إبراهيم عيسى (٤): شهادتي في محاكمة الرئيس مبارك
بطبيعة الحال، نحن نعيش في هذه الأجواء، والأيام تمرُّ بنا، وقد مضى ثلاث عشرة سنة على ثورة الخامس والعشرين من يناير. وقد التقيتُ بأناسٍ يرون أن المصطلح قد يتغيَّر بحسب وجهة نظر كل طرف، وفق تقديره السياسي، أو وصفه، أو مشاعره وعواطفه. لكن الدستور المصري يُطلق على أحداث الخامس والعشرين من يناير، وعلى أحداث الثلاثين من يونيو، تسمية "ثورة". لذا، سنعتمد هذا الوصف الدستوري. أما التقييم العاطفي أو السياسي، أو حتى المصطلح الأكاديمي، وما إذا كانت الأحداث تُطابق محدِّدات ومعايير الثورة -كما حدث في الخامس والعشرين من يناير وفي الثلاثين من يونيو- فهذا موضوع طويل الشرح، واسع الجرح. لكن في النهاية، دعونا نعتمد صيغة واضحة، وهي الصيغة التي أقرَّها الدستور المصري، ووافق عليها جموع المصريين. ويبدو لي أنه من باب التعميم، أو من باب توصيف المشاعر والعواطف، يجوز أن نقول -و نحن مطمئنون- إنها "ثورة يناير" أو "ثورة الثلاثين من يونيو". أما من باب التوصيف السياسي المرتبط بمواصفات ومحدِّدات فكرة الثورة -التي تُغيِّر المجتمع تغييرًا جذريًا، وتُحدث تحولًا في طباعه، وفي شكله، وفي نظامه السياسي، وفي مساره الاجتماعي والاقتصادي- فهذا موضوع يستحق التناول والتداول بين الباحثين والمفكرين والسياسيين.
حسنًا، ما الذي سأفعله اليوم؟ سأستعيد وقائع وأحداث هذه الثورة من خلال الشهادة التي أدليتُ بها في محاكمة الرئيس الأسبق، الرئيس محمد حسني مبارك، والتي استُدعيتُ للإدلاء بها عام 2014، أي منذ عشر سنوات. وأثناء قراءتي لنص الشهادة، وجدتُ اسمي: إبراهيم السيد إبراهيم عيسى، عمري 48 عامًا. قلتُ في نفسي: لقد كبرنا! لماذا سأروي شهادتي كاملةً؟ لأنني سأعتمد النص الرسمي الموجود في ملفات المحكمة، ضمن ملفات القضية، والذي شمل 42 صفحة مكتوبة بخط اليد، كتبها أمين السر أو كاتب الجلسة.
سأقرأ هذا النص لأسباب عدة. السبب الأول هو استعادة تاريخ الوقائع والأحداث، لنستخلص منها الدروس، ولنستعيد ما جرى، كي نتعلم، كي نتدارس، كي نعين فحصًا لدراستها، ومن المهم جدًا أن نستعيد هذه اللحظات ونقرأها بجدية وحقيقة، لنفهم ما يحدث في مصر وفي الوطن العربي عمومًا. يبدو أن جزءًا من طبيعة الثقافة السياسية والاجتماعية العربية هو أننا نكرر أخطاءنا بامتياز. فلعل استعادة هذه الوقائع والأحداث تجعلنا أكثر حرصًا، وأكثر وعيًا، وأكثر حساسية تجاه تكرار الأخطاء من جميع الأطراف، دون استثناء. لا يمكن أن تبقى مجتمعاتنا على هذه الدرجة من الضعف والهشاشة الاقتصادية، ومن التراجع السياسي، ومن الانحدار الحضاري، ولا يمكن أن نكون غير شركاء في صناعة التقدم العالمي والإنساني كمجتمعات عربية، دون أن يكون لذلك أسباب وجذور ومسؤولية جماعية. لا يمكن أن تتفرد جهة دون أخرى بالمسؤولية. بالطبع، مسؤوليات الحكام والحكومات ومؤسسات الدولة هي الأكبر والأهم، لكن في النهاية، هذه المؤسسات هي ابنة مجتمعاتها. ليس لدينا حكومات أو حكام أو مؤسسات مستوردة. الدولة مصنوعة من عجين وطين هذه المجتمعات، وهي زرعها نفسه.
الهدف الأول إذا هو تدارس الماضي، لأنه لم ينتهِ، ولأن من لا يعرف ماضيه، يجهل مستقبله، ويكرر أخطاءه في حاضره. والسبب الثاني هو أن هذه الشهادة تحديدًا، التي أدليت بها أمام المحكمة، تعرضت لاتهامات وتشنيعات وتخرُّصات وتخوينات وتحقيرات وشتائم ووقاحات وافتراءات واستقطاعات. بلغ الأمر أن الشهادة، التي استمرت سبع ساعات مع استراحة قصيرة، والتي أُجريت في أكاديمية الشرطة، تعرضت لهجوم. فعندما انتهيت من الشهادة وعدت إلى منزلي، وجدت كما من التعليقات على تويتر، وعلى صفحات فيسبوك، ورسائل واتساب، كأنما حدث شيء شنيع ورهيب! كلام لم يُقذ، وتخرُّصات مشوهة ومشوشة، ونقل وتقديم كأنما ارتكبتُ جريمة كبرى في المحكمة.
وما لا يعلمه الناس هو أنني، طوال حياتي أمام المحاكم، كنتُ متهمًا. هذه كانت المرة الوحيدة التي وقفتُ فيها أمام هيئة المحكمة الموقرة كشاهد. وأود أن أقول إن الشهادة أمام المحكمة لها جلال وهيبة ورهبة. إنها شهادة لله وللضمير، ولا يمكن بأي حال من الأحوال، مهما بلغ مستوى الثبات الانفعالي للشخص، أن يراوغ في شهادته أمام هيبة ورهبة فكرة الشهادة لمحاكمة، وللقضاء، وللتاريخ.
إذن، أمام هذا التشويه للشهادة، ومحاولات تصفية الحسابات، وبث الأحقاد بناءً على غباء أو سذاجة أو براءة أو تفاهة أو حماسة، نجد أن المشاعر والعواطف هي التي تتحكم في تقدير الناس. الكلام الذي يُقال يُؤخذ في سياقه، لكن المشكلة الكبرى في حياتنا المصرية الآن، وبالأخص منذ الخامس والعشرين من يناير 2011، هي أن هذا المرض قد تفاقم وتحول إلى وباء أسوأ من كورونا. نحن نفكر بعواطفنا، سواء كانت عواطف حب أو كراهية، ولا نفكر بعقولنا أبدًا. العقل غائب تمامًا عن الموضوع.
في الماضي، كانت هناك نظرية علمية ثبت خطؤها بواسطة العالم العربي المسلم العظيم الحسن بن الهيثم. كان الناس والعلماء يتصورون، قبل الحسن بن الهيثم، أن العين البشرية تُصدر أشعة على الأجسام، وهذه الأشعة هي التي تجعل العين ترى ما أمامها. لكن الحسن بن الهيثم جاء وقال العكس: إن الأشياء والطبيعة والكائنات هي التي تُصدر الأشعة التي نراها. لكن يبدو أن ما فعله الحسن بن الهيثم من تصحيح علمي مهم للغاية، والذي ارتبط باسمه، لم يؤثر فينا كعرب. ما زلنا، كثقافة عربية وكمصريين، نترك مشاعرنا هي التي تُحدد الأشعة التي نراها، وليس الحقيقة. الحقائق على الأرض هي التي يفترض أن تُصدر الأشعة التي نراها بوضوح، لكننا على العكس: مشاعرنا وعواطفنا هي التي تُحدد رؤيتنا. فمن يكره يُصر على التشويه، ويعتقد أن إصراره على هذا التشويه هو عمل إنساني وسياسي صحيح.
لهذا السبب أيضًا، من أجل ذاكرة التاريخ، أحتفظ بهذه الشهادة مسجلة صوتًا وصورة، لأحميها من التشويه. الشهادة نفسها موجودة بالتأكيد ضمن شهادات 32 شاهدًا في هذه القضية، سواء الـ13 شاهدًا من المحاكمة الأولى، أو الـ19 شاهدًا -وكنتُ أحدهم- في المحاكمة الثانية. هي موجودة في ملفات القضية، التي تتضمن آلاف الصفحات. لكن الحقيقة أن المستشار الجليل، السيد محمود كامل الرشيدي، رئيس هيئة المحكمة التي نظرت القضية وأصدرت حكمها، قد تكرَّم عليَّ تكريمًا عظيمًا. عندما طلبتُ ورجوتُ الحصول على النص الرسمي الموثق المختوم، الموقَّع من الشاهد وأمين السر ورئيس المحكمة، تكرَّم بمنحي هذا الشرف ووافق على حصولي على الشهادة المكونة من 42 صفحة مكتوبة بخط اليد، من ملفات القضية. بل إن كرمه فاض، فعندما واجهتُ صعوبة في قراءة الخط، الذي كان مختزلًا إلى حد ما، ويحتاج إلى خبرة قضاة المحاكم البارعين العارفين ببواطن الخطوط في المحاكمات، تكرَّم بمنحي النسخة الإلكترونية من الشهادة، وأرسلها إلى بريدي الإلكتروني الشخصي. هذا الكرم الذي أنا مدين له به، خاصة أن القاضي الجليل، رغم انشغالاته الكثيرة، منحني بعض وقته وأصدر أوامره الكريمة. وكان ذلك بعد انتهاء القضية وصدور الحكم فيها. فحصلتُ على الـ42 صفحة، ثم على النص الإلكتروني.
هذا الأمر تم بعد انتهاء القضية بالفعل، وبعد البت فيها وإصدار الحكم. حصلتُ على الصفحات الاثنتين والأربعين، ثم حصلتُ على النص الإلكتروني. السؤال الآن: لماذا استُدعيتُ إلى المحكمة أصلًا؟ في القضية، كان هناك تسعة عشر شاهدًا، وكلهم من أصحاب المناصب الرسمية والمسؤوليات الكبرى، بدءًا من المشير طنطاوي - رحمه الله - ورئيس المخابرات السيد عمر سليمان - رحمه الله -، وكل هذه الأسماء الكبيرة التي تحمل مسؤوليات هامة وخطيرة في الدولة، هي التي أدلت بشهاداتها. كان معظم الشهود، إن لم يكن جميعهم، من هذه الفئة، ما عدا صحفي واحد، وهو أنا، إبراهيم عيسى.
فكرة استدعائي للشهادة جاءت بناءً على طلب من محامي المتهم الأول، السيد محمد حسني مبارك، الرئيس الأسبق، وفقًا لأوراق القضية. المحامي الموقر، الأستاذ فريد الديب - رحمه الله -، هو من طلب استدعائي للإدلاء بالشهادة. في الوقت نفسه، تعامل معي المستشار الجليل، السيد محمود كامل الرشيدي، بصفتين، كما كان يوضح في أسئلته التي كان يوجهها من على منصة القضاء إلى منصة الشهود. الأولى: أنني استُدعيت كشاهد متظاهر، شاركتُ في مظاهرات الخامس والعشرين من يناير وما تلاها من ثمانية عشر يومًا، حيث حضرتُ منها ستة عشر يومًا. والثانية: أنني خبير ومحلل سياسي وكاتب صحفي. وقد أسبغ عليّ المستشار الجليل صفات أعتبرها شرفًا، تطوق العنق وتضع وسامًا على الصدر، مثل قوله: "باعتبارك محللًا سياسيًا كبيرًا"، وغيرها من الصفات التي تقع في قلبي موقعًا كريمًا.
إذن، كنتُ كمن يُستدعى كخبير فني في قضية فنية، حيث يُراد معرفة رأي الخبير. كنتُ أحمل هاتين الصفتين، ومن هنا جاءت الشهادة التي امتدت سبع ساعات، بما فيها استراحة قصيرة، في محكمة جنايات شمال القاهرة، الدائرة الثانية، في الجلسة العلنية المنعقدة يوم الأحد الموافق 12 يناير 2014، بأكاديمية الشرطة. وقد استدعت المحكمة الشاهد إبراهيم السيد إبراهيم عيسى، وسألته فأجاب:
اسمي إبراهيم السيد إبراهيم عيسى، 48 عامًا، رئيس تحرير جريدة "التحرير" وقتها، مقيم بنقطة (بطاقة رقم...) - بالطبع لن أذكر رقم بطاقتي أو عنوان إقامتي. أديتُ اليمين، ثم سُئلتُ عن سيرتي الذاتية، فأجبتُ: أنا خريج كلية الإعلام، قسم الصحافة، عام 1987. عملتُ صحفيًا منذ الجامعة في مجلة "روز اليوسف". والعام القادم، سأكون قد أكملتُ أربعين عامًا من العمل الصحفي. عملتُ صحفيًا في مجلة "روز اليوسف"، ثم أسستُ وترأستُ تحرير جريدة "الدستور" منذ عام 1995 حتى عام 1998، ثم أُعيد تأسيسها عام 2005، وفُصلتُ من رئاسة تحريرها عام 2010. خلال تلك الفترة، قدمتُ أكثر من برنامج تلفزيوني، ثم ترأستُ تحرير جريدة "التحرير" من يوليو 2011 حتى ذلك الحين (أي عام 2014).
سُئلتُ: ما أسباب اختيار يوم الخامس والعشرين من يناير للتظاهر من وجهة نظرك؟ (هنا السؤال موجه للصحفي والمحلل السياسي، وليس للشاهد العيان). أجبتُ: كانت هناك دعوة من عدد من الجمعيات والحركات والأحزاب السياسية للتظاهر في ذلك اليوم، واختياره تحديدًا كان احتجاجًا واعتراضًا على ممارسات جهاز الشرطة في تلك الفترة.
سُئلتُ: ما الفئات المتظاهرة من ناحية السن؟ أجبتُ: الدعوة نفسها أُطلقت منذ عام 2010، وشهدت استجابة محدودة، حيث تظاهر بضع عشرات فقط. وفي عام 2011، ربما كان حجم التأثير ناتجًا عن أحداث تونس، مما جعل عدد المتظاهرين يوم الخامس والعشرين من يناير أكبر مما توقعه أصحاب الدعوة. وكان يغلب على المتظاهرين طابع الشباب والانتماء إلى القوى السياسية.
سُئلتُ: ما مدى تأثير ما تواتر عن توريث رئيس الجمهورية الحكم لنجله على تلك التظاهرات؟ أجبتُ: أتصور أنه كان عاملًا أساسيًا للاحتجاج والمعارضة.
سُئلتُ: ما مدى تأثير ما دار بشأن تزوير انتخابات مجلس الشعب على تظاهرات يناير 2011؟ أجبتُ: كان دافعًا لعدد من النواب الذين فشلوا في النجاح في دوائرهم للتواجد في هذه المظاهرات، وإن لم يكونوا أصحاب الدعوة لها. ولم تكن نتيجة الانتخابات من مبررات أو دوافع الدعوة للتظاهر، وذلك من خلال ما نُشر عنها وقتها من المجموعات الداعية لها.
سُئلتُ: ما ظروف مشاركتك في تظاهرات يوم الخامس والعشرين من يناير؟ (هنا يظهر دور الشاهد العيان). أجبتُ: يوم الخامس والعشرين من يناير، كنت موجودًا في ميدان التحرير من الساعة الثانية والنصف ظهرًا، ودخلتُ إلى الميدان مع المظاهرة القادمة من ناحية كوبري قصر النيل. كانت هذه أول مسيرة تصل إلى ميدان التحرير في ذلك اليوم. وكانت المظاهرة قادمة من كوبري قصر النيل، وهي حصيلة تجمع عدد من المسيرات التي انطلقت من أحياء بولاق وإمبابة، مرورًا بالدقي، ثم شارع جامعة الدول العربية، وصبت جميعها في تلك المسيرة التي عبرت من كوبري قصر النيل إلى مدخل ميدان التحرير. كانت تضم في معظمها عددًا من أعضاء القوى السياسية وشبابًا. توجهنا إلى قلب ميدان التحرير، حيث لم تكن هناك شعارات موحدة ولا هدف واضح سوى الوجود في الميدان إعلانًا عن الاحتجاج والمعارضة على سياسات الحكم. كانت بعض الهتافات تركز على تطهير الشرطة، وأخرى موجهة ضد جهاز أمن الدولة، وبعضها كان يهتف بسقوط التوريث ومطالبة الرئيس الأسبق بالرحيل. لكن لم تكن هناك شعارات موحدة أو محددة.
جلسنا في الميدان حتى الساعة الواحدة صباحًا، ولم يكن هناك على الإطلاق أي مظهر سوى السلمية التامة. لم يكن في يد أحد خلال الاثنتي عشرة ساعة في الميدان سوى لافتات مكتوبة على عجل، وتجمعات تهتف، وبعضها يجلس على حدائق الميدان، وبعضها يخطب في حلقات. لم أرَ ولم أشهد أي مظهر من مظاهر العنف أو حتى التلميح به. لم تكن هناك شرطة على الإطلاق في ميدان التحرير يوم الخامس والعشرين من يناير، وربما كانت موجودة عن بُعد، غير مرئية وغير منظورة. لم يكن في الميدان أي شرطي بزيه الرسمي، سواء كان مسلحًا أو غير مسلح. توجهتُ من ميدان التحرير إلى منطقة وسط البلد، مرورًا بشارع معروف ورمسيس، ولم يكن هناك أي مظهر من مظاهر احتشاد قوات الشرطة أو استعدادها لاقتحام الميدان.
سُئلتُ: ما المعلومات المتوفرة لديك عن فض المظاهرات في صبيحة يوم 26 يناير 2011؟ أجبتُ: تلقيتُ مكالمات هاتفية من زملاء كانوا لا يزالون في الميدان وقت انصرافي، وأخبروا أن الشرطة اقتحمت الميدان بعربات أطلقت قنابل الغاز، ونجحت في فض الميدان. لكن المتظاهرين توجهوا إلى الشوارع الجانبية واستمروا فيها، حسب ما وصلني من زملاء كانوا موجودين في الشوارع المحيطة بميدان التحرير حتى ساعات الصباح الأولى. لم يصلني يومها أي خبر عن إصابة أو مقتل أي من المتظاهرين، سوى إصابة البعض بالاختناق والإغماء نتيجة قنابل الغاز. لم أتذكر اسمًا بعينه بسبب تزاحم المكالمات وتطابق الأخبار والروايات من عدة مكالمات، التي أظهرت لي صحة الوقائع، فضلًا عن تواتر الأخبار عن اقتحام الميدان، حتى من الجهات الرسمية.
سُئلتُ: هل شاركتَ في مظاهرات أيام 26 و27 يناير؟ أجبتُ: لم أشارك في المظاهرات خلال يومي 26 و27 يناير. سُئلتُ: هل كانت هناك مظاهرات في هذين اليومين؟ أجبتُ: كانت هناك مظاهرات محدودة.
سُئلتُ: ما معلوماتك عن مظاهرات السويس؟ أجبتُ: ما تجمع لديّ من أخبار ومعلومات عما جرى وقتها في السويس كان من زملاء صحفيين يتابعون الحدث بتفاصيله في ميادين المدينة، فضلًا عن بعض أعضاء من أحزاب وقوى سياسية من أبناء المدينة، إضافة إلى الأخبار التي كانت تنشرها بعض وسائل الإعلام وقتها. حجم المعلومات المتاحة يومي 26 و27 لم يكن بقدر ما أحطت به من معلومات في الأيام اللاحقة. اقتصرت المعلومات في هذين اليومين على وقوع شهداء في المدينة نتيجة إطلاق الرصاص عليهم من قوات الشرطة في محيط أقسام الشرطة هناك، واشتباكات في ميدان الأربعين بالسويس، فضلًا عن اتهام بعض الأسماء من أبناء المدينة بالاشتباك مع المتظاهرين والاعتداء عليهم. وفي هذين اليومين، وصلني خبر استشهاد شابين، ثم أربعة، موتًا برصاص الشرطة. هذه المعلومات كانت تتوافر من خلال زملاء صحفيين ووسائل الإعلام وبعض الأحزاب، وكانوا ينقلون خلاصة رأيهم. لكن، بطبيعة الموقف، لم أكن أتحقق من دقة وصحة المعلومات، ولا طريقة القتل، ولا جهة القتل. كان خبر سقوط قتلى يفوق أهمية التفاصيل التي لم تكن حاضرة ولا واضحة تمامًا في حينها، حيث البعد عن نطاق الأحداث ونقل الأخبار والوقائع من شخصيات في المدينة فقط.
سُئلتُ: هل كان رئيس الجمهورية الأسبق يعلم بما يضيق به شعب مصر في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية آنذاك؟ أجبتُ: أعتقد أنه كان يعلم عبر مسؤولي الدولة. ربما كان يجري له تقارير من قادة الدولة الأمنيين والأجهزة السيادية، مثل المخابرات العامة، والحزب وقتها، والحكومة ووزرائها، كما يتابع أي رئيس دولة سائر الأحداث والوقائع في بلده.
سُئلتُ: ما ظروف مشاركتك في المظاهرات يوم 28 يناير 2011؟ أجبتُ: أُطلقت الدعوة إلى مظاهرات أُطلق عليها اسم "جمعة الغضب"، وتم تحديد عدة أماكن في القاهرة وغيرها للانطلاق منها في تظاهرات. تركزت هذه الأماكن حول المساجد، حيث تُقام شعائر صلاة الجمعة، على أن تكون المظاهرات عقب الانتهاء من الصلاة عبر التجمع أمام المساجد والانطلاق إلى ميدان التحرير في القاهرة أو الميادين الرئيسية في المدن والأحياء. ذهبتُ لأداء صلاة الجمعة، ثم التظاهر، في مسجد الاستقامة بميدان الجيزة، حيث كان هناك عدد من الشخصيات السياسية والعامة. اخترتُ هذا المسجد للانضمام إلى مظاهراته، وكان من بين الحاضرين الدكتور محمد البرادعي، والدكتور أسامة الغزالي حرب، والدكتور عبد الجليل مصطفى، وعدد من الشخصيات الأخرى. شاركتُ في الصلاة من خارج المسجد، حيث كان المكان مزدحمًا. وبمجرد الانتهاء من الصلاة، كانت قوات الأمن المحيطة بميدان الجيزة قد أحاطت بالتجمع الذي احتشد أمام المسجد، ومنعته بأوامر شفوية من السير. لكننا أصررنا على استكمال المظاهرة.
ملحوظة: حضر المتهم الأول، محمد حسني مبارك، إلى المحكمة أثناء الشهادة. وقد سجل المستشار الجليل في محضر الجلسة حضور المتهم الأول، وأن الجزء الذي أدليتُ به من الشهادة ولم يحضره المتهم بنفسه سيُقدم له في الاستراحة. كان جميع المتهمين في القضية موجودين، بدءًا من السيد الرئيس حسني مبارك، إلى وزير الداخلية، وكل اللواءات المتهمين، فضلًا عن السيدين جمال وعلاء مبارك.
أكملتُ الشهادة: بدأت قوات الأمن في إطلاق المياه على المظاهرة لتفريقها. ذهب عدد من المتظاهرين إلى الشوارع الجانبية، وعاد بعضهم إلى شارع الهرم، بينما لجأ البعض الآخر، وأنا منهم، إلى المسجد نتيجة اندفاع القوات بالمياه وفض المظاهرة. بقيتُ داخل المسجد مع المتظاهرين الذين ملؤوا المسجد، وكنتُ أخرج بين الحين والآخر أمام المسجد لمدة عشر دقائق لتفقد الوضع خارج حرم المسجد. كانت قوات الأمن في ميدان الجيزة وعلى كوبري الجيزة، بينما ظهرت أعداد بالمئات تحاول دخول الميدان من شارع الهرم. ومع تزايد أعدادها، خصوصًا من منطقة شارع الهرم وشارع ربيع الجيزي، بدأت قوات الأمن في إطلاق الغاز على المتظاهرين. وعندما حاولنا الخروج من المسجد للانضمام إلى المظاهرات القادمة من الشوارع المحيطة، بدأت قوات الأمن في إلقاء قنابل الغاز على ساحة المسجد، ثم في المسجد نفسه، مما أصاب الكثيرين بالاختناق. صعد البعض إلى الدور العلوي بالمسجد وإلى سطحه. استمر المشهد على ذات التفاصيل حتى أذّن لصلاة العصر. عقب الصلاة، كانت الأدخنة تملأ المسجد، ومحاولات الاحتماء داخله جعلت المكان في حالة ازدحام شديد. خرجتُ من الباب الرئيسي للمسجد وذهبتُ إلى ميدان الجيزة، حيث كانت قوات الأمن تقف. طلبتُ من أحد الضباط أن ألتقي فورًا بالمسؤول عن الوضع الأمني في الميدان، فأخبرني أنه اللواء أسامة المراسي، مدير أمن الجيزة وقتها، وقال إنه موجود في ساحة معروفة في الميدان تُستخدم كموقف للسيارات.
اتجهتُ إليه دون أن يمنعني أحد، وقمتُ بتعريف نفسي للواء المراسي، وأخبرته أن الوضع داخل المسجد في منتهى الصعوبة، وأنني أخشى على حياة الدكتور محمد البرادعي تحديدًا، وأطالبه بالسماح له بالخروج من المسجد خشية التعرض لأزمات صحية. وعدني بأنه سيفعل بمجرد هدوء الأوضاع، لكنني طلبتُ منه التدخل فورًا حتى لا يتفاقم الوضع وينتهي إلى نتائج مزعجة. عدتُ إلى المسجد وأطلعتُ الدكتور البرادعي على ما جرى مع اللواء المراسي، ثم تركتُ المسجد مرة أخرى وخرجتُ إلى الميدان، حيث كنتُ موجودًا أمام الباب الجانبي للمسجد المطل على الشارع القادم من منطقة الهرم. كانت أعداد غفيرة تحاول دخول الميدان، بينما أتابع قوات الأمن وهي تتصدى بإطلاق قنابل الغاز نحوها. بدأ بعض المتظاهرين في إلقاء الحجارة على قوات الأمن، التي لم تكن في محيط يعرضها للإصابة بهذه الحجارة، بينما كانت الحجارة تصل إلينا أمام المسجد. انطلقنا مع بعض المتظاهرين، حيث كانت هناك تجمعات قادمة من الهرم، وطلبنا من الشباب أن يتوقفوا تمامًا عن إلقاء الحجارة، فاستجابوا وهتفوا: "سلمية، سلمية".
عدنا مرة أخرى إلى محيط المسجد، وكانت الساعة قد أوشكت على الرابعة. فإذا بنا نرى قوات الأمن تفتح صفوفها وتسمح بخروج المتظاهرين إلى شارع مراد. في تلك الأثناء، صارع بعض الزملاء وطلبوا مني الحضور إلى المسجد، حيث سأل عني عدد من أفراد الشرطة. وحين لم يجدوني، أبلغوا الدكتور البرادعي، وأبلغوني بعد ذلك بأنه يمكن أن يستقل سيارته ويخرج إلى الميدان. عندما وصلتُ، كان قد استقل سيارته بصحبة الدكتور أسامة الغزالي حرب. أبلغتهم أن الطريق صار مفتوحًا إلى شارع مراد، وطلبوا مني أن أصحبهم في السيارة، لكنني قلتُ إنني سأذهب مع المتظاهرين إلى ميدان التحرير.
عدتُ إلى المظاهرة، لأنني كنتُ ساعتها الشخصية العامة الوحيدة الموجودة في المظاهرة. احتاط بي المتظاهرون للسؤال عن وجهتنا القادمة، فأخبرتهم أننا متجهون إلى ميدان التحرير. بدأنا التوجه إلى شارع مراد، حيث اختفت قوات الأمن تمامًا، ولم يعد هناك أي مظهر من مظاهر وجودها في الميدان أو الشوارع المحيطة أو شارع مراد. انطلقنا في مظاهرة سلمية تمامًا، لم يكن بها أي وجود شرطي ولا أي مظهر من مظاهر العنف. حتى إننا مررنا بكنيسة شهيرة في شارع مراد، وجرى شباب ورجال المظاهرة من تلقاء أنفسهم ووقفوا صفًا متشابكي الأيدي أمام الكنيسة، منعًا لأي اختراق أو عمل مندفع يُخشى منه تجاه الكنيسة.
استكملت الآلاف مسيرتها إلى الميدان، وكانت المرة الأولى التي يردد فيها المتظاهرون: "الشعب يريد إسقاط النظام"، الذي بدأ بعد مرورنا في شارع مراد، وكان الهتاف الوحيد الذي نسمعه. كان بعض المتظاهرين يحملون لافتات قماشية عليها شعارات مختلفة وغير موحدة وغير موقعة، ومعظم هذه الشعارات كانت تهاجم ممارسات وزارة الداخلية وأمن الدولة، وبعضها يحمل شعارات اجتماعية، مثل البطالة والغلاء. عبرنا منطقة كوبري الجامعة، حيث السفارة الإسرائيلية، ولفت انتباهي أن أحدًا لم يتوجه ناحيتها، رغم عدم وجود قوات تأمين ظاهرة أمام المظاهرة. ثم عبرنا إلى منطقة مديرية أمن الجيزة، حيث لم يكن هناك تواجد للشرطة أمام المديرية في مقرها القديم. لاحظتُ سقوط لافتات معلقة على مبنى الحزب الوطني المواجه لمديرية أمن الجيزة، رغم أنني كنت في طليعة المتظاهرين، لكنني لم أرَ من أسقط هذه اللافتات.
مضت المظاهرة، التي اكتشفتُ تضخم أعدادها وزيادة حجمها، حتى قدرتُ، مع بعض المتظاهرين، أنها بلغت مئات الآلاف. كانت تملأ شارع مراد من ناحية مديرية أمن الجيزة وحتى ميدان الجيزة. ومنها وصلنا إلى منطقة كوبري الجلاء، حيث وجدنا أعدادًا مجمعة من مظاهرات قادمة من أماكن أخرى، وتجمعات عند كوبري الجلاء، حيث كانت حدود النظر تصل إلى حشد عند كوبري قصر النيل. كان الزحام وقتها رهيبًا، وقد تجاوزت الساعة الخامسة بكثير، وكانت الأعداد هائلة. بدأنا نرى مرة أخرى قنابل الغاز تُلقى من قوات الشرطة من مدخل كوبري قصر النيل وعند بوابات الأوبرا. في هذه اللحظات، كنتُ أرى المتظاهرين يحملون على أكتافهم شبابًا ينقلونهم خارج كوبري الجلاء والطرق المؤدية إلى قصر النيل، حيث تحيط بنا الأوبرا على اليسار. كنتُ أسأل وسط الزحام عن هؤلاء، فكانت الإجابة أن بعضهم أصيب، وكنا نسمع عن قتلى، لكنني لم أتحقق من طبيعة الإصابات أو من حقيقة القتل، حيث لم يكن في استطاعتي ذلك بسبب الزحام الهائل. كان عدد كبير من الشباب والمتظاهرين يحيطون بي لحمايتي من أثر الغاز أو غيره، فلم أتبين سوى ما وصل إلى مسامعي من سقوط إصابات وقتلى.
بينما كان بعض الشباب يقدمون لي فوارغ من طلقات رصاص أو خرطوش، وقيل لي وقتها إنها رصاص حي، لكنني لم أكن خبيرًا في الذخائر، فلم أتحقق بدقة من هذه المعلومات. وإن كان لم يتضح لي نوع أو حجم قنابل الغاز وعبواتها، التي كانت أقدامنا تتعثر بها في كل خطوة. وصلنا وسط المظاهرة، وأخبرنا أن قوات الشرطة تراجعت من كوبري قصر النيل وأخلت المكان. فأكملنا المظاهرة والمسيرات حتى وصلنا إلى حدود ميدان التحرير من المنطقة المحيطة بجامعة الدول العربية. كان قد بدأت علامات المغيب، وكان الميدان بعد المغيب معتمًا إلى حد كبير، والفضاء ممتلئًا بالدخان نتيجة قنابل الغاز. كان الوصول صعبًا إلى منطقة الميدان، وكان عدد كبير من المتظاهرين يتراجعون، حيث أخبروا عن قنص ورصاص من أعلى سطح الجامعة الأمريكية، مما جعل الوضع خطرًا على حياتنا.
ظللتُ واقفًا في المنطقة القريبة من أعمال المترو من ناحية مبنى جامعة الدول العربية، حيث كنا نسمع ونرى قنابل الغاز والدخان من جهة الجامعة الأمريكية واتصالها بشارع القصر العيني. أخبرني بعض المتظاهرين عن هجوم واقتحام متظاهرين لمبنى الحزب الوطني بكورنيش النيل، فتوجهتُ إلى حيث المبنى. رأيتُ عددًا من المتظاهرين يخرجون من المبنى، بعضهم يحمل مقاعد، وبعضهم يحمل أجهزة تكييف، وبدأت نيران تظهر في محيط المبنى. في تلك الأثناء، كانت سيارة أمن مركزي تندفع في الشارع المواجه، وحاول بعض المتظاهرين اللحاق بها على سرعتها الهائلة، فلم يلحقوا بها. لكن إحدى السيارات انحرفت، وسائقها توجه إلى الجزيرة بين الطريقين، وكانت السيارة خالية من الجنود ما عدا السائق. حاول بعض المتظاهرين الاعتداء عليه، لكننا تدخلنا بسرعة وأبعدنا أيدي الشباب عن سائق السيارة، الذي تركها وانطلق بعيدًا بعد أن خلع ملابسه الشرطية.
عدتُ إلى الميدان مرة أخرى الساعة الثانية صباحًا، وظللتُ في الميدان، حيث لم تكن هناك مظاهر لتدخل أمني، وهدأت الأدخنة، ولم يعد هناك وجود لقوات محيطة بالميدان. بدأ المتظاهرون في السيطرة على الميدان تمامًا. شاهدتُ القوات المسلحة حول الميدان، ولم يكن خبر نزول الجيش سوى شائعة متداولة في الميدان وقتها. ظل الميدان يغذي نفسه بالأخبار الصحيحة والخاطئة على مدى الأيام التالية، فلم يكن من الممكن التحقق من خبر بسرعة أو بدقة نتيجة تدافع الأخبار الصحيح منها وغير الصحيح. لكنني رأيتُ مدرعات الجيش في ذلك التوقيت في كورنيش النيل، لكنها لم تظهر داخل الميدان.
عندما خرجتُ من الميدان، رأيتُ سيارات الجيش في القاهرة، وانطلقتُ إلى منطقة الدقي سيرًا على الأقدام، حيث بدأ ظهور قوات الجيش واختفاء قوات الشرطة. كنتُ أنزل إلى الميدان يوميًا، عدا يومي الجمل واليوم الذي تلاه. كنتُ أوجد ساعات داخل الميدان، وكان مزدحمًا بالأسئلة والحوارات وحشود اللقاءات والأسئلة السياسية. كان السؤال المتداول من الجميع: "ماذا بعد؟" وكانت هناك اجتهادات في الإجابة استمرت مع الأيام التالية للاعتصام. كانت الاجتهادات تدور حول المطالبة بالاعتصامات، وبدأ المتظاهرون في نهاية اليوم، عندما امتلأ ميدان التحرير بالمتظاهرين، يتداولون لفظ "الثورة". كان غياب الوجوه السياسية واضحًا عن يوم 28 يناير، على عكس يوم 25 يناير، حيث كان موجودًا رؤساء أحزاب وكتاب وشباب القوى السياسية المعروفين في محيط العمل السياسي في مصر. لكن في 28 يناير، لم يعد أحد يستطيع القول إن الوجوه السياسية والشخصيات العامة وأعضاء الأحزاب لهم حضور غالب أو لافت في الميدان. كانوا في الأيام التالية موجودين كخطباء وشخصيات يُدار حولها الأسئلة والحوارات من قبل المتظاهرين، لكن الميدان بدأ يدير نفسه، سواء من تمويل بعض المنصات والإذاعات، أو من خلال حفلات غناء وتجمعات.
بدأت تظهر فكرة الخيام التي يبيت فيها المعتصمون، وزادت خلال فترة الاعتصامات. بدأت الخيام تظهر يومي الأحد والإثنين، 30 و31 يناير. كان حضوري شبه يومي بالساعات، وشاركتُ في ما يدور من حوارات بين المتظاهرين. كانوا يسألون عن مطالب الثورة، ومتى نكون قد نجحنا، وهل نقبل بتغيير الحكومة، وهل نقبل بتعيين عمر سليمان نائبًا للرئيس؟ كانت إجاباتي منذ يوم 28 يناير تتحدث عن ضرورة رحيل النظام، وأننا لن نترك ميدان التحرير قبل رحيل النظام. وبطبيعة الحال، كانت هناك اجتهادات كثيرة من جانب المتظاهرين. تحول الميدان إلى مزار سياسي، بمعنى أن هناك أشخاصًا لم تكن محبوبة بدأت تنضم إلى ما يجري من مؤتمرات أو أمسيات أو حوارات. ولأنه لم يكن هناك مرجعية واحدة وواضحة للثورة، كان باب الاجتهاد مفتوحًا، حتى ما اعتبرته في ظني ارتجالًا وعشوائية. انطبق على الميدان في حينها ما يمكن التعبير عنه بأنها "ثورة بألف قائد وبلا قيادة". ومن ثم، كانت الجموع في الميدان لها الكلمة العليا بالهتاف والشعارات التي كانت ترفض أي حلول يطرحها غيرها.
سُئلتُ: هل أبصرتَ في ذلك الوقت إطلاق أعيرة نارية، ومنها الخرطوش، من قبل الشرطة على المجتمعين؟ أجبتُ: على سبيل اليقين، لم أرَ في ميدان الجيزة سوى إطلاق المياه وقنابل الغاز. في المنطقة من كوبري الجلاء حتى ميدان التحرير، لم أرَ سوى الغاز. سمعتُ من المتظاهرين، وحين سألتُ عن هذه الأجساد المرفوعة على الأكتاف، كنتُ أرى بعضها بصدور تحمل آثار احمرار. كان المتظاهرون الذين يحملون هذه الأجساد يردون بأنهم مصابون، وأحيانًا قتلى، برصاص حي. لكنني لم أرَ الرصاص ولم أرَ الأجساد، ولم أتمكن من التحقق من حقيقة ما قيل، لأنني كنتُ أسلم يومها بصحة ما قيل، حيث كنتُ أرى الأمن والزحام والغاز الكثيف. كانت الناس تأتي من جهة الشرطة من منطقة الأوبرا، حيث كانت الشرطة هناك. رأيتُ من سقط ورفع، وقيل لي إنه مصاب. أعتقد أنني على دراية بمكان السقوط أو التمركز، وأن القوات كانت واقفة، لكنني لستُ خبيرًا بالذخائر. رأيتُ قوات تحمل أسلحة، لكن لا أعرف أي أسلحة. ما رأيته يخرج بالفعل من البنادق هو إطلاق الغاز. كانت بندقية تشبه بندقية الصيد بماسورة عريضة نسبيًا، ويُطلق منها الغاز في الهواء. وبمجرد سقوطها على الأرض، لا أرى شيئًا. كان الذي يطلق قنبلة الغاز يعود إلى مكانه، وكان ضابطًا وليس عسكريًا، عرفتُ ذلك من تصرفاته، لأنه كان يأمر الذين معه.
واحد من الضباط قال لي: "يا أستاذ إبراهيم، ابعد عنا". وعند ذهابي إلى اللواء المراسي، لم يحدث احتكاك بي من جانب ضباط الشرطة، وتركوني وحدي إلى اللواء المراسي، ولم يمسني أحد. قال اللواء المراسي إن الموضع صعب جدًا. كان التمركز بين اللواء المراسي ومكان المظاهرات والمسجد يبعد حوالي عشرين مترًا. انصرف معي اثنان من الشرطة، وأخذوا الدكتور البرادعي. سبب الغاز الكثيف كان وقف المسيرة. لم أشاهد إطلاق الرصاص إطلاقًا، ولم أعرف الرصاص الحي أو الخرطوش.
المظاهرات التي شاركتُ فيها قبل 25 يناير كانت مظاهرات ووقفات محدودة، ولم تشهد أي منها ما يشبه ما حدث. أعتقد أن أي شيء كان يتردد في الميدان لم يكن يتعرض لتحقيق أو تدقيق، فيحتمل الصحة والخطأ في ذات الوقت. كنتُ أدقق في ذلك الحجم الهائل من الغضب، وكنتُ أفكر في حلم الشعب وهو يخرج ويقول كلمته. كان ذلك أكبر من حسّه.
مشاهد العنف التي رأيتها في مظاهرات 28 يناير، شاهدتُ بعض المتظاهرين يحملون حجارة لإلقائها على قوات الأمن التي تطلق الغاز. تدخلتُ مع غيري لإيقاف هذا السلوك الشائن. وحسبما شاهدتُ وعاينتُ خلال الساعات التالية، لم أرَ تظاهرًا آخر أمام الحزب الوطني، حيث حاول البعض الاعتداء على سائق سيارة أمن مركزي. توقفتُ مع غيري لإنهاء هذا السلوك الشائن، حيث تمكن الجندي من الرحيل بسلام من هذا المشهد.
على مدى الأيام التالية، كنتُ في ميدان التحرير، عدا يومي 2 و3 فبراير. كان الميدان أشبه باحتفالية سياسية وفنية، أكثر من كونه مكانًا لأي انفعال أو مواقف تمثل العنف أو تقترب منه.
---
**سؤال:** هل يمكن أن نطلق وصف "متظاهر" على من حمل متعلقات، ولو كانت من مبنى الحزب الوطني، حتى وصل إلى المبنى؟ كان متظاهرًا، لكن بعد قيامه بالسرقة، ألا يصبح لصًا؟
**الإجابة:** حتى وصل إلى المبنى، كان متظاهرًا، لكن بعد قيامه بالسرقة، يصبح لصًا. وقد رأيتُ بعضهم عاري الصدر، وبعضهم كان يقول إنه سيؤسس بيت الزوجية بمحتويات من الحزب الوطني.
**سؤال:** ما المسافة التي كانت بينك وبين إطلاق النار من أعلى سطح الجامعة الأمريكية؟
**الإجابة:** كنتُ موجودًا عند منطقة محطة المترو القريبة من مبنى جامعة الدول العربية، وكان هذا المكان ممتلئًا بالبشر. كان الإطلاق يتم من أعلى السطح، وكانت الجموع تفر إلى الميدان لحين توقف الإطلاق، ثم تعود إلى نفس المكان.
**سؤال:** هل شاهدتَ من أطلق الأعيرة النارية من أعلى سطح الجامعة الأمريكية؟
**الإجابة:** لا، وأود أن أنوه إلى حجم الدخان والغاز الكثيف.
**سؤال:** ذكرتَ في تحقيقات النيابة العامة، عندما استُمعت شهادتك في 2/3/2011، أنك كنتَ أول شاهد في القضية، وأنك شاهدتَ إصابات كثيرة لشباب مثقف لم يقوموا بأعمال تخريبية أو اعتداء على الشرطة، فمن المتسبب في إصاباتهم أو وفياتهم؟
**الإجابة:** أود أن أنوه إلى نوعين من الإصابات. وحجم ما رأيته من المظاهرات يشير إلى أن المشاركين في المظاهرات لم يرتكبوا عنفًا ولم يقوموا بأعمال تخريبية، إلا في الواقعتين اللتين ذكرتهما في شهادتي. وهناك عدة طرق يمكن أن نفرق بها بين المتظاهرين، مثل قنابل الغاز أو الخرطوش التي تصيب الصدر أو الجسم. وفي إطار ما عاينته خلال المظاهرات، يبدو ذلك ممكنًا في عقلي.
**سؤال:** ذكرتَ في شهادتك أيضًا أن العمليات الخاصة للشرطة هي التي كانت تطلق الأعيرة النارية، وأنك تعرفتَ على هويتهم.
**الإجابة:** هذا ما عرفتُه من المتظاهرين وقتها، وتعرفتُ على القوات الخاصة عبر زيهم الخاص والسيارات التي كانت موجودة. كانوا يرتدون قمصانًا واقية من الرصاص وشريطًا على الصدر، لكنني لا أتذكر التعبير المكتوب عليه.
**سؤال:** هل تعتقد بوجود قوات أخرى في ميدان التحرير يوم 28 يناير كانت تطلق الأعيرة النارية على المتظاهرين؟
**الإجابة:** أعتقد، في إطار الممكن، أنه محتمل أن تكون هناك جهات لها ولاء مع الدولة أو جهات لها عداء مع الدولة. ربما كان في الميدان من يرفع من درجة الغليان والغضب والنقمة على النظام لإثارة الناس. واحتمال الجهات المعادية، لأنها هي التي كانت ترغب في سقوط الدولة، لا النظام فقط. النظام هو إدارة الحكم في البلد، بينما الدولة هي مؤسسات البلد. وكان هناك من أراد أن تسقط الدولة مع الحكم. وكان واضحًا يوم 28 يناير أنه لا يمكن للمرء أن يتسامح أبدًا مع سقوط دولته. وما لم يكن واضحًا في 28 يناير هو أن هناك يدًا ربما شاركت في الموقف. ورغم أن عددًا من رموز النظام وقتها أشاروا إلى ذلك، وربما أعلنوا يقينًا، فإن درجة المصداقية التي كانت عليها تلك الرموز لم تكن تدفعنا إلى التسليم بما يقولون. ثم إن توجيه الاتهام إلى جهات معادية اخترقت حدودنا واقتحمت السجون كان دليلًا على أن إدارة شؤون البلاد وقتها لم تحمِ حدود هذا الوطن. إن الارتكان إلى جهات منظمة أو معادية قامت بأعمال الشغب والعنف والإرهاب كنا نتلقاه بإحساس يضاعف حجم الغضب: كيف يستمر النظام وهو لم يحمِ حدودنا وبلدنا؟
**سؤال:** ما تعليلك لظهور الزجاجات الحارقة في ميدان التحرير في ذلك الوقت؟
**الإجابة:** لم أرَ زجاجات حارقة (مولوتوف) يوم 28 يناير في المكان الذي كنتُ فيه، لكنني سمعتُ لأول مرة عن ظهور المولوتوف. وأحلل ذلك بطريقتين: إما أن هناك من يعتقد أن مواجهة العنف تتطلب عنفًا مضادًا، وهذا لا يمت إلى السلمية بصلة ولا إلى العمل السياسي، وإما أن هناك جهات بعينها كانت تريد لهذا الوطن الانقلاب، فكان لجوء بعضهم إلى المولوتوف سبيلًا لتحقيق أغراضهم ومخططاتهم. وطبقًا لما عشته من 25 يناير وما تم على مدى 18 يومًا في الميدان، أقطع بأن من رأيتهم في الميدان لا يلجؤون إلى مثل هذه الأساليب، ولم يسمعوا بشيء اسمه مولوتوف، ولم يعرفوه أو يرتكبوه أبدًا. ليسوا من هؤلاء الذين هتفوا "سلمية"، وليس من بيننا ولا من شعبنا من حاصر قسم شرطة أو اقتحم سجنًا.
**سؤال:** ذكر المرحوم اللواء عمر سليمان، نائب الرئيس الأسبق، أثناء شهادته بالمحكمة السابقة، أن بعض إصابات المتظاهرين بطلقات الخرطوش كان مصدرها قوات أخرى غير قوات فض الشغب.
**الإجابة:** يبقى ذلك عند تحليل ما شهد به المرحوم عمر سليمان، ويبقى عليه تقديم دليله.
**سؤال:** ما تعليلك لحالات الوفيات والإصابات التي حدثت في محيط شارع قصر العيني ومجلس الوزراء ومجلس الشورى والمتحف المصري ومجمع التحرير بعد مساء يوم 28 يناير 2011؟
**الإجابة:** بطبيعة الحال، ما شاهدته كان واضحًا كما رويته، لكن تحليلي لا يخرج عن الاحتمالين اللذين أوردتهما من قبل: إما عنف من الشرطة، وإما من جهات كانت تريد إحداث هذا العنف وتلك الفوضى.
**سؤال:** هل انسحبت الشرطة من ميدان التحرير يوم 28 يناير؟
**الإجابة:** بالقطع، انسحبت بعد الساعة السادسة أو السابعة مساءً، واختفى أي عنصر من الشرطة أمام عيني.
**سؤال:** بوصفك عايشت تلك اللحظات الصعبة لمصر، ما الخطة الأمنية التي كان يجب تطبيقها أمامك في ميدان التحرير من جانب الشرطة؟
**الإجابة:** أعتقد أن خطة الشرطة كلها كانت منصبة على منع تجمع المتظاهرين في ميدان التحرير باستخدام الحواجز وحصار الأماكن المزمع التظاهر فيها، مع استخدام الغاز، حسبما رأيتُ وحللتُ. وحينما رأت هذا العدد الهائل من المتظاهرين وعدم قدرة القوات على صدهم، أخلت الطريق والسبل أمام ميدان التحرير.
**سؤال:** ما تعليلك لمهاجمة أقسام الشرطة يوم 28 يناير في القاهرة وبعض المحافظات الملتهبة في توقيت واحد وبأسلوب متطابق ينتهي بالحرق الكامل ونهب المحتويات وإطلاق المحتجزين؟
**الإجابة:** لجذب الغاضبين إلى عمل مخطط يدمر، وللأسف نجح فعلًا. وهي تلك الجهات التي أرادت لمصر الفوضى، وكان باب الفوضى هو إنهاء وجود الشرطة في الشارع المصري وكسر هذا الجهاز، حيث لم يعد قادرًا على استعادة تماسك الشارع ولا الحفاظ على الأمن. وقد بدا هذا واضحًا في اقتحام السجون، حيث لم يكتفوا بإخراج المسجونين المحسوبين على تيارات سياسية تكفيرية، بل شمل إخراج آلاف من السجناء الجنائيين لإثارة وبث الرعب في أرجاء الوطن. وحسب اطلاعي ومتابعتي الكاملة لتداعيات القضية التي كانت منظورة أمام محكمة استئناف الإسماعيلية ثانيًا، من موقع الكاتب والصحفي، أشير بالاتهام إلى جماعة الإخوان وبعض التنظيمات التي استعانت بها لاختراق حدود مصر وتنفيذ مخططها في ضرب أمن مصر والسيطرة على فعالية حكمها. وكما اطلعتُ في المتابعة الكاملة للقضية المشار إليها، فإن تنظيم حماس في غزة وحزب الله هما من كانا وراء ذلك.
**سؤال:** ما معلوماتك عن واقعة دهس المتظاهرين وجنود الأمن المركزي بسيارات تحمل لوحات دبلوماسية؟
**الإجابة:** ليس لديّ معلومات أبعد من المتابعة الإخبارية التي نشرت هذه الوقائع عن 28 يناير، ولم يصلني شيء من هذا.
**سؤال:** ما معلوماتك عن اقتحام السجون المصرية، السبب والمسبب؟
**الإجابة:** كان اقتحام أقسام الشرطة والسجون ومباني النيابة والمحاكم في مصر في مساء يومي 28 و29 يناير عملًا خائنًا ومجرمًا لا يمكن أن يرتكبه إلا من تخلى عن وطنيته وسلم نفسه وضميره ومصيره للخيانة. كان يسعى في ذلك إلى تفكيك هذا الوطن وهدم هذه الدولة وبث الذعر والرعب في قلوب المصريين حتى يخلو له وجه مصر فيشوه ويدنس كيفما شاء. ولعل هذا الموقف ما كان ليسمح به مواطن شريف مصري، سواء كان معارضًا للنظام السابق أو مؤيدًا. فالاختلاف السياسي العميق والكامل والكلي لا يمكن أن يخدش وطنية أحد أو يدفع المعارض إلى أن يمس وطنه وشعبه، بل يكون أحرص الناس على ما لا يتعارض مع مصلحة البلاد العليا. ومصر تعلو على أي شخص. ما جرى في 25 يناير كان رغبة من المصريين الذين نزلوا إلى الشوارع واعتصموا في ميدان التحرير لتكون مصر البلد الأروع التي يحلمون بها، لا شعبًا مهزومًا ولا وطنًا مفككًا. ولا يجب أن يكون الموقف المعارض دعوة للكراهية أو للغل أو للعنف أو للإرهاب. فلا يتسابق مواطن مع آخر، ولا معارض مع مسؤول في الحكم، إلا سباقًا من أجل وطنه ومن أجل هذا البلد. لكن استمرار المعارضة والاختلاف في الرأي لا يمكن أن يتحول إلى سلاح للتخريب أو التفكيك أو إسقاط البلاد، فهو ما يخرج بصاحبه من زمرة المعارض الوطني الشريف إلى دائرة المخرب التي تشير إليه أصابع الاتهام بالخيانة والتخريب. أشير إلى هذه الجماعة، ونحن عارضنا من أجل معارضة النظام السابق وحرصًا، ولكن ذلك كلفنا أرواحنا، وليس كلفة على الوطن أبدًا.
**سؤال:** ما تعليلك لحالات الإصابة والوفيات التي لحقت بعناصر من الشرطة والجيش في ميادين مختلفة أثناء أحداث 28 يناير؟
**الإجابة:** انطلاقًا من شهادتي ومعايشتي لما حصل في تلك الأيام، لا أعتقد أبدًا أن أحدًا من هؤلاء المتظاهرين لجأ إلى العنف أو التخريب. وأعتقد أن تلك الأيدي الآثمة التي مارست عنفًا أو تخريبًا كانت مدفوعة من الجهات التي أشرتُ إليها بوضوح، أو مندفعة نتيجة درجة الاستثارة والاستثمار التي لجأت إليها هذه الجهات لجذب عناصر وأفراد ليسوا من تلك المظاهرات الشعبية، بل على دربها من غوغاء دفع بهم إلى دائرة العنف قصدًا ممن دفعهم أو جهلًا ممن اندفع. وأشير إلى تلك الجماعة التي بدت كل تصرفاتها وقراراتها منذ 25 يناير تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أنها لم تكن فصيلًا مشاركًا وشريفًا لثورة نبيلة، بل كانت تستخدم ثورة هذا الشعب النبيل وتهيئه لأغراض وأهداف صارت معلومة للكافة وواضحة أمام الشعب المصري كله.
**سؤال:** ما تقييمك السياسي والواقعي لقرار قطع خدمات الشبكة الدولية للمعلومات والهواتف النقالة؟
**الإجابة:** أتصور أنه كان قرارًا فاشلًا بامتياز، لأن هذه الاتصالات كانت موجودة بشبكة الإنترنت وصفحات الفيسبوك، وكان هناك بديل لها. والحاصل أنه لم يمنع من التظاهر.
**سؤال:** في تعليلك السياسي، كسياسي وليس كشاهد عيان، هل تعتقد أن مؤسسة الرئاسة استبعدت كل الاطروحات لمعالجة الأحداث المقبلة على البلاد في يناير 2011، وحزمت الأمر على المواجهة الأمنية وتركته لوزير الداخلية الأسبق بضباطه وأفراده ووسائله الأمنية؟
**الإجابة:** أعتقد أن الاعتماد على قوى الأمن كان هو الأساس والمركز في المواقف التي اتخذتها إدارة الحكم في تلك الفترة.
**سؤال:** هل تستطيع القول إن رئيس الجمهورية الأسبق شارك بقرار أو توجيه خلال تلك الأحداث في يناير 2011 بما نجم عنه تدخل الشرطة بالأسلوب الذي عالجت به الموقف؟
**الإجابة:** أظن أنه فعل، بمعنى أنه من المؤكد أن جهاز الأمن لم يمارس شيئًا ولم يتخذ موقفًا إلا بأوامر من قياداته العليا. وبالقطع، لم يوجه رئيس البلاد هذه القوات لقتل مصريين سلميين آمنين لم يخرجوا إلا بأصواتهم للمطالبة بحقوقهم.
**سؤال:** هل يملك، في رأيك، وزير الداخلية، على وجه العموم، اتخاذ قرار بالتصدي للمتظاهرين بالأسلحة النارية بمفرده دون الرجوع إلى رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء؟
**الإجابة:** لا أظن ذلك إطلاقًا.
**سؤال:** في تقديرك السياسي، هل تعتقد أن إرادة رئيس الجمهورية الأسبق توافقت مع إرادة وزير الداخلية الأسبق في أسلوب التعامل مع المتظاهرين بما تسبب في وفاة البعض وإصابة آخرين من جراء استخدام الأسلحة النارية؟
**الإجابة:** ما نجم عن ذلك أمر محتمل، لكن ما أقطع به وأعرفه في هذا الشأن أو غيره، لا علم لي باستخدام الأسلحة النارية وإطلاق النار، كما لا علم لي من مشاهدة مواجهة أمنية.
**سؤال:** هل يتصور عقلًا أو منطقًا أن الرئيس الأسبق لم يعلم شيئًا أو لم تكن لديه معلومات عن تعامل قوات الشرطة برئاسة وزير الداخلية ومساعديه الأول، أو أنه لم يوجه أوامر أو تعليمات في شأن التعامل وكيفيته؟
**الإجابة:** في اعتقادي، إن الرئيس الأسبق طلب مواجهة أمنية لهذه المظاهرات، وإن لم يأمر إطلاقًا بإطلاق ذخيرة حية في وجه المتظاهرين، مهما بلغت درجة معارضتنا له.
**سؤال:** أجبتَ عن سؤال لماذا استُدعيتَ ومن الذي استدعاك للشهادة، وأجبتَ بالأمس عن كيف حصلتَ على نص شهادتك من خلال أضابير القضية، وذلك بتفضل كريم من المستشار الجليل محمود كامل الرشيدي. لكن أيضًا، الاتهام الذي قيل إنه لا يصح عقلًا ولا منطقًا هو أن شهادة إبراهيم عيسى برأت الرئيس مبارك. الذي برأ الرئيس مبارك هو القانون والقضاء والمحاكم، ولم يبرأ مرة واحدة، بل برئ أكثر من مرة، بل برئ حتى في محكمة النقض لذات القضية. ربما أُدين في قضية أخرى، لكن القضية التي نحن بصددها، وقضية قتل المتظاهرين، ما هي القصة؟ الجوهر هو: هل أُطلقت نيران من الشرطة ورصاص من الشرطة قتل على إثرها شهداء من المتظاهرين؟ هل إطلاق النار كان بأوامر من وزارة الداخلية؟ هل إطلاق النار كان بعلم وبأوامر من رئيس الجمهورية؟
**الإجابة:** بطبيعة الحال، كانت الشهادة واضحة في نصفها الأول الذي قرأته أمس، وهو فكرة أنه بالقطع، رأيي، وأنا سُئلتُ مرة أخرى، أنني كشاهد أحمل صفتين: شاهد عيان موجود في المظاهرات، فأروي ما شاهدته أنا وليس أحد آخر. لا أروي عن أحد آخر ما قيل لي أو ما سمعت منه، بل أقول شهادتي بما فيها ما سمعت من آخر، لكن في إطار السمع. النقطة الثانية أنني سُئلتُ ككاتب ومحلل سياسي، كخبير فني. ارتضت المحكمة بجلالها أن تتم معاملتي في جزء من الشهادة كخبير وكاتب ومحلل سياسي، وليس كشاهد عيان. وهذا سيظهر الآن من الأسئلة كما ظهر في الأسئلة السابقة أو في بعضها. فالقصة هنا، 239، لأن الأرقام التي تُقال، اللجان التي عُقدت بعد يناير وقالت لنا عن عدد من الشهداء، والأرقام تأتي بروية، لكن الذي في المحكمة 239 ضحية. لا نستطيع أن نقول حتى نصفهم أو وصف أكثر من كونه ضحية، لأنه بات واضحًا أنه لا أحد يعرف: هل هم في قلب أحداث الثورة أم على ضفافها أم على جوانبها؟ خليني أعتمد أن تعبير الثورة أستخدمه استخدام الدستور المصري الذي وصف 25 يناير و30 يونيو بالثورتين. لكن معايير ومحددات سياسية لمعنى الثورة ومنتج الثورة وحصيلة الثورة، حتى تكون ثورة، هذه حقيقة الأمر لا تنطبق على أحداث كثيرة في حياتنا نقول عنها ثورة. لكن خليني مرة أخرى أقول بوضوح، وفي سياق هذه الشهادة بعد عشر سنوات، إن فكرة أن الرئيس مبارك أصدر قرارًا بالتعامل بإطلاق الرصاص على المتظاهرين، أنا شاهدتُ في المحكمة بالقطع لا. وأشهد الآن بعد عشر سنوات، وسأشهد بعد عشرين أو ثلاثين سنة في كتب التاريخ، باعتباري سأكون ذكرى، أنني لا أعتقد، لا أظن، بل أنا متأكد تمامًا أنه لم يصدر مثل هذا القرار على الإطلاق. طبعًا، هذا تقديري، هذا رأيي، هذه شهادتي ككاتب. أما شهادتي كرجل في الميدان وشاهد، فلم أرَ إطلاق رصاص حي، ولم أرَ ضباطًا ولا جنودًا ولا عساكر يطلقون الرصاص على المتظاهرين. وخلينا نكون أكثر عقلًا وتعقلًا من عواطفنا، لأن عواطفنا متأججة طول الوقت ومشتعلة، سواء حبًا أو كراهية. لو كان هناك أمر بإطلاق الرصاص، هل كان عدد الضحايا 239؟ ميدان التحرير الذي كنا فيه، نصف مليون أو مليون، لو أُطلقت فيه رصاصة واحدة، رصاصة واحدة، لكان قد مات فيها الآلاف. فما بالك بالمنطق والعقل؟ لكن عمومًا، هذه شهادتي، لا أحتاج أن أعلن أنها أبعد من شهادتي. وشاهدتُ بما شاهدته، كل ما شاهدته وقلته في النصف الأول من الشهادة كما قرأته بالأمس، ويمكن للمهتم أو المغتم أن يرجع إليها. لم أرَ إلا أجسامًا محمولة على الأكتاف، يقول حاملوها إنهم مصابون أو قتلى. كما رأيتُ احمرارًا، ليس دماء، لم أرَ دماءً خالصًا، كما رأيتُ دموعًا وسيلانًا من الأنف والفم والعين مع الغاز الطبيعي. اخترقتُ كما اخترق غيري وعشرات ومئات غيري، كنا في حالة هباب. لكن هل رأيتُ رصاصًا يُطلق؟ لا. هل رأيتُ خرطوشًا؟ طبعًا رأيتُ غازًا 100%. إذن، بماذا أُغمي عليّ؟ لكن هل رأيتُ قتلى؟ لا، لم أتيقن. قيل لي، فقلتُ لهم، طيب، هل تحققتُ؟ لا. هل شاهدتُ دماءً؟ مسألة صدور مبقورة ورصاص، لا يمكن. غيري رأى، هو حر، هذا ليس موضوعي إطلاقًا. أنا لستُ مطلوبًا أن أشهد شهادة غيري، مطلوب أن أشهد أنا. فهذا فقط على هامش النصف الأول من الشهادة. تعالَ نقرأ الشهادة ونعود إليها مع الأسئلة التي قدمتها هيئة المحكمة الموقرة وأجبتُ عنها، وسأحاول أن أقرأها بضيق. لاحظوا أنني ملتزم بما كُتب في الشهادة، لأن هناك أمرين: الشهادة تُقال شفويًا وتُكتب من خلال كاتب الجلسة. أنا ملتزم بما كُتب، لن أستعيد ذاكرة، لن أقول إنني قلتُ بالطريقة هذه، أو الكلمة هذه ليست صحيحة. لا، أنا سألتزم بما أقرته النسخة الرسمية الموقعة من قبلي كشاهد ومن قبل المستشار الجليل رئيس المحكمة. وهذا الأمر الذي يجب أن ننتبه إليه جميعًا. أستأذنكم في أنه ليس مطلوبًا مني أن أشهد لأرضي أحدًا، ولا مطلوبًا مني أن أشهد شهادة زور كي أحصل على تصفيق من هنا أو هناك أو تأييد من هنا أو هناك. وليس مطلوبًا مني إلا أن أكون أنا. فهذه أمور لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصبح مجالًا للمزايدة أو للأخذ والرد. من عنده شهادة أخرى، فليتفضل بها. كانت هناك شهادات في النيابات في القضية كثيرة. ومن عنده دليل، فليقدمه. القتلى أنفسهم وأهاليهم ومحاموهم لم يقدموا أي دليل على شيء. هذا فيما يخص حكاية البراءة.
**سؤال:** هل يمكن القول إن الرئيس الأسبق تدخل، من وجهة نظرك، لوقف نزيف دماء المصابين وكثرة المتوفين؟
**الإجابة:** أتصور أنه تدخل يوم تخليه عن الحكم.
**سؤال:** كباحث سياسي، ما تقييمك لتصدي جهاز الشرطة للتعامل مع المتظاهرين وما أسفر عنه من وقوع وفيات وإصابات مرجعها أعيرة نارية أو خرطوش؟
**الإجابة:** كان تدخلًا عنيفًا غليظًا منتهكًا لحقوق التظاهر السلمي، متطرفًا ومفرطًا في مواجهته، ثم فاشلًا في مجمله، حيث انتهى الأمر لما أراده المتظاهرون.
**سؤال:** ما مدى مسؤولية رئيس الجمهورية الأسبق عن الوفيات والإصابات التي حدثت في القاهرة والميادين الأخرى بالمحافظات؟
**الإجابة:** من باب موقع رئيس الجمهورية، فهو مسؤول عن كل ما يجري في البلاد، ومن بينها سقوط هؤلاء القتلى والمصابين. ومسؤوليته تشمل كل ما يجري على أرض بلاده، سواء كان شرًا أو خيرًا. ذلك من الباب السياسي. وأتصور أن هناك مسؤولية سياسية عن كل قطرة دم من المصريين، وأنها مسؤولية سياسية كاملة لدى كل المسؤولين بالبلاد، رئيس الجمهورية ووزير الداخلية والآخرين.
**سؤال:** في تقديرك السياسي، ما الخطوات التي كان يتعين أن يتخذها الرئيس الأسبق مع بدء فعاليات أحداث يناير 2011؟
**الإجابة:** إن أطلقنا عليها ثورة، فلا بد أن يكون قراره الأخير هو قراره الأول. وقراراته دائمًا كانت متأخرة، وكل قرار كان يجب أن يُتخذ سابقًا وليس لاحقًا.
**سؤال:** ما تقييمك لقرار رئيس الجمهورية الأسبق بالتخلي عن منصبه وتكليف المجلس العسكري بإدارة شؤون البلاد؟
**الإجابة:** كان قرارًا صائبًا ومهمًا وتاريخيًا. وإن كان هناك معارضة كبيرة وضخمة لسياساته، فإن هناك إشادة بقراره. وإنما تكليف المجلس العسكري بإدارة شؤون البلاد كان قرارًا خاطئًا وليس دستوريًا، ولكنها أمور كلها تدعي الحكمة بأثر رجعي.
**سؤال:** هل تعتقد أن خطابي رئيس الجمهورية الأسبق قبل التخلي كانا في توقيتين مناسبين يساعدان على تجنيب البلاد الحالة المقبلة عليها؟
**الإجابة:** الخطاب الأول لم يكن على مستوى ما جرى، والخطاب الأخير كان مؤثرًا بالفعل، ولكن ما جرى في اليوم التالي، مما عُرف إعلاميًا بموقعة الجمل، نسف الأمر نسفًا.
**سؤال:** هل وقفتَ حتى الآن على مكاتبات أو تسجيلات أو شهود عيان فيما يتعلق بأحداث يناير 2011 تساعد على إظهار وجه الحق فيمن أسال دماء المصريين؟
**الإجابة:** اطلعتُ على شهادات ووثائق المحكمة السابقة المشار إليها، وعلى شهادات الشهود في المحاكمة السابقة لذات القضية، وقد ساعدت في إلقاء ضوء كبير على تحليلاتي.
**سؤال:** ما رؤيتك السياسية لمقولة رئيس الجمهورية الأسبق أثناء أحداث يناير عن رغبته في أن ينعم بلقاء ربه على أرض وطنه، متمنيًا أن يُدفن في ترابها، رغم قدرته على مغادرة البلاد بيسر؟
**الإجابة:** كان كلامًا بليغًا ومؤثرًا ووطنيًا وأصيلًا على مستوى شخص الرئيس، لكنه لم يكن ينسحب على السياسي أو رجل الدولة. ويبدو هذا مهمًا للغاية في أن نفصل دائمًا، عملًا بالآية الكريمة "ولا تبخسوا الناس أشياءهم"، بين القرارات السياسية التي تصدر من حاكم مسؤول وعن شخصه وشخصيته ووطنيته. وأتصور أن هذه الرغبة تتفق وتتماشى تمامًا مع كونه أحد أبطال حرب أكتوبر. ويبقى الاختلاف سياسيًا، ويبقى كل مسؤول في هذا الوطن له ما له وما عليه، وما قدمه وما يُحتسب عليه حكمًا في التاريخ وللشعب.
**سؤال:** ما القواعد التي يتم على أساسها تجنيد الشباب لمنظمات المجتمع المدني؟
**الإجابة:** منظمات المجتمع المدني تنقسم إلى محورين: المدني الخيري، والمدني التنويري وحقوق الإنسان. وظني أن من يقبل على العمل في هذه المنظمات محب لوطنه، راغب في إصلاحه، عازم على خدمته، ويبحث عن سبل لتحقيق هذه الطموحات. ولم يجد دولة وأجهزة وحركة تستوعب هذه الطموحات وتؤهله وتستخدمه، ولا توجد أحزاب سياسية حقيقية يعمل من خلالها ويبرز بدوره فيها. فوجود هذه المنظمات الموجودة في مصر منذ القدم، حيث كانت في الأصل مثل أنشطة الوقف والجمعيات التي كانت تنشئ مدارس أو تتبرع بأمنية جامعية أو تعليمية أو تنشئ مستشفيات ووحدات، مثل جمعيات الشبان المسلمين وجمعيات الشبان المسيحيين، والتي كانت تلعب دورًا مهمًا في بناء بلادها. لكن عزوف بعض رجال المال والأعمال في مصر، فضلًا عن الدولة، عن دعم الأنشطة التنويرية والحقوقية التي يرغب فيها ويعمل بها شبابنا، دفع هؤلاء إلى مصادر التمويل الأجنبي، التي كانت تجري أيضًا تحت أعين أجهزة الدولة وبموافقة الوزارات المعنية، بل منصوص عليها في اتفاقيات خاصة بالمنح والمعونات. وهناك من هذه المنظمات، المجتمع المدني، نسبة أعظم من عمل لخدمة هذا الوطن ورفعته. وهناك، شأن أي مجال في حياتنا، من انحرف بهذا النشاط عن هدفه النبيل.
**سؤال:** ما صلة حركة "أوتبور" الصربية المقاومة، التي تحولت إلى منظمة "كنفاس"، بحركة 6 أبريل؟
**الإجابة:** في هذا العالم الذي نعيشه، من الطبيعي والمشروع أن يتأثر مجتمع بآخر، وشباب بشباب آخرين. ومن هذا الإطار، مهما كانت لدى الحركة الصربية التي قيل عنها، فإنها مثال أو نموذج لهذه المنظمة المصرية أو غيرها.
**سؤال:** ما أساس اختيار شعار حركة 6 أبريل، قبضة اليد المغلقة؟
**الإجابة:** الحقيقة، لم يسبق لي البحث عن هدف هذا الشعار، وإن كنت أريد أن أقر بأن أي حركة أو جماعة أو حزب أو هيئة تضع لنفسها شعارًا تستهدف به أن يكون لافتًا، جاذبًا، مثيرًا للاهتمام، معبرًا عن شيء فيها أو شيء تسعى له. قد تكون قبضة اليد المضمومة تلك تعني مساحة للتأويل، أو صحبة معنى للمقاومة، القوة في وحدتنا، أو قبضة في وجه الكلمة، أو لكمة في أنف الاستبداد. ولكنها أعراف وطموحات لأصحابها تبقى في إطار الشعار، كما لشعارات أخرى.
**سؤال:** ما تعليلك بأن هذا الشعار هو للحركة الصربية عن يوم 6 أبريل 1992، الذي خرج فيه 3000 مسلم في مظاهرة سلمية بالعاصمة سراييفو، فالتقتهم القناصة من فوق سطح فندق هوليداي، فقتلوا الكثير من المسلمين واشتعلت الحرب الأهلية؟
**الإجابة:** حركة 6 أبريل في مصر أبعد ما تكون عن هذا التصور. ثم إن هذه التجربة الصربية يُنظر إليها بأنها في إسقاط مستبد، لم تكن تعني حربًا أهلية. وفي ذلك الوقت، كان أعضاء 6 أبريل في الإعدادية سنة 1992. وأخشى أن في المجتمع المصري، على عمق ما نختلف فيه، نبالغ في أشياء وشخصيات وكائنات هي أقل كثيرًا من هذا الحجم من انشغالنا بها. بل لعل هذا الانشغال يصرفنا عن حقائق هي أولى بالانشغال والاهتمام. فضلًا عن أن المبالغة في تحميل شبابنا أدوارًا وأثقالًا لا علاقة لهم بها تزيدهم تطرفًا وغرورًا، وهذا ما نخشى على بلادنا وأبنائنا منهما.
**سؤال:** هل يدخل في نطاق استراتيجية الإخوان المسلمين العقيدة المسماة "أرض بلا وطن"؟ أصبح يقينًا أن هذه الجماعة لا تؤمن بالأوطان ولا بفكرة الوطنية، فلا وطن ولا حتى دين. هي جماعة وطنها الجماعة ودينها الجماعة، ولا وطنها مصر ولا دينها الإسلام. ما تعليلك لمقولة سيد قطب في كتاب "معالم في الطريق" عام 1966: "ما الوطن إلا حفنة من التراب العفن"؟ سيد قطب أُعدم عام 1966، وهو يقصد هذه الكلمة لأن التنظيم الذي ينتمي إليه كان من مخططاته تفجير القناطر الخيرية.
**الإجابة:** ما أعلمه أن هذه الجماعة بقيت خلال 30 عامًا في ظل حكم الرئيس الأسبق مبارك مسموحًا لها بالعمل السياسي والمشاركة في الانتخابات والفوز فيها والسيطرة على نقابات والإثراء والغنى والتمويل الداخلي والخارجي. بل وشهدت تلك الجماعة أيضًا تدريبات ومعسكرات لإعداد شبابها للعنف، وتغلغلت في جامعات مصر بآلاف المدرسين وأساتذة الجامعات الإخوانيين. فهي لم تشهد توسعًا ولا انتشارًا ولا قوة ولا مكنة في أي عصر قدر ما شهدته في هذا العصر.
**سؤال:** كمؤرخ إسلامي، ما تعليلك لكلمات رئيس المخابرات الأمريكية الأسبق في عام 2006: "سوف نصنع إسلامًا مناسبًا لنا، ثم ندعهم يصنعون ثوراتهم"؟
**الإجابة:** إن صحت هذه المقولة المنسوبة، فالثابت أن العلاقة بين تيار الإسلام السياسي والمنظمات الدولية الاستخباراتية قديمة. وكتب التاريخ تكشف لنا عن هذه العلاقة الوثيقة التي ربما وصلت إلى حد اصطناع هذه المنظمات وإنشائها. وهناك كتب عربية وأخرى غربية مترجمة إلى العربية تشير بقوة وبالوثائق إلى أن ما قاله رئيس المخابرات الأمريكية ليس بعيدًا عن الحقيقة، وإن كان الرجل فخورًا بها أكثر من اللازم.
**سؤال:** كعربي ثوري، ما تعليلك لحال الموافقة على منح العضوية لفلسطين في الأمم المتحدة، حيث جاء في الوثائق أنها "إمارة فلسطين"، والمستخدم عبارة "دولة فلسطين"؟
**الإجابة:** لم أطلع على هذا النص، وإن كنت أشكك فيه.
**سؤال:** بحنكتك السياسية، ما تعليلك لزيارة جون ماكين وجون كيري لإدارة شركة بيبسي بالحي السابع بمدينة نصر بعد رحيل مبارك بأيام قليلة، وشكرهما لها على دورها في أحداث 25 يناير؟
**الإجابة:** أقطع بأنها معلومة غير دقيقة وغير صحيحة.
**سؤال:** كمؤرخ وباحث سياسي، هل ما طال الشرق الأوسط منذ أواخر 2010 يعد في نظرك ثورات الربيع العربي أم انتفاضة شعبية؟
**الإجابة:** تعليقي أن مصر وتونس شهدتا ثورة شعبية، وانكماش الثورات لوجود تيار الإسلام السياسي الذي حاول إجهاض هاتين الثورتين. وجاءت ثورة 30 يونيو في مصر لتعيد مصر إلى حجمها وتعطي العبرة إلى تونس، وتحصد منذ 24 ساعة استقالة التيار الإسلامي في تونس وقتها. وما يجري في ليبيا وسوريا اختُطفت قضية الشعبين من خلال إرهابيين وعملاء، ولا أستطيع أن أزعم أن البلدين يشهدان ثورة شعبية أبدًا. أما كونه ربيعًا عبريًا أو عربيًا، فإسرائيل في حقيقة الأمر لم ترَ من أنظمتنا السياسية شيئًا ينغص عليها ربيعها الإسرائيلي. فلما نتحول من حرب ضد إسرائيل إلى استسلام حتى نقول إن إسرائيل كسبت من الربيع العربي؟ إسرائيل تستثمر ما يجري في بلادنا لصالحها.
**سؤال:** ما معلوماتك الإعلامية والصحفية عما تداول من توفير مؤسسة جوجل قمرًا يبث خصيصًا لنشطاء مصر أثناء أحداث يناير 2011؟
**الإجابة:** التطرف والظلام استثمرت التكنولوجيا جيدًا. الشباب، على اختلاف ميولهم السياسية، أكثر وعيًا بهذه الوسائل وأكثر قدرة على التعامل معها واستثمارها. فضلًا عن أن جوجل وغيرها لم تعد، كما حدث أخيرًا في أمريكا، فوق مستوى الشبهات. والتعامل بينها وبين أجهزة مخابرات أمريكية وغربية بات واضحًا.
**سؤال:** ما تعليلك لما شهد به أمام المحكمة بهيئة سابقة المرحوم اللواء عمر سليمان من أن عدم وفاء الحكومة الأمريكية بتسليم الحكومة المصرية الأموال التي ستصرف على البرنامج الأمريكي المسمى "الديمقراطية والحكم الرشيد"، وتوجيه الحكومة الأمريكية تلك الأموال لمنظمات أجنبية اختارتها، جندت العديد من الشباب لتعليم فنون الاحتجاج والاعتصام والعصيان المدني والتظاهرات؟
**الإجابة:** كلها وسائل لجأ إليها المتظاهرون دائمًا منذ ثورة 1919. مرة أخرى، محاولة إظهار أن 15 شابًا تلقوا تدريبًا فأسقطوا نظامًا، ينتقص ويهين النظام قبل أن يصم هؤلاء البشر.
**سؤال:** ما تعليلك لما شهد به أيضًا السيد عمر سليمان من أن جهاز المخابرات العامة رصد اتصالات بين حركة حماس وبدو سيناء، واتفاقهما على مد الحركة للبدو ببعض الأسلحة والذخائر لقاء مساعدتهم على إخراج الحركة لعناصرها من السجون المصرية؟
**الإجابة:** هذه شهادة من مدير المخابرات الأسبق السيد عمر سليمان، أوافق عليها تمامًا. وإن كنت أسأل: ماذا فعل هو لمواجهة ما رصده وما علمه وما عرفه، خصوصًا أن ما رصد وعلم وعرف قد أُنجز فعلًا وصنع لمصر ولشعبها جرحًا هائلًا؟
**سؤال:** ما تعليلك لما شهد به أيضًا السيد عمر سليمان من أن ذلك أثار نشاطًا عسكريًا لكتائب عز الدين القسام في الجانب الآخر من الحدود المصرية باتجاه غزة، فنجحت عمليات التهريب من خلال الأنفاق يوم 27 يناير 2011 لأسلحة وذخائر ومفرقعات، كما قدمت بعض المجموعات من حركة حماس وحزب الله، واصطحبهم البدو للقاهرة، بين 70 و90 عنصرًا من حزب الله تحديدًا، كما شهد جزء منهم بميدان التحرير مع إعلان جماعة الإخوان عزمها على المشاركة في التظاهرات؟
**الإجابة:** أتفق مع هذه الرواية، وليس عندي ما ينفيها أو يرفضها. ولي سؤال أسأله: ماذا فعلت أجهزة الدولة لإفشال هذا المخطط الذي نحن بصدده؟
**سؤال:** ما تعليلك لما شهد به أمام هذه المحكمة المشير محمد حسين طنطاوي من أن رصد وجود عناصر مختلفة فلسطينية لحركات حماس وحزب الله والقسام وغيرها بالميادين المصرية، متسربة من الأنفاق التي كان يتم تدمير بعضها ويتعذر تدمير الباقي لبدئها وانتهائها داخل مساكن الأهالي بسيناء، وأن تلك العناصر قصدت إشعال البلاد وإسقاط مصر باعتبارها قلب الدول العربية؟
**الإجابة:** هي ذات الصعوبة التي كانت موجودة بعد 30 يونيو، ومع ذلك دكها الجيش المصري دكًا.
**سؤال:** ما تعليلك لما شهد به المشير أيضًا من أن استخدام الأسلحة النارية بميدان التحرير أثناء الأحداث كان من الإخوان المسلمين تنفيذًا للمخطط الأمريكي؟
**الإجابة:** ليس عندي ما ينفي هذه الرواية وما يرفضها. وإن كان السؤال نفسه: ما الذي فعلته أجهزة الدولة لإجهاض هذا المخطط؟ خصوصًا أن هؤلاء الذين ذكرهم المشير والمرحوم عمر سليمان كانوا يجلسون على منصة واحدة مع اللواء عمر سليمان في منصات مفاوضة ومحاورة مع الدولة، وهؤلاء أنفسهم الذين استضافهم المشير طنطاوي في مقر القيادة محاورًا. وما يجعل السؤال أشد إيلامًا هو سر السكوت عن هذا المخطط الذي كان معلومًا بشكل مبكر جدًا.
**سؤال:** ما تعليلك لما شهد به اللواء حسن الرويني من أنه لم يكن بمقدور رئيس الجمهورية الأسبق وقف الأحداث بالبلاد لحتمية وقوعها باعتبارها مخططًا أمريكيًا بالاتفاق مع الإخوان المسلمين، والوثائق كشفت عن خرائط لتقسيم البلاد؟
**الإجابة:** سيادة اللواء يستند إلى حتمية وقوع هذا المخطط واستحالة الرئيس الأسبق على مواجهته، لكننا واجهناه في 30 يونيو. ولا شيء محتوم أمام إرادة الله والشعب المصري. وحين قرر الشعب المصري إنهاء هذا المخطط، نعيش الآن بإرادة الله وإرادة الشعب، فلا محتوم إلا ما يحتمه الشعب.
**سؤال:** بحنكتك الصحفية وخبرتك السياسية وما قدمته للبلاد، شاكر وممتن، وباطلالة الآن على السنوات الثلاث الأخيرة ولأمانة التاريخ، هل قام الشعب المصري بثورة في يناير 2011 أم صُنعت به ثورة؟
**الإجابة:** قام الشعب المصري في 25 يناير 2011 بثورة لم تكتمل، حيث فقدت البصمة ولم تنجح لأن عصابة سرقتها من الشعب وساقت البلاد إلى تضييع ما كان يحلم به الشعب. وكانت ثورة 30 يونيو مكملة لـ25 يناير وتصحيحًا لها.
**سؤال:** ذكرتَ في شهادتك أن بداية المظاهرات كان لها مطلب وهو عزل وزير الداخلية نظرًا لممارسات رجال الشرطة. اذكر نوع الممارسات؟
**الإجابة:** الموقف ليس من الوزير الأسبق فقط، لكن كان من الشرطة لانتهاكها حقوق الإنسان والاعتداء على المتهمين في السجون والأقسام، مما أدى إلى تدمير المواطنين. ولم تكن هناك أي قوى سياسية إلا وبينها وبين وزير الداخلية ملاحظات وتعليقات. وكان هناك غضب سياسي من القوى السياسية تجاه الشرطة، واختيار 25 يناير إعلانًا للغضب على الشرطة. وإن الغضب لم يكن مقتصرًا على شخص، بل كان في مواجهة مؤسسة كلها حين ذاك.
**سؤال:** كيف يكون الحكم مستبدًا مع وجود مجالس نيابية وأحزاب وحركات ومجلس حقوق الإنسان؟
**الإجابة:** الحكم المستبد بمعيار حكم أبدي يحتكر السلطة وتزوير الانتخابات وأبدية الحكم.
**سؤال:** هل كان أي من المتظاهرين يحمل أسلحة نارية أو خرطوش؟
**الإجابة:** بمعايشتي، لم يكن هناك أكثر من الحجارة، وعادوا عن هذه الفعلة في ميدان الجيزة، ولم أشهد على الإطلاق سلاحًا في يد متظاهر في ميدان التحرير.
**سؤال:** هل لديك أقوال أخرى؟
**الإجابة:** لا تمت أقوال إبراهيم السيد إبراهيم عيسى.
---
تعليقات
إرسال تعليق