يوسف زيدان (٣) : شرح عبارات "ابن عربي" في كتابه الفتوحات المكية


في القرن السادس الهجري، كانت منطقة الأندلس والمغرب، بطبيعة الحال، تشهد تصاعد الخلافات بين ملوك الطوائف، وتتزايد النزاعات بين دول الإسلام هناك، وتشتعل الحروب. وكانت هذه الأوضاع تُحفّز الفكر. فعندما ننظر إلى تاريخ الأندلس بشكل عام، نجد أنه قبل سنة 600 هـ، أي قبل قرنين من الزمان مثلاً، كانت الأندلس تعيش حالة فكرية مزدهرة، تضم فلاسفة ومترجمين وشعراء. ومن أبرز مظاهر هذا الازدهار القصائد الأندلسية، والموشحات المشهورة، وشخصيات مثل ابن بَرَجان، وابن طُفيل، وابن قَزْمان صاحب "خلع النعلين". وابن طُفيل، وهو فيلسوف عظيم جدًا، وابن رشد. وابن رشد، متى توفي؟ توفي سنة 606 هـ، أي في بداية القرن السابع الهجري. وفي تلك الفترة، عندما كان ابن رشد في سنّ الكِبر، كان محيي الدين ابن عربي لا يزال شابًا صغيرًا. وكان ابن رشد وأبو محيي الدين ابن عربي صديقين.

يُروى أن ابن عربي قال إن والده أخبره قائلاً: "يا بني، أنا لم أزل وجهي ولم يطل شاربي بعد"، أي أنه لا يزال شابًا لم يكتمل نضجه، "وابن رشد، الشيخ الكبير، يريد أن يراك". ففرح ابن عربي بذلك، وذهب إلى ابن رشد. ويروي ابن عربي أن ابن رشد جلس يتأمله، ثم سأله: "هل وجدتم في علوم الذوق، أي التصوف، ما وجدناه في علوم النظر، أي الفلسفة؟" فأجاب ابن عربي: "نعم". فاستبشر ابن رشد، ثم أضاف ابن عربي: "ولا". فانقبض وجه ابن رشد، ثم قال ابن عربي: "وما بين نعم ولا كما بين السماء والأرض"، أو قال: "ما بين نعم ولا تطير الأرواح من مطارها".

كانت الأندلس في تلك الفترة تعاني من ضيق فكري. ومن علامات تقييم أي كيان، سواء في التاريخ أو في الواقع، أن تنظروا إلى عدد المفكرين فيه. فإذا وجدتم سلاسل فكرية، كأن يكون فلان تلميذ فلان، فهذا يعني أن المجتمع يتبنّى وينهض. أما إذا وجدتم أن الأفكار تنضب، والناس تهاجر منه، فهذا دليل على أن هذا المجتمع يتداعى إلى الدمار. لماذا؟ لأن أحد المعايير التي يمكن من خلالها قياس حالة المجتمع هي حالته الفكرية. فالفكر يسبق المباني والهندسة والعلاجات الطبية وغيرها. فإذا كان التفكير في أزمة، فإن المجتمع كله في أزمة.

كانت الأندلس في تلك الفترة تتطور، لكن ابن عربي هاجر منها، ومرّ بساحل إفريقيا، ثم وصل إلى مصر. ومصر في ذلك الوقت لم تكن مركزًا فلسفيًا قويًا. كان المذهب الشافعي منتشراً، والناس -لا أريد أن أقول عبيدًا- لكن الأسرة الأيوبية، ثم المماليك بعدهم، حولوا المصريين إلى أشبه بأرقاء الأرض. ومنذ ذلك الوقت ظهرت كلمة "فلاح"، بمعنى الذي يُقرّ في الأرض، أي لا يغادرها. وكانوا يأخذون من يبرز منهم ليصبح جنديًا في جيش المماليك، فيقاتل أخاه وابن عمه، وهكذا تنتشر قلة الأدب. فالحالة في مصر بعد مئة سنة ستتغير، لكن في أواخر القرن السادس الهجري، لم تكن مصر مهيأة لاستيعاب الأفكار الفلسفية. ولذلك، لم يستقر فيها ابن سبعين، الفيلسوف الكبير القادم من المغرب، ولم يستقر فيها عفيف الدين التلمساني القادم من نواحي المغرب أيضًا. وهاجروا جميعًا، فذهبوا إلى بيروت، ثم إلى مكة.

واستقر ابن عربي في مكة لفترة، وهناك أحب النظام بنت زاهر بن رستم الكيلاني، وحصلت القصة المشهورة. ثم ذهب إلى قونية، ثم عاد واستقر في الشام. قضى بعض الوقت في حلب، ثم استقر في دمشق، حيث توفي. كتب محيي الدين ابن عربي كتابات كثيرة جدًا، منها مؤلفات مطولة ورسائل قصيرة. ومن الرسائل القصيرة "رسالة فيما لا يُعوَّل عليه"، التي تحدثنا عنها في القاهرة الأسبوع الماضي. وله كتب متوسطة الحجم، مثل كتاب "فصوص الحكم"، الذي تحدثنا عنه في الجلسة السابقة. ونحن هنا نعطي إشارات إلى هذه الأعمال بحيث تكون مفاتيح يمكن الاستعانة بها لقراءة النصوص كاملة. ليس غرضنا في هذه الجلسات أن نشرح كتابًا بالكامل، بل أن نعطي مفاتيحه.

ومن أبرز أعمال ابن عربي "الفتوحات المكية"، التي شرحها عبد الكريم الجيلي. وهي أكبر مؤلفات ابن عربي حجمًا. نُشرت "الفتوحات المكية" بدون تحقيق، أي كما هي على نسختها القونية، لأن ابن عربي كتبها مرتين بخط يده. النسخة الأولى بخطه الصغير، والنسخة الثانية هي النسخة القونية المدققة التي أُصلحت فيها بعض الأمور. وعلى هذا الأساس، طُبع الكتاب بدون تحقيق، أي دون أن يقابل أحد النصوص ويشرحها ويضبط عباراتها. ومع ذلك، فإن الطبعة كانت جيدة، وطُبعت في مصر في بولاق في القرن التاسع عشر، عندما كانت مصر تهتم بهذه الأمور، في أربعة مجلدات كبيرة. ثم جاء دكتور سوري، هو عثمان يحيى، وحقق الكتاب، لكنه توفي قبل أن يكمله. صدر من الطبعة المحققة سبعة عشر جزءًا من أصل سبعة وثلاثين جزءًا. وكل جزء يحتوي على أبواب، وكل باب يحتوي على فصول. فكان عثمان يحيى يحقق النسخة القونية مع نسخ أخرى، لكن بعد وفاته لم يكمل أحد العمل. والنص المحقق يكون أكثر ضبطًا.

"الفتوحات المكية" هي أكبر أعمال ابن عربي حجمًا، وأشهر كتاب في تاريخ التصوف الإسلامي. وهي بمثابة موسوعة صوفية، ليست موسوعة بالمعنى الحرفي، لكنها تحتوي على كل شيء، وتتميز بلغة منضبطة جدًا، خالية من الترهل الذي قد يوجد عند بعض الصوفية، أو الحماقة التي قد تُرى في شطحات بعضهم. كان محيي الدين ابن عربي متمكنًا جدًا من لغته، ويعرف ماذا يقول وكيف يقوله. لذا، كانت "الفتوحات المكية" كتابًا محيرًا. فهي بالنسبة للصوفية النص الأول، وبين الفقهاء النص المحير. فدائمًا هناك حرص من فقهاء الظاهر على إدانة الصوفية، أو معاقبتهم، أو تكفيرهم. وقد يكون هذا موضوع جلستنا القادمة: لماذا يكره الفقهاء، والسلفيون الآن، الصوفية؟ مع العلم أن ما هو موجود اليوم ليس تصوفًا، بل هو أمور فلكلورية. أما "الفتوحات المكية"، فهي كتاب ضخم يضم سبعة وثلاثين جزءًا، وإذا حسبناها بالأبواب، فإنها تحتوي على خمسمئة وستين بابًا. الباب الخمسمئة والستون يتضمن نصائح للمجد، مثل: "افعل كذا ولا تفعل كذا"، وهي موجهة للإنسان بشكل عام. أما الباب الخمسمئة والتاسع والخمسون، فقد سماه ابن عربي "باب الأسرار"، لأنه في هذا الباب أوجز ودمج وركز كل ما قاله في الكتاب بعبارات دقيقة جدًا، خالية من أي ترهل. هنا بلغت اللغة الصوفية أقصى حدودها.

ومن النصوص المتداولة المعروفة في "الفتوحات المكية"، النص الذي اختاره عثمان يحيى من الجزء الثاني، وهو يقول: "لو عَلِمْتَه لم يكن هو، ولو جهلك لم تكن أنت. فبعِلْمه أوجدك، وبعجزك عبدته. فهو هو له، لا لك، وأنت أنت لأنتَ له." الدائرة مطلقة مرتبطة بالنقطة، والنقطة مطلقة ليست مرتبطة بالدائرة، ونقطة الدائرة مرتبطة بالدائرة. هنا يتحدث ابن عربي عن الإنسان والله. فيقول: "لو تُهيَّأ لك، أيها الإنسان، في لحظة أنك عرفت الله، فأنت في الحقيقة عرفت شيئًا آخر. فإذا عَلِمْتَه، لم يكن هو، لأن دماغك وهَّمتك بشيء آخر. وفي المقابل، لو جهلك، وهنا استخدم "لو" للدلالة على الاستحالة، وليس "إذا"، أي لو جهلك الله، لما كنت موجودًا. فهو هو، لأنك أنت لست في الموضوع أصلاً." بعض الناس يتصورون الوجود الإلهي بطريقة غير لائقة، فيقولون: "لا، أنا يجب أن أقص أظافري، لا أعرف كيف، لأن هناك كذا وكذا." أو يقولون: "ربنا سيحاسبني." هذا هو تصورهم عن الله. أو كما يقول أصحاب "أكشاك الفتوى": "السؤال الأكثر شيوعًا هو: هل سيدخل الجنة أم لا؟" أنت لست أنت، أنت لست شخصًا، أنت أمة مختلة. ولكي نخرج من هذا الوضع، يجب أن ندرك أننا في حالة اختلال عام. فكيف يمكن لمريض أن يتعافى من مرضه إذا لم يعرف أنه مريض؟ نحن في حالة اختلال عام. لماذا؟ لأن الذي ينزل إلى المترو ليوصل الخضروات لزوجته، أو أرسلته أمه ليجلب شيئًا، أو يذهب إلى وظيفته البائسة التي يضيع فيها عمره، لديه هموم أخرى. أنت ملك، يا يعقوب! الجنة والنار ليستا ملكك أصلاً. أنت تسأل هذا المعمم لماذا؟ إنها حالة اختلال، لأن هناك تصورًا عن الله أنه جالس هكذا. لكنه ليس كذلك.

فيقول ابن عربي: "لو عَلِمْتَه لم يكن هو، ولو جهلك لم تكن أنت. فبعِلْمه أوجدك." العلم الإلهي عند ابن عربي نظرية معقدة جدًا، يصعب شرحها الآن، لكن باختصار، وجود الأشياء العيني يسبقه وجود علمي في العقل الإلهي، الذي يمهد لوجود الأشياء في الواقع. نترك هذه النقطة جانبًا، فالمثالية الفلسفية تبدأ من الفكرة وتقول إن الفكرة هي الأساس الذي يُبنى عليه الواقع. أما الرؤية الصوفية فتقول إن وجود الأشياء في العلم الإلهي هو مقدمة لوجودها في العالم العيني. ولذلك، لا يقول الصوفية بالعدم. لهذا تجاوزت هذه النقطة لئلا ندخل فيها كثيرًا. المهم أن ابن عربي يقول: "فبعِلْمه أوجدك، وبعجزك عبدته. فهو هو له، لا لك، وأنت أنت لأنتَ له." أي أنك موجود في الأرض، فعش حياتك، فأنت موجود لأجلك، لأن الوجود الإلهي فيك، لكنك تبحث عنه خارجك. ويعبر ابن عربي عن هذا في سياقات أخرى بقوله للإنسان: "تظن نفسك شيئًا بسيطًا، وفيك انطوى العالم الأكبر." أي إن كل إنسان فيه ملخص الكون كله. وهذه نظرية كانت موجودة في الفلسفة اليونانية عند الأبيقوريين، وتُسمى "الماكروكوزم والميكروكوزم"، أي أن الوجود الإنساني يحتوي على كل مفردات الوجود العام.

عند ابن عربي، الدائرة تمثل الوجود، والنقطة تمثل الله، إن صح أن نسميه. وهذه تصورات مستمدة من الفلسفة اليونانية المتطورة عند أفلوطين. فأفلاطون قال إن الله هو الصانع، المهندس الأعظم. وأرسطو قال إن الله هو المحرك. أما أفلوطين فقال: لا يمكن أن تقول عن الله شيئًا، لأنه لا يمكن أن تنسب له أي صفة من صفات الإيجاب. هو يقبل، تجاوزًا، صفات السلب، فتقول: إنه ليس ماديًا، إنه لا محدود، إنه لا متناهٍ، إنه لا جسماني. لكن أن تصف له صفة إيجابية، فهذا يعني أنك جعلت شيئًا آخر موجودًا معه. فسأله أحدهم: "هل الله هو الواحد الفيثاغوري؟" والفيثاغوريون كانوا يعبدون الواحد. فقال: "لا، الواحد هو أول الأعداد، وبالتالي هو مرتبط ببقية الأعداد." أما الله، فقال أفلوطين: "هو النقطة." ولم يكن مفهوم الصفر قد ظهر بعد. جاء العرب بالصفر عندما تفاعلوا مع الهنود في القرن الثاني الهجري، أي الثامن الميلادي. وقبل ذلك، لم تكن البشرية تعرف شيئًا اسمه صفر، ولذلك كان إيجاد الجذر التربيعي للعدد اثنين يحيرهم، لأنهم لم يكونوا قادرين على إكمال العمليات الحسابية. فأفلوطين قال إن الله هو النقطة، التي ليس لها طول ولا عرض، أي في النفي. ويبدو أن ابن عربي استلهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، مفهوم النقطة من أفلوطين، وجعل الله يساوي نقطة الوجود، التي تُمثل بالدائرة. ونقطة الدائرة هذه تُعرف عند ابن عربي بنظرية "الإنسان الكامل"، وهي نظرية يصعب اختصارها، لكنها تعني الشخص الذي يكون فيه كل إنسان تجلٍّ معين. فقد يتجلى الله في هتلر بصفة البطش الإلهي، أو في الأم تريزا بصفة الرحمة. هذه تجليات تفصيلية، لكن هناك أناس يكونون تجليًا كاملاً للألوهية، وهذا هو الإنسان الكامل.

الفقرة الثانية مشهورة، وقد ذكرتها من قبل، لكنني سأقرأها الآن من الكتاب لأن البعض يحبها، ثم نشرحها. وموضوعها لطيف جدًا، وهو: ما الفرق بين الشوق والاشتياق؟ الناس عادةً تستخدم الكلمتين بمعنى واحد، لكن ابن عربي له رأي آخر. ومن خلال هذا الرأي، سيعطينا مفهومًا للحب يخالف ما نفهمه، لكنه يستحق النظر. يقول ابن عربي في "الفتوحات المكية"، في الباب السابع والثمانين، وملخصه كالتالي: "الشوق يسكن باللقاء، والاشتياق يهيج باللقاء. من لا يعرف الاشتياق إلا العشاق. من سكن باللقاء فما هو عاشق عند أرباب الحقائق. من قام بثيابه الحريق، كيف يسكن؟ وهل مثل هذا يتمكن للنار التهاب وملكه؟ فلا بد من الحركة، والحركة قلق. فمن سكن ما عَشق. كيف يصح السكون؟ وهل في العشق كمون؟ هو كله ظهور، ومقامه نشور. العاشق ليس بحكمه، وإنما هو تحت حكم سلطان عشقه، ولا بحكم من أحبه. هكذا تقتضي المحبة. فما حب محب إلا نفسه، وما عَشق عاشق إلا معناه وحسه. لذلك العشاق يتألمون بالفراق، ويطلبون لذة الطلاق -بالتاء طبعًا-. فهم في حظوظ أنفسهم يسعون، وهم في العشاق الأعلون، فإنهم العلماء بالأمور، وبالذي باه الحق خلف السطور. فلا مَنّ لمحب على محبوبه، فإنه مع مطلوبه، ولا عنده محبوب ومرغوب سوى ما تقر به عينه، ويبتهج به كونه. ولو أراد المحب ما يريد المحبوب من الهجر، هلك بين الإرادة والأمر، وما صحت دعواه في المحبة، ولا كان من الأحبة."

على فكرة، هذا الكتاب كتبته وأنا في الثامنة والعشرين من عمري. والآن دعوني أحكي لكم قصة هذا الكتاب، مستغلاً حالة التركيز العالية عندكم. عندما أكملت الماجستير، أكملته بسرعة، ثم بدأت الدكتوراه. لكن الدكتور، أستاذي، أراد أن يعرقلني، فقال لي: "لا، انتظر، لن ينفع هكذا، يجب أن تصل إلى الثلاثين لتأخذ الدكتوراه." فقلت: "ماذا أفعل؟ أنا أشعر بالملل!" فذهبت ونشرت الماجستير في كتابين أو ثلاثة، وألفت خمسة كتب أخرى، من بينها هذا الكتاب الذي يشرح مشكلات "الفتوحات المكية". ولم أكن أعلم أن هذا سيسبب مشاكل أكبر. على أي حال، ما نراه هنا هو منظور مختلف للأشياء، عكس المشهور. فلو قال أحدهم لآخر، على سبيل اللغة المعتادة في الشام مثلاً: "اشتقت لك كثيرًا"، فهذا يختلف عما نقوله في مصر: "اشتقت له قوي." هنا مستوى آخر للمعنى. الجملة الأولى يمكن أن يقولها أي شخص لأي شخص: "وينك؟ اشتقت لك كثيرًا." لكن لو قال رجل لصديقه، أو قالت امرأة لصديقتها: "أنا مشتاق له قوي"، فهنا الدلالة تختلف. اللفظ واحد، لكن الدلالة متعددة. عند ابن عربي، هو يرفض هذا الحساب كليًا، ويقول: "لا، يا جماعة، الشوق والاشتياق شيئان مختلفان، لا يمكن أن يحل أحدهما محل الآخر." لماذا، يا شيخ الأكبر؟ يقول: "لأن الشوق يسكن باللقاء." فعندما يكون اثنان يشتاقان لبعضهما على محور صداقة أو حب أو عشق، ويلتقيان، ينتهي الشوق. أما الاشتياق فلا، بل يزداد ويهيج. فالشوق يسكن باللقاء، والاشتياق يهيج باللقاء. المحبون يعرفون الشوق، لكن الاشتياق لا يعرفه إلا العشاق، وهم درجة أعلى من المحبين. وقد ذكرنا الفرق بين الحب والعشق في الكتب. فطالما العاشق موجود، فهو يريد المعشوق، وكلما اقترب منه، زاد رغبته فيه. ليس أنه شبع، شبع مما؟ وجوده مرتبط بحالة القرب هذه. فالشوق يسكن باللقاء، والاشتياق يهيج باللقاء. ويوضح ابن عربي بعد ذلك أن الاشتياق لا يعرفه إلا العشاق، وغيرهم لا يعرفه. فإذا سكن أحدهم باللقاء، وقال: "خلاص، قابلت فلانًا، والله واتبسطت، تمام، نشوف بعض الشهر الجاي"، أو "أنا أحب فلانة، تقابلنا شوية، خلاص، نشوف بعدين"، فهذا لا يُعتد به. بلغة ابن عربي: "من سكن باللقاء فما هو عاشق عند أرباب الحقائق." لماذا؟ لأن العشق نار. فإذا أعطيت النار وقودًا، ماذا يحدث؟ تتوهج، وتظل تتوهج حتى تصل إلى الهيام. ونحن نتحدث الآن، والله يستر. من سكن باللقاء، يعني حسناً، خلاص، لكنه ليس عاشقًا عند أرباب الحقائق. لأن من أُضرمت فيه النار، كيف يسكن؟ ففي العشق، بالمعنى الصوفي أو الحسي المؤدي إلى المعنى الإلهي، لا فرق كبير بينهما. ففي الحالتين، لا توجد مادة متحكمة.

---
عندما تأتي امرأة وتعشق محمد عبد العال، فإن محمد عبد العال هذا ليس فيه شيء يُعشق، لا طول ولا عرض ولا وزن، لكنه يتمتع بعقل جيد. فننظر إليها ونقول: "يا بنتي، ما بكِ؟" فتقول: "لا، لا أستطيع العيش بدونه." بدونه ماذا؟ أليس هو بلا شيء أصلاً؟ أم أنه يحب "باربي العذراء"؟ إذا قسنا الأمور بالمقاييس المادية، لو كان لدينا مقياس نقيس به البشر، ونحدد من هي الأجمل، لأحبها الجميع. لكن هذا ليس ما يحدث. إذن، هناك مقياس آخر. يعبّر الناس عنه في المستويات الدنيا بكلمة "كيمياء". لكن ليس هذا فحسب في المستويات الدنيا، بل عندما نرتقي أكثر، نجد أن الأمر يصبح حريقًا يشتعل في الثياب. ففي العشق، العاشق لا يطيق الوجود بعيدًا عن المعشوق، حتى لو كان موجودًا. يرى أن الدنيا خانقة، ولا هواء فيها. فكيف يسكن؟ "من شبَّ في ثيابه الحريق، كيف يسكن؟ وهل مثل هذا يتمكن للنار التهاب وملكه؟" فلا بد من الحركة. يرمي نفسه من الشرفة، يدخل تحت الدش، يتدحرج على الأرض، يجلب بطانية ويضغط بقوة، لأنه لا بد أن يتحرك، لأن النار في يده. والعشق ليس له شروط دائمًا، لأنه بلا شروط وبلا قواعد. أما ما يُسمى "قواعد العشق الأربعون"، فهذا كلام غير صوفي أصلاً. لكن، مع ذلك، العشق مرتبط بالبوح، بالتجلي، بالظهور. إذا سكت العاشق، سيُطبق عليه ويموت. لا بد من فعل أو لقاء. في المدى المفتوح، لا يوجد شيء اسمه "أنا عاشق، لكن حسنًا، سأتحمل." لا يوجد شيء اسمه هكذا.

والجديد الذي يضيفه ابن عربي هنا هو أن العاشق ليس بحكمه، أي ليس على مزاجه. هو تحت حكم حالة العشق، وليس بحكم المعشوق. لماذا؟ لأنه في عبارة أخرى يقول في موضع آخر: في شوق الأعلى، إذا تحدثنا عن الله، وهو خلف الباب، فالعاشق يذوب في الشوارع، لكن المعشوق ليس هنا. السمة الرئيسية والأساسية للحب والعشق لا تتعلق بالمحبوب أو المعشوق، بل تتعلق بالعاشق وبحالة المحبة. لأن المحب هو الذي رأى ذاته متجلية بكاملها على مرآة شخص أو على مرآة الله. الحب ليس فيه حس، الحب نظري بحت. أما العشق فهو الذي يحمل الحس. لذلك، ليس من الدقة القول إن هناك عشقًا إلهيًا. كما قلنا، عند الفرس، كلمة الحب تساوي كلمة العشق. فالشعراء الفرس استخدموها بدلاً عن الحب. عمر العرب، لا شعراء ولا نثريين، منذ رابعة العدوية التي قالت: "أحبك حبين"، إلى ابن الفارض الذي قال: "شربنا على ذكر الحبيب"، وغيرهم، لن تجد أحدًا منهم، لا ابن الفارض، ولا ابن سبعين، ولا رابعة، ولا الحلاج، يقول "معشوقي". بل يقولون "حبيبي". أما عند الفرس، مثل جلال الدين الرومي، وفريد الدين العطار، ونجم الدين كبرى، وهو من أصول فارسية أيضًا، فهم الذين استخدموا كلمة العشق، فالتبس الأمران على الناس. لكن الحب نظري فكري، ليس فيه تفاعل أو تماس. أما الذي فيه تماس فهو العشق، والعشق أقوى بكثير.

فالعاشق مرتبط بمعناه، بالصورة التي يراها بحسه، وليس بالمعشوق. لو كانت القضية مرتبطة بالمعشوق، لكان قد سمع كلامه. يقول له المعشوق: "حسنًا، ارحل الآن." فيرد: "حسنًا، أنا ذاهب." لكنه لا يفعل. يقول له: "ارحل الآن"، فيظل جالسًا. "يا بني، ابحث لك عن عمل." لكنه لا يملك عملًا سوى هذا. لماذا؟ لأن ذاته لا تكتمل إلا بهذا. فالرؤية التي يطرحها ابن عربي في هذا الباب من "الفتوحات المكية"، ويخصها في هذه الفقرة، تبين أن الأمر يتعلق بصاحب الشعور، وليس بالمشعور به. ويقول في النهاية: "لو أراد المحب ما يريد المحبوب من الهجر"، فالمحبوب لا يهمه الأمر، فهو محبوب، وليس محبًا. طبعًا، قد يلتقي الطرفان، وقد لا يلتقيا. لذلك نقول دائمًا إن هناك حبًا من طرف واحد. وكل حب هو من طرف واحد، قد يقابله حب من الطرف الآخر، لكن لا يوجد عشق من طرف واحد. العشق لا بد أن يكون متبادلاً. هنا عاد ابن عربي واستخدم كلمة "الحب" وليس "العشق"، فقال: "لو أراد المحب ما يريد المحبوب من الهجر"، كأن يخلع الدبلة ويرميها له، أو يقول: "حسنًا، أعطني الدبلة." لو فعل ذلك، "هلك بين الإرادة والأمر، وما صحت دعواه في المحبة، ولا كان من الأحبة." وفي "الفتوحات" يقول: "المحب صاحب الدعوة، فهو صاحب بلوة." الدعوة، أي الدعاء، فيقول: "أنا أحب." حسنًا، تعالَ أرنا إذن. وفي التراث الصوفي، هناك الكثير من الطرائف في هذه المسألة. منها أن سمنون، أحد الصوفية المبكرين، كان يُلقب في الكتب بـ"سمنون المحب"، لكنه كان يسمي نفسه "سمنون الكذاب". وكان رجلاً عجيبًا جدًا. يُروى أنه كان يخطب في الجامع ذات مرة، فوجد الناس يتحدثون مع بعضهم، فالتفت وقال: "أيتها القناديل، إني أتحدث إليكِ أنتِ." فارتعشت القناديل، كما حدث مع مغنية الأوبرا التي كانت تكسر الكريستالات بصوتها. فسمنون، وقد أخذته الجلالة، قال بيت شعر واحد: "فليس لي في سواك حظ، فكيفما شئت فامتحني." انظروا إلى معنى البيت: "فليس لي في سواك حظ، فكيفما شئت فامتحني." ثم ترك الصوفية، وقال للناس: "ادعوا لعمكم الكذاب أن يُفرج عنه عسر البول." لأن هذا لم يتحمله. فالحب له آداب، والعشق له أصول. لكن عندما تغيب هذه المعاني عن الناس، تغيب مناطق إنسانية أساسية هي التي تميز الإنسان عن بقية الكائنات.

نأخذ استراحة قصيرة، ثم نتحدث عن فقرات أخرى من كلام ابن عربي. من هذه الفقرات التي يلخص فيها ابن عربي أبواب "الفتوحات"، قوله عن الباب رقم 15. طبعًا، تجاوزت بعض الأبواب هنا لأن معناها صعب بعض الشيء، أو لأن عبد الكريم الجيلي شرحها فعلاً في كتابه، فنقف عند ما لم يشرحه. ومن ذلك "سر إطفاء النبراس بالأنفاس". يقول فيه: "لما كان القائل له مزاج الانفعال، كان للنفس الإطفاء والإشعال. فإن أطفأ أمات، وإن أشعل أحيا. فهو الذي أضحك وأبكى الوجود، هو أنفاس الله." سواء بحكم الآيات القرآنية، أو بحكم المعاني المستقرة منذ الميثولوجيا المصرية القديمة، حيث بدأت تصورات الخلق انطلاقًا من أن آمون كلف خنوم، الإله المتولي صياغة البشر على عجلة الصلصال، ثم تأتي النفخة من آمون، فهي التي تجعل الإنسان إنسانًا. طبعًا، بالنسبة لابن عربي، النص القرآني أقرب إليه من الميثولوجيا المصرية القديمة، فمرر الموضوع على هذا المسار. ونفهم في ضوء ذلك قوله: "إن القائل له مزاج الانفعال، فالنفس له الإطفاء والإشعال." يعني، نحن يمكن أن ننفخ في جذوة نار فتتقدم، أو ننفخ نفخة في الشمعة فتطفئها. النفس واحد، لكن طريقة النفس هي التي تختلف. "فإن أطفأ سراج الشمعة أمات، وإن أشعل أحيا"، بنفس المنطق الذي به أضحك وأبكى، وهو النص القرآني الذي ينسب الفعل إليه. والقابل لا يُعوَّل عليه. إذن، القضية ليست في الإطار الذي نُفخ فيه، وهو الجسم الإنساني. القضية في النفس. تسميها نفس الرحمن عند المسلمين، أو نفخة آمون عند المصريين القدماء، أو روح المسيح الحي عند المسيحيين. سمها كما شئت، لكن العبرة ليست بالإناء، بل بمحتواه. فالقابل لا يُعوَّل عليه، وذلك لعدم الإنصاف في تحقيق الأوصاف، مع علمنا بأن الاشتراك معقول في الأصول. يعني، هناك فرق شاسع بين الخالق والمخلوق، مع أن هناك اشتراكًا في الأصول. فالإنسان يوصف بأنه رحيم، والله يوصف بأنه الرحيم. الإنسان يوصف بأنه جبار، والله يوصف بأنه الجبار. فالألف واللام للتمييز أو للعهد، فيصبح اسمًا إلهيًا. لكن معظم الصفات الإلهية هي صفة واحدة، وهي فقط الممتنع الاشتراك فيها، وهي صفة الأحدية. أما بقية الصفات، كالرحمانية، والواحد، والربوبية، فحتى نحن نقول "ربة البيت" و"رب العمل". والكرم والبطش، كلها صفات مشتركة. وفي الآية القرآنية: "إن بطش ربك لشديد، إنه هو يبدئ ويعيد، إنه هو الغفور الودود." وفي القرآن أيضًا: "وإذا بطشتم بطشتم جبارين." فنُسب الفعل للاثنين، وهو فعل البطش. وباستثناء الأحدية، كما يقول عبد الكريم الجيلي، وهي تعني ضمن ما تعني اللا جسمانية، فإن كل الصفات الإلهية هي صفات مشتركة. ومن هنا جاءت فكرة الحديث: "إن لله مئة خلق وسبعة عشر خلقًا، من جاء بخلق منها دخل الجنة." فينسب الفعل إليه، والقابل لا يُعوَّل عليه، وذلك لعدم الإنصاف في تحقيق الأوصاف، مع علمنا بأن الاشتراك معقول في الأصول. للقابل الإعانة، ولا يُطلب منه الاستعانة، فهو المجهول المعلوم عليه. صاحب الذوق يحوم، وحكمه في المحدث والقديم. يعني، صار للإنسان معنى عندما جاءته هذه النفخة، وإلا لو كان في ذاته لما كان. ولا حام عليه صاحب الذوق، وهو العارف. فالعبرة هنا بالنفس الصادر، وليس بالقابل لهذا النفس. يظهر ذلك في إجابة السائل. وهذا معنى قولنا: "القابل، لو لم تظهر نفس الرحمن، لما ظهرت الأعيان. ولولا قبول الأعيان، لما اتصفت بالكيان، ولا كان ما كان." الصبح إذا تنفس، أذهب الليل الذي عسعس. يعني، ظهور الوجود الإلهي في الطبيعة الإنسانية يلغي أحكام البشرية. فتجد القابل يشع، ليس بالنور المادي، بل بالمعنى الذي فيه. ثم يقول في شعر: "فلولا الصيد ما نفر الغزال، ولولا الصد ما كان الوصال، ولولا الشرع ما ظهرت قيود، ولولا الفطر ما ارتقب الهلال، ولولا الجوع ما ذبلت شفاه، ولولا الصوم ما كان الوصال، ولولا الكون ما انفطرت سماء، ولولا العين ما دكت جباله، ولولا ما أبان الرشد غيا، لما عرفت هداية ولا ضلال، ولا كان النعيم بكل شيء، ولا حكم الجلال ولا الجمال. أرى شخصًا له بصر ويرمي، ولا قوس لديه ولا نباله. فسبحان العليم بكل أمر، له المحيط، له الجلال. إذا نظرت إليه عيون قوم بلا جفن، بدا لهم الكمال." يعني، نظروا بقلوبهم، ولم يروا سوى نفوس مبعدة، وغايتها الاتصال.

وهذا مما يطول شرحه، فننتقل إلى الباب التالي، وهو "سر من منح ليربح". ويلخصه في بيتين شعر، يقول فيهما: "إذا ما كنت ميدانًا فقل فيه، إذا كان، فإني لست أن فيه، لذا سميته إنسانًا." يعني، بهذا حدث الاشتراك الوجودي بين البشرية والألوهية. فأنت الميدان، المجال الذي يحدث فيه الاشتراك، فأنت لديك الفرصة، وإلا لما كنت إنسانًا. والباب التالي هو "سر النافلة والفرد في تعلق العلمي بالطول والعرض". وفيه يتحدث عن الحب وعن الديانات الأخرى. يقول: "من كان علته عيسى، فلا يوسى، فإنه الخالق المحيي، والمخلوق الذي يحيي." من الذي يحيي الموتى؟ أليس عيسى؟ إذن، لماذا يغضب المسلمون من الأرثوذكس؟ لقد اكتسب عيسى سمة إلهية. أنت تريد أن تقول إنها على سبيل الإعارة، وهو يريد أن يقول إنها على سبيل الخاصية التي فيه. حسنًا، أنت مختلف في التفسير، لكن الفعل موجود. والمخلوق الذي يحيي، يعرض العالم في طبيعته، وطوله في روحه وشريعته. وهذا النور من الصيحة والدور، الصور والدور في الصور، في نقد الدهور. وهذا كتاب من كتب الحلاج المفقودة. الحلاج، أبو الحسين بن منصور الحلاج، المقتول سنة 309 هـ. لكن يبدو أن الكتاب كان لا يزال موجودًا في زمن ابن عربي، لأنه يأخذ منه فقرة مرعبة: "وهذا النور من الصيحة والدور المنسوب إلى الحسين بن منصور." ثم يقول: "لم أرَ متحداً رتقًا وفتقًا، وبِربٍّ نطق. وأقسم بالشفق والليل وما وسق، والقمر إذا اتسق، وركب طبقًا على طبق." مثله مثل الحلاج. فإنه نور في غسق. عندنا الشفق والغسق: الشفق في بداية الليل، والغسق عندما تظلم الدنيا، وهو ينير في غير وقته. فإنه نور في غسق، منزله الحق لديه، منزله موسى من التابوت. ولذلك كان يقول باللاهوت والناسوت. وأين هو ممن يقول: العين واحدة؟ يعني، الحلاج كان لا يزال واقفًا عند النقطة المسيحية، غير قادر على تجاوزها. ما هي النقطة المسيحية؟ أنه يرى اللاهوت شيئًا، والناسوت شيئًا آخر، ويبني على كونهما شيئين منفصلين، وهي عقيدة الأرثوذكسية: أن ناسوته لم يفرق لاهوته، ولا لاهوته فرق ناسوته. هنا تمييز. الحلاج كان لا يزال واقفًا عند هذه النقطة. أما ابن عربي فيراه مسكينًا، ويقول: "اخرج من هنا، اعرف أن العين واحدة." هناك مستوى آخر من الارتقاء المعرفي لم يدخل فيه، لا لاهوت ولا ناسوت. نقرأ الفقرة مرة أخرى: "منزله الحق لديه، منزله موسى من التابوت. ولذلك كان يقول باللاهوت والناسوت. وأين هو ممن يقول: العين واحدة؟ ويحيل الصفة الزائدة؟ وأين فاران من الطور؟ وأين النار من الور؟ العرض محدود، والطول ظل ممدود، والفرد والنقل شاهد ومشهود." يا سيدي، لا يمكن أن تقول لاهوت وناسوت، لأنك بذلك ترفع الناسوت إلى درجة كأنه مقابل للاهوت. لا، لا يوجد إلا اللاهوت. وما تراه أنت من عالم الأجسام هي تحولات، حالات للوجود الإلهي المتجلي دائمًا بأشكال مختلفة. وكما قلنا مرات عديدة: "لا يتجلى على عبدين بصفة واحدة، ولا على عبد واحد بصفة مرتين." وهذا هو المعنى الذي يفهمه الصوفية من الآية: "كل يوم هو في شأن." وهو المعنى الذي نفهمه من الآية الإنجيلية: "إن شمس الله تشرق على الأشرار والأبرار." نوره ساطع في الكل. طبعًا، لا نأخذ هذا الكلام على ظاهره، لكن الحقائق تظهر في شكل ومضات. الناس يفوتون هذه الومضات، ويمسكون بالنص، ويختلفون في النصوص التي هي تفاصيل، وينسون المعنى الأساسي: أنه لا يوجد إلا وجه الله أصلاً. فأنت تتشاجر وتتخاصم في مستوى إدراكك، في عمىك، في ضلالك، في وهمك. ولذلك تجري وتجري، وفي النهاية تجد نفسك لم تصل إلى شيء. من لديه مئة مليون جنيه الآن، لو أصبحت مئة وخمسين مليونًا فجأة، ماذا سيحدث؟ ومن لديه رغيف خبز وقطعة جبن وهو سعيد جدًا، لا يشعر بنقص، راضٍ، كيف ذلك؟ ثم تجد أن أكثر شعوب العالم رفاهية هي الأكثر انتحارًا، بينما أكثر شعوب العالم فقرًا، انظر إلى أطفال إفريقيا الذين دمرتهم الأمراض والمجاعات، وانظر إلى ضحكهم وابتساماتهم الدائمة. إذن، المسألة ليست بهذا الحساب. هي بمعنى داخلي. هذا المعنى الداخلي ليس ماديًا. الرضا والبهجة والسعادة ليست مفاهيم مادية. ليست أمثلة نأخذها، بل هي وعي. هذا الوعي أساسه ليس ماديًا، بل سماوي، وليس أرضيًا.

ومن ذلك "سر وجود النفس في العسس". العسس، وهم الشرطة السرية في اللغة القديمة، لكن هنا يستخدمها ابن عربي بمعنى رمزي، يعني التجليات. بالعسس تطيب المنام، أي عندما تعرف أن هناك حقًا، وأن هناك بعثًا، يطيب نومك. وبالنفس تزول الآلام. إن أضيف إلى غير الرحمن فهو بهتان. لو قلت لي إن العسس هم الشرطة السرية التابعة لجهاز أمن الدولة، فأنت لم تفهم. لو قلت لي إنهم جهاز المخابرات، فأنت لم تفهم. العسس ليسوا شيئًا آخر، بل هم أنفاس الرحمن المحيطة بك. ظهر حكمه، فزال عن المكروب غمه. من قبل اليمن جاء. هنا يحيل إلى أحد الأحاديث النبوية الأكثر إشكالاً في الفكر الإسلامي، وهو موجود في الصحاح، أي كتب صحيح الأحاديث: "إني لأجد نفس الرحمن تأتيني من قبل اليمن." يعني، الله له أنفاس؟ لم يستطع أن يشرح كثيرًا، لم يستطع أن يقول إن كل الوجود هو أنفاس الرحمن. "من قبل اليمن جاء، وبعد تنفيذ حكمه فاء." لم يستطع أحد أن يكمل شرح هذا المعنى، لأنه قال "الحكمة"، ثم انتبه أن الناس لن تتحمل هذا الكلام. "وإليه يرجع الأمر كله." هذه الآية، أضاف لها كلمتين فقط قلبا الدنيا: "وإليه يرجع الأمر كله." لأنه ظله. كل الوجود هو ظلال. كل المرئيات هي ظلال للوجود الإلهي. وبالتالي، يرجع إليه الأمر كله. لماذا؟ لأنه ظله. لا ينقبض الظل إلا إلى من صدر عنه. فإنه ما ظهر عينه، يعني ما امتد إلا منه. فالفرق لا يستبد، أي الظل تابع للجسم، فإنه إلى أصله يستند. في الفروع يظهر التفصيل، وتشهد له الأصول في قضية العقول. وهذا يحيل إلى شيء غريب جدًا في القرآن. وكعادتنا، نفوت الآية: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلاً؟" ثم: "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل؟" ثم، للاستئناف: "جعل الشمس عليه دليلاً."

ومن ذلك "سر الهرب من الحرب". من مال متحيزًا إلى فئة، أو متحرفًا لقتال. في القرآن: "ومن يولهم يومئذ دبره، إلا متحرفًا لقتال، أو متحيزًا إلى فئة، فقد باء بغضب من الله." هذه الآية. يقول ابن عربي: "فما مال." أحيانًا، مثلاً، الأم تقسو على طفلها، لكن هذا لا يعني أنها قاسية. أحيانًا الإنسان يلزم نفسه أن يجلس، مثلاً، عشرين ساعة ليذاكر. هنا ليس يعذب نفسه، بل مال متحيزًا لحاجة معينة. فلا نقول عليه الحكم العام. فعودوا دائمًا أن تنظروا إلى ما وراء الموقف. لماذا فعله؟ لنفهم من مال عن الحرب أو هرب من الحرب. "ومن لم يه من مال متحيزًا إلى فئة، أو متحرفًا لقتال، فما مال." فالهروب من الحرب هو من الخداع في الفزع. كن قارًا، ولا تتبع فارًا. لا تضطره إلى ضيق. لا تجئ كذلك، لا تضطره إلى ضيق. فإنه يأتيك بما تكره من فوق. هنا اضطراب في إيقاع السجع: "كل يجري في قربه إلى أجل، فلا تقل بجل إذا نزل القدر." عمل البصر، نزول الحمام يقيد الأقدام. وقد تحدثت من قبل في محاضرة عن هذه القضية، وقلت إنه في المخطوطات، هذا الجزء ليس في النسخة المحققة، بل في آخر الكتاب. فعدت إلى مخطوطة ابن عربي نفسه. ابن عربي لم يكن ينقط الحروف، وكان يعتمد في كتابته على أن تغيير التشكيل يغير المعنى. فتصبح العبارة: "نزول الحمام يقيد الأقدام"، أي الواردات الإلهية تقيد الأقدام. أو "نزول الحمام يقيد الأقدام"، لأنه يحرك اليد أكثر من الرجل. أو "نزول الحمام"، أي الموت، فتنقطع الأعمال. فكلما تغير ضبط الحروف، تغير المعنى. "نزول الحمام يقيد الأقدام، لا جناح لمن غلبه أمر المتاح." يعني، بعض الناس مغلوب على أمره فعلاً، كالعاشق، أو المجذوب، أو المهووس، أو الشغوف بشيء إلى درجة أنه لا يرى غيره. كل هؤلاء لا جناح عليهم. "لا جناح لمن غلبه أمر المتاح. من راح استراح إلى مقر الأرواح." يعني، سيظل يذهب حتى يصل إلى تلك النقطة.

ثم يتحدث عن نقاط، وهي، كما أظن، تتعمق قليلاً في المصطلحات الصوفية، ومما لا يشغل عقول الناس عمومًا. يتحدث عن الاحتقار على الهواء، وأنه لا ينفع، وعن النوم عند الصوفية، وسر تعشق القوم بالنوم، وعن حاكمية العلم، وعن الخلافة، خلافة الله للإنسان في الأرض. وهنا النص الذي كنت أتحدث عنه، ونختم به. يقول: "ومن ذلك مراتب الأحباب في منازل المحبة. الأحباب أرباب، كل واحد يحب هو صاحب حاله. فالأحبة أرباب، والمحبوب خلف الباب." شيء آخر. المحب رب دعوة، فهو صاحب بلوة. "لولا دعوة المحبة، ما طلبنا الجزاء من اللطيف المحبوب. إذا شاء وصل، وإن شاء هجر. فإذا ادعى محب محبته، اختُبر المحب في الاختبار." هو دائمًا في تعرض، ماذا سيفعل؟ والعين عليه، لأنه يدعي. "المحب في الاختبار، والحبيب مصان عن الأغيار." يعني، من يحب الله لا يرى الدنيا، ومن يحب امرأة لا يرى النساء الأخريات، ومن تحب رجلاً لا ترى الرجال الآخرين، بل تراهم كائنات موجودة فقط. لكن المحب في الاختبار، والمحبوب مصان عن الأغيار. يعني، لا نسبة بينه وبين الآخرين. "ولهذا لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار." للأحبة منزل في المحبة، يعني، ليس كل الأحبة سواء. "فحبيبي وحبيب قريب." يعني، الآن محمد جالس بجانبي، لكن علاء أقرب إليّ، ليس أقرب بكثير، لكن إذا لم يكن بالمتر، يعني ليس بالمسافة. للأحبة منزل في المحبة: فحبيب جنيب، وحبيب قريب. فالمحب إذا كان ذا جنابة، فما هو من القرابة. وإذا لم يكن جنيبًا، كان قريبًا. قرب الحبيب بالاشتراك في الصفة، وجنابته في عدم الاشتراك. بالجنابة، التي تحتاج إلى تطهير. يعني، كما أعطت المعرفة، تقرب إليّ بما ليس فيّ. هذا شرحه عبد القادر الجيلاني في نص خطير جدًا، نصبه أيضًا لابن عربي. لكن عبد القادر الجيلاني، في نص يُسمى "الغوثية"، خطاب فهوانا وسمع من الله الكلام. يقول له: "يا غوث الأعظم، قل لأحبابك وأصحابك: من أراد منكم صحبتي، فعليه بالفقر، ثم فقر الفقر، ثم الفقر عن الفقر. فإذا تم فقرهم، فما ثم إلا أنا."

---


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة