عمار فايد: لماذا تراجع نفوذ مصر الإقليمي؟

موظفون صغار يتدخلون في الشأن المصري، أي إنهم يتصلون بالمسؤولين المصريين ويطلبون منهم فعلَ كذا أو عدم فعل كذا. مصر عاشت، أو كانت تعيش، في عزلةٍ تامة عن العالم. هذه الصحراء وفرت لها حمايةً، لكنها أيضًا جعلتها في عزلة. كانت مصر دائمًا ذات أهمية، إذ يُقال إن القمح المصري كان يُغذي جميع الجيوش، فكانت بمثابة موطن الغذاء وموطن الرجال لفترات طويلة. تجربة محمد علي انهارت نتيجة تدخل خارجي أو نتيجة صدام مع القوى الدولية الرئيسية في ذلك الوقت. مصر، تاريخيًا، دولة محدودة الموارد. النظام الناصري تميز بوجود إرادة سياسية، بمعنى أنه كان لديه مشروع وتصور لدور مصر في المنطقة، وتصور لدورها في إفريقيا، وهو أمر نادر في تاريخ مصر. لكن ما حدث هو أن التقييم لم يقتصر على تعديل السياسة، بل كان التخلي عن المشروع، التخلي عنه تمامًا. الرؤساء هم دائمًا الحلقة الأضعف في التوجهات الكبرى. مراكز الدراسات والخبراء السياسيون البارزون يعتبرون، بصراحة، أن مصر ليست قوة إقليمية. مصر، بمفردها، غير قادرة على التأثير في أي فترة قريبة. أنت تعتمد على طرفٍ يُصرح رسميًا بأنه ملتزم بإبقائك أضعف من إسرائيل. من وجهة نظري، كان طوفان الأقصى بمثابة صفعة لوعي النخبة العسكرية في مصر.

[موسيقى]

أهلًا بكم في بودكاست "إشارة". اليوم سنتناول سؤالًا مهمًا جدًا يطرحه الشارع: أين مصر من التغيرات التي تحدث في المنطقة؟ أين مصر بعد السابع من أكتوبر؟ أين مصر من صناعة القرار في الإقليم؟ نحن نشهد زيارة ترامب للمنطقة وسط تجاهل كبير جدًا لمصر. كانت مصر صاحبة كلمة ذات وزن في المنطقة، خاصة في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي. الآن، نرى مصر مهمشة تمامًا وغير حاضرة في التغيرات التي تحدث في المنطقة، بدايةً من حرب الإبادة في غزة، إلى ليبيا، السودان، اليمن، إثيوبيا، والبحر الأحمر. المنطقة كلها تشهد تغيرات متسارعة، والسؤال الذي يطرحه الشارع دائمًا هو: أين مصر؟ هل مصر قادرة على التحكم في مصير المنطقة أو المشاركة في توجيهها؟ وهل الجغرافيا التي كانت سلاحًا لمصر أصبحت عبئًا عليها؟ وماذا يمكن لمصر أن تفعل لاستعادة موقعها المستحق؟

ضيفنا اليوم هو عمار فايد، باحث دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة إسطنبول آيدن، وتركز دراساته على موضوعات الدولة في مصر، والحركة الإسلامية، والجغرافيا السياسية للمنطقة. أهلًا بك، يا دكتور.

أهلًا وسهلًا. سنبدأ بالسؤال المركزي اليوم. السؤال الرئيسي: أين مصر من صناعة القرار في الإقليم؟ الحقيقة أن هذا السؤال يمكن صياغته بطريقة أخرى: هل مصر قوة إقليمية أم لا؟ الحقيقة أنني، منذ أكثر من عشر سنوات، أحاول دراسة هذا السؤال. في لحظة 2013-2014، شعرنا فجأة أن مصر بحاجة إلى دول إقليمية لمساعدتها Stuart: ها هنا النص المصحح باللغة العربية الفصحى مع مراعاة علامات الترقيم وسلامة الصياغة دون حذف أو اختصار:

---

موظفون صغار يتدخلون في الشأن المصري، أي إنهم يتصلون بالمسؤولين المصريين ويطلبون منهم فعلَ كذا أو عدم فعل كذا. مصر عاشت، أو كانت تعيش، في عزلةٍ تامة عن العالم. هذه الصحراء وفرت لها حمايةً، لكنها أيضًا جعلتها في عزلة. كانت مصر دائمًا ذات أهمية، إذ يُقال إن القمح المصري كان يُغذي جميع الجيوش، فكانت بمثابة موطن الغذاء وموطن الرجال لفترات طويلة. تجربة محمد علي انهارت نتيجة تدخل خارجي أو نتيجة صدام مع القوى الدولية الرئيسية في ذلك الوقت. مصر، تاريخيًا، دولة محدودة الموارد. النظام الناصري تميز بوجود إرادة سياسية، بمعنى أنه كان لديه مشروع وتصور لدور مصر في المنطقة، وتصور لدورها في إفريقيا، وهو أمر نادر في تاريخ مصر. لكن ما حدث هو أن التقييم لم يقتصر على تعديل السياسة، بل كان التخلي عن المشروع، التخلي عنه تمامًا. الرؤساء هم دائمًا الحلقة الأضعف في التوجهات الكبرى. مراكز الدراسات والخبراء السياسيون البارزون يعتبرون، بصراحة، أن مصر ليست قوة إقليمية. مصر، بمفردها، غير قادرة على التأثير في أي فترة قريبة. أنت تعتمد على طرفٍ يُصرح رسميًا بأنه ملتزم بإبقائك أضعف من إسرائيل. من وجهة نظري، كان طوفان الأقصى بمثابة صفعة لوعي النخبة العسكرية في مصر.

[موسيقى]

أهلًا بكم في بودكاست "إشارة". اليوم سنتناول سؤالًا مهمًا جدًا يطرحه الشارع: أين مصر من التغيرات التي تحدث في المنطقة؟ أين مصر بعد السابع من أكتوبر؟ أين مصر من صناعة القرار في الإقليم؟ نحن نشهد زيارة ترامب للمنطقة وسط تجاهل كبير جدًا لمصر. كانت مصر صاحبة كلمة ذات وزن في المنطقة، خاصة في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي. الآن، نرى مصر مهمشة تمامًا وغير حاضرة في التغيرات التي تحدث في المنطقة، بدايةً من حرب الإبادة في غزة، إلى ليبيا، السودان، اليمن، إثيوبيا، والبحر الأحمر. المنطقة كلها تشهد تغيرات متسارعة، والسؤال الذي يطرحه الشارع دائمًا هو: أين مصر؟ هل مصر قادرة على التحكم في مصير المنطقة أو المشاركة في توجيهها؟ وهل الجغرافيا التي كانت سلاحًا لمصر أصبحت عبئًا عليها؟ وماذا يمكن لمصر أن تفعل لاستعادة موقعها المستحق؟

ضيفنا اليوم هو عمار فايد، باحث دكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة إسطنبول آيدن، وتركز دراساته على موضوعات الدولة في مصر، والحركة الإسلامية، والجغرافيا السياسية للمنطقة. أهلًا بك، يا دكتور.

أهلًا وسهلًا. سنبدأ بالسؤال المركزي اليوم. السؤال الرئيسي: أين مصر من صناعة القرار في الإقليم؟ الحقيقة أن هذا السؤال يمكن صياغته بطريقة أخرى: هل مصر قوة إقليمية أم لا؟ الحقيقة أنني، منذ أكثر من عشر سنوات، أحاول دراسة هذا السؤال. في لحظة 2013-2014، شعرنا فجأة أن مصر بحاجة إلى دول إقليمية لمساعدتها اقتصاديًا وللحفاظ على استقرارها بمفهوم النظام. وأتذكر أن أحد السياسيين العرب في ذلك الوقت قال إنه رأى في قصر الحكم، أيًا كانت الدولة التي كان يتحدث عنها، موظفين صغار يتدخلون في الشأن المصري، أي إنهم يتصلون بالمسؤولين المصريين ويطلبون منهم فعل كذا أو عدم فعل كذا. الحقيقة أن هذا طرح بالنسبة لي سؤالًا كبيرًا. لقد تربينا على أن مصر هي التي تقود المنطقة، وهي أكبر دولة عربية، ولديها أكبر جيش، ولها إرث تاريخي ممتد. وبالتالي، كان لدينا انطباع مبدئي أن مصر هي أهم دولة في المنطقة. لكن الحقيقة أنه مع الوقت، عندما بدأت أبحث في الموضوع، وجدت أن هذه المسألة ليست محسومة كما كنا نتخيل، نتيجة أننا تربينا داخل مصر، فتأثرنا بالخطاب الوطني الذي يغذي فينا هذا الشعور إلى درجة أن دراسة شهيرة أجراها أحد المراكز المتخصصة في الجيوبوليتيكس، بعنوان "Egypt as Not a Regional Power"، تذكر أسباب رؤيتهم أن مصر ليست قوة إقليمية. لكن، في الوقت ذاته، كانت الرواية الأخرى موجودة: مصر لديها أكبر عدد سكان، وأكبر كثافة ديموغرافية في المنطقة، وأكبر جيش، وموقع جغرافي مهم.

الخلاصة أنه بدراسة الموضوع، نصل إلى أن هناك فرقًا بين أهمية البلد وبين تأثيرها. قد تكون الدولة مهمة، كما هو حال مصر بحكم موقعها الجغرافي، حيث تلتقي عندها ثلاث قارات، وتشرف على قناة السويس. وحتى قبل قناة السويس، كان هذا الموقع مهمًا لأن البضائع كانت تأتي عبر البحر الأحمر، ويتم تفريغها بريًا في برزخ السويس، ثم تعبر إلى البحر المتوسط. قناة السويس سرعت عملية النقل وجعلتها أرخص. ولدى مصر جيش كبير، فكل هذا يشير إلى أن مصر مهمة، لكن هذا لا يعني أنها مؤثرة. هنا يكمن تناقض غريب. 

تاريخيًا، إذا رجعنا إلى أيام الفراعنة، نجد أنه بعد أن وحد الملك مينا هذه البقعة الجغرافية وجعلها حكومة مركزية واحدة، ووحد القطرين كما نقول، أصبحت مصر التي نعرفها بحكم واحد. بدأ عصر الأسرات، ثم الدولة القديمة، وبعدها الدولة الوسطى. في الفترة التي سبقت الأسرات، حيث كانت هناك ثلاث ممالك تتنافس فيما بينها، بدأ التطور التقني في مصر، بمعنى أن الكتابة ظهرت، وبدأت الصناعة، وكانت في ذلك الوقت تعتمد على النحاس وما شابه. وقبل ذلك، تعلم الناس صناعة الفخار، فبدأوا بتخزين الحبوب، مما أدى إلى ظهور تجمعات سكانية كبيرة. عندما حدث التوحيد وبدأ عصر الأسرات القديمة، الذي بُنيت فيه الأهرامات، حدثت ظاهرة غريبة جدًا، وهي الركود. بمعنى أنه عندما استقرت هذه البقعة الجغرافية وأصبحت مملكة واحدة، وجدت نفسها في حالة عزلة. كان السكان يعيشون حول مجرى النيل، وعلى يمينه ويساره صحراء، وفي الجنوب صحراء أيضًا. وكان النيل، كممر تجاري، صعبًا بعض الشيء، فكان من الصعب الوصول إلى الجنوب عبره. علاوة على ذلك، لم يكن لدى الناس ثقافة النقل البحري، ولم تكن الأخشاب متوفرة أصلًا، وهذه مشكلة أثرت على مصر طوال تاريخها. في الشمال، كان البحر، ولم يكن هناك نقل بحري أيضًا. 

عاشت مصر في عزلة تامة عن العالم. هذه الصحراء وفرت لها حماية، لكنها جعلتها معزولة أيضًا. عاش الناس على هذا النحو، كما يُقال: "سلام في مصر، سلام في العالم"، على مذهب "اتركني وشأني". هذه الفترة تُسمى فترة الركود، رغم أنها كانت فترة ازدهار داخلي، حيث بنى المصريون الأهرامات وشهدوا طفرة عمرانية. لكنها لم تكن فترة تقدم تقني. عاش المصريون على الإنجازات السابقة، مما أدى إلى تدهور تدريجي في قدرات البلاد التقنية، فأصبحت عسكريًا أضعف. في نهاية الدولة الوسطى، جاء الهكسوس، وهم قبائل بدوية استفادت من كونها في منطقة مفتوحة، فتأثرت بالتقنيات العسكرية من أماكن أخرى. على سبيل المثال، هم من عرفوا المصريين بالعجلات الحربية. استطاع الهكسوس احتلال مصر، رغم أنهم لم يكونوا قوة كبيرة أو إمبراطورية. هذا ما جعل المصريين ينتبهون إلى التطورات التي لم يلاحظوها. بعد انتصارهم على الهكسوس، جاء عصر الدولة الحديثة، وهو عصر قوة كبيرة، حيث وصلت مصر إلى حدود الأناضول ومنابع النيل، وأصبحت مملكة قوية. لكن بعد ذلك، بدأت في الانحدار، ومنذ القرن الثاني قبل الميلاد، تحديدًا منذ عام 774 ق.م، دخلت مصر تحت الحكم الأجنبي، مع استثناءات صغيرة مثل العصر الصاوي. لكن، بشكل عام، منذ عام 747 ق.م، عندما احتلها الأشوريون، ثم النوبيون، ثم الأشوريون مرة أخرى، ثم الفرس عدة مرات، ثم اليونانيون مع الإسكندر، ثم الرومان، ثم البيزنطيون، وصولًا إلى الفتح العربي الإسلامي، ثم الاحتلال البريطاني. ثم جاء الضباط الأحرار، الذين كانوا، بمعنى ما، أول من حكم مصر من المصريين بعد أكثر من 2500 عام.

كانت مصر دائمًا مهمة. يُقال إن القمح المصري كان يُغذي جيوش الفرس، ثم اليونانيين، ثم الرومان، وحتى شركة الهند البريطانية. كانت مصر مصدرًا للثروة الزراعية، التي كانت أساسية في كل فترات التاريخ، وكانت مهمة بفضل موقعها المرتبط بالتجارة، وبسبب كثافتها السكانية مقارنة بجيرانها. كانت موطن الغذاء وموطن الرجال لفترات طويلة. لكن المصريين أنفسهم، بسبب العزلة، استيقظوا على تطور تقني وعسكري من أطراف خارجية، وبالتالي أصبحوا تابعين لها طوال هذه الفترة، ولم يستطيعوا تطوير موقع إقليمي مستقل. 

من بدأ ذلك في العصر الحديث هو محمد علي. مشروعه كان معقدًا، يمكن أن يُوصف بأنه مشروع وطني بالمعنى المصري، وفي الوقت ذاته مشروع والٍ عثماني. هناك تحليلات وشواهد تشير إلى أن هدفه الرئيسي، على الأقل في سنوات حكمه الأولى حتى 1840، كان أن يصبح الصدر الأعظم في إسطنبول. كان يرى أن الإصلاحات التي أجراها في مصر ستكون نموذجًا مصغرًا يقنع السلطان العثماني بقدرته على إصلاح السلطنة التي كانت تعاني من الضعف. لكن، في النهاية، تطور مشروع محمد علي ليصبح مشروعًا مصريًا، حيث أصبح حكم مصر في أسرته. محمد علي هو أول من طرح سؤال دور مصر في العصر الحديث، إذ شكّل جيشًا مصريًا، وعزز الهوية المصرية، ربما دون قصد منه. ابنه إبراهيم باشا كان أكثر قناعة بالهوية المصرية، حيث غذّى هذه الروح في أفراد الجيش، رغم أن معظم ضباط جيشه كانوا من الأتراك العثمانيين بالمعنى الواسع. لكن، لأول مرة منذ قرون طويلة، أصبح هناك جيش مصري يحاول ممارسة دور خارج حدود البلاد. في الفترات السابقة، حتى في العصر الإسلامي، كانت الحماية تُوكل في الغالب إلى حامية غير مصرية، وهو أمر كان مقصودًا. المماليك، الذين حكموا مصر لفترة طويلة، حتى تحت الحكم العثماني، كانوا المسؤولين عن أي نشاط عسكري، بينما كان دور المصريين يقتصر على التجارة أو العلم أو الفلاحة في الغالبية الساحقة. 

هذا كان الحال أيضًا في الإمبراطوريات السابقة، حيث كانت هناك حامية رومانية مسؤولة عن حماية البلاد، وكان المصريون يُعبؤون فقط في حال الحاجة إلى جيش قوي. لأول مرة، ظهرت عسكرية مصرية تتطور، وبدأت بيروقراطية حديثة تُبنى، وهو ما أنجزه محمد علي. بدأت أيضًا صناعة حديثة، كانت في الأساس تخدم الجيش. علاوة على ذلك، بدأ محمد علي بإنشاء أسطول بحري، وهو أمر فريد في التاريخ المصري، لأن مصر لم تكن تمتلك غابات أو أخشابًا، فلم يفكر المصريون تاريخيًا في بناء أسطول. كان البحر المتوسط بالنسبة لهم مصدر تهديد، حيث كانت الغزوات تأتي منه. إذا قرأت كتاب "كل رجال الباشا"، ستجد في مراسلات محمد علي مع ابنه إبراهيم، أثناء حملته في الشام، أنه وجهه إلى منطقة معينة في الأناضول، أعتقد أنها أضنة، لأنها كانت تحتوي على غابات، إذ كان بحاجة إلى الأخشاب لبناء الأسطول، لأن بريطانيا ودول أوروبا منعت استيراده للأخشاب. 

المفارقة الغريبة هنا هي أن هذا الموقع البالغ الأهمية جعل مصر مطمًا للآخرين، بينما لم يكن المصريون تاريخيًا ينظرون خارج حدودهم. وبالتالي، لم يختبروا ثقافة ممارسة النفوذ إلا في فترات محدودة جدًا. سؤال ما إذا كنا أقوياء فنحاول احتلال جيراننا أو السيطرة على أراضٍ أوسع لم يكن موجودًا تاريخيًا بالمعنى المصري. كان هذا يحدث، على سبيل المثال، تحت حكم اليونانيين أو الرومان، لأنهم إمبراطوريات تتوسع بطبيعتها. لكن المصريين أنفسهم، قبل الفترات التي شهدت حكمًا أجنبيًا، لم يكن لديهم هذه الثقافة. كانوا يعيشون في عزلة، وكانت البلاد في الغالب مزدهرة لأن الزراعة كانت كافية ومنظمة، مع وجود ري منظم. كانوا يبنون الأهرامات، ويؤسسون عاصمة إدارية، ويقومون بكل الأعمال العمرانية التي جعلتنا نشعر أننا مملكة قوية. 

تجربة محمد علي كُسرت نتيجة تدخل خارجي، أو نتيجة صدام مع القوى الدولية الرئيسية في ذلك الوقت، وهي بريطانيا بشكل أساسي. فرنسا خدعته أكثر مما اصطدمت به. ثم اصطدمت مصر ببريطانيا في الثورة العرابية، وأصبحت تحت الاحتلال البريطاني رسميًا، تحت الانتداب في معاهدة الحرب العالمية الأولى. 

جمال عبد الناصر حاول إعادة إحياء القوة مرة أخرى. النظام الناصري لم يكن يعيش داخل مصر فقط، بل كان يبحث عن دور أوسع لمصر، ليس فقط في المنطقة العربية، بل في العالم. لذلك، دخل في مبادرات مثل عدم الانحياز، وكان له اتصال بحركات التحرر في إفريقيا وأماكن أخرى. دور مصر في العالم العربي، الذي ورثناه، والذي على أساسه تشكل في مخيلتنا ومخيلة العرب أن مصر هي أهم دولة، وأنها الشقيقة الكبرى، هو في الحقيقة ميراث النظام الناصري. 

لكن، اسمح لي أن أتوقف هنا. جمال عبد الناصر أسس لحقبة جديدة. تحدثنا عن حقب تاريخية مختلفة، وحاولنا تحديد موقع مصر وتأثيرها في المنطقة خلال القرون الماضية. لكن عبد الناصر، في النهاية، ورث التأثير الذي صنعه محمد علي. تأثير محمد علي امتد من دمشق إلى الحجاز، وصولًا إلى شمال إثيوبيا، وكانت هذه المناطق تُعتبر جزءًا من المجال الحيوي لمصر، حتى شرق البحر المتوسط كان ضمن هذا المجال. هذا الموروث التاريخي لم يتحرك عبد الناصر نحوه كأنه صنع حالة جديدة، بل كأنه استمرار لهذا الموروث. أتذكر أن إذاعة القاهرة كانت من أول الأهداف التي ضربتها بريطانيا لأنها كانت تؤثر كقوة ناعمة، تحرك الناس في دول أخرى مختلفة. كان هذا تأثيرًا وجدانيًا موجودًا في شعوب المنطقة، وكأنه نوع من الإقرار من شعوب المنطقة بزعامة مصر في الإقليم. لكنك تقول إننا بحاجة إلى نقد هذا الكلام. 

الحقيقة أن هذا الإقرار تشكل بشكل واضح بعد عام 1952. تجربة محمد علي كُسرت في عام 1840، وبعدها أصبحت مصر هي مصر التي نعرفها الآن، وكانت متصلة بالسودان بشكل ما. لكن في النهاية، كانت مصر هي مصر. في ذلك الوقت، كان محمد علي واليًا عثمانيًا، وفكرة أن هذه مصر وتلك سوريا وتلك السعودية لم تكن موجودة أصلًا. بدأ هذا يتشكل بشكل محدود في فترة الخديوي إسماعيل، لأنه أراد أن يجعل مصر قطعة من أوروبا، فعمل بعض الإصلاحات والتحديثات التي فتحت المجال العام في مصر. كانت هناك طفرة في الطباعة، فجاء الشوام إلى مصر وأسسوا صحفًا، وحتى المصريون أسسوا صحفًا في ذلك الوقت. أُنشئ المسرح، فأصبح هناك حركة مسرحية، وأُنشئت الأوبرا، فأصبحت مصر مركزًا ثقافيًا في السنوات الأخيرة من حكم إسماعيل. لكن هذا لا يعني أن مصر أصبحت مركز الثقل في المنطقة. حتى ما قبل الحرب العالمية الأولى، كان مركز الثقل الثقافي والسياسي في إسطنبول. حتى الحركة العربية التي بدأت تتشكل مع نهاية القرن التاسع عشر تشكلت من الخارج، جزء منها من العرب الذين كانوا في إسطنبول أو دمشق. لم تظهر مصر بشكل واضح كقلب العالم العربي الجديد الذي كان يتشكل إلا بعد الحرب العالمية الأولى، بعد انهيار السلطنة العثمانية تمامًا. عندها بدأ العرب يبحثون عن مستقبلهم: هل سيؤسسون دولة عربية كبرى؟ هل سيعيدون الخلافة مرة أخرى؟ كانت هناك مساحة تنافس. في السنوات الأولى، لم يكن هناك تسليم بأن مصر هي القائدة. كان هناك طموح لدى السعودية والعراق، وطبعًا في الشام، لكن الشام كانت غير مستقرة. في النهاية، حسمت مصر هذا الأمر، لأنها في ذلك الوقت كانت تمتلك مقومات لم تكن موجودة في دول أخرى. بعض هذه الدول لم تكن قد تشكلت بعد، فالشام كان لا يزال تحت الانتداب ويُعاد تشكيله، والسعودية كانت دولة ناشئة لم تكن تمتلك مؤسسات أو موارد. لكن مصر في العشرينيات، بعد ثورة 1919، أصبح لديها دستور وبرلمان، ودولة مركزية، وجامعة حديثة. لم تكن هذه المقومات موجودة تقريبًا في أي دولة أخرى في المنطقة. كان الناس يأتون من الشام أو الجزيرة العربية للدراسة في جامعة القاهرة. بدأت مصر تمتلك جهازًا بيروقراطيًا وثقافة إدارة الدولة، وهو ما لم يكن موجودًا في الدول العربية الأخرى التي كانت لا تزال تتشكل. مع الوقت، بدأت مصر تكتسب النفوذ تدريجيًا في المنطقة، وكانت ذروة ذلك قبل حركة الضباط الأحرار في تشكيل جامعة الدول العربية، التي أصبح مقرها مصر. 

لكن ما حدث بشكل حاسم بعد عام 1952 هو أن الإيديولوجية القومية أصبحت إيديولوجية الدولة. أصبحت الوحدة العربية والقومية العربية الإيديولوجية الرسمية للدولة. وبالتالي، لم تعد نظرة مصر إلى نفسها وطنية بالمعنى الضيق، أي أن مهمتها تقتصر على نهضة مصر واستقرارها ورفاهية شعبها. أصبحت مهمتها هي الوحدة العربية. هذا أعطى دفعة هائلة للنظام الناصري، خاصة دور مصر الذي بدأ قبل 1952 في القضية الفلسطينية. هل حالة الصراع التي تشكلت مع نشأة دولة إسرائيل كانت عاملًا محفزًا في تعزيز فكرة الزعامة المصرية؟ حالة الكر والفر في الحروب المختلفة، من بداية فترة عبد الناصر حتى السادات، عززت فكرة أن هناك من يقف على الجبهة ويقود الصراع نيابة عن الأمة العربية، وهو في حالة جبهة دائمة. هذا صنع نوعًا من الزعامة في المنطقة، وأوكل لمصر دورًا بحكم كل الإمكانيات التي ذكرتها. 

السؤال: هل هذا الموروث التاريخي المتراكم كان غير صحيح أو غير مناسب للقيادة المصرية في ذلك الوقت؟ تكتسب الدول دورها من عدة عوامل. أولًا، التاريخ، لكن التاريخ وحده ليس كافيًا. أن تكون دولة لها تاريخ طويل وخبرة حكم مركزي هائلة، وأرضها موحدة تقريبًا طوال التاريخ، ولها حضارة، هذا مهم ويكسب الدولة وزنًا جيوسياسيًا، لكن التاريخ وحده غير كافٍ. الموارد المالية والمادية وحدها غير كافية. قد تكون الدولة غنية، تمتلك طاقة أو زراعة أو معادن، لكن هذا وحده لا يصنع نفوذًا. تحتاج الدولة إلى إرادة سياسية، أي قرار، وخطة، وحلم، ونخبة سياسية تتبنى هذا الحلم وتسعى لتنفيذه. تحتاج الدولة أيضًا إلى جغرافيا. أي واحدة من هذه المكونات وحدها لا تصنع قوة جيوسياسية. لكنها كلها متضافرة معًا. 

مصر لديها الجغرافيا والتاريخ. سؤال الموارد دائمًا مطروح في حالة مصر، لأنها تاريخيًا دولة محدودة الموارد، عكس الانطباع السائد. لأنها دولة كبيرة بعدد سكان كبير، وفي الوقت الحالي، الزراعة ليست موردًا كافيًا مع النمو السكاني الهائل. كنا في السابق نطعم جيوش الإمبراطوريات، لكننا الآن نستورد 60% من القمح من الخارج. سؤال الموارد مهم، وسؤال الإرادة السياسية مهم. النظام الناصري تميز بوجود إرادة سياسية، أي أنه كان لديه مشروع وتصور لدور مصر في المنطقة وفي إفريقيا، وهو أمر نادر في تاريخ مصر. تاريخيًا، لم تكن مصر جزءًا من إفريقيا، باستثناء الاتصال عبر النيل حتى السودان وإثيوبيا في بعض الفترات. لكن الانطباع السائد لدى النخبة في مصر، سواء كانوا مصريين أو أجانب، هو أن مصر جزء من الشام الكبير أو البحر المتوسط، ومرتبطة بأوروبا أكثر. بعد ظهور فكرة الأمة العربية، أُضيف هذا البعد، لكن تاريخيًا، كانت الصحراء الكبرى عائقًا أكبر من البحر المتوسط. كان اتصالنا بأوروبا أكبر بكثير من اتصالنا بإفريقيا جنوب الصحراء. عبد الناصر تجاوز ذلك، وكان لديه رؤية لدور مصر في إفريقيا، وعمل على بناء العلاقات. لكن في فترة السادات، أحست الدولة أن هذا كان عبئًا ومبالغة، خاصة أن هذه الدول كانت حديثة العهد بالاستقلال، وفقيرة، وغير مستقرة، فلم نكن مستفيدين من دورنا هناك. 

توفر هذه العناصر في لحظة معينة هو ما ينتج قوة إقليمية. إذا كانت لديك إرادة سياسية وجغرافيا، لكن ليس لديك موارد مالية، فهذا يجعل قدرتك محدودة. ما حدث في عهد محمد علي، ثم تكرر في عهد عبد الناصر، هو أن نخبة الحكم في مصر كانت تطمح لممارسة دور أوسع من جغرافيتها. في حالات القوى الصاعدة، لا يكون هناك تأكيد إلى أي مدى يمكنك الوصول، وما إذا كانت الأطراف الأخرى ستعاديك، أو إلى أي مستوى، وهل ستتحالف ضدك أو سيتحالف أحد معك. القوى الصاعدة دائمًا، في أي سياق، تمر بفترة اضطراب، لأنها عندما تبدأ بممارسة طموحها في التوسع في النفوذ، تصطدم بمصالح أطراف أخرى. هذه الأطراف تبدأ بمعاداتها، فتتمكن أحيانًا من هزيمتها وتوسيع نفوذها، وأحيانًا أخرى تُجبر على التراجع. قد تمتد هذه الفترة لعشر أو عشرين عامًا، حتى تقتنع نخبة الحكم بما يمكن القيام به وفق القدرات والموارد. 

في عام 2019، فعلت تركيا شيئًا مشابهًا. بدأت بعد عام 2011 في اندفاع إقليمي، ووجدت فرصة، وكان لديها رؤية لدورها في المنطقة العربية، والقوقاز، وآسيا الوسطى، وإفريقيا. بدأوا يختبرون كل ذلك مرة واحدة. في عام 2019، أجروا تقييمًا، فوجدوا أنهم غير قادرين على الاستمرار بنفس الوتيرة، لأن هناك حالة استنزاف وعداء مع كل جيرانهم، مثل مشكلة كبيرة مع مصر، واليونان، وقبرص، وإسرائيل، وفي سوريا، وتوتر في العراق، ومشاكل مع دول الخليج، والاتحاد الأوروبي، وأمريكا، وروسيا. انعكس ذلك على علاقاتها التجارية والاقتصادية، فبدأت دول تقطع علاقاتها اقتصاديًا أو تمنع استثماراتها. في النهاية، قالوا إنهم بحاجة إلى إعادة ضبط السياسة، فبدأوا مسيرة تهدئة مع الاتحاد الأوروبي ومصالحات في المنطقة. لكنهم فعلوا ذلك دون التخلي عن المشروع. 

ما حدث مع محمد علي هو أنه عندما تمدد، اصطدم ببريطانيا، التي أجبرته على التخلي عن المشروع، بمعنى أنها أجبرته على تقليص عدد الجيش، وفتح السوق المصرية. كان محمد علي قد أنشأ احتكارات، مما منح الصناعة المصرية فترة حماية لتتطور. لكن عندما فُتح السوق المصرية بموجب اتفاقية بين الدولة العثمانية وبريطانيا، دخلت البضائع البريطانية الرخيصة بكثافة، فتضررت بعض المصانع المصرية وأغلقت أخرى تمامًا. المصانع المرتبطة باحتياجات الجيش أغلقت عندما تقلص الجيش. من جاء بعد محمد علي لم يحاول استعادة المشروع، بل مضوا في سياسات أكثر ارتهانًا للنفوذ الأوروبي. 

عبد الناصر اختبر قصة مشابهة. كان لديه مشروع، جزء منه مدروس ومخطط له، وجزء منه كان اندفاعًا وطموحًا، بل أقرب إلى التهور في بعض جوانبه. ليس التهور في رغبته بممارسة الدور، بل في عدم إعطاء القدر الكافي من الاهتمام لتطوير القدرات اللازمة لهذا المشروع. دخل في مشروع يصطدم بإسرائيل، التي كان يعلم أنها مدعومة من أمريكا بشكل أساسي، وأراد مساعدة حركات التحرر، وأرسل الجيش إلى اليمن. كان من البديهي أن يستثمر النظام في تطوير القدرات العسكرية بشكل كبير، لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. نتيجة صراع عبد الناصر على النفوذ مع عبد الحكيم عامر، لم يكن له سيطرة على الجيش. عبد الحكيم عامر لم يكن قائدًا عسكريًا بالمعنى الحقيقي، بل كان ضابطًا صغيرًا تَرقَّى بسبب الظرف السياسي، وكان عضوًا في مجلس قيادة الثورة، فأصبح فجأة مشيرًا. في النهاية، كان الجيش ضعيفًا، بل بالغ الضعف، على مستوى الاستعدادات المادية، مثل قدرات الدفاع الجوي والقدرات الجوية، أو حتى على مستوى الاستعدادات الميدانية في حالة التهديد والتعبئة تجاه إسرائيل، بينما الجيش نفسه غير جاهز وغير مستعد. 

في النهاية، عندما حدثت الهزيمة، كانت محطة لأزمة للتقييم. لكن ما حدث لم يكن مجرد تعديل للسياسة، بل التخلي عن المشروع تمامًا. لم يكن هناك قرار واضح اتخذه أشخاص على طاولة، لكن هذا تطور مع الوقت حتى أصبحت السياسة السائدة هي الاكتفاء بمصر فقط. عدنا، مع الفارق الزمني والسياق والوضع الجيوسياسي، إلى حالة العزلة، حيث نكتفي بأن نعيش بشكل جيد وألا نكون مهددين. هذا يتطلب التسوية مع إسرائيل، وحماية أمريكية واضحة. التسوية مع إسرائيل تعني أننا لن نكون في حالة حرب، والحماية الأمريكية ستضمن تدفق الموارد من الغرب. هذا هو الدور الرئيسي الذي يقوم به جهاز الحكم في مصر منذ أيام الفراعنة، وهو ضمان توفير الموارد لإدارة المجتمع وتلبية احتياجاته، ليظل نظام الحكم مستقرًا دون مشاكل. 

نتيجة محاولة ممارسة النفوذ والتمدد كانت قاسية، لأن الهزيمة كانت كبيرة. الحقيقة أن هذا أدى إلى التخلي عن المشروع.

 إليك النص المُصحح باللغة العربية الفصحى مع مراعاة علامات الترقيم وسلامة الصياغة دون حذف أو اختصار:

---

اسمح لي، بشكل سريع، أن أقدم لك مثالًا واضحًا جدًا. أول اجتماع لمجلس الوزراء المصري الذي تشكل بعد النكسة، أو بعد هزيمة يونيو، كان يوم 20 يونيو، أي بعد أيام قليلة من توقف الحرب. محضر الاجتماع منشور في مشروع وثائق عبد الناصر الذي أعدته مكتبة الإسكندرية. عبد الناصر هو من بدأ الاجتماع، وبعد المقدمة قال: "ما حدث يدفعنا إلى أن نكون أشداء، وأن نبني أنفسنا، وأننا لن نستسلم." وقال إننا أمام خيارين: إما أن نعقد صلحًا مع إسرائيل ونستسلم لأمريكا، أو أن نقاتل ونقاوم. كان خياره أننا سنقاتل وسنقاوم، وبالتالي رأى أن تجنب الاستسلام للنفوذ الأمريكي هو السبب الذي جعل قرن التحدي ضروريًا. وأشار بوضوح إلى أن زكريا محيي الدين، كما قال، كان أكثر اعتدالًا منه، ولم يُسبب مشاكل مع الأمريكيين كما فعل هو. لكنه في النهاية قال إنه إذا كان سيضطر إلى خفض رأسه قليلًا، فلن يقبل بذلك إلا لفترة محدودة، وهذا أيضًا غير كافٍ بالنسبة لهم. شدد على أن الجيش المصري قد انتهى، كما قال بالنص: "الجيش المصري خلص." وعندما تُسأل لماذا، أوضح أن الهدف هو أن الإسرائيليين كانوا قادرين على ضرب الجسور، والمصانع، والقناطر، ومحطات الكهرباء، والمجاري. كانوا يتجولون بحرية فوق القاهرة. لكنه تساءل: لماذا لم يفعل اليهود ذلك؟ كانوا قادرين على تدمير البنية التحتية بالكامل، لأنه لم يعد هناك دفاع جوي. وقال إن الدفاع الجوي كان مجرد تمثيلية، وأننا لم ن Latino: لم يكن لدينا دفاع جوي. وقال: "في رأيي، الأمريكيون يعتبرون أن هناك إمكانية لتغيير النظام، ولا داعي لأن يجد النظام الجديد بلدًا مدمرًا." 

الشاهد من كلام عبد الناصر، رغم أنه اختار المقاومة ورفض الاستسلام، هو أنه كان مقتنعًا تمامًا بأن المعادلة بيننا وبين أمريكا هي المعادلة الحاسمة. هذا استنتاجي، فلا يوجد نص مكتوب يقول ذلك صراحة، لكن الحقيقة أن انكسار التجربة الناصرية رسخ في وعي نخبة الحكم في مصر أنه ليس من المجدي الدخول في أي معادلة ضد القوى الدولية. محمد علي كسرته بريطانيا، والثورة العرابية كسرتها بريطانيا وحلت الجيش المصري، وهذا أمر حاضر في ذاكرة الجيش المصري. أما النكسة، فهي أمريكا، وليست إسرائيل فقط. وبالتالي، إعادة الضبط التي أردناها هي أن تكون هناك قناعة داخل نخبة الحكم بأنه، لاستقرار النظام وتحقيق مصالح البلاد وتجنب الحروب، ليس أمامنا خيار سوى أن نكون في حالة وفاق مع القوى الدولية، أي أمريكا. رغم أنه في يوم 20 يونيو، بعد أسبوع تقريبًا من النكسة، تحدث عن وصول الخبراء الروس، وقال إنه أبلغهم أننا لا نريد معدات فقط، بل جنودًا أيضًا. وقال إن الروس أرسلوا المعدات، والآن أصبح لدينا طائرات أكثر من الطيارين. قال: "أنا أتحدث بعد أسبوع، لكن أخبرتهم أننا بحاجة إلى طيارين، فأرسلوا لنا طيارين، وإلا فإن إسرائيل وأمريكا، حسب كلامه، ستهينانا." أقصد أن هناك قوى دولية رئيسية أثبتت جديتها في دعم مصر، وهذا الالتزام استمر حتى حرب أكتوبر. 

لكن عبد الناصر اضطر إلى التخلي عن دور مصر في الإقليم، واكتفى بمعادلة استقرار الداخل. لا يمكن القول إن هذا كان خارجًا عن إرادة عبد الناصر، فهو في النهاية توفي قبل أن تصل هذه السياسة إلى نهايتها، لكنه رسخها داخل الدولة. حتى قبل الهزيمة، لم يكن الضباط الأحرار على موقف واحد. كان هناك مجموعة تميل إلى أمريكا، ومجموعة تميل إلى الاتحاد السوفيتي، لأن الضباط الأحرار كانوا مختلفين إيديولوجيًا. هذا واضح، إذ قال عبد الناصر إنه اختار زكريا محيي الدين لأنه الأقرب إلى الأمريكيين، حتى يشعروا أن هناك تغييرًا، فيتخلوا عن فكرة تغيير النظام. لكن ما حدث بعد ذلك هو أن تغيير النظام لم يعنِ استبدال الضباط الأحرار كلهم بنظام آخر، بل تغيير عقيدة النظام. النظام الذي كان لديه طموح إقليمي وعداء واضح مع إسرائيل، بغض النظر عما إذا كان لديه مشروع للقضاء على إسرائيل أم لا، كان لديه عداء مع إسرائيل، وهذا أمر لا شك فيه، وكان لديه مشروع إقليمي واسع يتعلق بالأمة العربية، وجزء من مكونات هذا المشروع هو العداء ضد إسرائيل. كان يتم تعبئة الأمة العربية ضد إسرائيل. عندما نتحدث عن تغيير النظام، فإننا نتحدث عن تغيير النظام السياسي، أي استبدال نظام الضباط الأحرار بنظام سياسي جديد. في النهاية، بدأ الأمريكيون يضغطون مع الإسرائيليين لإعادة طرح السؤال: ما هو دور مصر في المنطقة؟ وبدأت مصر تعيد طرح السؤال: هل نحن بحاجة إلى تغيير عقيدتنا العسكرية؟ كانت العقيدة هجومية، حيث كانت القوات تذهب إلى الأردن، وسوريا، واليمن، فكانت عقيدة عسكرية توسعية. أما الآن، فقد أصبحت مصر تعتمد عقيدة دفاعية. فهل أُجبرت مصر على هذه المعادلة في النهاية، وارتضت بهذا الدور، ولا ترغب في إعادة العقيدة التوسعية من جديد؟ 

أعتقد أنها لم تُجبر، بل اختارت ذلك. بمعنى أن هناك سؤالًا مهمًا طُرح في اجتماع مجلس الوزراء، لكنه لم يُسجل في المحضر من قاله، بل سُجل فقط أن صوتًا قال كذا وكذا. تحدث عن أنه لم يعد هناك عدم انحياز، وأنه يجب أن تكون علاقتنا مع الروس قوية ونعتمد عليهم. وأنا سعيد بما ذكرته عن حديثه مع الروس وطلبه طيارين. عبد الناصر قال إن مسألة عدم الانحياز اليوم غير موجودة، فهناك من يقول إنه على الحياد بين الأمريكيين والروس، بينما الأمريكيون يمسكونه من رقبته ويضربونه. هنا كان أمام لحظة تراجع فيها عن عقيدة النظام، التي كانت قائمة على عدم الانحياز. المراجعة الأولى قالت إنه يجب أن يكون تعاملنا مع الروس واضحًا، ولم يعد هناك شيء اسمه عدم انحياز، لأن هناك من يمسكك من رقبتك ويضربك، كما قال. لكن في الوقت ذاته، كانت هناك قناعة موجودة من قبل، وهي أن نظام يوليو نشأ في لحظة كان النظام الدولي لا يزال يتشكل، وكانت موازين القوى فيه غامضة. لم يكن لدى الضباط الأحرار، أو حتى مصر، علاقة سابقة قوية مع الأمريكيين أو الروس مقارنة بالعلاقة مع بريطانيا أو فرنسا. وبالتالي، كان الضباط الأحرار في مرحلة اكتشاف: هل الأمريكيون سيكونون الأقوى، أم الروس؟ كان الروس يبدون أكثر هجومية وتحركًا، بينما كان الأمريكيون أكثر هدوءًا. كان هناك من لديه ميول يسارية، وآخرون لديهم ميول يمينية. بشكل عام، كانت علاقات نظام يوليو الدولية متوازنة، حيث كانت مصر تتلقى مساعدات من الأمريكيين حتى حوالي عام 1965، وكانت لها علاقات مع الروس والمعسكر الشرقي. عندما توفي عبد الناصر في عام 1970، كانت ديون مصر الخارجية، المدنية والعسكرية، مقسمة تقريبًا بالتساوي بين الغرب والاتحاد السوفيتي، بنسبة حوالي 43% و46%، والباقي لدول مثل الكويت، على ما أعتقد. كان هناك توازن بشكل عام. 

لكن ما حدث هو أن أنور السادات لم يكتفِ بالميل إلى الأمريكيين، بل مضى في هذا الخيار إلى أبعد مدى ممكن. لم يتخلَّ فقط عن الدور القومي وعن عدم الانحياز، بل إن الدولة في تلك اللحظة، أو في تلك السنوات، اتخذت قرارات تراكمت مع قناعات تم اختبارها. كانت النتيجة أن الدولة أدركت أن مصلحة مصر ليست فقط في إعطاء الأولوية للأولويات الوطنية الداخلية، بل في أن تكون جزءًا من الفلك الأمريكي. هذا أنتج تبعية واضحة لمصر. هذا قرار سياسي من السادات، ليس فقط منه، فالرؤساء دائمًا هم الحلقة الأضعف في التوجهات الكبرى. قد يأتي رئيس في لحظة معينة ويقول: "اعتقلوا فلانًا"، أو "افعلوا كذا"، أو يتخذ قرارًا معينًا. هو في النهاية الرئيس، وسيُسمع كلامه، خاصة في دولة مركزية مثل مصر. لكن التوجهات الكبرى تتبناها المؤسسات. والدليل أنها استمرت بعد السادات، وبعد مبارك، وقبل ثورة يناير وبعدها. هذه قناعات مدروسة، وغالبية نخبة الحكم تراها صحيحة وتحقق مصلحة البلاد. لأنهم أعادوا تعريف مصلحة البلاد، فلم تعد إضعاف إسرائيل هي المصلحة، بل تجنب الاستنزاف في مواجهتها. لم تعد مصلحة البلاد في توحيد العرب أو أن نكون دولة عربية كبرى أو قوة عربية في مواجهة الإمبريالية أو النفوذ الغربي. بل أصبحت مصلحة البلاد في استقرار مصر، ومن خلال علاقتها مع الغرب، الذي يتحكم بالعالم، تضمن الحد الأدنى من الدعم الاقتصادي والاستقرار الاقتصادي، سواء عبر استثمارات أو مساعدات. أصبحت مصلحة البلاد، في نظرهم، ليست في توحيد الدول العربية أو بناء سياسة خارجية للدول العربية، ليس لأن ذلك ضد مصلحتنا، بل لأنه ليس أولويتنا. هذه نتيجة اختبار أثبت عدم جدوى هذا المسار. 

في النهاية، كان التقدير السائد أننا دفعنا ثمنًا بمفردنا، بينما لم يكن التزام الدول العربية مماثلًا لما دفعته مصر. على سبيل المثال، بعد حرب أكتوبر، كانت هناك أزمة اقتصادية كبيرة، جزء منها موروث من سنوات عبد الناصر نتيجة الحرب وتوجيه الموارد لدعم المجهود الحربي، وجزء تفاقم بسبب سياسات السادات نفسه. لكن النتيجة كانت أزمة كبيرة، والدول العربية تباطأت في تقديم الدعم. ترجم السادات ذلك على أنه قرار أمريكي واضح لحث مصر على المضي في مسار كامب ديفيد. أدرك أن المشكلة ليست فقط أن المواجهة العسكرية مع إسرائيل هي مواجهة مع أمريكا، كما كان يقول: "أنا لن أحارب أمريكا." في النهاية، قبل وقف إطلاق النار لأن أمريكا أرسلت دعمًا هائلًا للجيش الإسرائيلي. قال: "أنا لا أستطيع محاربة أمريكا." هذا نفس الكلام الذي قاله عبد الناصر يوم 20 يونيو، مشيرًا إلى أنه لا يستنتج تحركات جيش العدو من كلامهم، بل من كلام الأمريكيين. كان يقول إن هناك 100 كيلومتر بينهم وبين القاهرة، فيمكنهم التقدم إلى القاهرة. قال: "أنا أستنتج تحركاتهم من كلام الأمريكيين، وليس من كلام اليهود." قد يكون مبالغًا، لكنه يعكس القناعة السائدة لدى نخبة الحكم بأننا نواجه أمريكا بالفعل. 

في هذه النقطة، كتب سعد الدين الشاذلي أنه كان يرى أن هناك مساحة لسد الثغرة، وأن أمريكا موجودة، لكنها ليست الفاعل الرئيسي، بل إسرائيل هي الفاعل الرئيسي. لكن السادات، ومعه وزير الدفاع، كانا يريان أننا إذا تقدمنا، فسنحارب أمريكا. إذا أصبح المسار العسكري مرتبطًا بالمواجهة مع أمريكا، ونحن غير قادرين على ذلك، فإن الدعم الاقتصادي والوضع الاقتصادي المتدهور جدًا أصبح مرتبطًا بفيتو أمريكي. اقتنع السادات أن الأمريكيين هم من سيطلبون من دول الخليج دعم مصر أو إيقاف الدعم. علاوة على ذلك، كان بحاجة إلى دعم أوسع من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. 

في النهاية، هذا قرار، وهناك نقطة يجب الانتباه إليها. تحدثنا عن أن مصر محدودة الموارد، وهذه من السمات الأساسية في جغرافيتها السياسية تاريخيًا. نخبة الحكم في أي فترة كانت تستمد شرعيتها وقدرتها على حكم البلاد والسيطرة عليها من كونها المسؤولة عن التنمية وإدارة الاقتصاد. تاريخيًا، لم يكن الناس هم من يقومون بذلك، بل جهاز الحكم المركزي، أيًا كان اسمه. هو من كان يملك الأرض، ويدير الزراعة، وينفذ مشروعات الري، ويتاجر مع الخارج، سواء من خلال تجار أو غيرهم. كان الناس ينظرون إلى الدولة باعتبارها المسؤولة عن التنمية، والاستقرار، والتجارة. هذا ترسخ بشكل هائل في عهد محمد علي بطريقة مذهلة، وأُعيد ترسيخه بنفس النمط في عهد عبد الناصر. أصبح القطاع العام يحتكر كل التصنيع، سواء التصنيع المحدود الذي كان موجودًا من قبل، مثل النسيج وبعض الصناعات الصغيرة كمصانع السكر، أو غيرها. التجارة والتوكيلات كانت تحت سيطرة الدولة، التي كانت مسؤولة عن الاقتصاد، وفي المقابل توفر للناس الاحتياجات الأساسية. استقرار نظام الحكم مرتبط بقدرته على جلب الموارد المالية من الخارج. إذا اقتنعت نخبة الحكم أن هذا مستحيل دون ضوء أخضر أمريكي، فهذا يصبح مرتبطًا باستقرار الحكم نفسه، وليس فقط بمسألة الدور القومي أو النفوذ الإقليمي. 

علاوة على ذلك، يجب أن نقول إن مسألة ممارسة النفوذ خارج الحدود هي شيء موجود في عقلية النظام السياسي. إذا لم يكن لديك تاريخيًا هذا التوجه أو الرغبة أو الخبرة، فأنت معتاد على ممارسة القوة داخل حدودك فقط. أنت تاريخيًا مكتفٍ بإدارة البلاد واستقرارها، وهذه بالنسبة لك حالة النجاح. وبالتالي، أصبحت الاستثناءات هي الفترات القصيرة، مثل العشرين عامًا التي حاولنا فيها ممارسة دور إقليمي أو حتى دور ذي بعد دولي. هذا كأنه عودة إلى الأصل، وليس العكس. حاولنا، لكن وجدنا أن الثمن كبير، وأن البلاد دُمرت، ودخلنا في حروب لم نكن قادرين على مواجهتها. هذا ترجم في العقدة الأساسية التي تحكم عقل أجهزة الدولة في مصر، وهي مسألة الصدام مع القوى الكبرى التي كانت دائمًا مسؤولة عن إجهاض المشروعات الوطنية، سواء كان مشروع محمد علي، أو عرابي، الذي كان مشروعًا وطنيًا في النهاية، أو حتى مشروعات عبد الناصر التي كانت لها طموح إقليمي. تم تحجيمها، وأصبحت المعادلة في النهاية أن النموذج الاقتصادي ليس مبنيًا على تحقيق تنمية وتأثير إقليمي، بل على تحقيق معادلة الاستقرار الداخلي. 

هذه هي النقطة الرئيسية التي تجعل مراكز الدراسات والخبراء في الجغرافيا السياسية يعتبرون، بصراحة، أن مصر ليست قوة إقليمية. السبب الرئيسي هو أن هيكل الاقتصاد السياسي المصري كارثي، لأنه معتمد على الخارج. إذا بنيت رهاناتك على أن الاستقرار الاقتصادي مرتبط بالعلاقة مع أمريكا، فهذا يترجم إلى أنك غير قادر على تحدي النفوذ الأمريكي. إذا كان نمط علاقاتك الإقليمية، وجزء رئيسي منها، مبنيًا على دعم دول الخليج، فكيف ستكون قوة إقليمية في مواجهة أطراف تعتمد عليها؟ هيكل الاقتصاد السياسي المصري لم يتطور بما يواكب احتياجات البلاد. البلاد الآن تضم 110 ملايين نسمة، والتقديرات الرسمية من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تقول إنه بحلول عام 2050، سنصل إلى 146 مليونًا. وكالة الأمم المتحدة وفيتش يقولان إن الرقم سيكون أعلى، 150 أو 155 أو 160 مليونًا. في المتوسط، لنقل إننا سنصل إلى 150 مليونًا. 

من المفترض أن يكون هذا الثقل الديموغرافي نقطة قوة، وليس تهديدًا، وأن يكون قوة في تغيير المنطقة. لكن المشكلة هي أن الاقتصاد السياسي المصري لم يتطور إلى التصنيع حتى الآن. في فترة محمد علي، كما ذكرنا، كانت هناك تجربة صناعية كان يمكن أن تتطور، لكنها أُجهضت. ظلت مصر دولة زراعية، وتحت الاحتلال البريطاني والنفوذ البريطاني، كان ذلك يخدم مصالح بريطانيا. كانوا يأخذون القطن المصري إلى مصانعهم في لانكشاير، ثم يصدرون المنسوجات. عندما بدأ عبد الناصر توجهًا للتصنيع بعد الثورة، كانت البنوك المصرية تقف ضده، إذ كانوا يرون أننا شعب زراعي، والتصنيع أمر ضخم وبعيد. في النهاية، كان هذا أحد الأسباب التي دفعته إلى إجراءات التأميم الراديكالية في أوائل الستينيات، لأن رأس المال المصري المحلي، سواء كبار التجار أو ملاك الأراضي أو أصحاب مصانع النسيج، رفضوا تمويل المشروعات التي طرحها مرة ومرتين وثلاثًا. كانت البنوك شحيحة في تمويل خطط التنمية، فكلما وضع خطة تنمية، وجد أن الموارد التي يحتاجها لجمعها غير متوفرة. فلجأ إلى تأميم البنوك والشركات الكبرى، وأخذ الثروات. كان هدفه الرئيسي، كما تقول التحليلات التي تناقش مشروع الإصلاح الزراعي، هو تحويل رأس المال المحبوس في الزراعة إلى التصنيع. 

للأسف، كان من الممكن البناء على ذلك، لكن ما فعله السادات هو تحويل الاقتصاد إلى نمط آخر تمامًا، قائم على التوكيلات التجارية، واقتصاد الكماليات والسلع المعمرة وما إلى ذلك. في النهاية، لم يتطور التصنيع بما يواكب الحاجة الاستراتيجية. الآن، في عام 2024، بلغت صادرات مصر الإجمالية حوالي 44 مليار دولار، وهو رقم هزيل جدًا. تخيل أن صادرات البلاد 44 مليار دولار، وعوائد قناة السويس قبل أزمة الحوثيين وصلت إلى 10.2 مليار دولار في عام 2020. هذا يعني أن قناة السويس، كنسبة من الصادرات، تُشكل رقمًا كبيرًا، رغم أنها لا تمثل سوى 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي. في النهاية، الاقتصاد السياسي للبلاد قائم لخدمة معادلة إدارة الحكم، وليس هدفه بناء بنية تحتية صناعية. مع الوقت، لكي تصبح مصر قوة، يجب أن تكون مستقلة في قرارها لتمارس نفوذًا خارجيًا.

إليك النص المُصحح باللغة العربية الفصحى، مع مراعاة علامات الترقيم وسلامة الصياغة، دون حذف أو اختصار:

---

لكي تكون الدولة مستقلة، يجب أن تمتلك مقومات الاستقلال. بالطبع، في العصر الحالي، لا توجد دولة مستقلة بنسبة مئة بالمئة، فالاقتصادات متداخلة والعلاقات متشابكة، ولكن يجب أن تكون نسبة الاعتماد على الخارج محدودة، بحيث لا تكون هي الأساس، وأن تكون العلاقات متوازنة، فلا يتمكن طرف واحد من التحكم بها. منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد، أصبح استقرار مصر الاقتصادي، أي الاستقرار الأدنى وليس الرفاهية، مرتبطًا بالخارج، وباستمرار العلاقات الجيدة مع الغرب. حتى دعم دول الخليج تنظر إليه مصر كجزء من العلاقة مع الغرب، لأنه إذا قالت أمريكا لدول الخليج: "لا تدعموا مصر"، فلن يدعموها. هذه هي القناعة السائدة لدى صناع القرار المصري. إضافة إلى ذلك، فإن مصر تعتمد عسكريًا على الغرب في التسليح وفي كل شيء. دعني أطرح سؤالًا يكسر حاجز الجغرافيا السياسية قليلًا، ونتحدث عن المجال الحيوي لمصر في المنطقة. يوم 28 يناير، وهو في رأيي يوم محوري في الإقليم كله، حيث نزل الملايين إلى الشوارع وكسروا جهاز الشرطة، كأنهم يحاولون إعادة تعريف مصر في المنطقة من جديد. لو فتحت قناة الجزيرة وشاهدت شريط الأخبار، كنت سترى مظاهرات في كل العواصم في الإقليم وخارجه. كان هناك مجال حيوي لمصر، ربما لم نكن ندرك قوته بالكامل. 

السؤال هنا يتعلق بالإرادة السياسية. مصر محدودة الموارد، ولكن إذا توفرت الإرادة السياسية، يمكنها تغيير الإقليم وتغيير المعادلة التي أصبحت مرتهنة لها منذ كامب ديفيد. السؤال هو: في ظل نظام إقليمي ودولي يتغير بسرعة كبيرة خلال العشر سنوات الماضية، حيث نشهد تغيرات محورية شهريًا في المنطقة، هل يمكن توفير هذه الإرادة؟ الإرادة هنا تعني وجود رؤية وخطة، وتعريف واضح للمصالح، وتعريف للأمن القومي، وتحديد للحلفاء، وتحديد للدور. الإرادة ليست مجرد رغبة، بل رؤية متكاملة. التفاوض هو الخطوة الأولى والأخيرة. إذا كانت لديك الموارد والجغرافيا والتاريخ، ولكن ليس لديك الإرادة، فستظل في مكانك. هناك دول حولنا تمتلك الموارد والتاريخ والجغرافيا، ولكن ليس لديها الإرادة أصلًا. بعض الدول تقرر أن يكفيها أن يعيش الناس بشكل جيد، بينما هناك دول، عندما تتوفر لها الإرادة، تعمل على توفير الموارد. في الفترات التي توفرت فيها الإرادة لمصر، رغم أن التجربتين، كما قلنا، هُزمتا في النهاية، أثبتتا أنه إذا توفرت الإرادة، فيمكننا تحقيق الكثير. 

لكن هنا يُطرح سؤال يتعلق بكفاءة الإدارة السياسية، وكيفية صياغة مفهوم الأمن القومي، وكيفية صياغة السياسات. هل يتخذ القرارات فرد واحد، فتكون جيدة أحيانًا وتؤدي إلى كارثة في أحيان أخرى؟ هل الوضع الدولي والإقليمي يسمح بذلك؟ يجب أن يكون هناك تصور واضح لمن هم الحلفاء ومن ليسوا كذلك. إحدى مشكلات محمد علي، على سبيل المثال، أنه لم يكن واضحًا أو حاسمًا في تحديد توجهاته. كان واليًا عثمانيًا، ولم يكن قادرًا، حتى اللحظة الأخيرة، على تخيل تحدي السلطان العثماني، أو الخروج من السلطنة العثمانية، أو أن يكون بديلًا للسلطان. وصل إبراهيم باشا إلى كوتاهية، وهدد إسطنبول فعليًا، لكن محمد علي هو من أمره بالتوقف. كان إبراهيم أكثر طموحًا، وكان يريد الوصول إلى إسطنبول وعزل الخليفة. لكن محمد علي كان في حالة اضطراب بين القوى الدولية، وكان يأمل في عقد تفاهمات مع بريطانيا، التي كانت ترفض التعامل معه، لأنها لم تكن تريده أن يتمدد، ولها حسابات تتعلق بخطوط التجارة لمستعمراتها وعلاقتها مع السلطان العثماني. الفرنسيون كانوا يتلاعبون به، يعِدونه بأمور ويتخلون عنه في النهاية. هذا أحد العوامل التي أدت إلى اصطدام التجربة. يمكن أن أمتلك الموارد والرؤية والجغرافيا، ولكن في النهاية، لكل شيء حدود، فيجب أن أعمل دون أن أصطدم بالتوازنات الدولية الموجودة.

الحقيقة أن هذا هو النقاش الذي يجب أن تخوضه مصر. لا تنتظر مني أو من أي شخص أن يقدم إجابات قاطعة وواضحة حول ما يجب أن نفعله. هذا نقاش يجب أن تخوضه الدولة والمجتمع، لأنه، للأسف، نتيجة غياب تداول السلطة في دولنا، ووجود نخبة حكم مغلقة تتوارث السلطة دون رقابة شعبية، أو برلمانات تعبر عن الناس، أو شفافية، ينتج عن ذلك غياب مسافة واضحة بين النظام السياسي والدولة، وبين نخبة الحكم المؤقتة، أي الأشخاص الذين يحكمون البلاد لمدة عشر أو خمس أو عشرين سنة، وبين الدولة نفسها، أي المؤسسات. هذا يؤدي أحيانًا إلى اختلاط تعريف الأمن القومي بأمن النظام نفسه. أولويات الدولة تحددها طبيعة الموقع الجغرافي والأمة التي تعيش عليه، وهي ثابتة، بينما مصالح نخبة الحكم مؤقتة، فهدف الرئيس هو البقاء في السلطة. هذا التداخل بين النظام السياسي والدولة يجعل الأمن القومي للبلد يُترجم إلى استقرار النظام ومصلحته. فهل، على سبيل المثال، من الأمن القومي لمصر أن نكون في تحالف مع تركيا أم مع اليونان أم على الحياد؟ هل من مصلحة مصر ألا تكون لنا علاقات مع إيران؟ السبب الرئيسي لذلك هو أمريكا وإسرائيل، وليس لأن مصر ليس لها مصالح مع إيران. دور مصر في ملفات مثل اليمن يؤثر بشكل مباشر على قناة السويس، وهي مهمة لخلق توازن ضد إثيوبيا. فكما أن هناك محورًا إثيوبيًا إسرائيليًا يهدد مصالح مصر في البحر الأحمر وقرن إفريقيا، يجب أن يكون هناك محور مصري يمني قادر على تحقيق التوازن معه.

في النهاية، هل تُدار علاقات مصر الخارجية الاقتصادية بناءً على مصلحتها بعيدة المدى؟ مصلحتنا بعيدة المدى هي أن تكون قراراتنا مستقلة، لا تُملى علينا، ولا تخضع لضغوط أطراف أخرى، وأن نحافظ على وحدة الأمة. هذه هي مصالح أي دولة في العالم، أي غاية أمنها القومي، ألا تكون خاضعة لطرف آخر، وأن تتخذ سياساتها دون إجبار، وأن تظل الدولة موحدة وشعبها آمن. فهل تُبنى علاقات مصر الاقتصادية على هذا الأساس، أم على أولويات النظام نفسه؟ سؤال الأمن القومي المصري بالغ الأهمية، ويجب أن يُطرح للنقاش، وأن يكتب الناس ويجادلوا ويحاوروا حتى نصل إلى قناعة يُبنى عليها إجماع وطني، بحيث لا تكون مسألة الأمن القومي مرتبطة بنتيجة انتخابات أو ثورة، أو نظام جديد قد يؤدي إلى كارثة أو يبيع شيئًا ما. هذه الأسئلة حُسمت في الغرب منذ زمن، لكن في مصر، وحتى الآن، لا توجد وثيقة للأمن القومي، كما هو الحال في معظم الدول العربية ودول الإقليم، لأن الأمن القومي متداخل مع مصالح نخبة الحكم، سواء كانت أسرة ملكية أو نخبة عسكرية أو غيرها.

مصر لديها ميزة فريدة، لكنها تترتب عليها تحديات. نحن نعيش في دوائر انتماء متداخلة، أي أن لدينا انتماءً إفريقيًا، وبحسب تعبير جمال حمدان، لدينا بُعد إفريقي، وبُعد آسيوي، وبُعد متوسطي أوروبي، وبُعد نيلي. بالنسبة له، البُعد العربي ليس بُعدًا، بل انتماء، لأنه يصل إلى أبعاد الجغرافيا. المجال الحيوي لقوة مصر، كما يقول، هو أن مصر موجودة في هذه البؤرة، فهي بحكم الجغرافيا جزء من إفريقيا، وبحكم الجغرافيا والتاريخ والثقافة والتفاعل لها بُعد شرقي آسيوي، وهو ما دخل منه الإسلام وارتبط بخطوط التجارة، ولها بُعد متوسطي لأنها على البحر المتوسط، ومنه جاءت الغزوات وتفاعل حضاري. كل هذه الأبعاد موجودة، لكنها ليست انتماء مصر بحد ذاتها. إذا تُركت هذه الأبعاد لوحدها، ستنتج، كما يقول، عدم اتزان وتشتت، لأن الدول في كل دائرة لها مصالح مختلفة، وأحيانًا متعارضة، ومصر جزء منها بحكم التاريخ والجغرافيا. ما يضبط هذا هو أن يكون انتماؤنا واضحًا. بالنسبة لجمال حمدان، انتماء مصر عربي، فالانتماء العربي هو الذي يضبط هذه الأبعاد. الوحدة الإفريقية، بالنسبة له، هي وحدة نضال وسياسة خارجية، لكن الوحدة العربية هي هوية وجود وسياسية، يجب أن تصل إلى قدر من الوحدة المؤسسية على أسس سياسية واقتصادية.

هذا سؤال مهم، لأنك تتساءل عما إذا كانت مصر قادرة على تجاوز وضعها الحالي والعودة لممارسة نفوذ إقليمي أو أن تكون شريكًا في القرار الإقليمي. الحقيقة أن لدي قناعة متزايدة بأننا لا نحتاج إلى نفوذ إقليمي، لا نحن ولا غيرنا، لأن هذا نتاج نظام التجزئة المفروض علينا. أعتقد أن لا مصر ولا السعودية ولا الإمارات ولا الجزائر ولا أي دولة عربية قادرة على الخلاص الفردي. ما نحتاجه حقًا هو تصور واضح لمنظومة تعزز التكامل بين دول المنطقة. مصر وحدها غير قادرة على تحقيق ذلك لأسباب موضوعية، اقتصادية وجيوسياسية. مصر الآن تراهن على الشراكة مع الولايات المتحدة لأسباب اقتصادية وأمنية وعسكرية، بينما هذا الشريك الاستراتيجي يعلن رسميًا أنه ملتزم بضمان تفوق إسرائيل في المنطقة. أنت تعتمد على طرف يقول لك صراحةً إنه ملتزم بأن تظل أضعف من إسرائيل. الغرب في نفس الوضع. عندما اشترت مصر أسلحة من فرنسا، رفضوا إعطاءنا نوعًا معينًا من الصواريخ الدقيقة، لأنها تكسر التوازن بين مصر وإسرائيل. تجاوز هذا القيد لا يتم بمزيد من الشراكة مع الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، بل بتعزيز التكامل بين دول المنطقة. عندما تشعر دول المنطقة بالتهديد، تلجأ إلى أمريكا. دول الخليج، عندما تشعر بالتهديد من إيران أو الطائرات المسيرة أو الأسلحة النووية، تختار مزيدًا من الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة والاعتماد على الحماية الأمريكية. أفهم هذا كخيار تكتيكي إذا لم تكن الدولة جاهزة، فلا يمكن ترك البلاد معرضة لمخاطر خارجية. لكن المشكلة أن هذا خيار استراتيجي، أي لا يوجد تصور عربي حتى الآن للتخلص من الارتهان للحماية الأمريكية، بينما المنطقة بشكل متكامل قادرة على التخلي عنها. لسنا نتحدث عن دولة عربية كبرى أو خلافة إسلامية، بل عن قدرة المنطقة على إنتاج آليات للتعاون والتكامل الاقتصادي والعسكري والأمني، مما يجعلها مركزًا جيوسياسيًا في العالم. لا نريد مصر أن تكون مركزًا جيوسياسيًا منفردًا، تمارس نفوذًا على ليبيا أو السودان، لأن ذلك يزيد من تفتيت المنطقة، وهو قصير الأجل في رأيي. المنطقة بحاجة إلى أن تصبح مركزًا سياسيًا، وهذا لن يتم إلا بتعزيز التعاون بين دولها على أساس المصلحة العامة، وليس دعم دولة لأنها تحارب الإسلاميين أو العكس. هناك تعاون بين دول المنطقة في حلف الثورة المضادة، لكنه يخدم مصالح الأنظمة، وليس له علاقة بمنظومة تكامل أو التخلص من التبعية أو جعل المنطقة مركزًا جيوسياسيًا مستقلًا. بالعكس، إسرائيل جزء من هذا الحلف ومصالحه وعملياته المشتركة، مما يعني فقدان بوصلة الأمن القومي في مصر والعالم العربي كله، لأن هذه الدول ترى في أمريكا الحليف الموثوق والشريك الحتمي، ولا تفكر أصلًا في التخلي عنه.

لأضرب مثالًا: تحدثنا عن محضر اجتماع عبد الناصر، حيث قال إنه لا يوجد دفاع جوي، وكان الدفاع الجوي مجرد تمثيلية. خلال حرب الاستنزاف، كان هدفه الرئيسي بناء جدار الصواريخ ليتمكن من حماية القوات عند عبور القناة. نجح في بناء جدار الصواريخ، وفي عام 1973، حمى الدفاع الجوي القوات. لكن في عام 1973، هددت إسرائيل بضرب السد العالي، وهو تهديد خطير يمكن أن يتسبب في كارثة للبلاد. بعد خمسين عامًا تقريبًا، هل لا يزال هذا التهديد قائمًا؟ هل عملت مصر عسكريًا خلال هذه الفترة على امتلاك القدرات العسكرية للتصدي له؟ لا أعلم، لكن ما نعرفه هو أن سلاح الجو الإسرائيلي أكثر تقدمًا بكثير من قدرات الدفاع الجوي المصري وسلاح الجو المصري. سلاح الجو المصري مقيد، لأن مصر تعتمد حتى الآن في تسليحها على الغرب، وبالأخص الولايات المتحدة. معظم الأسطول المصري الحالي من المقاتلات هو إف-16، لكنها من الثمانينيات. وعندما اشترت مصر طائرات رافال، كانت ضمن قيود، وكذلك عند التفاوض على يوروفايتر، لا يوجد تأكيد أن مصر ستحصل على الإصدارات بالقدرات التي تطلبها، بسبب القيد الإسرائيلي. بعد خمسين عامًا، لأن مصر اختارت هذا المسار، ليس لأنه فُرض عليها، فإن وجود إسرائيل هو الذي يقيدها. جمال حمدان قال إن الحاجز بين مصر والشام أو بين مصر والغرب هو إسرائيل، لأن الغرب ليس فقط ملتزم بأمن إسرائيل، بل بتفوقها. بعد خمسين عامًا، هل قدراتك العسكرية قادرة على إزالة هذا التهديد؟ لست أتحدث عن مهاجمة إسرائيل أو إزالتها من الوجود، بل عن إزالة هذا التهديد. إذا حدث هجوم إسرائيلي لأي سبب، وهو ليس أمرًا مستبعدًا، مثل تغيير نظام الحكم كما حدث في سوريا، فهل تستطيع مصر حماية نفسها؟

هنا يأتي دور الإرادة السياسية. إذا عدنا للحديث عن الدولة والنظام، نلاحظ أنه خلال الخمس أو الست سنوات الأخيرة، كان هناك تغيير في السياسة الخارجية المصرية في التعامل مع الملفات. بدأت مصر تنتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في تغيير سياسات كثيرة في المنطقة. كيف نفهم معادلة النظام والدولة والإرادة السياسية؟ لنبدأ بالإرادة. لدينا مشكلة كبيرة في موقع يُسمى "جلوبال فاير باور"، وهو موقع يطرح تصنيفات للقوى العسكرية للدول بناءً على عدد الطائرات والدبابات وغيرها، لكنه لا علاقة له بقياس قوة الدولة، بما في ذلك القوة العسكرية. على سبيل المثال، إذا كان لدينا أسطول من إف-16 من عام 1985، ودولة أخرى لديها 50 طائرة إف-16 أحدث، ستكون أقوى منا رغم أن لدينا عددًا أكبر. سؤال القوة بالغ الأهمية في الجغرافيا السياسية، لأن دراستها تقول إنه لفهم السياسة الخارجية للدولة، يجب أن أعرف ثلاثة أشياء: الضرورات، أي الأمور التي يتوقف عليها بقاء الأمة، والقيود المفروضة على الدولة التي لا تستطيع تغييرها، لكنها تحاول التعامل معها أو احتواء أضرارها، ومصادر القوة التي تستخدمها الدولة لحماية ضروراتها والتغلب على القيود. في مصر، على سبيل المثال، هناك ضرورة تتعلق بمياه النيل، فاستمرار تدفقها يتوقف عليه وجود مصر نفسها، وتأمين قناة السويس ضرورة أخرى. أما القيود، فمنها محدودية الموارد، حيث لا تمتلك مصر ثروة نفطية كبيرة أو معادن نادرة، التي أصبحت جزءًا من صراع القوى الكبرى بسبب تقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها. هناك ضرورات وقيود ومصادر قوة تحاول الدولة من خلالها حماية ضروراتها والتغلب على القيود. 

حاول بعض العلماء وضع معادلات للقوة، مثل موير، الذي قال إن قوة الدولة تساوي مكعب الناتج المحلي الإجمالي مضروبًا في الجذر التربيعي للسكان، لكن عند تطبيقها في الواقع، لا تعكس قوة الدولة. القوة مفهوم نسبي جدًا، حتى القوة العسكرية. قد تكون دولة متفوقة عسكريًا بشكل لا يقبل الشك، لكن عندما توضع أمريكا أمام الحوثيين أو فيتنام في السبعينيات، لا تحقق أهدافها. فيتنام انتصرت، أو لنقل إن أمريكا لم تنتصر. أمريكا لم تجعل الحوثيين يتوقفون عن مهاجمة إسرائيل، وإسرائيل في غزة لم تحقق أهدافها الاستراتيجية. القوة ليست مرتبطة فقط بامتلاك موارد عسكرية أكثر، بل بأولوية الموضوع. بالنسبة لفيتنام، كانت معركة وجود وتحرر، فكانوا مستعدين للقتال مئة عام، بينما بالنسبة لأمريكا، كانت معركة هامشية لا تستحق استنزاف الموارد. طالبان قاتلت من أجل الوجود والكرامة والإيديولوجيا، بينما أصبحت بالنسبة لأمريكا استنزافًا. القوة مرتبطة بأولوية الموضوع، وبالطبع بالموارد العسكرية والمالية. تقدير القوة العسكرية بين مصر وإسرائيل ليس مجرد حساب أرقام الطائرات، بل مرتبط بالسياق. لا يمكن لأحد الآن أن يقول إن مصر إذا دخلت حربًا مع إسرائيل ستكون في صالح أي طرف دون معرفة السياق الإقليمي والمحلي والدولي. هل ستحارب مصر أمريكا كما حدث في حرب غزة؟ معادلة القوة مرتبطة بالإرادة، أي استعدادك للتضحية. في حالة مصر ودولة الاحتلال، عندما تحدثت عن الدفاع الجوي وضرب السد، كنت أضرب مثالًا فقط، وليس بالضرورة أن هذا سيحسم المعركة. هناك عوامل أخرى قد تغير المعادلة. إسرائيل مواردها محدودة جدًا، وجغرافيتها محدودة جدًا، بينما مصر لديها عمق جغرافي وبشري لا يُقارن. 

ما أظهره طوفان الأقصى، من وجهة نظري، ليس فقط أن الإرادة يمكن أن تغير المعادلة، بل أنه كان صفعة لوعي النخبة العسكرية. ما حدث من تطور العلاقات مع دولة الاحتلال بعد عام 2013 كان بالغًا. مصر عقدت سلامًا في أواخر السبعينيات حتى 2013، وكان يُوصف بالسلام البارد. كان الهدف من هذا السلام إيقاف الحرب ودعم أمريكا لمصر. لكن بعد ذلك، كان هناك انتقال من هذا السلام إلى إجراءات كادت تؤدي إلى شراكة حقيقية. كانت مصر تتحضر لإجراء مناورات ثنائية مشتركة مع إسرائيل. طوفان الأقصى لم يجعل هذا محرجًا فحسب، بل ذكّر الناس أن هذا الملف لم ينته، وأن هناك تهديدًا على الحدود الشرقية، التي هي نقطة ضعفنا التاريخية التي جاءت منها الغزوات. هذا ظهر في سلوك الجيش والدولة، ليس بمعنى أنها دافعت عن أهل غزة أو اتخذت موقفًا راديكاليًا، بل شعرت أن الدولة نفسها مهددة. السلام تم لأجل حماية البلاد، وليس لأهداف قومية. عندما وجدت الدولة أن مصلحتها ومصلحة النظام السياسي مهددة بسبب التهجير، أدركت أن النظام السياسي والبلاد مهددة أمنيًا واقتصاديًا. هذا جعل سلوك الجيش في سيناء مقلقًا لإسرائيل، ليس فقط بسبب زيادة عدد القوات، بل لأن زيادة البنية التحتية تعني أن هذه القوة ستبقى في سيناء. إضافة إلى ذلك، فتحت مصر ملفات التسليح الواسع في الجيش خلال العشر سنوات الأخيرة، وهو أمر مهم لتدارك أخطاء نظام مبارك وإهمال تسليح الجيش بعد كامب ديفيد. بدأت مصر تبني قوة بحرية، حتى لو لم تكن إمبراطورية. دولة لها حدود بحرية تمتد حوالي 1000 كيلومتر في البحر المتوسط و1900 كيلومتر في البحر الأحمر، كانت لديها خفر سواحل فقط، وليس حاملات مروحيات أو غواصات متقدمة. شواطئها كانت معرضة للتهديد بسهولة. بناء القوات الجوية ومنظومات الدفاع الجوي المتقدمة أمر ضروري بحكم حجم البلاد. كان هناك ركون إلى التحالف مع أمريكا والسلام مع إسرائيل، فلم يكن هناك تهديد متوقع من ليبيا أو السودان أو دول الخليج. لكن خلال العشر سنوات الأخيرة، شعرت الدولة بالتهديد، وهذا أمر جيد لأنه يحرك الناس ويوقظهم من حالة الركود. التهديد لم يكن فقط من إسرائيل، بل من عدم استقرار المنطقة واستهداف أنظمة الحكم.

في عام 2011، اقترحت على المجلس العسكري أن إرسال قوات إلى ليبيا سيحسم سقوط القذافي وينصر الثورة، مما سيجعل مصر سبب النصر. كانت المعارك محدودة وفي حالة تعادل يمكن أن تستمر شهورًا بدون داعٍ. لكن المجلس العسكري خاف، لأن الثقافة التي أُعيد إنتاجها داخل النظام السياسي المصري كانت تقول إن العزلة كافية. كان هناك غطاء من الناتو وشبه إجماع إقليمي، لكن الأجهزة السيادية هي من قدمت هذا التقدير، وليس السياسيين. ليبيا مهمة للأمن القومي المصري، ولم نرغب في أن تكون في حالة فوضى أو أن يكون النظام الجديد معاديًا. لو ساهمنا في حسم الثورة، التي كانت مسألة وقت، لكان ذلك تحصينًا للأمن القومي المصري. لكن المجلس العسكري، ربما بسبب عدم استقرار الوضع في مصر، وعدم جاهزية الجيش الذي لم يخرج خارج البلاد منذ حرب الخليج، قرر عدم الاستعداد. شعور الأنظمة بالتهديد نتيجة اضطراب المنطقة كان له نتيجة إيجابية، وهي تنشيط الجيش في إعادة التسلح ومعالجة الثغرات. لكن المشكلة أن هذا يحدث في وقت أزمة اقتصادية حادة. هناك سؤال حول الإنفاق: هل كان الأولى إعادة تسليح الجيش أم الإنفاق على الصحة والتعليم؟ هذا سؤال مرتبط بحالة النظام السياسي الخارج عن الرقابة الشعبية، فلا نستطيع القول إن هذا الإنفاق رشيد أم لا، وهل الأموال المُنفقة فعلًا للتسليح أم تحتوي مبالغات لاسترضاء مواقف أخرى، مثل دعم أوروبي أو ألماني. 

الشيء المهم أن طوفان الأقصى أيقظ بعض الناس داخل مؤسسات الدولة. هذا استنتاجي، فليس لدي معلومات مؤكدة، لكن من خلال الأداء، يبدو أن هناك محاولة لحماية البلاد، وليس دعمًا لأهل غزة. أدركوا أن حالة الدفء غير المسبوقة في العلاقات قبل الطوفان لا تعني أن الأحقاد القديمة ماتت، بل أن هذا الكيان، عندما شعر بالتهديد، لم يكترث بأمن مصر أو الأردن أو حلفائه، وعاد إلى حالة الهستيريا الأمنية التي كانت موجودة عند تأسيسه، معتبرًا الجميع أعداء ومستعدًا لإهدار مصالح أي طرف آخر. ما يلجمه نسبيًا عن خلق توترات إقليمية أوسع هو أمريكا.

فيما يتعلق بالنظام والدولة، كان لدينا فصل بينهما تاريخيًا، أي جهاز إداري ومؤسسات تدير البلاد، وحكومة تُنتخب. هذا كان موجودًا، نظريًا على الأقل، في الفترة الليبرالية بين الحربين، من عام 1923 بعد دستور سعد زغلول وحتى ثورة يوليو. الملك كان بإمكانه فعل ما يريد، لكن نظريًا، كان جهاز الدولة محايدًا إلى حد ما، ولم يكن هو من يفرز السلطة. كانت هناك انتخابات، نزيهة أو غير نزيهة، والوفد أو أحزاب الأقلية تشكل الحكومة. لكن بعد عام 1952، أصبح جهاز الحكم، كما شرح نزيه أيوبي وغيره، هو جهاز إدارة السياسة. حُلت الأحزاب، ولم يعد هناك تداول سلطة أو انتخابات. حتى الجهاز السياسي الذي شكله النظام، مثل هيئة التحرير أو الاتحاد الاشتراكي، كان معتمدًا على جهاز الدولة. لم يكن جهازًا سياسيًا يصيغ السياسات ويفرز نخبة الحكم التي تدير الدولة، بل كان العكس. البيروقراطيون والموظفون في جهاز الدولة كانوا ينتقلون إلى الاتحاد الاشتراكي، فأصبح جهاز الدولة هو جهاز إدارة السياسة وحزب الدولة. نتيجة غياب الانتخابات وتداول السلطة، أصبح لا يوجد تمايز بين النظام السياسي والدولة. الظاهرة البيروقراطية والمؤسسية لها منطقها، فالمؤسسات تكوّن ثقافة وتصورًا لمصالحها ومصالح البلاد ودورها. أحيانًا يُهدر رأيها نتيجة قرارات الزعيم أو النخبة الحاكمة، وأحيانًا لا، خاصة في القضايا الاستراتيجية. قرار السلم أو الحرب ليس قرار رئيس، بل قرار مؤسسات. السياسات الكبرى، أو "الجراند استراتيجي"، تصيغها المؤسسات، وبالأخص الجيش، لكن هناك تفاصيل، لأن الوزن النسبي للمؤسسات يتغير منذ عام 1952. في فترات، لم يكن للجيش دور في هذه الأمور، خاصة بعد هزيمة 1967، لصالح مؤسسات أخرى مثل الرئاسة والخارجية والمخابرات. الآن، لا يوجد توازن في أدوار المؤسسات. المؤسسات الخارجية، مثل المخابرات العامة، لا تزال تلعب دورًا، لكن من الواضح أن الدائرة ضيقة جدًا، والجيش هو من يلعب الدور الرئيسي في السياسات العامة والخارجية. هذا ليس محل اتفاق، فهناك مراقبون وسياسيون يرون أن جهاز الدولة المصري في حالة انحدار منذ فترة طويلة، ليس فقط في عهد السيسي. قد يكون ذلك صحيحًا، فالجهاز ليس دائمًا بنفس القدر من الكفاءة والشفافية والاحتراف. لكن بشكل عام، لا يزال الجيش يلعب الدور الرئيسي في صناعة السياسة في مصر. بعد عام 2013، كانت هناك هيمنة شاملة لنخبة ضيقة جدًا، السيسي وبعض قيادات الجيش أو السياسيين الموثوقين، لكن مع الوقت، تراجعت هذه الهيمنة، ليس فقط لأن العديد من خياراته فشلت، مثل سد النهضة وتيران وصنافير، بل لأن المؤسسات بدأت تستعيد دورها في إدارة السياسة. 

إذا تتبعت ملف العلاقات المصرية التركية، فإن المدى الزمني للتفاوض بين مصر وتركيا يوضح الفرق بين مصر والدول العربية الأخرى التي كانت لديها مشكلات مع تركيا. الدول الأخرى طبّعت علاقاتها بقرار سريع، لكن في حالة مصر، استغرق الأمر وقتًا. المؤسسات تفاوضت على مصالح مصر في ليبيا والشرق المتوسط ونظرة مصر لدور تركيا في المجال العربي، مثل سوريا. هناك أشخاص يرون مصالح البلاد ويحاولون الدفاع عنها، بغض النظر عما إذا كانت هذه المصالح مرتبطة بأجندة النظام المؤقتة التي ترى تركيا كداعمة للإسلاميين. في البداية، كانت قضية الإسلاميين هي المشكلة، لكن لاحقًا، أصبحت المفاوضات تتعلق بمصالح الدولتين. لن نخرج من هذا قريبًا، لأن إغلاق المجال العام في مصر وغياب الأحزاب والمناخ السياسي يجعل جهاز الدولة هو من يدير السياسة. حتى لو وصل إلى أقصى حد ورأى ضرورة التغيير، فهو من سيغير. في لحظة الانتقال من عبد الناصر إلى السادات، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، أو العكس، حدث ذلك داخل جهاز الدولة. لم يأتوا بأشخاص من الخارج لإحداث هذا التحول. الموظفون في جهاز الدولة، سواء في الأمن أو المخابرات أو الخارجية، الذين كانوا متبنين سياسات عبد الناصر، هم أنفسهم من طبقوا سياسة الانفتاح والعلاقات مع أمريكا بنفس الحماس. جهاز الدولة في مصر هو من احتكر ممارسة السياسة، والنظام حاليًا يسيطر على هذا الجهاز، كأنه مختطف له. عندما يتحرك في الداخل، يتحرك بأدوات جهاز الدولة. حتى من يفكر في مواجهة النظام يصطدم بجهاز الدولة، لأن التفاصيل متشابكة بشكل معقد. هذه مشكلة رئيسية تواجهنا، حتى في فهم التوازنات داخل هذا الجهاز، ومن يؤثر في صنع السياسة: هل هم الخبراء في الخارجية أو المخابرات، أم ثلاثة أو أربعة أشخاص في القصر الرئاسي؟ نتائج السياسة تشير إلى أن بعض الملفات تُترك للمؤسسات، وبعضها يُتخذ فيها قرارات بشكل شخصي واندفاعي، مما يؤدي غالبًا إلى كوارث استراتيجية.

سؤال أخير لنختتم به الحلقة الأولى، ومن الواضح أن هناك حاجة لحلقة ثانية. إذا أردنا الحديث عن المجال الحيوي القريب من مصر، وهي الملفات الرئيسية: غزة، ليبيا، السودان، شرق المتوسط، سد النهضة، وإثيوبيا، فما هي الخطوات الصحيحة التي يجب على مصر اتخاذها، بعيدًا عن قناعاتنا بالنظام، وبشكل حيادي كمؤسسات دولة، لتبدأ في استعادة دورها من جديد ويكون لها قرارها في المنطقة، على الأقل فيما يخص مصالحها الاستراتيجية؟ بالطبع، ليس لدي حل سحري. كل السلبيات في هذه الملفات هي نتيجة أسباب. تغيير الأداء في هذه الملفات مرتبط بمعالجة الأسباب الرئيسية. إخفاق مصر في ملف سد النهضة، من وجهة نظري، هو الملف الأول، لأنه مرتبط بوجود البلاد نفسها ووجود الشعب على هذه الأرض. هذا الإخفاق نتيجة قرار مصر بالانسحاب من إفريقيا أولًا. عندما بدأت مشكلة مياه النيل، اكتشفت مصر أنها ليست فقط بلا نفوذ، بل بلا شبكة مصالح مع دول حوض النيل تمكنها من إقناعها بالانحياز إليها في مواجهة الرواية الإثيوبية أو إدارة الموضوع بشكل أكثر مراعاة للمصالح المصرية. وجدت أن هذه الدول لا تستمع إلى مصر. بدأ النظام بعد عام 2013 و2014 و2015 في إعادة بناء العلاقات مع دول حوض النيل، وعمل مشروعات في تنزانيا، ووقّع اتفاقيات أمنية، وقدم مساعدات، لكنه لا يملك موارد تمكنه من ممارسة نفوذ سريع على هذه الدول. المشكلة أننا اتخذنا قرار العزلة منذ أواخر السبعينيات، ونحن الآن ندفع ثمن هذا القرار. السبب الثاني هو أننا ارتضينا علاقات تحمل قدرًا مقبولًا من التبعية للولايات المتحدة، ووافقنا على ذلك. عندما تواجه مشكلات في عدة ملفات، لا تستطيع الاصطدام بأولويات أمريكا. الحل ليس الاصطدام، بل إعادة تعريف العلاقات مع الولايات المتحدة على أساس يمكن مصر من الدفاع عن مصالحها عندما تتعارض مع المصالح الأمريكية. هذا لن يتم بشكل فردي، كما قلت، مصر وحدها لن تستطيع ذلك. الخطوة الأولى هي أن تتبنى مصر، مع أقل عدد من الدول، منظومة إقليمية تحقق قدرًا من التكامل، بحيث تكون هذه المنظومة داعمة لمصر عندما تواجه تهديدًا لمصالحها، وداعمة لدولة أخرى إذا واجهت مشكلة. هذا ليس حلًا سحريًا، لأنه يحتاج وقتًا. الاتحاد الأوروبي تطور على مدار خمسين عامًا. لسنا بحاجة إلى استنساخ التجارب، لكن الهدف واضح: دول المنطقة، بمفردها، غير قادرة تقريبًا على الخروج من حالة الارتهان والدفاع عن مصالحها. الحل هو أن تتجاوز هذه الدول قرن التجزئة والتبعية إلى مرحلة جديدة، حيث تصبح مركز ثقل جيوسياسي معًا. هذه الدول قادرة على ذلك، لكن أي دولة بمفردها، لتتحرر من الفلك الأمريكي، تحتاج إلى عشرين عامًا. دولة تعتمد على السلاح الأمريكي لمدة عشرين أو ثلاثين عامًا تحتاج إلى عشر سنوات على الأقل لتغيير ذلك، لأنها لا تحتاج فقط إلى عقد صفقات، بل إلى تدريب وإعادة بناء البنية التحتية العسكرية، من مخازن ومرابط طائرات وغيرها.

دول المنطقة، ومصر من بينها، اختارت بوعي هذا المسار، والآن ندفع ثمن هذه الخيارات: خيار التسوية مع إسرائيل بشكل منفرد، وما نتج عنه من خلل هائل في الميزان الإقليمي وعزل دور مصر، وخيار العلاقة غير الصحية مع الولايات المتحدة والغرب عمومًا، وإهمال بناء قوة اقتصادية مصرية. مصر اقتصاديًا في حالة ضعف بنيوي، في قطاع الصناعة والتعليم، الذي يؤهل القوى العاملة، وفي القطاع الصحي والبنية التحتية. كل هذه الأمور هي محصلة تراكمات عقود طويلة، تجلت في هذه اللحظة. عندما واجهت أزمة سد النهضة، اكتشفت مصر أنها بلا أوراق، وأن حلفاءها لا يدعمونها. إثيوبيا، على سبيل المثال، حلفاؤها الرئيسيون في المنطقة هم إسرائيل والسعودية، وهما من المفترض أن يكونا شركاء لمصر. لكن إسرائيل تستغل هذا الملف كورقة قوة ضد مصر، بينما الدول الأخرى، مثل السعودية، ترى أن مصالحها مع إثيوبيا لا تسمح باتخاذ موقف حاسم، فتحاول إرضاء الطرفين على حساب مصر. اكتشفت مصر أن الدول الغربية، التي تُعتبر مصر شريكًا استراتيجيًا وحليفًا بدور أمني رئيسي في المنطقة، سواء الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، لم تمارس أي دور في ملف سد النهضة، رغم أنه لا شك في مدى تهديده لوجود مصر. هذا انسحب على ملفات أخرى. في السودان، عندما رأت مصر أن مصالحها في دعم مؤسسة الدولة، أي الجيش، لم يكترث حلفاؤها وشركاؤها بموقفها، ورأوا أن مصالحهم مع الدعم السريع، ولا يمانعون في تقسيم السودان. بالنسبة لمصر، هذا تهديد لأمنها القومي، اقتصاديًا واستراتيجيًا، وقد يؤثر حتى على مياه النيل إذا حدثت فوضى. هذه كلها تراكمات لخيارات اتخذتها مصر بشكل مقصود ومدروس. الحل ليس أن نذهب إلى إثيوبيا ونقول كذا فيوافقون، فهذا مجرد تسكين للمشكلة أو كسب وقت. الحل هو تغيير المعادلة التي وضعتها مصر والتي أدت إلى هذه اللحظة.

هل الدولة في مصر مهيأة لاتخاذ قرارات استراتيجية بهذا الحجم؟ للأسف، لا أعتقد ذلك. محصلة ما رأيناه في السنوات الأخيرة تشير إلى أن ملف سد النهضة مضى بشكل يتسم بالاستهانة بخطورته. مصر الآن في حالة أقرب إلى الاستسلام للأمر الواقع، وتحاول التعايش مع المشكلة، فنعمل مشروعات تحلية مياه، ونهيئ الرأي العام بأننا في حالة فقر مائي، حتى يتعايش الناس مع هذا الوضع. لكن الترجمة لذلك هي أننا لا نعرف ماذا نفعل مع إثيوبيا، والأمر أصبح واقعًا نتعامل معه. هذا يعطي انطباعًا سلبيًا، وأتمنى أن يكون خاطئًا، بأن مؤسسات الدولة ترى أن المعادلة السائدة قابلة للاستمرار، وتُخدع بأن الغرب أو الخارج لا يزال يدعمها، وأن الاتحاد الأوروبي مستعد لتقديم منح واستثمارات لتكون مصر شريكًا في مكافحة الهجرة غير الشرعية، وأن أمريكا تعطي الضوء الأخضر للمؤسسات الدولية لدعم مصر بالقروض، باعتبارها شريكًا أمنيًا مهمًا في الشرق الأوسط، خاصة في الملف الفلسطيني، وأن دول الخليج لا تزال تدعم مصر، لأنها حريصة على ألا "تفلت" مصر من يدها. هذا يخدع مؤسسات الدولة ويغريها بالمضي قدمًا في هذه السياسات، لأنها ترى أن بإمكانها التعايش مع أضرارها. لكن الحقيقة أن هذا الوضع ليس مستدامًا. لست أقول إنه يجب أن تحدث ثورة، بل إن هذا الوضع لن يحقق مصالح الدولة. الدولة ستصل، اليوم أو غدًا أو بعد سنة، إلى أنها غير قادرة على الدفاع عن مصالحها، لأن مصالحنا ستكون في تناقض تام مع شركائنا. عندئذٍ، ستجد الدولة أنها غير قادرة على مواجهة هؤلاء الشركاء لأنها تعتمد عليهم. النظام الناصري لم يغير قناعاته إلا بعد الهزيمة، فقد يكون هذا، للأسف، الحل الوحيد.

شكرًا يا دكتور على الطرح والنقاش في هذه الحلقة. من الواضح أن الموضوع يحتاج إلى حلقات أخرى لمناقشة تفاصيله وتفرعاته. إن شاء الله، ستكون معنا حلقات أخرى نتحدث فيها عن الموضوعات بشكل أكثر تفصيلًا. وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية الحلقة. شكرًا جزيلًا على متابعتكم، وتابعونا في الحلقات القادمة على منصة مريخ إشارة بودكاست.

---

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة