ران ستيلزر:الابتعاد عن الإباحية رحلة نحو الوعي والتغيير

في عالم تتزايد فيه تأثيرات الإعلام الرقمي على حياتنا اليومية، يبرز تساؤل جوهري حول تأثير المحتوى الإباحي على عقولنا ومجتمعاتنا. في هذا المقال، يشاركنا الكاتب والناشط ران ستيلزر تجربته الشخصية وتأملاته العميقة حول قرار التوقف عن مشاهدة المواد الإباحية، مُسلطًا الضوء على الدوافع الشخصية والاجتماعية التي قادته إلى هذا القرار، ومُحذرًا من التداعيات الأخلاقية والإنسانية لهذه الصناعة.

### **دوافع شخصية للتوقف عن مشاهدة الإباحية**
بدأت رحلة ران بالتوقف عن مشاهدة المواد الإباحية لسببين رئيسيين. الأول كان شخصيًا بحتًا، إذ لاحظ أن هذه المواد أدخلت الغضب والعنف إلى خيالاته الخاصة، وهي مشاعر لم تكن موجودة أصلاً في نفسيته. يقول: "هذا لم يكن أنا، وقررت أن أضع حدًا لذلك". لكن هذا القرار، كما يعترف، لم يكن سهلاً. فقد استغرق الأمر وقتًا لفهم عمق التأثير النفسي لهذه العادة.

السبب الثاني كان أكثر عمقًا وتأثيرًا، حيث أدرك ران أن مشاهدة المواد الإباحية تجعله شريكًا غير مباشر في خلق طلب على ما يُسميه "الدعارة المصورة". يوضح أن كلمة "إباحية" (Pornography) مشتقة من "Pornē"، وتعني البغي، و"graphia"، وتعني التوثيق، مما يعني أن الإباحية ليست سوى توثيق للدعارة. ويؤكد أن الدعارة ليست حلم طفولة أحد، بل هي نتيجة الضيق والمشاكل، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية.

### **وعي متزايد من خلال التطوع**
جاء هذا الوعي تدريجيًا من خلال تجربة ران في التطوع مع رجال ونساء في الدعارة، بما في ذلك ضحايا الاتجار بالبشر. عمل في بيوت الدعارة وتحت الجسور وفي زوايا الشوارع، حيث رأى بعينيه معاناة هؤلاء الأفراد. لكنه يشدد على أن فهم آليات الإباحية والدعارة لا يتطلب بالضرورة مثل هذه التجربة المباشرة. فالإباحية، كما يراها، ليست نوعًا من الفن الجنسي أو التواصل الجنسي الصحي، بل هي تعبير عن هيمنة الرجال على النساء وخضوعهن، ليس فقط في الممارسات الجنسية، بل كجزء من تسلسل هرمي جنساني في العالم.

### **ما الذي تُعرفه الإباحية على أنه جنسي؟**
يطرح ران سؤالاً جوهريًا: إذا سألنا الإباحية كيف تُعرف الجنسي؟ فإنها ستجيب ببساطة: "كل ما يثير الرجال". إذا كان خنق امرأة أو ممارسة جنسية عنيفة دون لمسة أو عناق أو قبلة أو مداعبة رقيقة يُثير الرجال، فهو يُعتبر جنسيًا. إذا كان بكاء امرأة أو طفل يُثير الرجال، فهو جنسي. وإذا كان الاغتصاب يُثير الرجال، فهو أيضًا جنسي. في كل معرض إباحي على الإنترنت، نجد فئات مثل الاغتصاب، الإذلال، الإساءة، والجريمة جنبًا إلى جنب، حتى في النسخ "الأخف" من الإباحية، حيث يُظهر المحتوى غالبًا ممارسات جنسية خالية من أي لمسات إنسانية.

يصف ران كيف تُركز الكاميرات الإباحية على الإيلاج فقط، متجاهلة أي نشاط حسي طبيعي مثل المداعبة، التقبيل، أو العناق. في معظم المشاهد، يقف الرجل بيديه خلف ظهره لتجنب حجب الكاميرا، بينما تُجبر المرأة على تحمل وضعيات غير مريحة دون إفساد مكياجها أو شعرها، لأن ذلك يُعتبر استثمارًا ماليًا. النتيجة هي ممارسة جنسية ميكانيكية تخلو من التواصل الإنساني، حيث الجزء الوحيد الذي يتلامس هو العضو الذكري والجزء المُخترق.

### **تأثير الإباحية على الخيال والرغبة**
يروي ران تجربته الشخصية قبل وبعد الإباحية. في خيالاته الخاصة قبل التعود على مشاهدة الإباحية، كان هناك دائمًا سردية قوية تحمل طابع الحسية والتشاركية. كان يتخيل الحوارات، المكان، الظروف، والتفاصيل التي تؤدي إلى لحظة حميمة. لكن بعد أن أصبحت الإباحية عادة، غزت عقله وأفقدته القدرة على التخيل. وجد نفسه عاجزًا عن استحضار خيالات إنسانية، مغمورًا بصور نساء يتعرضن للعنف والإذلال، ويُجبرن على التظاهر بأنهن يستمتعن بطقوس جنسية شيطانية.

### **الإباحية: خطر على المجتمع**
يحذر ران من أن الإباحية ليست ظاهرة فردية، بل هي خطر يهدد المجتمع بأسره. مع انتشار الإنترنت، أصبح 90% من الأطفال في سن الثانية عشرة يشاهدون الإباحية بانتظام، مما يخلق تأثيرًا إدمانيًا ومشلًا. بالنسبة للشباب الذكور، تُعلمهم الإباحية أن قيمتهم الجنسية تكمن فقط في حجم العضو الذكري والقدرة على الانتصاب المستمر، وليس في كونهم حسيين، شغوفين، أو متعاطفين. هذا يؤدي إما إلى الشلل النفسي أو إلى تقليد ما يرونه، مما يحولهم إلى معتدين، حتى في العلاقات العاطفية.

أما بالنسبة للفتيات، فإن الإباحية، حتى في تأثيرها على الثقافة السائدة، تزرع فكرة أن قيمتهن تكمن في كونهن جديرات بالرغبة الجنسية، وهي رغبة تُعرف بمعايير نجوم الإباحية. في عمله في المدارس، يواجه ران قصصًا متكررة لفتيات وافقن على توثيق لحظات حميمة لإرضاء شخص يحبونه، ليتم استغلال ثقتهن عبر نشر هذه المواد على الإنترنت أو تطبيقات مثل واتساب. هؤلاء الفتيات يعانين من الإذلال والعزلة الاجتماعية، وقد يتطور الأمر إلى اضطرابات نفسية، مثل الاكتئاب أو اضطرابات الأكل، بل وحتى الانتحار في حالات مثل أماندا تود.

### **صناعة الإباحية: استغلال وموت اجتماعي**
يؤكد ران أن الإباحية ليست تعبيرًا عن حرية الرأي أو المهنة، بل هي تجسيد للاستغلال الجنسي، تعمل جنبًا إلى جنب مع الاتجار بالبشر، الاغتصاب، والقوادة. لكل نجمة إباحية تمتلك عقد كتاب أو شركة إنتاج، هناك مئات الآلاف من النساء والفتيات اللواتي لا ينجين من هذه الصناعة. يتم استغلالهن في بيوت الدعارة، الشوارع، أو صالونات التدليك، وكثيرات لا يصلن إلى سن الخمسين بسبب المخدرات، الأمراض المنقولة جنسيًا، القتل على يد زبون أو قواد، أو الانتحار نتيجة "الموت الاجتماعي" الذي يعشنه. ففي حين قد نجلس مع أشخاص زاروا بيوت الدعارة، نادرًا ما نجلس مع بائعة هوى معلنة، مما يكشف عن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بهذه الصناعة.

### **الطلب يخلق العرض**
يشدد ران على أن كل مشاهدة للمواد الإباحية، حتى المجانية، تخلق طلبًا. وكل طلب يُترجم إلى عرض، حيث يتم استغلال نساء وفتيات من خلفيات معينة – سواء كنّ من أصول إفريقية، آسيوية، أو طالبات جامعيات – لتلبية هذا الطلب. هذه العملية تغذي صناعة الاستغلال الجنسي، مما يجعل كل مشاهد مشاركًا غير مباشر في هذا الظلم.

### **دعوة إلى الجنس الآمن عاطفيًا**
قرر ران التوقف عن مشاهدة الإباحية لأسباب تتعلق برفاهيته الشخصية، ولاستعادة السيطرة على خياله الجنسي وحياته الحميمة. لكنه يرى أن هذا القرار يمتد إلى أبعد من ذلك، إذ يُسهم في تقليل الطلب على صناعة الجنس القاسية. يقترح مفهوم الجنس الآمن جسديًا وعاطفيًا، وهو لا يعني العودة إلى التقاليد المحافظة، بل التخلص من التسلسل الهرمي الجنساني والخضوع. يدعو إلى إعادة الضحك كعنصر أساسي في العلاقات الحميمة، معتبرًا أن القدرة على الضحك معًا، سواء بعد معرفة طويلة أو لقاء قصير، هي مؤشر على الأمان العاطفي.

### **دعوة إلى الحوار والتغيير**
يختتم ران حديثه بدعوة إلى كسر حاجز الصمت حول هذه القضايا. يرى أن التاريخ الصامت لم يخدمنا أبدًا، فالصمت يولد المزيد من الصمت، بينما الحديث يفتح أبواب التواصل، المشاركة، الوعي، والتغيير. حتى لو كان التغيير صغيرًا، فهو حقيقي ويمكن أن يؤدي إلى حياة أكثر أمانًا عاطفيًا. إن التوقف عن مشاهدة الإباحية ليس مجرد قرار شخصي، بل خطوة نحو بناء مجتمع يحترم الإنسانية ويرفض الاستغلال.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة