً يقول: عندما يسألني الناس، نحن كفلاسفة، هل وجدتم معنى للحياة؟ أجيبهم: طبعًا، لكن إذا أخبرناكم، لن يبقى لنا لقمة عيش! يقولها بسخرية. يقول: الحقيقة أن هذا السؤال صعب، والفلاسفة احتاروا فيه. لذلك يقول: وصلنا من معنى الحياة إلى حياة ذات معنى. بمعنى، كل واحد يبحث عن معنى لحياته ويعيش من أجله، ويفكونا من سؤال: ما معنى الحياة؟ وإلى أين سنذهب؟ خلاص، ابحث عن شيء يصبح معنى حياتك وعش من أجله. وصلى الله وبارك. هذا الشيء، عندنا، كمسلمين، صحيح في جزئية أنه لا بأس أن توجد لحياتك معنى في أشيائك الجزئية. بمعنى، أنا أستمد معنى حياتي، أو من الأشياء التي تضيف لحياتي معنى، دراستي، عملي، رسالتي التي أقدمها، تجارتي، أبنائي، أسرتي، أصدقائي. أستمد منهم، يعطون معاني جميلة في الحياة، أشعر أنهم مثل الأشياء الجميلة التي تحيط بحياتي. يمكن أن تقول هكذا، لا إشكالية في ذلك. لكن في ظل فقدان المعنى الأساسي، هنا سندخل في مشكلة كبيرة. فهل هي متعارضة؟ إما أن توجد معنى كليًا، أو معاني جزئية؟ لا، ليست متعارضة. ممتاز. عدم التعارض هنا، أحيانًا يجعلونها متعارضة. التعارض ليس موجودًا. هنا يجب أن نأتي بمثال. فرانكل يقول: كونها أفضل نظرية تناولت هذا الكلام، يقول إن فقدان المعنى يسبب لنا اضطرابًا نفسيًا، أزمة، وما إلى ذلك. إذن، يجب أن يكون للإنسان معنى لحياته. طيب، ما الحل؟ يقول: الحل أن كل واحد يوجد لحياته معنى. لكن إذا فقد هذا المعنى، ماذا يحدث؟ صارت حياته بلا معنى. فما الحل؟ قال: أوجدت شيئًا اسمه المعنى الهرمي. بمعنى، لا تستمد معنى حياتك من شيء واحد، بل من عدة أشياء. فإذا سقط هذا، أو حدثت له مشكلة، هذا موجود، هذا موجود، هذا موجود. مجملها تعطي حياتك معنى. طيب، ممتاز، هذا شيء جميل. لكن يظل هناك سؤال قائم: هل وجدت أماكن في دول معينة شهدت حربًا أو كارثة، فذهبت هذه الأشياء كلها؟ ذهبت الأسرة، ذهب المال، وارد جدًا. فماذا ستفعل حينها؟ إذا تركت السؤال الأساسي، معنى الحياة، وبدأت توجد معاني جزئية، ثم قلت: لكي لا يفقدوا المعنى، كثر لهم المعاني، حتى إذا ذهب هذا بقي ذاك. طيب، وارد أن تأتي كارثة طبيعية، حرب - لا سمح الله - حدثت في دول، ليست شيئًا خياليًا. ثم ماذا سيحدث؟ الذي سيحدث، بناءً على هذا، أن الناس ستفقد معنى حياتهم. لكن عندما يكون معنى الحياة متعاليًا عن الحياة، مستمدًا من خارج الحياة، هنا لا تستطيع أن تسلب هذا المعنى الذي وجدت من أجله. لذلك، أقول لك: عندما يوجد معنى نهائي لحياتك، تستطيع أن تجير المعاني الجزئية، تربطها بالمعنى النهائي، فيصبح هو بمثابة البوصلة الموجهة لحياتك. لا يوجد تعارض، لكن غياب السؤال الرئيسي، أي معنى الحياة الأساسي، يعرضك لفقدان هذه المعاني الجزئية، وبالتالي تفقد معنى حياتك. وهذا سيؤثر على نفسيتك، شخصيتك، حياتك. غياب المعنى الكلي والجزئي لا يعني أن الكلي يغني عن الجزئي، ولا أن المعنى الكلي ينعكس تلقائيًا على المعاني الجزئية. بمعنى، أنا عندي معنى كلي لهذه الحياة: أن الحياة وجدت من أجل أن تعيشها بشكل سليم، تعبد الله، تعود بالطريق الصحيح. عندك خارطة طريق العودة، وهي القرآن، فيها خطة العودة إلى موطنك الأصلي، وعندك ضوابط معينة تحقق هذه الرسالة. هذا بحد ذاته هو معنى. عندما أكون إنسانًا صالحًا كزوج، كصديق، كجار، كأب، كابن، أنا أستمد من هذه الأشياء معاني، أنني أساهم في الهدف الأساسي الذي وجدت من أجله. هذا الشيء واضح في ذهني، فبالتالي، وجود المعنى الأساسي سينسحب تلقائيًا على الأشياء الأخرى، لأنني أعدلها وأجيرها من أجل أن تصب في الهدف الأساسي الذي وجدت من أجله. في وجهة نظري، وجود الأول سيأتي بالثاني، لكن العكس ليس صحيحًا.

عندما نقول، معلش، لا أدري، إذا أجبنا عليه بطريقة عامة، لكن أود أن أأخذها بفهم مباشر. الآن، معنى الحياة، هل نتحدث عن الأشياء الجزئية؟ ماذا يعني بالضبط أن يكون للإنسان معنى؟ بطبيعته، ما هي إشكالية المعنى؟ أنت لا تقصد المعنى الأساسي، بل المعاني الجزئية. المعاني الجزئية هي أنك دائمًا تنجذب إلى الجزء المعنوي في الشيء، وليس الجزء المادي فقط. دعني أعطيك مثالاً: تأتي تتحدث مع شخص عن الصداقة. الإنسان بطبيعته محتاج إلى الصداقة، لأن في تعريف الإنسان أنه كائن اجتماعي بطبعه، لم يخلق ليكون منعزلًا. عندما تسأل أحدهم: ماذا تعني لك الصداقة؟ تجد أن لديه مفهومًا سطحيًا ضيقًا للصداقة، وآخر لديه بعد كبير، بعد معنوي. تتحدث: ماذا تعني له الصداقة؟ الإنسان صاحب البعد المعنوي المتعمق فيه، تجد أن صداقته لها شكل آخر، لها عمق، لها رسالة. تجده يعيش الصداقة بأفضل حالاتها التي يمكن أن تُعاش. لماذا؟ نظرًا للبعد الذي يراه منها، بخلاف من يرى الصداقة شيئًا قريبًا من المادي. وبالمناسبة، حتى القيم المعنوية التي يفترض أن لا يكون فيها جزء مادي، مثل الصداقة، مثل الوالدية، يفترض أن جزءها المادي بسيط جدًا، حتى هذه غلب عليها الجزء المادي. فتجد الصداقة، يقول أحدهم بطرق مختلفة، لكن مفادها: ينفعني وأنفعه، يفزع لي وأفزع له، يعطيني وأعطيه، أخذ ورد، تبادل تجاري. تجد مثل هؤلاء، عند أدنى مشكلة، يفترقون، حتى لو كانوا معًا لسنين. السبب هو ضيق جانب المعنى عنده. فجوابًا على سؤالك: من هو الإنسان صاحب المعنى، الذي يعيش المعنى؟ هو الإنسان الذي تتشبع حياته بالجزء المعنوي في الأشياء من حوله، تأملًا وتفعيلًا وعيشًا. تجده، الأسرة بالنسبة له ليست شيئًا نظريًا. كون الأسرة بالنسبة له تعني السكينة والطمأنينة والسلام ورسالة يؤديها، تجده ينعكس في سلوكه، في تعامله مع أهله، والديه، أبنائه. تجد أن لديه شغلًا يريد القيام به في جانب العائلة. يأتي آخر يقول لك: أنا أجيء، أنام، آكل، وأمشي. لماذا تشغل نفسك؟ الأسرة، بالعكس، قلق، هم، ضغط. هذا الإنسان، الجزء المعنوي عنده منحسر جدًا. لذلك، الشيء الذي يفترض أن يجد فيه معنى، وهو الأسرة، لا يجد فيه معنى. وبالتالي، تجد أنه يركز على الجانب النفعي، الجانب المادي. هذا الإنسان هو "اللامعنوي". الإنسان الآخر، تجد أنه متشبع بالمعنى في جوانب حياته كلها، ينعكس هذا التشبع على سلوكه مع الأشياء، سلوكه مع الأصحاب. ليس الأمر نظريًا.

دعني أعطيك مثالًا: خذ شخصين، أحدهما محسّن أو بار بوالديه، والآخر ليس محسّنًا أو درجة إحسانه قليلة. تحدث معهما، ستجد واحدة من الفروق الجوهرية. قس عليها: شخص مولع بالتجارة، متشبع بالتجارة، يحب التجارة، وآخر لا يراها إلا ضياع وقت. تجمع فلوسًا وأنت ستموت. شخص مولع بالرياضة، وآخر لا. قس عليها. امسك هذين الشخصين: الذي يعطي في الشيء والذي لا يعطي فيه، واسألهما سؤالًا، ستجد أن واحدة من الفروق الجوهرية هي المعنى. كلما كان المعنى عميقًا وله تراكيب مختلفة، دينية، اجتماعية، تربوية، علمية، تجد أن الشخص البار بوالديه، مثلاً، لديه بعد ديني مشبع ببر الوالدين، بعد اجتماعي عاش مع أسرة تقدر الوالدين، بعد علمي قرأ في الموضوع دينيًا وعلميًا، بعد تربوي، انعكس هذا كله على سلوكه وعلى عمق سلوكه كابن. اذهب إلى الآخر، ابحث عن معنى البر عنده، ستجده معنى هزيلًا: الله أمرنا أن نبر بهم، والذي لا يطيع والديه يرتكب ذنبًا. معنى محدود ونظري. الذي منغمس في التجارة، اسأله: ما معنى التجارة بالنسبة له؟ واسأل الآخر، سيأتيك هذا ربما يرى أن التجارة تعني ضياع الوقت. أريد أن أعيش حياتي، أترفه، أذهب وأجيء، لا أجمع فلوسًا. فتجد المعنى عنده ضيق، وهذا معنى واسع. قس على ذلك كل المعاني. عندما يتعمق المعنى عندنا في شيء معين، ينعكس على سلوكنا، على أدائنا.

عندما تتحدث عن العلاقات، تدخل في بوابة أخرى. عندما تتحدث عن نسب الطلاق المتزايدة، لو شرحتها، ستجد أن للمعنى حضورًا في كثير من المشاكل. ماذا يعني لك الزواج ابتداءً، قبل أن يرتبطا؟ ماذا يعني الزواج لك؟ خلني أقول لك، في خطاب، مادام أخذناه في خطاب، لا أدري إذا كانت التسمية صحيحة، لكن تسليع المعنى، تشييء المعنى، تحويله إلى شيء مادي. ألا تلاحظ في خطاب - لا أقول منتشر، الكلمة تحتاج إلى توثيق علمي - لكن خطاب موجود، لا أدري كم نسبته، تسليع حتى الزواج، معنى الزواج. يوصون: قبل أن تتزوجي، تعرفي على حقوقك، انتبهي، وكذا. كأنهما داخلان في شركة تجارية صرفة. انتبه، لا يأخذ أحد حقك، يجب أن تعرفي، قد تتكاسر في المهر، يعطيك طريقة كيف تفعلين، كيف تحافظين، كيف توثقين نفسك، ماذا تكتبين في العقد من البداية حتى لا يحدث شيء. أنا أتحدث عن حصر معنى الزواج. توثيق أمورك، المطالبة بالأشياء من البداية بوضوح، هذه مطلوبة. أنا أتحدث عن معنى الزواج عندما يصبح أشبه بشركة: عليك أن توثق شروطك، وهو يوثق شروطه، تزوجا وجرب الحياة. كيف تستمر هذه الحياة؟ أهم شيء نظام الحقوق. أول ما خالف، ارفعي عليه قضية. هذا خالف البند الثالث. إذا دخلنا على الزواج بهذا المعنى الضيق، فالطلاق هو النتيجة الحتمية، إلا إذا أراد الله وصار هناك مفهوم أعمق وأشمل مع الوقت، فالحمد لله. لكن إذا كان قائمًا على مراقبة الشروط، والآخر يراقبها، والذي يخالف يبدأ يعترض، فهذا هو الوضع.

عندما نتحدث عن نسب الطلاق، واحدة من الأشياء الأساسية، من منظور المعنى - هناك مناظير أخرى موجودة - لابد أن لغياب المعنى وحضوره دور كبير في انتشار الطلاق. معنى الأسرة، معنى الزواج. الزواج، الله عز وجل عرفه بأنه سكينة: "خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة". هذه هي الأركان: تحقيق السكن بمفهومه العام، تحقيق الألفة والمودة التي تقوم بها الحياة. أي تشوه في هذا المفهوم، من التشوهات هو التسليع الذي قلته في البداية. من التشوهات أيضًا أن الزواج يجب أن يكون عموده الفقري الحب. هل هذا صحيح؟ ليس صحيحًا أن يكون الزواج معناه الأساسي الحب. لماذا؟ هل الحب لا أحد يحبه؟ الحب، هل هو باختيار؟ يفترض ألا تتزوج إلا من تحبه. طيب، إذا لم أجد من أحبه، أو من تحبني - بلسان المرأة - فماذا؟ أجلس حتى أجد من أحب؟ وجدت شخصًا، هل هناك خطوات أفعلها لأحبه؟ لا تستطيع. الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم قال عن عائشة: "رزقت حبها". الحب شيء له أسباب تخليك تألف الشخص وترتاح له، لكن أن أصل إلى درجة الحب، هذا شيء لا أملكه. فعندما يشوه مفهوم الحب بأن يجعلوه كشركة من البداية، أو أن عموده الفقري هو الحب، تجد أن الزوج بعد شهرين يراقب: والله، لم أحبها ولم تحبني. ماذا أفعل؟ الحياة جافة، ابحث عن فارس أحلامك. هذا ليس صحيحًا. الحياة الزوجية، طالما الأشياء الأساسية موجودة وتمشي بها الحياة، المعاني الأساسية موجودة، معنى الاحترام، المودة. لا أقول لك أنه يجب أن يكون هناك احترام عالٍ، حب عالٍ، عطف عالٍ، مودة عالية. لا، الحد الأدنى الذي تمشي به الحياة. هذا الحد قد يكون نسبيًا، لا أحد يستطيع أن يقول لك: إذا وصل اثنان من عشرة، افترقا. الذي ترتضيه، أنا مرتضٍ هذه المساحة، هل الحياة ماشية؟ هل فيها أخذ وعطاء؟ هل هذه الحدود موجودة؟ تصوير أن الحياة يجب أن تكون فيها الشروط كاملة، وإلا فالانفصال هو الحل. السؤال: هل بعد الانفصال ستجد حياة جميلة؟ أنت تفترض ضمنيًا أنك ستجد حياة جميلة، مع أن الأصل: ماذا ستفعل كزوج أو زوجة؟ الأصل أنك بعد هذه الحياة ستذهب تبحث عن حياة أخرى، تجرب، هل تنطبق عليها هذه المعايير أم لا؟ ستظل تخرج من تجربة إلى تجربة. تجد أن ما كان هناك ثمانية، هنا اثنان، أو صفر. إذا تشوه المعنى في الزواج، وأنه يجب أن يكون له حد معين وصورة مثالية، يجعل الإنسان يشعر أنها استثناء. أنا أعاني، يفترض أن الزواج يكون فيه كذا وكذا. من قال لك أنه يفترض أن يكون فيه كذا؟ 

فيما يلي النص المُصحح باللغة العربية الفصحى مع مراعاة علامات الترقيم والسلامة اللغوية دون حذف أو اختصار:

هل قال لك عمر بن الخطاب: أكل البيوت تُبنى على الحب؟ إن البيوت لا تُبنى على الحب وحده، بل هناك حد أدنى من الاحترام والتقبّل والتعايش وما إلى ذلك. نحن قادرون على التفاهم وإدارة هذه الأسرة، الحمد لله. ليس شرطًا أن تكون الحياة مبنية على الحب فقط، فأحيانًا يوزّع الإنسان طاقة الحب هذه على أمور أخرى. يبذل جزءًا منها في الزواج بالقدر الذي منحه الله، ويبذل جزءًا في أبنائه، وجزءًا في حب نفسه، وجزءًا في حب ربه، وجزءًا في هواياته. فتجد أن هذه الطاقة توزّعت على أمور كثيرة. لا ينبغي أن يقول الإنسان: "أنا أعاني من كبت عاطفي" أو "أعاني من جفاف عاطفي". لماذا؟ لأنك قادر على بذل هذه العاطفة فيما حولك. لم يخلق الله الزوج أو الزوجة ليكونا المنفذ الوحيد لهذا الحب أو مصدره. إذا لم يمنحك الزوج أو الزوجة هذا الحب، فهذا لا يعني أنك محروم. ليس شرطًا أن يُكره مؤمنٌ مؤمنةً إذا كره منها خلقًا، بل يرضى منها بآخر. هذه قاعدة قالها النبي صلى الله عليه وسلم. معناها: إذا لم يعجبك شيء، فابحث عن شيء آخر يعجبك، فهذا يغطي ذاك، وذاك يغطي هذا، فتصبح الحياة مقبولة بشكل عام وتمضي دون أذى. إذا استمرت الحياة، فهذا يعني أنها مقبولة.

الآن، أصبحت الموضة -حتى في قضية الحياة- هي "اعتزل ما يؤذيك". والشيء الذي يؤذيك، اتركه واعتزله، أليس كذلك؟ لكن إذا بقيت في رحلة هروب دائمة، ستجد ما يؤذيك في العمل، في الأسرة، عند الأصحاب، عند الأرحام. هل ستقطع رحمك، وتفصل من عملك، وتعتزل العالم لتتجنب ما يؤذيك؟ والله، ماذا يعني "اعتزل ما يؤذيك"؟ هل هو دعوة مثالية؟ كيف أعتزل ما يؤذيني؟ لا تستطيع! ماذا أفعل لأعتزل ما يؤذيني؟ هل هناك من يستطيع أن يقول: "لا يوجد شيء يؤذيني في الأسرة، في العمل، عند الأصحاب، عند الأرحام"؟ لا، بالطبع يوجد جانب من الأذى. الصورة التي وصلت -أحيانًا- هي أن البعض يقولها على علاتها، ويستشهدون بمقولة عمر: "اعتزل ما يؤذيك". لكن في الحقيقة، ليس المقصود بـ"اعتزل ما يؤذيك" أن تعتزل كل شيء يؤذيك. فماذا لو كان مصدر الأذى والدك القاسي الطبع؟ هل ستعتزل والدك؟ أو لو كان مصدر الأذى عملك؟ إذا اعتزلت عملك، كما يفعل بعض الشباب الذين يقولون: "والله، العمل شاق". أنت شاب في مقتبل العمر، من الطبيعي أن تتعب وتجتهد في هذا العمر لاكتساب الخبرة. ماذا تريد؟ دوامًا مكتبيًا مريحًا من البداية؟ "اعتزل ما يؤذيك" يعني أن راحتك هي الأهم؟ جزء من القلق، جزء من التوتر، جزء من عدم الراحة هو ما يحرّكك، هو ما يدفعك للاجتهاد والعمل. لذا، الاعتزال ليس دائمًا الحل. مهما اعتزلت، ستبقى في رحلة هروب. كل شيء تذهب إليه سيجذبك في البداية، ثم تكتشف الجوانب التي تؤذيك فيه. إذا كان الاعتزال هو الحل الوحيد لديك، فسوف تستخدمه دائمًا.

مرة جاءني أخ سوداني وقال لي: "والله، تشاجرت مع زوجتي وطلّقتها، وأنا نادم، لا أدري كيف طلّقتها". قلت له: "حسنًا، عندما تشاجرت معها، لماذا لم تخرج؟" قال: "أنا دائمًا أخرج، لكن هذه المرة كنا في زحمة الرياض، وأنا في السيارة، أردت أن أعتزلها لكنني لم أستطع، فقعدت وطلّقت". ماذا أفعل بعد ذلك؟ جلسنا نتحدث، وهو مستغرب من نفسه، يقول: "كيف طلّقت؟ لم أكن أتوقع أن أفعل ذلك". قلت له: "سأقول لك شيئًا، لكن لا تزعل منه". تخيّل أن شخصًا تشاجر مع آخر فطعنه وقتله، ثم قال: "والله، لا أدري كيف طعنته". نسأله: "لماذا كنت تحمل سكينًا في جيبك؟" لو لم تكن السكين موجودة، أو وجدتها في الشارع، لقلنا: معقول، لم ينتبه. لكنك كنت تحملها، وجئت مستعدًا للمشكلة. استخدامك للطلاق يعني أنه كان خيارًا في جيبك، موجودًا في لا وعيك، ضمن معاني الزواج. ضمن معنى الزواج أنك تحتفظ بالطلاق كخيار، فإذا احتجته، تستخدمه. بدليل أنك تجد شخصًا آخر مستحيل أن يستخدم هذه الكلمة في نفس المشكلة، لأنه يستخدمها بعقلانية في مكانها الصحيح. إذا أراد أن يقول: "والله، الحياة لا يمكن أن تستمر"، يستخدمها. ليس خطأً ولا عيبًا، فالله لم يرد لهما أن يستمرا، والأفضل هو الانفصال. لكن أن تستخدمها وتقول: "كيف استخدمتها؟"، معناه أنها كانت حاضرة في ذهنك كخيار. الانفصال قد يريحك. إذا تشاجرت، فالخيار الأول الذي يخطر ببالك هو الطلاق. عندما ندخل في معنى العلاقات، ستجد أن المعنى يشكل جزءًا من بناء أو هدم هذه العلاقة، سواء كانت الزواج أو الأسرة.

بالنسبة للمعنى، أتمنى أن أرى برامج تدريبية تتحدث عن إعداد الشباب للزواج، برامج تأهيلية. بعضها يقدمها مراكز خيرية، لكن في رأيي، كانت تُعطى في يومين تقريبًا. لا أدري إن كان قد تم تحديثها أم لا. في رأيي، الشباب بحاجة إلى ما يمنحهم العمق المعرفي للأسرة والزواج. إذا أردنا أن نتلافى نسب الطلاق الكبيرة، فعلينا أن ندرك أن التدريب لا يعني فقط الجانب التطبيقي. لا يكفي أن نعطي دورة تدريبية عن كيفية فعل شيء بخطوات معينة. الإنسان إذا لم يكن لديه قاعدة معرفية أولاً، فلن ينفع التطبيق. النظرية تسبق التطبيق. العلوم التطبيقية التي أنتجت الحضارة المعاصرة تقوم على فلسفة وتنظير. لا يوجد اختراع يأتي فجأة دون تنظير. فعندما نتحدث عن مؤسسة الزواج، لا يمكن أن ندرّب الشباب على أمور تطبيقية إذا لم تكن المعاني الأساسية مطروحة بعمق وموجودة لديهم. إذا سألت شابًا متزوجًا حديثًا: "ما معنى الأسرة؟ ما معنى الزواج بالنسبة لك؟"، سترى الضحالة في إجابته. معظم الشباب لم يُعطَ هذا الطرح قيمته. يركزون على توفير دخل مادي للإنفاق على الزوجة، وتوفير بيت واستقرار، ثم يتزوجون. لكن ماذا عن معنى الزواج؟ يصدمون عندما يحدث الانفصال، فيقولون: "فلان وظيفته جيدة، وهي وظيفتها جيدة". يركزون على الأمور الشكلية. هل تأكدت مما يعنيه الزواج بالنسبة له؟ ماذا تعني المرأة بالنسبة له؟ ماذا يعني الرجل بالنسبة لها؟ هذه المفاهيم غائبة. أزعم -والله أعلم- أن الدورات التي اطلعت عليها لا تحتوي على هذا العمق. تحتوي على أمور تطبيقية: خطوات كذا، كيف تفعل كذا، كيف تحل كذا.

حتى في تربية الأبناء، يهمل كثير من الآباء والأمهات القاعدة النظرية التأسيسية التي تبني المعاني. ما الذي يتكون منه المعنى؟ على سبيل المثال، إذا أردت أن أعطيك معنى الثقافة، أو أن تكون مثقفًا، أو أن تكون مطلعًا، وأردت أن أرسخ هذا عندك، فمما يتكون المعنى؟ المعنى شيء معنوي غير مرئي وغير مادي، لكنه يتكون من معارف. تراكم المعارف هو أحد العناصر التي تشكل المعنى. لا أستطيع أن أجعل شخصًا يمتلك معنى للثقافة أو للأسرة دون أن أعطيه معلومات نظرية: ما هي الأسرة؟ ماذا تعني الأسرة؟ ما الذي تمدك به الأسرة؟ كلما دعمت هذا المعنى بأفكار واعتقادات ومجالات مختلفة -من زاوية دينية، اجتماعية، علمية- كلما قوّيت هذه القاعدة النظرية. لماذا؟ لأن هذا يجعل الإنسان يمتلك معنى. على سبيل المثال، معنى الجار مكون من أشياء متعددة ومجالات متنوعة. من الناحية الدينية، هناك أحاديث وأوامر ونواهٍ مشبعة بها. من الناحية الاجتماعية، وحتى من الناحية النفعية، إذا أردت، فهي موجودة. إذا حدث لك شيء، أخوك البعيد ليس أول من سيساعدك، بل جارك القريب. كلما وسّعت هذه الدائرة، وأعطيت الإنسان أشياء تطبيقية، يصبح من السهل عليه تطبيقها لأن لديه القاعدة التي تمده بالدافع لفعلها. لكن إذا جئت للزواج وقلت: "كيف تحل؟ كيف تفعل؟ سبع خطوات"، بينما المعنى الأساسي غائب عنه، فلن ينفع ذلك.

عندما نتحدث عن أبنائنا، نقول: "الحلال والحرام، لا يجوز، يجوز". هناك قاعدة تقول: إن الإنسان يقدر الأمر عندما يعرفه. عندما يأتيك أمر في شركة، ترى أن المنصب كلما كان أعلى، زاد تقديرك لأهمية هذا الأمر. عندما نتحدث إلى أبنائنا عن الحلال والحرام، ونقول: "لا يجوز أن ترفع صوتك على والدك"، نفترض أن لديهم معرفة بهذا الأمر، معرفة الحلال والحرام وقيمته، وما يترتب عليه، ومعرفة الله عز وجل وقدره عندهم. نفترض أن هذا كله موجود، لكن قد لا يكون كذلك. فقدان أي جزء من هذه المعرفة يجعل الابن لا يقدر قيمة قول: "حرام ترفع صوتك". فيقول: "حسنًا، حلال وحرام، لن أفعلها"، فقط لإنهاء النقاش. لذلك، عندما تسأل: هل بنيت هذه الملفات المسبقة؟ إذا بنيتها، سيسهل عليك أن يمتثل الابن لك. كيف تبني معنى الأبوة عند أبنائك حتى يقدّروا هذا الأب؟ غير الجزء الفطري الموجود في الابن، هناك أشياء تكمل معنى الأبوة. على سبيل المثال، يفترض أن يكون الأب أو الأم مصدر الأمان والعطاء، وأن يشعر الابن أنه يستطيع العودة إليهما والتحدث عما يريد. إذا فقد هذا المعنى، بدأ يهتز. إذا اهتز هذا المعنى، أصبحت قيمة الأبوة عنده ضعيفة. بالتالي، عندما يأمره والده بشيء أو ينهاه عن شيء، قد يخالفه بسهولة. قيمة الأبوة عنده ضعيفة، فيقول: "ما الذي سيحدث إذا خالفت أبي؟" بعضهم قد يطلق على أبيه لقب "الشايب"، أو يخزنه في هاتفه بهذا الاسم. إذا بنيت قيمة الأبوة، سينعكس ذلك على بر الوالدين. المفهوم عنده كأنه ملف على سطح المكتب، عندما تفتحه تجد مستندات كثيرة. لكن إذا كان المستند عبارة عن ملف PDF مرمي على سطح المكتب يحتوي على سطرين: "أبوك لازم تبره، إذا لم تبره فهو حرام"، فهذا سيؤدي إلى عدم تقديس الأبوة. ربما مرت عليّ قصص من هذا النوع، حيث يكون الشيء الوحيد الذي يربط الابن بوالده هو الجانب المادي. الآباء أحيانًا يدركون أن أبناءهم متمسكون بهم فقط من أجل المال، فيستمرون في الإنفاق عليهم لأنهم يقولون: "هذا الشيء الوحيد الذي يبقيهم متمسكين بي". لكن أين كانت هذه القيمة طوال هذه السنين؟ لم يعلموهم قدر الوالدين.

أحيانًا في التربية، نركز على إصدار الأوامر والنصائح، ونريد استجابة سريعة. إذا لم نجد استجابة، نذهب إلى شخص ونقول: "والله، أمرنا ونصحنا وقلنا وسوينا، ولم يحدث شيء". لكن كل ما فعلته كان رد فعل غاضب نتيجة مخالفتهم لك. لم تعمل على توسيع مفهوم الأبوة، مفهوم الوالدين، مفهوم الطاعة، مفهوم البر. لم تعمل عليه بأساليب متنوعة مثل القصص أو العبر. قد تقول لإمام الجامع: "اخطب عن هذا الموضوع". إذا كان ابنك يقدر خاله أو صديقه، فقد يستجيب منه أكثر. لماذا؟ لأن الصديق يدرك المعنى ويعبر عنه بالشكل الذي يريده الابن. أحيانًا الوالد لا يفهم ابنه، فيقول الابن بطريقة أو بأخرى: "أبي لا يدري عن حياتنا، لا يفهم الشباب". يقولون عبارة: "رفقًا بهم"، وصارت أيقونة. يتصورون أن الكبار في السن لا يفهمون، فيقولون: "لا تأخذوا منهم كلامًا أو نصائح". هذه مشكلة كبيرة. لماذا تضع حاجزًا بينك وبين شريحة من المجتمع؟ تجد الشاب يرى الآباء والأمهات والمعلمين والمشايخ والمثقفين، ويقول: "رفقًا بهم، هؤلاء لا يفهمون". فيصبح لا يتقبل منهم شيئًا. لقد قطعت فئة عمرية تحتوي على أطباء، مشايخ، مثقفين، آباء، معلمين. كلهم يصبحون تحت أيقونة "رفقًا بهم"، فلا أحد يصدقهم.

القرب هو أحد المعاني. كلما كنت أقرب، كانت قدرتي على التأثير أكبر. الحب أيضًا من أكبر التحديات. أن يحبك ابنك أو طلابك. أبو سفيان -قبل أن يسلم- كان يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أحبوا محمدًا فأطاعوه". أعجب بحب الناس له وطاعتهم. الحب محرك قوي. من السهل أن تكون شديدًا، لكن من الصعب أن يمتثلوا لك حبًا فيك، ليس الحب الفطري، بل الحب الذي يجعلني أستحي أن ترى خطأي. إذا أردت أن أخطئ، أفعله مستترًا، ليس خوفًا منك، بل إجلالًا لك. "من يعصيك مستترًا" يعني أنه يحافظ على قيمة الأبوة بينك وبين ابنك، حتى يبقى هذا الخط دائمًا.

أما بالنسبة لسؤالك عن مدى تأثير شبكات التواصل الاجتماعي في أزمة المعنى والخواء والمادية المتطرفة، فهذا سؤال عظيم. مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام ليست سلبية فقط. في إطار التشخيص أو العلاج، نسلط الضوء على الجوانب السلبية، لكن هذا لا يعني نفي الجوانب الإيجابية. من الجوانب الإيجابية أننا نتحدث الآن في هذا البودكاست بفضل هذه الشبكات، التي ردمت الفجوة بين الناس وأهل المعرفة. لكن في إطار تأثيرها على المعنى، أرى أنها تسببت في "تشييء الإنسان". عندما أرد على شخص في مواقع التواصل، أتخيله كأنه "روبوت" أو مجرد معرف، لا إنسان له مشاعر. هذا ما يجرّئ الناس على قول أقذر الأشياء. تجد ردودًا قاسية مدمرة، ربما لأن البعض يعرف أن صاحب الحساب مراهق أو طفل أو ضعيف، ومع ذلك يكيلون له الكلام القاسي. هذه دراسة تربوية لطيفة: ما تصور الإنسان في أذهان رواد مواقع التواصل؟ هل يستحضرون قيمة الإنسان ومشاعره؟ مع الوقت، بدأوا يشعرون أن الجميع آلات، سواء كان ذكاءً اصطناعيًا أو إنسانًا. هذا جعل الإنسان مجرد معرف يُرد عليه دون النظر إلى تأثير الكلام عليه.

بالنسبة لمعنى الحياة، قلتَ إن الحياة لا معنى لها لمن لا يؤمن بالخالق. نعم، إذا لم تؤمن بالخالق، فكل شيء عبث. لماذا يُقتل طفل؟ لماذا يمرض؟ لماذا تموت أسرة في حادث؟ في ظل عدم الإيمان بالخالق، هذا كله عبث. العدميون كانوا منطقيين في هذا السياق، يقولون: "ابحثوا عن أشياء تصبركم حتى تنتهي الحياة". لكن لا يمكنك القول: "لا يوجد خالق والحياة جميلة ولها معنى". إذا آمنت بالخالق، تصبح لكل شيء معنى. حتى المعاناة، كما قال فيكتور فرانكل، تكف عن كونها معاناة عندما تكتسب معنى. الإيمان بالله يعطي المعاناة معنى، سواء كان بلاءً بالخير أو بالشر. قصة يوسف عليه السلام مثال على ذلك. بدون الخالق، تبدو القصة عبثًا: طفل يُؤذى من إخوته، يُلقى في البئر، يُباع، يُتهم، يُسجن. لكن الله يقول على لسانه: "إن ربي لطيف لما يشاء". الحكمة قد تظهر بعد سنين طويلة.

أما عن كيفية بناء منظومة المعنى داخل الأسرة، فأهم شيء هو تعميق القاعدة النظرية. ابدأ بمفهوم وجود الله وفاعليته وأسمائه وصفاته، ثم مفهوم الأسرة، الرحم، الأخوة، العطاء، القيم. تأكد من حضور هذه المفاهيم عند أبنائك بعمق. كررها، اجعلها حاضرة في بيئتهم من خلال القصص، الأمثلة، النماذج، القدوات. عندما تكون القاعدة موجودة، يصبح التطبيق أسهل. الحلقة النهائية التي يركز عليها الآباء -افعل ولا تفعل- تأتي ضمنيًا عندما تكون المفاهيم مبنية ومرسخة. هذا تحدٍ في مجتمعنا، لكنه ليس نظريًا. إنه عملي، ونموذجه النبي صلى الله عليه وسلم. اقترب من هذا المثال بقدر ما تستطيع، فكلما اقتربت، اقتربت من الرشد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة