إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

مرحبًا بكم، أنا عمرو عبد الحميد، وهذه حلقة جديدة من بودكاست "جدليات". اليوم، نتناول موضوعًا محوريًّا في الفكر والثقافة العربية المعاصرة، ألا وهو أزمة المثقف العربي. يسعدني في هذا السياق أن أرحب بضيفي الكريم، الكاتب الكبير والإعلامي الموقر الأستاذ إبراهيم عيسى، أحد أبرز الكتاب والإعلاميين في المشهد العربي، الذين تناولوا العديد من القضايا الإشكالية دون خوف أو وجل من مخالفة الرأي السائد. اشتهر الأستاذ إبراهيم عيسى بتناوله للمسكوت عنه، فهاجم السلطة وانتقد رموزها في السابق، ودفع ثمن ذلك وقتًا من حريته. أما على المستوى الإبداعي، فقد أصدر ضيفنا عددًا من الأعمال الأدبية التي تحولت لاحقًا إلى أعمال سينمائية، كان آخرها فيلم "الملحد"، الذي مُنع من العرض لأسباب قيل إنها رقابية. أرحب بضيفي الكبير الأستاذ إبراهيم عيسى، أهلًا وسهلًا.

إبراهيم عيسى: أهلًا، أستاذ عمرو، أهلًا بك، شرف لي، الله يخليك.

عمرو عبد الحميد: أستاذ إبراهيم، كما جاء في ختام المقدمة، لنبدأ من أزمة فيلم "الملحد" قبل أن نغوص في قضايا المثقف العربي. بدايةً، هل شعرت بالخذلان من موقف المثقفين المصريين والعرب بعد منع فيلم "الملحد"؟

إبراهيم عيسى: يعني، ليست كلمة "خذلان" بمعناها الدقيق. سأشعر بالخذلان بعد فترة، لكن أثناء الأزمة نفسها، الأزمة مشتبكة ومركبة ومعقدة، وفيها تدخلات كثيرة. البعض ربما لا يدرك أن الفيلم وصل إلى درجة المنع، أو ربما يتشكك في أن هذا قرار نهائي. لكن، لا توجد حالة استنفار للدفاع عن حق الفيلم في الظهور، خصوصًا أن الفيلم حاصل على موافقة الرقابة على المصنفات الفنية، وملتزم التزامًا تامًا بكل القوانين المرعية من المصنفات الفنية في مصر. فليس شعورًا بالخذلان، لكن شعور الخذلان يكون موجودًا وحاضرًا عندما تكون منتظرًا موقف تضامن، نعم، يعني التفافًا، حتى تعضيدًا معنويًّا. عندما تكون منتظرًا توقعات عظيمة، فإن باب الإحباطات يصبح عظيمًا. لكن أنا لا أنتظر شيئًا، فهذا من الأمور التي تجعلك تتعامل مع التطورات والأحداث بروح أكثر برودة وتوازنًا واتزانًا نفسيًّا، يسمح لك ألا تُسلم نفسك إلى توقعات تنتهي بك إلى خيبة أمل أو خذلان. فأنا تقريبًا لا أشعر بالخذلان أبدًا، لأنني لم أنتظر من أحد أي شيء أبدًا. هل هذا شيء جيد أم سيئ؟ لا أعرف. ربما يكون هذا شيئًا سيئًا جدًّا، لأنك من المفترض أن تكون طالبًا لدعم الناس وسندهم، لأنها قضيتهم. لكن أنا منذ عام 1992، في رواية "العراء" التي صدرت لي، وكان أول ظهور لها من خلال الهيئة العامة للكتاب، وهي هيئة حكومية تطبع الكتب في مصر، هي التي أصدرت الرواية، ونزلت الرواية بمقدمة لكاتب كبير وعظيم. رجعنا في معرض الكتاب، وتمت مصادرتها. فكاتب كبير وأستاذ من الأساتذة الكبار الأفاضل، والذين كانت تربطنا بهم صداقة حقيقية رغم فارق السن، كتب عمودًا في صفحته الأدبية المتخصصة التي كان يشرف عليها وقتها، وقال إن أحد الكتاب، وكأنه من هواة الشهرة والباحثين عن الشهرة، وهو الذي أبلغ عن نفسه جهات الأزهر وغيرها لتصادر الرواية، ليحصل على هذه الشهرة. أنا زهلت من هذا الموقف، واعتبرته شيئًا رخيصًا. وشهرة أيّة؟! التي تُطلب بمصادرة أو بغيرها؟ ثم عمل أدبي لم يحصل على حقه في أن يقرأه الناس. المهم، بعدها بأربعة أو خمسة أيام من كتابة هذا المقال، صدرت كتب وروايات، منها رواية له، فطبعًا حدث وقتها ضجة وصخب كبير. كثيرون كانوا يمدحون الدكتور سمير سرحان، رئيس الهيئة العامة للكتاب، المثقف الكبير، لقدرته على الدفاع عن مبدعيه. المهم، أُفرج عن "العراء"، كما أُفرج عن الروايات والكتب الأخرى. بعدها، ربما بعامين، عدت للنشر مرة أخرى. لكن ما استوقفني، وأنا وقتها في سن السابعة والعشرين، تلك اللحظة التي جعلتني أتساءل: لماذا؟ هو كان يقارب ضعف عمري وقتها، رحمه الله. واستمرت صداقتنا بعدها، وتعلمت أن أتسامح مع هذه الأمور. أصبح التسامح منهج حياتي. فتجد الناس، الذين من المفترض أن تدافع عن الرواية أو الكتاب أو الصحيفة أو البرنامج، يبحثون دائمًا عن أسباب غير الأسباب التي يجب أن يقفوا عندها كمثقفين. أن هذا كتاب صودر، فلابد أن تقف مع حقه، بصرف النظر عن كاتبه أو ما هو مكتوب فيه. هي ليست قضية فردية، أو هكذا يجب أن تُعامل. قضية مثل رواية "العراء" أو فيلم "الملحد" ليست قضية فردية، لأنها تمثل الجميع. لكن الفكرة هي في التعامل والتضامن الواسع. لا يوجد كتاب في مصر صُودر أو عمل واجه مواجهة، سواء أمنية أو دينية، إلا وكنت من الأوائل الذين دافعوا عنه. هل يحدث هذا عندما أكون أنا صاحب العمل؟ انطباعي يختلف عن الذي لم يعتد على ذلك. هل هذا يصيبك بألم؟

عمرو عبد الحميد: يعني، منذ أن كنت في التاسعة من عمرك، وأنت تعمل في الصحافة منذ عام 1984، وأنت طالب في السنة الأولى بالجامعة، في إجازة السنة الأولى. أي أنك قضيت أربعين عامًا في هذه المهنة. فلم تتفاجأ كثيرًا بأشياء تستحق التفاجؤ. لكن أشعر في كلامك، يا أستاذ إبراهيم، بأن لديك مرارة.

إبراهيم عيسى: لا، بالعكس، ليست لدي مرارة حقيقية من المثقف كزميل أو كرفيق درب ومشوار. لدي مرارة حقيقية من المجتمع والواقع، لأننا لم نصل بعد حتى نصدر إلى أعتاب الدولة المدنية، وأن هناك سيطرة وهيمنة من التيار الإسلامي بكل تنويعاته، من إخوان إلى سلفيين، إلى من يصفون أنفسهم بالمعتدلين أو الوسطيين. هناك تشبث هائل بكتلة من الأفكار الجامدة والمتحجرة التي تسيطر على الناس إلى حد أنهم يعادون عملًا لم يروه أحد. فزع مذهل، ذعر رهيب، على شيء لم يره أحد! قد يكون الفيلم رديئًا، غير مؤثر، هامشيًّا، أو فاشلًا. لماذا كل هذا الغضب على فيلم لم تشاهدوه أصلًا؟ لكن، على الناحية الأخرى، تذكر قضية محاولة اغتيال الأستاذ نجيب محفوظ، صاحب المحاولة لم يقرأ أي كتاب. لا، هذا إرهابي قاتل، كُلف بالقتل فقتل. لكن أتحدث عن جماعات، زرافات، لجان إلكترونية، وبعض المشايخ والعمائم التي تدخلت في الأمر، وقالت وأدلت برأيها رغم أنها لم ترَ شيئًا أصلًا. هذا عمل مطلق، كامل، ورغبة في إثارة حالة من المرارة.

على الناحية الأخرى، إذا كان هناك شعور بالمرارة، فهناك شعور بالغرور الذي ينبغي أن أحاربه في نفسي. أنا رجل أحب أن أبدو متواضعًا لدرجة الغرور، لكن في الحقيقة، مشهد أن العالم يقوم ويثور بكل هذا الفزع والذعر على عمل كتبه إبراهيم عيسى يجعلني أشعر ببعض الغرور. حتى نسوا أن هذا العمل ملك مخرجه، ففي الأفلام السينمائية، الفيلم ملك المخرج، وليس ملك المؤلف أو المنتج. نسوا كل ذلك، ونسبوا الفيلم إلى هذا الرجل المدعو إبراهيم عيسى. هذا الفزع والذعر يجعلني أجلس على أريكة منزلي وأشعر أنني أحرك العالم بقلمي. لا بأس من بعض الغرور، كأكثر المتواضعين غرورًا، أو أكثر المغرورين تواضعًا.

عمرو عبد الحميد: طيب، أستاذ إبراهيم، هل فكرت أنت وفريق الفيلم في تغيير العنوان؟ العنوان مستفز بعض الشيء.

إبراهيم عيسى: العنوان وافقت عليه الرقابة، وكنا قد وضعنا عنوانًا مؤقتًا، لكن عندما وافقت الرقابة على "الملحد"، لماذا نرفضه؟ ثم، في الوقت نفسه، هناك فيلم يسمى "المدمن"، هل هو دعوة للإدمان؟ فيلم يسمى "القاتل"، هل هو دعوة للقتل؟ فيلم يسمى "الإرهاب" أو "الإرهابي"، هذا جنون! فيلم "المجنون"، هل هو دعوة للجنون؟ هل يعقل أن الدولة المصرية، وزارة الثقافة، المصنفات الفنية، و250 شخصًا شاركوا في الفيلم، من ممثلين ونجوم كبار، والكاتب والمخرج والمنتج، سيعملون عملًا يدعو للإلحاد؟ هذا من العبث والبله والخبل أن يقول أحد ذلك. لكن عندما يقول المخبول ذلك، فيصدقه كثير من الناس، ويسوقون بعضهم بعضًا للهجوم على عمل لم يشاهدوه. مجرد فكرة العنوان فقط، هذا ما يجعلني أشعر بالمرارة تجاه ما آلت إليه الأمور في واقعنا المصري بالأخص، لأنني أظن أن بعض المجتمعات العربية أصبحت أكثر تقدمًا ورحابة من حالة السيطرة والهيمنة السلفية على المجتمع المصري حتى الآن. هل هذه الحالة في تصاعد؟

عمرو عبد الحميد: حالة السيطرة والهيمنة، هل هي في تصاعد؟

إبراهيم عيسى: الحقيقة، هناك مشهد غريب. هناك دولة تؤكد في تصريحاتها الرسمية أنها دولة مدنية ديمقراطية حديثة. دعك من الديمقراطية والحداثة، دعني أقف عند المدنية. عندما تقول إن دستورها ينص على أنها دولة مدنية، وتصريحاتها الدائمة تتحدث عن فكرة المدنية، فإنها تعطي الإشارة يمينًا وتتجه يسارًا. أنت في لحظة غريبة جدًّا، حيث تدعو الدولة دائمًا إلى أنها دولة مدنية، وأنه لا رقابة دينية، وأن هناك حرية إبداع، ثم تستسلم للرقابة الدينية بشكل رهيب ومزعج ومؤسف وموجع ومفجع. في الوقت نفسه، تشعر أن هناك سيطرة وهيمنة، حيث تستطيع لجان إلكترونية يقودها إسلاميون أو متأسلمون، إخوان أو سلفيون، تغيير قرار دولة مصرية بالسماح بعرض فيلم كان من المقرر عرضه بعد ثلاثة أيام. إلى هذا الحد؟ ثم تتدخل جهات دينية وتقدم تقارير عن الفيلم تطالب بمنعه. هل هذا أمر مألوف؟ هل يمكن أن نقول إنه عادي وطبيعي؟ لا يحدث. الفيلم الوحيد الذي أصدر الأزهر فتوى بمنعه في تاريخ السينما المصرية كان فيلم "الرسالة" لمصطفى العقاد، فينضم إليه الآن فيلم "الملحد". بالنسبة لي، أعتقد أن الفيلم دخل التاريخ، بصرف النظر عن عرضه أو منعه. لكنني لم أكن أريد أن أدخل التاريخ، كنت أريد أن يدخل الناس الفيلم، وأن تنتصر الدولة المدنية المصرية على التطرف والتشدد، خصوصًا أنها هي التي سمحت بالفيلم. لم نصنع الفيلم في دولة أخرى بالالتفاف والمراوغة، لم نأخذ الممثلين والمصورين ونذهب لتصويره في بلد آخر. مشينا من الصفحة الأولى في السيناريو حتى الصفحة الأخيرة، مختومة بختم الرقابة: موافق، موافق، موافق. الرقابة الرسمية التابعة لوزارة الثقافة، المعنية قانونًا بالموضوع. لكنك استخدمت مصطلح "الرقابة الدينية"، التي هي التي رفضت الفيلم. هل تظن أن هذه هي نقطة النهاية في هذه القضية؟

عمرو عبد الحميد: منع الفيلم، هنا نقطة مهمة.

إبراهيم عيسى: الفيلم الآن، أعتقد أنه فيلم الدولة، وليس فيلمي أنا، ولا فيلم المنتج الكبير أحمد السبتي. لأنه عندما وافقت الدولة على هذا الفيلم بكل مراحله، وسَمحت بعرضه، وعملنا الإعلانات، أصبح الفيلم فيلم الدولة التي وافقت عليه. عندما ننظر هنا، من سينتصر في هذه المعركة؟ الدولة المدنية، أم المؤسسات الدينية، والرقابة الدينية، والجماعات الإسلامية، والسلفيون، والإخوان في حربهم ومواجهتهم للفيلم؟ دعنا نترك للتاريخ أن يحكم.

عمرو عبد الحميد: هل فوجئت بهذا التطور؟

إبراهيم عيسى: لا، كنت متوقعًا، بطبيعة الحال، أن الفيلم عندما يخرج للمشاهدة، سيكون هناك الجدل المطلوب، والنقاش الساخن الحاد أحيانًا. أنا معتاد على الاتهامات دائمًا. لكن لم أقصد منع عرض الفيلم. كيف يُمنع، وكل مراحله تحت عين الرقابة، وموافقة الرقابة؟ ثم عُرض على الرقابة في نسخته الأخيرة، وأخذ الموافقة منذ يناير. نحن من قررنا العرض في أغسطس لمتطلبات السوق السينمائي. لم نكن نستطيع إنزال فيلم "الملحد" في عيد الفطر، كان ذلك سيكون صعبًا بعض الشيء.

عمرو عبد الحميد: نتمنى أن الفصل الأخير في هذه القضية لم يُكتب بعد.

إبراهيم عيسى: هذا الفيلم سوف يُعرض، لكن متى؟ في مصر، لدينا تجارب كثيرة. "زائر الفجر" عُرض بعد سنتين من منعه، "العصفور" عُرض بعد ثلاث سنوات من منعه، "الرسالة" عُرض بعد 25 سنة من منعه، "أولاد حارتنا" كُتب عام 1959، وطُبع في التسعينيات تقريبًا. على المدى التاريخي، هذا الفيلم سيشاهده الناس. لكن السؤال الآن: هل سيشاهده الآن أم لا؟ هل سنشاهده نحن، أم سيشاهده هذا الجيل؟

عمرو عبد الحميد: أستاذ إبراهيم، هل أنت مع التعريف التقليدي للمثقف، بأنه الرجل الذي بضاعته هي الأفكار، ويرغب في تغيير العالم، ويرغب في التأثير في مجتمعه؟

إبراهيم عيسى: هناك تعريفات كثيرة ومتعددة ومراوغة أيضًا. أفضل أن نتحدث عن المثقف بتصنيف واضح: هل نتحدث عن المثقف حامل المعرفة، أم المثقف الذي يعمل بالمعرفة، بمعنى أنه مثقف عضوي، متفاعل مع المجتمع، لديه رسالة يريد قولها، ويتفاعل مع واقعه؟ إذا كان المثقف حامل المعرفة، فهم كثيرون جدًّا، خاصة في مصر. أستطيع أن أقول إنه في كل قرية في مصر، وهناك 4000 قرية، هناك عدد من المثقفين الحقيقيين، لديهم معارف كثيرة، وقراءات متعددة، وحالة من الشغف بالمعرفة وبالمجالات المختلفة. تعاملت مع مدرسين في المرحلة الإعدادية والثانوية في بلدنا أوسيم، وكان من بينهم مثقفون عظام كبار، لكنهم لم يتجاوزوا حمولة الثقافة، ليسوا نشطاء ثقافيين، ليسوا مؤثرين في الشارع، لا يلعبون دورًا في رسالة، ولا ضمن فكرة إيصال دورهم وموقعهم إلى الناس. أما المثقف الفاعل، فهذه قصة أخرى، لأن هناك مثقفًا فاعلًا، يا ليته لم يكن مثقفًا ولا فاعلًا. التعريف دائمًا يحمل هوى يساريًّا. عندما يتحدثون عن المثقف، يكون في أذهانهم المثقف اليساري. لا، هناك مثقف يميني، ولا بأس بذلك. فكرة أن نحاصر المثقف [موسيقى] ونحصده، لا. رأيي، ربما من الأشياء التي يكتشفها المرء كل يوم، أن المثقف اليساري تقريبًا شريك في ضياع الوطن العربي. لكن، عمومًا، المثقف الفاعل محدود في واقعنا، وليس له هذه الدرجة من التأثير. لكن المثقف الفاعل، منذ رفاعة الطهطاوي، غيّر شكل المجتمع والبلد والكون. عندما تنظر إلى مثقفي مصر، ونحن نتحدث عن الحالة المصرية، من رفاعة الطهطاوي، كما قال الأستاذ بهاء طاهر، رحمه الله، "أولاد رفاعة وأحفاد رفاعة"، تنظر إلى رفاعة، وعلي مبارك، والإمام محمد عبده، وقاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وكل هذه الأسماء العظيمة. من السهل الآن أن نسأل أنفسنا: هل هناك أسماء مثل هذه في هذا الواقع؟ السؤال سهل، والإجابة: لا. لأن المثقف الفاعل، المشع، المضيء، المنير، القادر على خوض المعارك، والذي يسعى إلى بناء مجتمعه، مثل الدكتور طه حسين، الذي كتب في النقد الأدبي، وكتب روايات، وكان أستاذًا جامعيًّا، واكتشف مثقفين وأساتذة من أفضل العقول التي قدمت في مصر، وصحفيًّا، ورئيس تحرير، وكاتبًا سياسيًّا، ووزير معارف. انظر إلى كل هذه الأدوار التي لعبها المثقف. انظر إلى الدكتور محمد حسين هيكل، أول رواية مصرية حديثة "زينب". كان محمد حسين هيكل وزيرًا للداخلية في وقت من الأوقات، ورئيس مجلس الشيوخ، ورئيس حزب الأحرار الدستوريين، ورئيس تحرير جريدة الأحرار. المفارقة العظيمة في مصر أن الذين أسسوا الحياة السياسية، أول ثلاثة أحزاب في تاريخ مصر، خرجوا من ثلاث جرائد: جريدة "الجريدة" التي خرج منها حزب الأمة، وجريدة "المؤيد" التي خرج منها حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية للشيخ علي يوسف، وجريدة "اللواء" التي خرج منها الحزب الوطني لمصطفى كامل. هذه الأحزاب الثلاثة الأولى خرجت من ثلاث جرائد، من ثلاثة مثقفين، من حالة ثقافية. هذا الإشعاع الثقافي العظيم أنتج ثورة 1919 وما سبقها وما تلاها. لكن الردة الحقيقية للمثقف حدثت في الستينيات وحتى وقتنا الحالي. على سبيل المثال، أحد الكتب الغامضة التي لم يفضل الأستاذ هيكل نشرها أو إعادة نشرها هو كتابه "أزمة المثقفين". يحضرني قصة بيني وبين الأستاذ هيكل، وهو أستاذنا الكبير والمعلم، بصرف النظر عن أي وجهات نظر تتقاطع أو تختلف. في المحصلة، هو رجل نفخر بوجوده في الساحة المصرية وفي التاريخ المصري. بدأت أنشر الفصل الأول من هذا الكتاب في جريدة "الدستور"، على اعتبار أنه كتاب نادر للأستاذ هيكل، وهو عبارة عن مجموعة مقالات نُشرت عام 1962، مثل كتاب "الطريق إلى رمضان"، وهو أيضًا مجموعة مقالات. لكن في المحصلة، اتصل بي الأستاذ هيكل وطلب مني، وطلبه يشبه الأمر بطبيعة الحال لما له من مكانة في نفوسنا وقلوبنا وعقولنا، ألا أنشر بقية الكتاب. لماذا؟ عندما تقرأ الكتاب، ستكتشف فورًا أن الصراع يدور حول أزمة المثقف: هل يكون ولاؤه للدولة وفكرة النظام، أم للمثقف الحر؟ هنا الحرية بمفهومها الواسع. الكتاب كان منحازًا إلى المثقف الذي يكون مع الدولة، فهنا كان حرج الأستاذ هيكل، لأنه كان يخاصم مجموعة من المثقفين وقتها.

عمرو عبد الحميد: نعم، في الحقيقة، المثقف المصري في الخمسينيات والستينيات دفع ثمنًا غاليًا جدًّا لمواقفه السياسية، وليس الثقافية. أنا في تصوري أنه لو كان الأساتذة اليساريون، الذين تعرضوا للإهانة والسجن في سجون عبد الناصر لتسع أو عشر سنوات، وبعضهم قُتل، لو كان جهدهم ذهب إلى جهد فكري ثقافي تنويري، لكان أفضل بكثير من أن يكونوا أعضاء في تنظيم شيوعي يتصورون أنهم سيحولون العالم إلى عالم اشتراكي ومصر إلى مصر اشتراكية. لقد أضاعوا كثيرًا على أنفسهم وعلى مجتمعهم عندما عملوا كنشطاء سياسيين وأعضاء في أحزاب سرية شيوعية، بينما لو كانوا قد أولوا اهتمامًا للثقافة وتنوير الوعي، لكان لهم دور أوسع وأهم. لقد فعلوا ذلك بعد خروجهم من السجن، لكن بعد ضياع حقب من الزمن.

عمرو عبد الحميد: أستاذ إبراهيم، ربما أثرت شجونًا عديدة في إجابتك على السؤال السابق. إشارتك إلى أن المثقف اليساري هو وراء ما يعانيه المصريون والعرب، هل هذا تصور عاطفي أكثر من كونه موضوعيًا؟

إبراهيم عيسى: لماذا عاطفي؟ أنا كنت في يوم من الأيام أمين الفكر الناصري أو النادي الناصري في جامعة القاهرة، وكنت نائب رئيس اتحاد أندية الناصرية في جامعات مصر. لماذا مرارة أو عاطفة؟ بالعكس، هذا توصيف حقيقي نتيجة التجربة والمعايشة. كنت في نفس الخندق، وموجود على مدى أربعين عامًا في واقع ثقافي، إعلامي، سياسي، منخرط بكليتي في هذا الواقع. استطعت، مع قراءة متعمقة للتاريخ وتفهم، أن أحرر نفسي من قيود العاطفة والانتماءات. اليسار هو الوجه الآخر للتيار الديني في واقعنا العربي. لماذا؟ لأن اليسار لم يكن ديمقراطيًّا أبدًا، لم يبحث عن الديمقراطية. اليساري، عقيدته ودستوره، هو الذي دخل السجن من أجله، ومستعد أن يدخل السجن من أجله، ويموت من أجله أحيانًا، هي ديكتاتورية الطبقة العاملة، وصول هذه الطبقة إلى الحكم، وأن تدير هذا المجتمع، وإنهاء الحالة الطبقية، كما يتصور ويعتقد ويتمنى ويحلم ويطمع، وإقصاء فكرة الرأسمالية لأنها مستغلة. قصة شيوع الثروة بين أيدي الناس، كل هذه الأفكار قائمة على ديكتاتورية الطبقة العاملة. إذا كانت اللحظة الأولى هي إقصاء ونفي وإزاحة لأي طبقة أخرى، وبناء الفكرة كلها على صراع طبقي، فانظر إلى الناحية الأخرى، تجد الجماعة الإسلامية أو الرجل المثقف الإسلامي، إن صح التعبير، أو الفكرة الإسلامية عمومًا، قائمة على ماذا؟ لا ديمقراطية، ولا إيمان بالديمقراطية، ولا إيمان بالوطنية، ولا أي شيء. لكن عندما تدخل انتخابات، ماذا تريد؟ تطبيق الشريعة الإسلامية، واحتكار الإسلاميين للحكم، وأن يحكم الإسلام. لا أحد من الاثنين يسعى إلى الديمقراطية. يسعون إلى الديمقراطية كوسيلة للوصول إلى طموحهم وتحقيقه في المجتمع. هل تتصور أن الحزب الشيوعي، إذا حكم البلاد، سيسمح بحزب رأسمالي؟ الرأسماليون خونة وكلاب أصلًا، سيُرهقونهم. وكذلك الإسلاميون. الاثنان يجمعهما أيضًا شيء مهم جدًّا: الأممية. اليساري أممي، "يا عمال العالم اتحدوا"، فكرة الوطنية عنده تالية. في الوقت نفسه، الإسلاميون ليس لديهم سوى الأممية الإسلامية، أمة واحدة، والمسلم الماليزي أقرب إليه من المسيحي المصري. لديهم مشتركات كثيرة. جناية اليسار على الواقع العربي أنه لم يدافع عن الحرية ولا عن الديمقراطية، بل دافع عن شعبيته، عن فكرته، عن عقيدته. لم يدافع عن حريتي وحريتك وحرية الآخرين. دوره ومهمته وتنظيماته السرية وكتاباته كلها كانت لأن إخوة الطبقة العاملة يحكمون، وهي ديكتاتورية الطبقة العاملة. أهدر قدرًا هائلًا من الجهد فيما لا طائل منه. الحقيقة، هناك تضحيات عظيمة وشخصيات في منتهى النبل في التيار اليساري، وبذلت حياتها، لكن في المحصلة، جند الله في معركة خاطئة. لم يسعَ إلى تنوير الشارع، ولا تنوير المجتمع، ولا الديمقراطية الحقيقية. دليلي على ذلك أنه في السبعينيات، عندما ظهرت الجماعات الإسلامية، هرست اليسار هرسًا. في لحظة تكاد  [موسيقى] في شهور إلى سنتين، تقلص اليسار حتى أصبح مساعدة السلطة. صحيح، لكن لاحظ أيضًا أن اليسار في الستينيات كان يساعد السلطة، وكانت هناك خصومة بين السلطة واليسار الشيوعي، لكن حدثت مصالحة، وتمكن اليسار من الوجود في مفاصل كثيرة من الدولة. دعنا نصل إلى النقطة التي أريد قولها، ممثلة في فيلم "عودة الابن الضال"، للشاعر العبقري صلاح جاهين، والمخرج العبقري يوسف شاهين، وملحن كمال الطويل، وأغنية "بنت لازينة" تغنيها مجد الرومي مع إبراهيم الموجي أو أمين الموجي، "الشارع لمين؟ الشارع لنا". اسمع ما يقوله صلاح جاهين: "إحنا لوحدنا، والناس التانيين دول مش مننا، في مكانهم إيه؟" في إيه؟ الشارع لينا إحنا. هذا الكلام في 1976-1977، مظاهرات 1978، الطيار الإسلامي اكتسح الشارع. طلع الشارع لمين، يا أستاذ صلاح؟ ما طلعش لنا خالص. المفارقات نفسها، لو بقينا عند صلاح جاهين، بمناسبة المثقف، صلاح جاهين عمل "خلي بالك من زوزو"، شيء عظيم، رائع جدًّا، فيلم مكسر الدنيا، ونموذج رهيب للبنت المتحررة التي تخرج من بيئة مدانة مرفوضة، فتفرض احترامها وتقديرها، وتصبح الفتاة المثالية. لكن الشارع المصري بعدها بدأ يلبس الحجاب. إحنا قصاد يسار يكاد يكون منفصلًا عن الواقع، لأنه عنده واقعه الخاص به. لذلك، لا تجده يتحالف مع غيره من التيارات والأفكار الأخرى، إلا تيار واحد. هناك تحالف غريب صامت عجيب بين التيار اليساري والإسلاميين. تجد هذا في المنظمات الحقوقية التي ظهرت في الثمانينيات، ثم في التسعينيات، بدأت على أيدي اليساريين والناصريين. وجدوا نشاطًا مهمًّا وإنسانيًّا عظيمًا وسياسيًّا مهمًّا، لأن الأنشطة الأخرى كانت مغلقة أمامهم، ففتحوا مجال حقوق الإنسان بدعم دولي بطبيعة الحال. تجد كل المنظمات الحقوقية تقريبًا تقدم دفاعًا هائلًا عن الإرهابيين. الإرهابي له حق، هو سجين له حق، لكن في المحصلة، الخطاب الحقوقي موجه للدفاع عن ضحايا، أو أعضاء، أو عناصر، أو مساجين من الطيار الإسلامي. هذا لا يدين الطيار الإسلامي. دعني أكمل هذه النقطة. أي منظمة حقوقية مصرية تضامنت مع إسلام بحيري عندما حُكم عليه بالسجن؟ أي منظمة حقوقية تضامنت مع قضايا ازدراء الأديان وضحاياها، وبعضهم فلاحون في القرى، وليسوا شخصيات معروفة؟ دائمًا أنت أمام هذا الحلف الصامت بين الإخوان واليسار، حتى بعد 2011، القائمة ضمت الاثنين معًا. ستقول لي: في 30 يونيو، اليسار؟ قسم كبير من اليسار كان متفرجًا وصامتًا ومحايدًا، وبيرسم لنفسه طريقًا ثالثًا في الخصومة بين الشعب من جهة والإخوان من جهة أخرى. إذا كنا أمام مشهد، نعود إلى عنوانك الأهم، وهو فكرة أزمة المثقف. ما هي أزمة المثقف؟ أنه بشكل حقيقي ومخلص، أقولها، ليس مخلصًا لقضية الديمقراطية والحرية بشكل حقيقي، لأنه لو كان مخلصًا للديمقراطية والحرية، لما وضع أمامه ألوانًا. هو يضع أمامه ألوانًا، هو عقيدي قوي. المثقف العقائدي هو الذي يسبب المشكلة. لذلك، عندما أعود وأقول من الذي أسس التنوير العربي؟ كلهم شخصيات لا علاقة لها باليسار. أتحدث عن رفاعة الطهطاوي، محمد عبده، طه حسين، أحمد لطفي السيد، محمد حسين هيكل، العقاد، وغيرهم. لن تجد من اليسار أحدًا. اليسار دائمًا في منطقة صعبة للغاية في التأثير.

عمرو عبد الحميد: وكأنك، أستاذ إبراهيم، تشخص أزمة المثقف اليساري، واستخدمت قبل قليل مصطلحًا آخر، المثقف الإسلامي. هل هناك ملامح معينة تميز المثقف الإسلامي؟

إبراهيم عيسى: لا يوجد مثقف إسلامي أصلًا. أتصور أنه رجل دعاية وعقيدة ودعوة. هم أقرب إلى الوعاظ، حتى لو كانوا أساتذة جامعة في الطب. واعظ، وليس مثقفًا. من المهم جدًّا أن يكون المثقف منتجًا للأفكار. هو لا ينتج أفكارًا، بل يلوك نفس الأفكار القديمة. بالعكس، يقدس الأفكار العتيقة، ولا يقدم تجديدًا ولا اجتهادًا. بالعكس، يدافع عن الجمود، ويعتبر الأمور رواسخ. فكيف تتحدث عن مثقف لا يملك القدرة على إنتاج فكرة جديدة، أو مناقشة فكرة قديمة، أو تجديد فكرة عتيقة؟ هذا مثقف بأي صفة؟ هم جميعًا، بلا استثناء، حتى الأسماء المحسوبة عليهم، مثل الدكتور عبد الوهاب المسيري، رجل عظيم، كاتب كبير، ومفكر كبير، كل كتاباته دعائية، كلها لخدمة فكرة إسلامية، الإسلام المثالي، المجتمع الإسلامي المثالي. هذا الهوى سيطر وهيمن بطريقة كبيرة. لأشرح لك مدى التحالف الصامت لليسار، أحيانًا قد لا يكون واعيًا. عندما تنظر إلى اليساريين الذين انشقوا، إلى أين ذهبوا؟ عادل حسين كان ماركسيًّا، فأصبح رئيس تحرير جريدة "الشعب"، وأحد منظري التيار الإسلامي. محمد عمارة، من ماركسي عتيق فظيع إلى منظر للتطرف والإرهاب. ذهب إلى منطقته الحقيقية، لأنها نفس العقيدة، سائدة، قائمة على الاستعلاء والاستبعاد. من السهل جدًّا أن تنتقل من هنا إلى هناك ببساطة، لأنه نفس المنهج: امتلاك الحقيقة واحتكارها، هيمنة، فكرة دعاية ودعوة واستبعاد واحتكار. لذلك، لا يوجد مثقف إسلامي. إذا أردتم أن تقولوا لنا أن علي شريعتي مثقف إسلامي، فهو ليس كذلك. لا يوجد تنظيم ديني واحد أخرج مفكرًا أو مثقفًا كبيرًا. الإخوان المسلمون، على طولهم وعرضهم، لم يخرجوا مبدعًا، ولا مفكرًا، ولا منظرًا. لماذا؟ لأن الفكرة قائمة على الجمود والثبات والاعتقاد باحتكار الحقيقة وصحتها المطلقة، والإيمان بالعقيدة والثوابت، وعدم الحياد عنها أو الخروج منها. فماذا ينتج هذا؟ الإخوان المسلمون لم يخرجوا مثقفًا واحدًا يُحسب على القوم. لذلك، يتمسحون بمثقفين مثل عبد الوهاب المسيري وغيره، على أنهم مثقفو التيار الإسلامي. الحقيقة، الخبرة هنا تسمح للواحد أن يكون متحررًا تمامًا. أقول هذا التوصيف، وليس أحكامًا. أقول كمن يعالج مرضًا، أو كمن يشخص حالة. حتى زملاؤنا الذين كنا نعتقد أنهم جزء من التيار الديني، وانشقوا عن الإخوان المسلمين، وأصبحوا أكثر انفتاحًا، جاءت 25 يناير وكشفتهم جميعًا، وعادوا إلى ردتهم الأولى، إلى نفس الفكرة ونفس المشروع. فاتضحت الوحدة في الطرفين بقوة، وهذا ما يجعلنا متعطلين، مشلولين. للأسف، لسنا فقط مشلولين، بل الناس إما تتقدم أو تتأخر، لكن نحن نحفر. هذا الجديد الذي يفعله الوطن العربي، نحفر ونعد في القاع، وما زلنا نحفر.

عمرو عبد الحميد: طيب، ما هو الحل؟ من هو المثقف الحقيقي الصحيح من وجهة نظرك؟

إبراهيم عيسى: المثقف الليبرالي، الذي قُتل بعد ثورة 1952. المثقف الليبرالي الذي عمل كل مشروع الدولة الوطنية، والإصلاح والتجديد الديني، والتعددية والحرية، قُتل كفكرة، واستُبعد كأشخاص. هؤلاء المفكرون أو المثقفون قرروا أن يعملوا على الفن والأدب والوجدان، وألا يحدثوا صدامًا مع عبد الناصر أو غيره، مثل نجيب محفوظ، طه حسين نفسه، العقاد. نحن لا نأخذ بالنا أن طه حسين عاش عصر جمال عبد الناصر بالكامل، والعقاد حتى عام 1966. نجيب محفوظ، أسماء كثيرة جدًّا من هؤلاء الكتاب قرروا، مثل أسماء عديدة ومتعددة، نستطيع أن نقول إنها كانت يمكن أن تضيف لمصر أشياء عظيمة جدًّا لو لم تُقيد بالظهور السياسي، مثل الدكتور وحيد رأفت من حزب الوفد، وأسماء كثيرة. لو لم يُقبض على إحسان عبد القدوس وسُجن وهُدد، وأحمد بهاء وغيرهم. كلهم كانوا في حالة من التقييد المادي والفعلي، أو التقييد المتوهم والمتوقع، فقل عدد المثقفين الليبراليين والمؤمنين بالليبرالية. لأنه لا يوجد يساري كتب ما كتبه طه حسين أو حسين هيكل ليعرفوا كيف يواجهون الإسلاميين. ماذا حدث في السبعينيات عندما ظهرت الجماعات الإسلامية؟ سيطرت على الجامعات. كان اليساريون والناصريون هم الموجودون، فجاءت مجموعات جديدة من الشباب يقولون إنهم إسلاميون، يقولون "قال الله وقال الرسول"، ويحكون حكايات وتاريخًا وأحاديث. الذين أمامهم لا يعرفون شيئًا عن هذا الموضوع. أنا دخلت الجامعة عام 1983، بسم الله ما شاء الله، اليسار لم يقرأ كتابًا واحدًا في التاريخ الإسلامي، ولا يعرف يفاوض، والأسماء غريبة عليه. فأنت أمام شخص لا يعرف يرد ولا يصد. يقولون له مثلاً ابن حنبل، فيقول لهم: هذا أبو حنيفة. ليس لديه هذه الثقافة الإسلامية أو ثقافة التراث الإسلامي، ولا درسها ولا تعلمها. فهُبط، طار، نفخوه بالإرهاب، بالضرب والجنازير. اختفى. أنا دخلت الجامعة عام 1983، وجدت التيار اليساري مختفيًا. أقول لك، نادي الفكر الناصري، وأنا كنت مفتوح الصدر جدًّا، كنا 30 واحدًا في جامعة القاهرة كلها. جمعية الاشتراكيين، سبعة مثلًا، أصحابنا الآن ستة منهم أصبحوا رأسماليين أغنياء جدًّا. نحن أمام مشهد يقول ماذا حدث؟ التوصيف الحقيقي لما حدث، الأزمة الحقيقية في غياب الليبرالي المصري والعربي، هو الذي أدى إلى ما نحن فيه بوضوح شديد. لا أحد يحمي الديمقراطية ولا الحرية، ولا يدافع عنها بشكل حقيقي، بل بشكل سياسي عقيدي انتهازي. فانتهى الأمر أن لا أحد يؤمن بالحرية.

عمرو عبد الحميد: وأنت تتحدث عن صورة المثقف في عصور عبد الناصر والسادات ومبارك، أيهما كان الأقرب إلى مفهوم المثقف الحقيقي في أي من تلك العصور؟

إبراهيم عيسى: أنا أعتبر الأستاذ لطفي الخولي، وهو رجل يساري ماركسي قديم، ورئيس تحرير مجلة "الطليعة"، لكن التحولات التي أجراها في أفكاره وآرائه ومواقفه، وصولًا إلى كوبنهاغن، بصرف النظر عن موافقتي أو اختلافي معه، أتحدث عن دوره وتأثيره. ليس مثقف كتب، ولا مثقف مقال، ولا معرفة. هو مثقف فاعل ومؤثر ويغير. عمل على ألا يكون أسير أفكاره، لأن هناك مشكلة كبيرة جدًّا، يا أستاذ عمرو، عندما يكون الإنسان أسير أفكاره وعقيدته، فهي تحبسه كما يحبسه القفص بالضبط. فلما تحرر من ذلك، أعتقد أنه من الأسماء التي لم تحصل على حقها، لأن اليسار اعتبره خرج من القبيلة وتمرد عليها، والناصريون اعتبروه خصمًا، الابن الضال. وهكذا، مثل الأستاذ علي سالم، كاتب مبدع عظيم جدًّا، أحد أهم كتاب المسرح، وأحد أهم العقول العربية عمومًا. أول ما ظهر موقفه التطبيعي، تم التعامل معه كأنه رجس من عمل الشيطان، وأصبحت أعماله المسرحية والدرامية العظيمة الرائعة في حالة إقصاء واستبعاد وخصومة للرجل وانزعاج منه، وخصومة إنسانية لا تُفهم. لماذا فعلوا ذلك؟ الظروف كانت كذلك. سأحكي لك واقعة معبرة جدًّا. علي سالم كان يأخذ هذا الموقف التطبيعي بشكل جريء جدًّا، وبصدمة أشد. كان يجلس في تجمعات المثقفين التي كنا نجلس فيها، فعومل بنبذ شديد جدًّا ورفض شديد جدًّا. أدعي أنني ظللت صديقًا وصاحبًا له حتى اللحظة الأخيرة من حياته، وأحبه جدًّا، رجل أختلف معه جدًّا، وعملت معه حوارات في اختلاف أكثر من ساخن، لكن مع تقديري للرجل. أحكي لك موقفًا. كنا في إحدى الصحف في عددها الأول، فكرنا أن نعمل سبقًا صحفيًّا كبيرًا، وأن نعمل لقاء بين الأستاذ هيكل والأستاذ نجيب محفوظ، لأول مرة منذ سنوات، معًا في صالون نجيب محفوظ. كانت مهمتي إقناع الأستاذ نجيب، وكانت مهمة أستاذنا الكبير الأستاذ حمودة إقناع الأستاذ هيكل، ثم تبادلنا الإقناع معًا. المهم، اتفقنا على الفكرة، ووافق الطرفان. لكن الأستاذ هيكل قال لي شرطًا واحدًا: الجلسة التي سنذهب إليها، فيها علي سالم، باعتباره أحد حرافيش الجلسة مع الأستاذ نجيب. قال لي أولًا: علي سالم لا يكون موجودًا. طبعًا، هذا أمر لا أملكه على الإطلاق، نحن نزور الناس، هل سأقول من يحضر ومن لا يحضر؟ فطبعًا، الأستاذ هيكل أكبر من أن يسمع هذه الإجابة، فأدركها على طول، فقال لي: يبقى لا يظهر معي في الصور إطلاقًا، ولا يوجه لي حوارًا. هذا ما أريد قوله كنوع من النبذ. بينما نحن، عندما نقرأ في التاريخ، نرى الخصومات الرهيبة بين المثقفين والسياسيين، ومع ذلك كانوا يجلسون بالليل في نادي السيارات معًا.

عمرو عبد الحميد: هل صدمك موقف هيكل؟

إبراهيم عيسى: أدهشني وقتها. أعتقد أنه لا يوجد شيء اسمه مثقف يخصم إنسانًا إنسانيًّا لأنه مختلف معه فكريًّا أو شخصيًّا. هذا بالنسبة لي خارج إطار كونك مثقف. الثقافة التي فيها التنوع والتعدد والقبول بالآخر. عندما يكون صاحبك صديقك، فأجد الناس في الأزمات السياسية التي يصبح فيها الاستقطاب قويًّا، مثل 25 يناير، 30 يونيو، حرب غزة، يقول لك: أنا بلكته، لا أكلمه منذ ذلك الحين، لا أجلس معه، أشرب قهوة، تركته. ما هذا؟ هذا مثقف يريد تغيير مجتمعه، بينما لا يطيق أن يختلف مع صديقه؟ يا سلام! كل سنة وأنتم طيبون، نشوفكم في شكر الله وسعيكم. من يفعل ذلك، أداؤه لا يمكن أن تثق به على إدارة عقل مجتمع أو مخاضبة المجتمع. عندما يختلف إبراهيم وعمرو، وهما أصدقاء، أو ضمن فريق واحد من العلاقة السانية الطيبة والرحمة بينهما، فجأة عمرو يتبنى موقفًا وأنا موق性感سادات، ويقول: رأيك أن محمود كويس، وأنا أرى أن محمود وحش، فنختلف مع بعض ونقطع علاقاتنا ونبلك بعض. هذا الفكر اليساري المغلق، الذي هو للأسف، هو المنتج الثقافي اليساري، متوفر في الشارع الثقافي المصري أكثر من المنتج الليبرالي والمنتج المنفتح المتعدد الذي لديه قبول بمناقشة كل الأطراف وكل الأطياف. لكنه، لأنه عقائدي، مثل الإسلاميين بالضبط، فهو دائمًا يعتبرك مهرطقًا، ينطبق عليك الحد. لديه حدٌّ يساري أيضًا، الحدود اليسارية يُطبق.

عمرو عبد الحميد: أستاذ إبراهيم، على ذكر الأستاذ هيكل، كثيرون ينتقدون اقتراب هيكل من السلطة في عهد عبد الناصر، ومحاولات الاقتراب في بداية عهد السادات. هل يعيب المثقف اقترابه من السلطة؟

إبراهيم عيسى: لا أعرف تعبير "اقتراب من السلطة"، نحاول أن نفككه أو ندققه. هو كان في السلطة، وليس قريبًا من السلطة. في مرحلة من المراحل، كان وزيرًا، للحظة من اللحظات. لكنه طوال الوقت كان شريكًا في صناعة القرار، وكان يمكن أن نقول إنه المستشار السياسي لرئيس الجمهورية، حتى لو لم يكن هذا لقبًا رسميًّا. في الوقت نفسه، هو في السلطة مع الرئيس، لكنه كان رئيس تحرير الأهرام. لا أبعد من أن تكون رئيس تحرير الأهرام، لأنه كان وقتها، يمكن أن نقول، المستشار السياسي لرئيس الجمهورية أنور السادات، بدليل هندسة 15 مايو، كلها هندسة الأستاذ هيكل. الأستاذ هيكل يحب في كتاباته أن يقول إنه يتحدث كشاهد، عندما يكتب "سنوات الغليان"، "الانفجار"، وما إلى ذلك، وهي كتب مهمة للغاية. أو عندما يتحدث في برنامجه "تجربة حياة"، 213 حلقة من أهم ما يمكن أن تشاهده لتقرأ ما جرى في مصر في فترة الأستاذ هيكل. هو يقول إنه شاهد، لكنه ليس شاهدًا، هو شريك. لكنه إما تواضع أو تنصل، لكنه شريك.

عمرو عبد الحميد: من وجهة نظرك، تواضع أم تنصل؟

إبراهيم عيسى: مزيج من الاثنين. لكن في المحصلة، هو في النهاية مستشار سياسي لرئيس الجمهورية، ووزير الإرشاد القومي. كان يُقبض على زملائه في المكتب، لطفي الخولي وغيره. فهناك حرج في أن يقول إنه شريك. حاول طبعًا أن يخفف من أمور كثيرة، وربما ساهم في أمور أخرى. له رواية شهيرة يحكي فيها كيف خاصم عبد الناصر لأنه قبض على لطفي الخولي، وسكرتيرته هي نفسها اتقبض عليها. لذلك، عندما يقول إنه شاهد، يفكر في هذه المشاهد. أنا عندما أقول إنه شريك، أفكر في مشاهد أخرى. لكن ما أريد أن أنصفه فيه، وهو لا يحتاج إلى إنصاف، فهو في قمته، ليس وحيدًا، لكنه على قمته. الأستاذ هيكل، بعد ما انفصل عن السلطة، أصبح أكثر تأثيرًا وأكثر حضورًا وأكثر إنتاجًا. عندما تنظر إلى الأستاذ هيكل من عام 1957، عندما تولى رئاسة تحرير الأهرام، حتى خرج من الأهرام عام 1974، هذه حقبة الصلة الوثيقة بالدولة. انظر من عام 1975 حتى وفاته، رحمه الله، عام 2015 أو 2016، يمكن أن ندقق في التاريخ. انظر إلى حجم المنتج الرائع الذي أنتجه، المنتج السياسي، الكتب الرائعة، المحاضرات التي ألقاها، دوره في العمل العام والمجال العام، الرؤى التي قدمها، المصطلحات التي صاغها. دوره وقمته ومكانته لم تهتز أبدًا بالبعد عن السلطة، بل زادت قوة ومتانة بابتعاده عن السلطة. من يقول إن قيمة الأستاذ هيكل في أنه كان في السلطة، هذا غير دقيق. قيمته الحقيقية، برأيي، بانت كهَرم بعد خروجه من الأهرام.

عمرو عبد الحميد: بعيدًا عن الأستاذ هيكل، هناك نماذج عديدة اقتربت من السلطة. هل يعيبها ذلك؟

إبراهيم عيسى: لا، اقتراب المثقف من السلطة ليس عيبًا في ذاته. هذا مفهوم غريب جدًّا. نحن نتحدث عن أن المثقفين يريدون أن يكونوا في السلطة، فلماذا لا يقتربون، ولماذا لا يكونون في السلطة؟ المثقف سيظل هو هو. هنا التصور أن المثقف معارض بالضرورة. هناك ناس تختار هذا الدور. لو سألتني، سأختار هذا الدور، ألا أكون موجودًا داخل إطار سلطة. لكن لو دخل مثقف في السلطة، أسعد به جدًّا، واقترب منها، هذا شيء عظيم. لماذا تزعلون؟ أن يكون المثقفون في السلطة وقريبين من السلطة، مدرسة الحداثة تقول إن المثقف يجب أن يكون ناقدًا اجتماعيًّا. ربما الدكتور محمد عابد الجابري، رحمه الله، توصيفه لهذا أن يكون ناقدًا اجتماعيًّا، ويطبق نقده وهو في السلطة. لكن نحن في مجتمعات عربية، ولسنا في سويسرا. نحن في أمس الحاجة إلى وجود مثقف في السلطة يرشد ويهدي ويؤثر. وجود هيكل المثقف إلى جوار عبد الناصر، أظن أنه أضاف لعبد الناصر كثيرًا، وربما أنقذنا من أشياء، وتورط في أشياء أخرى. لكن في المحصلة، وجود مثقف في السلطة أو قريب من السلطة، مثقفين، وليس مثقفًا واحدًا، مهم جدًّا. أنا أعتبر السيد فاروق حسني، وزير الثقافة، وأطول وزارة ثقافة عمرًا، كان مهمًّا جدًّا للحياة المصرية. وجود مثقف مثل فاروق حسني في سلطة مبارك كل هذه السنوات أفاد مصر كثيرًا جدًّا، وأنقذنا من أشياء كثيرة جدًّا، وأضاف أشياء كثيرة جدًّا ما كانت لتحدث إلا لو كان هذا المثقف موجودًا. الدكتور جابر عصفور، رئيس المجلس الأعلى للثقافة، رحمه الله، مفكرنا العظيم، وجوده في موقع ثقافي ضمن الدولة المصرية أعطى وعمل المركز القومي للترجمة وعمل وعمل. ثروة عكاشة، كمثقف، انظر ماذا فعل. أنا أدعو لتقريب المثقف من السلطة أو اقتراب المثقف من السلطة. لكن إذا كنت ستقترب كمثقف بشكل انتهازي، أو ستبيع، أو ستسقف، مثل الدكتور مصطفى حجازي، وجوده في السنة الانتقالية كمستشار للسيد عدلي منصور، عندما كان رئيس الجمهورية المؤقت، أليس هذا شيئًا عظيمًا جدًّا أن يكون مثقف مثل الدكتور مصطفى موجودًا؟ وأكيد كان له أدوار وعلامات في تلك السنة

[موسيقى]

عمرو عبد الحميد: شكرًا جزيلًا، أستاذ إبراهيم عيسى، على هذا الحوار الغني والعميق الذي تناولنا فيه أزمة المثقف العربي من زوايا متعددة. دعني أعود إلى نقطة أثرتها وأنت تتحدث عن المثقف الليبرالي الذي قُتل، كما قلت، بعد ثورة 1952. هل ترى أن هناك محاولات حقيقية اليوم لإحياء هذا المثقف الليبرالي، أم أننا ما زلنا نعيش في ظل هيمنة المثقف العقائدي، سواء كان يساريًا أو إسلاميًا؟

إبراهيم عيسى: والله، يا أستاذ عمرو، المشهد معقد، لكنه ليس ميئوسًا منه. هناك محاولات، نعم، لكنها محاولات فردية في الغالب، وهذا جزء من المشكلة. المثقف الليبرالي اليوم يواجه تحديات هائلة، ليس فقط من السلطة السياسية أو الدينية، بل من المجتمع نفسه الذي أصبح أكثر تقبلًا للخطاب الشعبوي والعقائدي. لو بصينا على تجارب زي "تكوين"، اللي ذكرتها، هتلاقي إنها محاولة لتجميع أصوات ليبرالية تنويرية، لكنها قوبلت بهجوم شرس، ليه؟ لأن فكرة إن المثقفين يتحدوا ويشتغلوا كمجموعة منظمة بتخوّف، بتزعزع فكرة إن المثقف لازم يكون لوحده، منفرد، أو تحت سيطرة تيار معين.

الليبرالية نفسها كفكرة بتعاني من سوء فهم كبير في الوطن العربي. الناس بتفتكر إن الليبرالي هو اللي بيقلد الغرب أو بيروج للحرية المطلقة بدون ضوابط، وده افتراء. الليبرالي الحقيقي هو اللي بيدافع عن التعددية، عن الحرية المسؤولة، عن فكرة إن الاختلاف مش عدو، بل هو أساس التقدم. لكن المشكلة إن المثقف الليبرالي النهاردة غالبًا بيكون محاصر، إما بتهم التغريب أو بتهم الخيانة أو بتهم إنه بيخدم أجندات خارجية. فالمحاولات موجودة، لكنها مش منظمة، ومش مدعومة بما فيه الكفاية، لا من الدولة ولا من المجتمع.

في المقابل، المثقف العقائدي، سواء يساري أو إسلامي، لسه مسيطر لأنه بيتكلم لغة بسيطة، شعبوية، بتوصل للناس بسرعة. بيستخدم العاطفة، بيستخدم الخوف، بيستخدم فكرة "نحنا وهُم". المثقف الليبرالي بيحήμε

عمرو عبد الحميد: نعم، هذا توصيف دقيق جدًا. المثقف الليبرالي يواجه تحديات كبيرة، خاصة في ظل هيمنة الخطاب الشعبوي والعقائدي. دعني أسألك، أستاذ إبراهيم، هل ترى أن هناك دورًا للإعلام في إعادة إحياء المثقف الليبرالي أو دعم هذه الأصوات التنويرية؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف يمكن للإعلام أن يوازن بين دوره كمنصة للنقاش وبين الضغوط الشعبوية أو السياسية؟

إبراهيم عيسى: الإعلام، يا أستاذ عمرو، هو سلاح ذو حدين. من ناحية، هو أقوى أداة لتشكيل الوعي العام، ومن ناحية أخرى، هو أكثر الأدوات عرضة للضغوط، سواء كانت سياسية أو شعبوية أو حتى اقتصادية. الإعلام ممكن يكون منصة عظيمة للمثقف الليبرالي لو اتوفرت له مساحة حرة ومناخ يسمح بالنقاش العقلاني. لكن الواقع إن الإعلام العربي، وخصوصًا في مصر، غالبًا بيخضع لخطوط حمراء، سواء من السلطة أو من التيارات الدينية أو حتى من توقعات الجمهور.

الإعلام لو عايز يدعم الأصوات التنويرية، لازم يعمل على حاجتين أساسيتين. الأولى: إنه يقدم محتوى يحترم عقل الجمهور، يعني نقاشات جادة، أفكار جديدة، ويبعد عن الإثارة الرخيصة أو الخطاب الشعبوي اللي بيجذب المشاهدات السريعة. الثانية: إنه يحمي المثقفين اللي بيقدموا هذا المحتوى، سواء من خلال دعم مؤسسي أو من خلال خلق بيئة قانونية تحمي حرية التعبير. لكن المشكلة إن كتير من المؤسسات الإعلامية بتكون خايفة، يا إما من رد فعل الشارع، يا إما من الرقابة، فبتلجأ للطريق السهل: تقديم محتوى سطحي أو خطاب يمشي مع التيار.

أنا دايمًا بقول إن الإعلام زي المرآة، بيعكس المجتمع، لكنه كمان بيقدر يشكّل المجتمع. لو الإعلام قرر يروج لأفكار تنويرية، يعني يعرض قصص نجاح المثقفين الليبراليين، أو يفتح نقاشات عن قضايا شائكة بطريقة هادية وعقلانية، هيقدر يغيّر الوعي تدريجيًا. بس ده محتاج شجاعة، ومحتاج رؤية طويلة الأمد. للأسف، كتير من الإعلام النهاردة بيفكر بمنطق "التريند" والربح السريع، وده بيضعف دوره كداعم للمثقف الليبرالي.

لكن فيه أمل، خصوصًا مع المنصات الرقمية. اليوتيوب، التويتر، البودكاستات زي اللي إحنا بنعمله دلوقتي، دي كلها منصات بتدي مساحة للأصوات الليبرالية اللي ممكن ما تلاقيش مكان في الإعلام التقليدي. المشكلة هنا بس إن الوصول للجمهور العريض لسه تحدي، لأن الجمهور متعود على الخطاب السهل. فالإعلام، لو عايز يلعب دور حقيقي، لازم يكون عنده توازن: يقدم الأفكار العميقة بطريقة بسيطة وجذابة، وفي نفس الوقت يقاوم الضغوط اللي بتحاول تخليه يسكت.

عمرو عبد الحميد: نقطة مهمة جدًا، خاصة فكرة التوازن بين تقديم محتوى عميق وبسيط في نفس الوقت. أستاذ إبراهيم، لو نرجع لتجاربك الشخصية، سواء في الكتابة أو الإعلام أو حتى فيلم "الملحد"، هل حسيت إن الإعلام كان داعم ليك كمثقف بيحاول يقدم رؤية تنويرية، ولا حسيت إنه أحيانًا كان عائق؟

إبراهيم عيسى: بص، يا أستاذ عمرو، الإعلام بالنسبة لي كان مزيج من الدعم والعرقلة، وده طبيعي في بيئة زي بيئتنا. في لحظات، لقيت دعم كبير من الإعلام، سواء من زملاء صحفيين أو من منصات إعلامية كانت شجاعة كفاية عشان تستضيفني أو تنشر أفكاري. على سبيل المثال، برامجي التلفزيونية زي "25/30" أو "بصراحة" كانت فرصة عظيمة إني أوصل لجمهور واسع، وكان فيه ناس في الإعلام شجّعوني ودعمونا، وحتى المشاهدين كانوا متفاعلين بشكل إيجابي كتير.

لكن في المقابل، كان فيه عرقلة واضحة. فيه لحظات الإعلام نفسه بيخاف، بيتراجع، أو بيفرض رقابة ذاتية. مثلًا، قضية فيلم "الملحد"، الإعلام كان ممكن يلعب دور أكبر في فتح نقاش حقيقي عن حرية الإبداع، لكن كتير من القنوات والصحف فضّلوا السكوت أو التعامل مع الموضوع بحذر زيادة عن اللزوم، خوفًا من رد فعل الشارع أو الضغط الديني. وأحيانًا، الإعلام بيبقى جزء من الهجوم، يعني فيه برامج أو مقالات بتحاول تشوّه الفكرة قبل ما تفهمها، وبيستخدموا لغة شعبوية عشان يجذبوا الانتباه.

تجربتي علمتني إن الإعلام زي المجتمع، فيه الجيد وفيه السيئ. المهم إنك كمثقف تستمر، تستغل المساحات المتاحة، سواء في الإعلام التقليدي أو الرقمي، وتحاول توصل صوتك. أنا دايمًا بقول إن المثقف زي الفلاح، لازم يزرع ويستنّى، مش لازم يشوف النتيجة بكرة. الإعلام ممكن يكون حليف قوي لو اتوجه صح، بس لازم المثقف يكون عنده صبر وشجاعة عشان يواجه العوائق.

عمرو عبد الحميد: كلام رائع، وفعلًا فكرة الصبر والاستمرارية مهمة جدًا. أستاذ إبراهيم، في الختام، لو عندك نصيحة للمثقف الشاب اللي بيحاول يلاقي صوته في وسط كل الضغوط دي، سواء من الإعلام أو المجتمع أو السلطة، إيه هي النصيحة اللي تقدر تقولهاله؟

إبراهيم عيسى: نصيحتي للمثقف الشاب هي: خلّيك أصيل وشجاع. أصيل يعني تكون مؤمن بأفكارك، مش بتقلّد حد ولا بتركب موجة عشان تلاقي قبول. وشجاع يعني ما تخافش من الهجوم أو النقد أو حتى الرفض. المثقف دوره إنه يقول الحقيقة زي ما بيشوفها، حتى لو كانت مش مريحة. اقرأ كتير، اتعلم من التاريخ، وما تكتفيش بمعرفتك، لأن الثقافة هي سلاحك الأقوى. واستغل المنصات الرقمية، لأنها بتديك مساحة ما كانتش موجودة زمان. بس الأهم، ما تستناش التصفيق، ولا تتوقع إن الكل هيحبك. دورك إنك تضيء، حتى لو النور بيدايق ناس كتير. وفي الآخر، زي ما قلت، زرع واستنّى، لأن بذرتك هتطلع يومًا ما، حتى لو ما شفتش الشجرة بنفسك.

عمرو عبد الحميد: كلام ملهم جدًا، وفعلًا بيعبر عن روح المثقف الحقيقي. شكرًا جزيلًا، أستاذ إبراهيم عيسى، على هذا الحوار الرائع، وعلى وقتك وأفكارك اللي دايمًا بتضيء الطريق لينا. أتمنى نشوفك قريب في حوار تاني.

إبراهيم عيسى: الشكر ليك، أستاذ عمرو، ولجمهور "جدليات" الرائع. أنا اللي ممتن ليكم على المساحة دي وعلى النقاش الجميل. كل سنة وأنتم طيبين، وإلى لقاء قريب إن شاء الله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة