عبد الوهاب المسيري (٢): علمنة الجسد

**علمنة الجسد والجنس: تأملات في المعايير الجمالية والوظيفية**

في سياق الحديث عن ظاهرة علمنة الجسد، يبرز النقاش حول قضية الرجيم كأحد أشكال فرض معايير جمالية لا ترتبط بالوظائف الإنسانية للجسد. إن المعايير الجمالية المفروضة على المرأة، والتي تُملي عليها أن تكون نحيفة بشكل مُحدد، لا تعكس طبيعة دورها الإنساني. فمن المعروف أن جسد المرأة، بعد الزواج والإنجاب والرضاعة، يأخذ شكلاً. مختلفًا، ومع ذلك، تظل هذه المعايير الهندسية بعيدة كل البعد عن أي مرجعية إنسانية. كما أن الأدب قد انفصل عن المرجعية الإنسانية، وكما أن الدولة قد تحررت من هذه المرجعية، فإن معايير الجمال أيضًا قد تخلت عنها، مطالبة المرأة بأن تكون نحيفة بدرجة مفرطة، في نمط لا يعبر عن جوهرها الإنساني.

في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يمكن ملاحظة هذا التنميط بشكل واضح، حيث يُفرض على النساء أن يكن "غير مرئيات" من حيث الجسد، ومع ذلك يُطالبن بتجويع أنفسهن للوصول إلى نمط معين. هذا النمط النحيف يُعتبر في عالم المظاهر مؤهلاً لتحقيق مناصب أفضل، كالسكرتارية وغيرها، مما يعيد تعريف الجسد الإنساني ليتناسب مع وظائف مادية عقلانية، لا مع وظائفه الإنسانية. من هنا، يمكن القول إن العلمنة، في جانب من جوانبها، تتضمن نزعًا للإنسانية، إذ تعتمد على معايير آلية وهندسية لا علاقة لها بالإنسان.

على صعيد آخر، يمكن رؤية هذا التنميط في استخدام مزيلات العرق ومستحضرات التجميل، التي تُعد جزءًا من عملية توحيد الجسد وتقنينه. في هذا السياق، ظهرت مجموعة من المصطلحات في الخطاب العلماني تبدأ بحرف "دي"، مثل "دي-هيومانز" (نزع الإنسانية)، و"دي-مستيفاي" (نزع الغموض)، و"دي-درايز" (إزالة العرق)، وكأن هناك حالة مادية نمطية يُطمح إلى بلوغها، وهي حالة غير إنسانية في جوهرها. ففي الولايات المتحدة، كان من الشائع أن يحمل الشخص العديد من المنتجات التجميلية، كالبخاخات ومستحضرات الشعر والفم، ليصبح كآلة تسعى إلى القضاء على أي رائحة إنسانية طبيعية.

في تجربة شخصية، يُروى أنه عند العودة من الولايات المتحدة إلى مصر عام سبعة وسبعين، شعر الراوي بالصدمة من الروائح الإنسانية الطبيعية في أتوبيس عام، لكنه سرعان ما اعتاد عليها بعد يومين. هذا يعكس كيف أن الحالة المادية المثالية، التي تُصنع في المختبرات، تجعل الإنسان ينفر من طبيعته الإنسانية. فعند رؤية جسد امرأة أم، يُنظر إليها على أنها "ممتلئة" بشكل مبالغ فيه، دون أن يُؤخذ في الاعتبار أن هذا الشكل طبيعي ومرتبط بدورها كأم. بل إن النحافة المفرطة قد تُشير إلى إهمال هذا الدور الإنساني.

إن هذه العملية تتضمن توظيفًا دائمًا للجسد، يقابله عبادة كاملة له، تتمحور حول ماديته. تتجلى هذه الظاهرة في مسابقات ملكات الجمال، التي تُحاول أحيانًا إضفاء طابع ثقافي عليها، كأن تُطرح أسئلة مثل "ما عاصمة موزمبيق؟"، لتُجاب بإجابات مثل "باريس"، في محاولة لإضفاء هالة من الثقافة، بينما الهدف الأساسي يظل التركيز على الجسد.

فيما يتعلق بالجنس، تُعد علمنته من أبرز الظواهر التي تُحرر الجنس من أي مشاعر إنسانية، كالحب والألفة والطمأنينة، ليصبح مجرد أداء وظيفي. من هنا ظهر ما يُسمى بـ"الجنس العرضي"، الذي يعكس تحرر الجنس من العنصر العاطفي أو الجواني. كما أن الأدب تحرر من المرجعية الإنسانية، وكما أن الدولة والمنزل تحررا منها، فإن الجنس أيضًا قد انفصل عن الحب والإنجاب والزواج. 

في مثال طريف، يُذكر أن شخصية مثل مايكل تايسون، الذي قيل إنه اعتنق الإسلام، كان يُمارس الجنس بمعدل مرة ونصف يوميًا، وهو ما قد يُسجل في كتاب الأرقام القياسية للأداء الجسدي، لكنه لا يعبر عن الحب أو الإنسانية بأي شكل. هذا يُظهر تحررًا كاملاً للجنس من مرجعيته الإنسانية.

في سياق آخر، يُروى أنه في السعودية، كان يُضرب المثل بأنه إذا اجتمع رجل وامرأة، كان الشيطان ثالثهما، بينما في الولايات المتحدة، يبدو أن الشيطان "لا يحضر"، إذ يتم التعامل مع العلاقة بين الرجل والمرأة كإجراءات محايدة، رزينة، وعقلانية، تتضمن مفاوضات وتعاقدات واضحة. هنا، يُمكن القول إن الشيطان في هذه الحالة هو الحياد نفسه، أي رفض الإنسانية.

في بعض الأماكن، أصبح من الضروري حمل شهادة خلو من الإيدز كجزء من هذه المفاوضات، مما يُظهر كيف أن العلاقات الجنسية تُعامل كعملية وظيفية بحتة. حتى البيوت العاهرة أُعيد تسميتها بـ"عاملات جنس"، في نظرة محايدة ترى الإنسان كطاقة عضلية لا أكثر ولا أقل. 

تتجلى هذه العلمنة أيضًا في تمايز الأنشطة الجنسية، حيث قد تمارس امرأة أمريكية، على سبيل المثال، الجنس العرضي مع شخص، وتُنجب من آخر، وتتزوج من ثالث، مما يُحقق كفاءة عالية في الأداء الوظيفي، لكنه يُفقد الجوانب الإنسانية، كالألفة والتركيب العاطفي. إن هذا التحييد يُنتج عقودًا واضحة، تجعل الزواج مؤسسة وظيفية، والإنجاب خيارًا يعتمد على انتقاء الشريك الأنسب، والعلاقات غير الزوجية وسيلة لتحقيق أداء عالٍ، لكنه يُضيع في المقابل العالم الجواني للإنسان.

إن هذه التأملات تُبرز كيف أن علمنة الجسد والجنس، في سعيها إلى تحقيق كفاءة وظيفية، تُفقد الإنسان جوهره، وتُحيله إلى مجرد آلة مادية، بعيدة عن مرجعيته الإنسانية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة