علي مبروك (٢): بين ابن رشد وابن تيمية قراءة نقدية
مساء الخير، وأهلاً وسهلاً بكم في الصالون الثقافي الحادي والمئة لدى حركة علمانيون. لقاؤنا اليوم سيكون حول مناقشة أفكار ابن رشد وابن تيمية، وتأثير كل منهما على الواقع. إذا كان ابن رشد قد ترك أثراً بالغاً في تطور الحضارة الأوروبية، فإننا نتساءل عن تأثير ابن تيمية وما وصلت إليه حضارتنا اليوم، والأفكار التي تهيمن على واقعنا. عنوان صالوننا اليوم هو: "بين ابن رشد وابن تيمية: نقضٍ في ظلال الواقع". يشرفنا ويسعدنا أن نستضيف الدكتور علي مبروك، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، والذي تشرّفنا بالتعاون معه لمدة تقارب العام ونصف العام.
في الحقيقة، أنا من يتشرف بما تتيحه حركة علمانيون من فرصة اللقاء مع مجموعة من الشباب الذين نؤمن بأنهم القوة الحقيقية لتغيير مصر. اقترحتُ على الأستاذ أحمد مختار مناقشة هذا الموضوع، وقد قدمه بإشارة إلى أن ابن رشد كان له تأثير كبير في تطور الحضارة الغربية، بينما يُنظر إلى ابن تيمية كمسؤول عن حالة الانحدار التي يمر بها العالم العربي والإسلامي. هذا التصور متوقع، فكل من يسمع العنوان قد يتوقع ما قاله أحمد.
لكن اسمحوا لي أن أتحدى هذا التصور في صالون اليوم. يُصوَّر دائماً أن ابن رشد هو العقلاني الأكبر، الذي لعب دوراً كبيراً في نمو وتبلور العقلانية الأوروبية، بينما يُنظر إلى ابن تيمية كمن كسر مسار العقلانية. لكن المدهش أن ابن رشد نفسه لعب دوراً في كسر مسار العقلانية في الفكر الإسلامي. لا يمكن التعامل مع ابن رشد ببساطة كرائد للتنوير والعقلانية، وكأنه النموذج الذي يجب استدعاؤه من تراثنا لتمثيل المفكرين العقلانيين. أنا ضد هذه الأطروحة، وأرى أنها تحمل الكثير من الفساد الذي سأحاول إظهاره تدريجياً.
بدأت التفكير في هذا الموضوع منذ سنوات عديدة، ونشرت دراسة في مجلة "الف" الصادرة عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة، بمناسبة الاحتفال بمرور ثمانمئة سنة على وفاة ابن رشد. كانت الدراسة بعنوان "الانكسار المراوغ للعقلانية"، وتناولت ابن رشد وابن تيمية كنجمين كبيرين فيما يُسمى بالعقلانية. لكن ابن تيمية ليس مفكراً أحادي الجانب أو فقيهاً أصولياً أحادياً. له مجموعة كتب نقدية تحمل درجة عالية من الحس النقدي، مثل كتاب "نقد المنطق"، الذي يركز على نقد المنطق الأرسطي. آراؤه النقدية في هذا الكتاب تقترب إلى حد كبير من التفكير التجريبي، وهو أمر غريب بالنسبة لمفكر يُتهم دائماً بأنه مسؤول عن الأزمة والتدهور.
الأمور أكثر تعقيداً من التفكير بمنطق الأبيض والأسود، حيث يُصوَّر ابن رشد كممثل للبياض وابن تيمية للسواد. أريد أن أحرركم، وأحرر نفسي أيضاً، من هذه الأطروحة المقولبة التي تعتمد على التصنيفات البسيطة. الفكر الإنساني أعقد من ذلك بكثير. هذا التصنيف أصبح مرضاً يعمي عن رؤية الحقيقة. نحن مهتمون بسؤال العقلانية، وبما أعاق تبلورها في الفكر الإسلامي. هناك عوائق كثيرة خنقت العقلانية وقطعت مسار التفكير العقلاني.
دعونا نناقش هذين الاسمين لنخرج بدروس مهمة. حتى وأنا علماني، يجب أن أدرك تعقيد الواقع، وأن الواقع لا يقبل التصنيفات البسيطة. العقلاني الحقيقي هو من يحرر نفسه من منطق التصنيف، الذي يضع الظواهر في دوائر إما بيضاء أو سوداء. هذا ليس فهماً للظواهر، بل تحويلها إلى موضوع لأحكام غير مبررة، غالباً نابعة من تحيزات وانتماءات إيديولوجية، وليس من الظواهر ذاتها.
سؤالنا هو: كيف نتعامل مع الواقع؟ نحن لا نقرأ ابن رشد وابن تيمية كجزء من التاريخ المنقضي، بل ككيانات حية لا تزال موجودة فينا. عندما أنظر إلى ابن رشد، أجد أن له مشكلات كثيرة. في جداله الشهير مع الغزالي، الذي كتب "تهافت الفلاسفة"، ورد عليه ابن رشد بـ"تهافت التهافت"، نكتشف أحياناً أن الغزالي، الأشعري، كان أكثر عقلانية من ابن رشد في بعض الجوانب. المشكلة ليست هنا، بل في أن تصورات ابن رشد لم تخرج عن التصورات القارة الأصيلة في الثقافة العربية الإسلامية، التي لا تزال مهيمنة حتى الآن.
أبرز هذه التصورات هو مفهوم "الأصل". التفكير بالأصل يعني أنك لا تمارس التفكير كعملية إبداعية، بل تنطلق دائماً من نموذج أو أصل ثابت. هذا المفهوم هو الفكرة المركزية في الثقافة العربية الإسلامية، ويحتاج إلى تحرير العقل من سيطرته. دعوني أقدم مثالاً تبسيطياً: الماركسي، مثلاً، يفكر بناءً على قالب إيديولوجي يحاول إدخال الظواهر فيه. إذا كانت الظواهر أكبر من القالب، يضطر إلى تضييقها لتلائمه. هذا القالب قد يكون كارل ماركس، أو فولتير، أو الغزالي، أو النبي محمد، أو السلف الصالح. مضمون الأصل يختلف من جماعة إلى أخرى، لكن العقل يظل دائماً يعمل بنظام يستحضر أصلاً ليُلبس الظواهر فيه.
هذا النمط من التفكير هو نتاج هيمنة الفقه على الثقافة. الفقيه يفكر دائماً بثنائية الأصل والفرع، يرد النوازل والحوادث إلى أصل ثابت ليصدر حكماً شرعياً. هذا التفكير يجعل العقل تابعاً دائماً لسلطة الأصل، غير قادر على النظر إلى الظاهرة مباشرة. هذا النوع من العقل ينتج بنية استبدادية. الاستبداد في العالم العربي والإسلامي ليس مجرد استبداد سياسي ينتهي بإسقاط الأنظمة، بل هو بنية ثقافية وعقلية. العقل يعمل وفق هذا النمط، تابعاً لسلطة نموذج أو أصل.
أي عمل تنويري يجب أن يهدف إلى تفكيك هذا النمط من التفكير. لكن ابن رشد لم يفعل ذلك. بدلاً من تحطيم التفكير بالأصل، استبدل الأصل الديني، الذي كان يفكر به الغزالي مثلاً (كالوحي أو الأشعرية أو إمام الحرمين الجويني)، بأصل فلسفي، وهو أرسطو. ابن رشد تحدث عن أرسطو بتبجيل يتجاوز الحدود إلى التقديس، واصفاً إياه بأنه "أكمل العقول الإنسانية قاطبة". وقال إن من يريد أن يكون عقلانياً يجب أن يفكر بنموذج أرسطو في كل المسائل.
هل يمكن القول إن ابن رشد أحدث نقلة قوية في مسار تطور العقلانية العربية أو الإسلامية؟ لا، لأنه ظل يفكر ضمن النظام المهيمن في الثقافة، لم يخرج عنه. أستغرب أحياناً من المدح المجاني لابن رشد من قبل أساتذة كبار، الذين يقولون إنه ساهم في تبلور العقلانية الأوروبية الحديثة. كيف ذلك، والعقلانية الأوروبية تبلورت ضد أرسطو؟ العقلانية الحديثة نشأت في مواجهة الأرسطية وسيطرتها. فكيف يكون فيلسوف الأرسطية وشارحها الأكبر ممهداً للعقلانية؟
العقلانية التي يمثلها ابن رشد هي عقلانية صورية، تُسمى المنطق السوري (الفورمال). المسلمات الأولية في هذا العقل توجه تفكير أرسطو. مثال ذلك النظام البطلمي الفلكي القديم، القائم على مركزية الأرض، والذي تبلور في إطار الفيزياء الأرسطية. هذا النظام جعل الأرض مركز الكون بناءً على فرض نظري: الكون مكون من أربعة عناصر (التراب، الماء، الهواء، النار)، والتراب، كونه الأثقل، يجب أن يكون المركز. هذا الاستنتاج ليس قائماً على ملاحظة تجريبية، بل على فرض عقلي. العلم الحديث احتج على هذه المسلمات، وبدأ من الملاحظة والتجربة. جاليليو، مثلاً، اكتشف أن الأرض ليست مركز الكون، بل الشمس، من خلال تطوير العدسات والتلسكوبات.
النظام البطلمي انهار بفضل الملاحظة، بينما الأرسطية قامت على فروض عقلية نظرية. العلم الحديث هو ثورة على الأرسطية. حتى في التراث الإسلامي، نجد ابن تيمية في كتابه "نقد المنطق" ينتقد المنطق الأرسطي لأنه قائم على فروض نظرية، ويدعو إلى البدء من القضايا الجزئية بدلاً من الكليات النظرية. علماء مثل جابر بن حيان كانوا يفكرون ضد الأرسطية، وليسوا جزءاً منها.
فكرة هيمنة الأصل لا تزال موجودة في العقل العربي حتى اليوم. على الساحة المصرية، جميع الفرقاء، حتى الليبراليون والعلمانيون، ينطلقون من نماذج جاهزة يريدون تعبئة الواقع فيها. حتى العلمانيون لديهم نموذج في أذهانهم، يحاولون فرضه على الواقع بدلاً من صناعة العقلانية من الواقع نفسه. هذه النماذج الجاهزة هي مطلقات هائمة، قابلة للتعبئة بأي مضمون. لكن الواقع يظل عنيداً، يتحدى هذه القوالب، فنلجأ إلى شتمه، واصفين إياه بالجهل والتخلف.
أعتقد أن من ينظر إلى إخواننا الليبراليين الذين يستقلون بالكتابة والتفكير وكل شيء، يدرك أن أزمتهم تكمن في أن الواقع لم يستجب لكلامهم الجميل. لديهم شعارات يرددونها باستمرار، لكن الواقع لا ينصاع. يحاولون إقناع الناس قائلين: "يا إخوان، الأمور لا تسير بهذا الشكل، والتفكير لا يعمل هكذا". لا يمكن أن تأتي بفولتير وتقول: "سأُلبس فولتير على ابن تيمية". هذا لا ينفع. اليوم، لديك شخصيات مثل أبي إسحاق الحويني وغيرهم، فهل ستجمع بينهم وبين فولتير؟ يجب أولاً أن تفكك أبا إسحاق الحويني، أن تفهم من أين جاء، وتحاول تقصيص أجنحته، حتى إذا حاول الطيران، يجد نفسه قد سقط. أتصور أننا لا نزال أسرى هذا النوع من العقل، عقل التفكير بالأصل أو النموذج. ابن رشد لم يساعد في تحريرنا من سيطرة التفكير بالأصل، بل نوع لنا الأصول. قال لنا: بدلاً من التفكير بالأصل الديني، نقدم لكم الفلسفة كمجال آخر يحتوي على أصول يمكن التفكير بها، وأعطانا أرسطو كنموذج.
أود أن أقدم مقارنة بين ابن رشد وفيلسوف آخر مهم، من خلال نظرية مراتب الناس. الفلسفة القديمة، وأعني بها الفلسفة اليونانية القديمة، تضمنت هذه النظرية عند أفلاطون وأرسطو. تعبير "الناس معادن"، الذي نستخدمه اليوم، مستمد من الفلسفة القديمة. أفلاطون قسم الناس بحسب المعادن: ذهب، حديد، صفيح، وغيرها. هذه النظرية لم تكن مجرد تقسيم اجتماعي للمجتمع إلى طبقات مع عوازل صارمة تمنع الانتقال بينها، فابن الإسكافي يظل إسكافياً، وابن الملوك يبقى ملكاً. هذه النظرية القديمة تسللت إلى المفكرين المسلمين، ومنهم ابن رشد، الذي استفاد منها في نظرية التأويل. قال إن الناس منقسمون طبيعياً إلى ثلاث فئات: فئة برهانية تضم الفلاسفة، وفئة جدلية تضم المتكلمين الذين يمارسون السجال والحوار، وفئة خطابية تضم العوام الذين يتأثرون بالخطابة والكلام الجميل.
السؤال الذي يجب توجيهه لابن رشد: هل هذا الانقسام الثلاثي بين فئات المجتمع تاريخي، ناتج عن أن التاريخ أتاح لبعض الناس التعليم والقراءة بينما لم يتح ذلك لآخرين، أم أنه انقسام طبيعي؟ العجيب أن ابن رشد قرر صراحة أن الانقسام طبيعي، وليس تاريخياً. الناس، بحسب طبيعتهم، إما يفكرون، أو يجادلون، أو يتلقون الخطابة كالعوام. هؤلاء العوام، وهم كارثة كما سأذكر إن سمح الوقت، هم مدخلنا إلى ابن تيمية. قد نسميهم، تحسيناً للقول، "حزب الكُن".
اللافت أن فيلسوفاً مسلماً سبق ابن رشد، وهو الفارابي، تناول هذه المسألة في كتابه "الحروف". حاول الفارابي تفسير نشأة الظواهر الثقافية والمعرفية، بدءاً من اللغة وكيفية تواصل البشر بها، وصولاً إلى إنتاج بناءات فلسفية معقدة. لكنه، على عكس ابن رشد، جعل تقسيم الناس تاريخياً. في البداية، استخدم الناس اللغة للتواصل، ثم ظهر الشعر والخطابة، ثم ارتقوا عقلياً فبدأت المناظرات والجدل، وصولاً إلى المرحلة البرهانية. الفارابي، المرتبط بالشيعة، رأى أن الانقسام بين البشر ليس نتيجة الطبيعة، بل صنعه التاريخ. الفرق بين انقسام تصنعه الطبيعة وانقسام يصنعه التاريخ هو أن ما يصنعه التاريخ قابل للتغيير، بينما ما تصنعه الطبيعة ثابت، لا يتغير، ولا يسمح بالحركية أو التاريخ.
الحداثة الغربية، التي يُقال إن ابن رشد ساهم فيها، تقوم على عقل مفتوح، غير مقيد بالأصول أو التصورات المسبقة. أحد عناصر التفكير الحداثي هو التاريخ، حيث يرتبط التفكير بالظروف التاريخية. من مكتسبات الحداثة المهمة مفهوم الوعي التاريخي. عندما ترد الانقسام بين الناس إلى الطبيعة، كما فعل ابن رشد، فأنت تفكر خارج التاريخ، ولا مجال للتاريخ في تفكيرك. عند الفارابي، نجد أساساً لتصورات تاريخية تقوم على تطور البشر من حالة أولية إلى حالات أعقد. أما عند ابن رشد، فنحن أمام طبقات مغلقة، كما في نظام الكاست في الفلسفات الهندية.
هذا هو "رجل التنوير" الذي نتحدث عنه! ابن رشد رأى أن الغزالي تسبب في مشكلة بنشره التأويلات بين العوام، بينما كان يجب حصرها في أهل التأويل. بعبارة حديثة، معنى ذلك أن الشعب يجب أن يظل جاهلاً، يُخاطب بخطابة لا ترتفع عن مستواها. خطأ الغزالي، في نظر ابن رشد، هو إذاعة التأويلات بين العوام، الذين يُعتبرون مشكلة. لذا، من الصعب الإسراف في مدح ابن رشد كرائد للحداثة. لا ينبغي تحويله إلى موضوع للتبجيل والتقديس. بعض أساتذة الفلسفة الكبار في مصر يكادون يجعلون منه أيقونة يتعبدون لها صباحاً ومساءً، كأنه المنقذ الذي سيحل كل شيء. هذا الكلام، في رأيي، ينبع من قراءة غير مدققة لابن رشد.
النقاط التي أشرت إليها تؤكد أن ابن رشد يجب أن يكون موضوعاً للنظر، وليس للتأسي. يجب أن نسأله: لماذا لم تكن عقلانياً حقاً؟ لأنك لم تعترف بالتاريخ، ولأنك فكرت بالأصل كغيرك، ولأنك حافظت على نظام اجتماعي متكلس يقوم على التمييز الصارم بين الطبقات، ولأنك كنت من أنصار حصر المعرفة في فئة منتجيها دون نشرها. كل هذه عناصر تحتاج إلى إعادة نظر.
لننتقل إلى ابن تيمية. قد يبدو أننا نركز فقط على ابن رشد، لكن من الجميل أن نناقش ابن تيمية أيضاً. كلكم تتوقعون أن ابن تيمية سيء وشرير، ولا مشكلة في هذا التوقع. لكنكم كنتم تتوقعون أيضاً أن ابن رشد رائع ومثالي. علينا إعادة التفكير في كليهما، وعدم التعامل مع أي منهما كأصل يُتأسى به في لحظتنا الحالية.
لماذا كان لابن تيمية هذه السيطرة الكبيرة؟ ظهر ابن تيمية في القرن السابع الهجري، بعد وفاة ابن رشد بنهاية القرن السادس. وُلد ابن تيمية في منتصف القرن السابع تقريباً، ومات في القرن الثامن. عاش في فترة تضعضع وانهيار في العالم العربي والإسلامي، كما يصفها ابن خلدون في مقدمته، وهو الذي عاش في بدايات القرن التاسع. رأى ابن خلدون هذه الفترة كمرحلة انهيار كامل. لكن هذا الانهيار كان له مقدمات تعود إلى أواخر القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث الهجري.
في هذه الفترة، وُلد البخاري، ومات الشافعي، ومات أحمد بن حنبل. هذه هي فترة تأسيس الخراب، إن جاز التعبير، وبداية الانهيار. الأفكار التي ظهرت في هذه الفترة أنتجت ابن تيمية، الذي لا يزال يُسهم في نشر الخراب والفوضى في العالم العربي. ما حدث في هذه الفترة هو بداية الأزمة، ويجب أن نكون صرحاء: المشكلة بدأت مع الشافعي. لماذا؟ لأنه أسس علم أصول الفقه، وبنى العلاقات بين الأصول، ورفع السنة إلى مقام الكتاب، معتبراً إياها وحياً. قد تقولوا إن السنة كانت تُعتبر وحياً من قبل، لكن هذا ليس صحيحاً. الصراعات التي نراها اليوم، سواء من علماء الأزهر أو معارضيهم، تعود إلى هذه الفترة.
قبل الشافعي، لم تُعامل السنة كوحي، وكان بإمكان الصحابة الاختلاف معها. مثال ذلك معاوية بن أبي سفيان، الذي اختلف في إحدى المعاملات مع السنة، وعندما نبهه أبو الدرداء قائلاً إن النبي كان يفعل غير ذلك، رد معاوية: "ما أرى فيما أفعله بأساً". أبو الدرداء قال: "من يعذرني في معاوية؟ أحدثه عن سنة رسول الله، ويحدثني برأيه".
في المئة والخمسين سنة الأولى من الإسلام، كان هناك تحفظ تجاه الحديث، وحذر من الإسراف في ذكره. ثم جاء الشافعي، فأسس للسنة كوحي، مما أدى إلى تطور جديد مرتبط بالصراعات السياسية، خصوصاً في الخلافة العباسية، مثل الخلاف بين الأمين والمأمون. هذه الصراعات استدعت إشراك العوام كقوة حاكمة. بدأت قصور الخلفاء تستدعي العوام، واستعان أحد الخلفاء بالأتراك كقوة داعمة في مواجهة أخيه. دخول العوام استدعى انفجاراً نصياً في الإسلام. للسيطرة على العوام، كان لا بد من النصوص. من يقرأ تاريخ بغداد في هذه الفترة، يجد أن العوام كانوا سبباً رئيسياً في الفتن.
جاء الخليفة المتوكل، وهو أول من تبنى الفقه الشافعي مذهبياً، ودعا إلى إحياء السنة وإماتة البدعة. هذا فتح الباب لتبلور المنظومة الحديثية. البخاري، مثلاً، واجه مئات الآلاف من الأحاديث، صحح منها نسبة ضئيلة. مسند أحمد بن حنبل احتوى آلاف الأحاديث، وكذلك مسلم. هذا الانفجار النصي جاء للسيطرة على العوام بالنصوص. أحمد بن حنبل خرج من هذا الانفجار، وكان الشافعي له تأثير كبير عليه بإصراره على رفع السنة إلى مقام الوحي.
هذا جعلنا في حاجة إلى نصوص لإخضاع العوام، الذين يُقصون من التفكير العقلي. حسب تمييز ابن رشد، العوام طائفة كبيرة لا تُعامل إلا بالخطابة. ظهرت مدرسة أحمد بن حنبل، ثم جاء ابن تيمية، الذي كان مشغولاً بحشد العوام لمواجهة المخاطر على الإسلام، مثل الحروب الصليبية وخطر التتار. ابن تيمية له وجه عقلاني في نقده للمنطق الأرسطي، لكن هذا الوجه لم يتفاعل مع وجهه النصي. الوجهان متجاوران، وعليك أن تختار أحدهما.
تعليقات
إرسال تعليق