محمد فياض (٢): صناعة الخوف في التراث الإسلامي

مساء الخير. أهلاً وسهلاً بكم الصالون اليوم بعنوان "صناعة الخوف في التراث الإسلامي".
طبعًا، نلاحظ مدى إثارة هذا العنوان؛ ففكرة الخوف نفسها وكيف أن موضوع الخوف هذا يمكن أن يؤرق حياة الإنسان، وحين يرتفع مستواه لديه جدًّا، يجعله غير قادر على عيش حياته بشكل طبيعي. كما أنه لن يجعله مبدعًا، فعندما أكون مضغوطًا بسبب الخوف في حياتي، فمن المؤكد أن نمط حياتي لن يسير بشكل طبيعي، خاصة إذا كان موضوع الخوف مرتبطًا بمنهج أو نسق حياة أتبعه، كالدين مثلاً. لو كان الدين نفسه مبنيًّا على فكرة الخوف، بأن أخاف من نفسي وأخاف من الآخر وأخاف من ارتكاب الأخطاء، فهل كل هذه الأمور ستؤثر على نمط حياتي وتجعله يسير بشكل غير طبيعي؟ بلا شك، هذا الأمر يكبر شيئًا فشيئًا، يجعلك تخاف من الآخر وتخاف من نفسك وتخاف من أن ترتكب خطأ. فأنت دائمًا تعيش في مشاكل، دائمًا خائف من أن تُخطئ، دائمًا خائف من أن تُصيب. ففكرة الخوف نفسها حين تسيطر على نمط حياة الإنسان، تجعل نمط حياته لا يسير بشكل طبيعي.
دكتور محمد فياض وصناعة الخوف في التراث الإسلامي
طبعًا، يشرفنا وينورنا اليوم الدكتور محمد فياض، وهو مدرس التاريخ الإسلامي بجامعة طنطا. طبعًا، الدكتور ليس أول مرة ينورنا، فقد كان قد نورنا من قبل في صالون بعنوان "الخلافة"، وكان موضوعًا شيقًا جدًّا، ولقي متابعة جيدة من المشاهدين على قناتنا على اليوتيوب. فليتفضل الدكتور الآن وينورنا.
كلمة الدكتور محمد فياض
مساء الخير. طبعًا، في البداية، أنا سعيد بوجودي في صالون "على المليون" للمرة الثالثة. المكان هنا، وأنا أحضر العديد من الندوات والأماكن وأتحدث في أماكن كثيرة، ولكن صالون "على المليون" له خصوصية بالنسبة لي؛ لأنني آتي هنا ليس فقط كمحاضر أو لألقي ندوة، ففي الحقيقة، أستفيد جدًّا من مداخلات الجمهور. فما زلت لم أبدأ المحاضرة ولم أقل أي شيء بعد، وفي أول دقيقة، قال صديقي العزيز كلمة صغيرة جدًّا، فالتقطت منها محورًا سأضيفه إلى المحاضرة.
يمكن موضوع اليوم، وهو "صناعة الخوف في التراث الإسلامي" أو "صناعة الخوف في التاريخ الإسلامي"، هو موضوع غريب في البداية، ويحتاج منا أن نبدأ في التفكير في المصطلح وتفسيره. الخوف، كما هو معروف، شعور إنساني صعب جدًّا؛ لأنه لا يرتبط بالخارج فقط، بل يرتبط أيضًا بأنك إذا كنت خائفًا، فداخليًّا لديك مشكلة، أنك غير قادر على كسر الحاجز الداخلي الذي لديك. هو حاجز تزرعه في داخلك أو يفرضه عليك المحيط الخارجي، ولا تستطيع تخطيه. فطول الوقت، إذا كنت أريد أن أخوِّفك، وتمكنت من أن أُعيشك في حالة الخوف هذه، فقد ضمنت أنك لن تتحرك بعد ذلك، ولست قلقًا منك.
بعد قراءة طويلة وبحث طويل وتمحيص كبير في التاريخ الإسلامي، اكتشفت في النهاية أننا أمام جزء من مؤامرة، كان هدفها صناعة الخوف. هذا الخوف يُفرض على المجال العام. وكلمة "الإسلامي" هنا أقصد بها، وسيتضح ذلك في المحاضرة الآن، كيف أنه في أوقات كثيرة جدًّا، تآمرت السلطة مع الفقه، أو تآمرت السلطة مع رجال الدين، لإنتاج نمط من أنماط الخوف. فالشخص الذي أمامي، أريد أن أضمن ولاءه، أحتاج جدًّا إلى أن أخوِّف هذا الشخص. أخاف أن هذا الشخص يقوم بثورة ضدي، أخاف أن يبدأ هذا الشخص بالتمرد عليَّ. لذلك، أرغب دائمًا في وضعه داخل حواجز. هذه الحواجز ترتبط، حتى لو قلنا، من جسم الخوف، من الجسد، الخوف من الآخر المخالف في المذهب أو في العقيدة أو في الفكر، الخوف حتى من الموسيقى، وهذا سنراه، الخوف من الفنون، الخوف من التصوف، لأن التصوف حالة مبدعة، حالة تجعل الروح تنطلق، فإذا جعلت الروح تنطلق، سيكون فيها حرية، وهذا ضد فكرة صناعة الخوف، فلن أكون ضامنًا للشخص الموجود هذا في البيئة المحيطة بي كسلطان.
الخوف من العقل والمفكرين
حتى الخوف من العقل، من المفكرين. سنرى الآن بندًا كبيرًا جدًّا في صناعة الخوف حول تهمة الفلسفة، وكيف كانت الفلسفة في فترة من الفترات تهمة. تهمة، وكان الكاتب يأتي ويحلف ويقول: "والله أنا لست من أهل الفلسفة"؛ لكي يستطيع أن يقول. وهذا سنقوله بنصوص ومصادر. أنا لا أرغب طبعًا في قول أي كلام عشوائي، فكل الكلام الموجود، وحتى لو كان أي من أساتذتي الأفاضل الموجودين في الصالون، بالمصدر وكل شيء سنتحدث فيه.
مشروع بحثي حول صناعة الخوف
موضوع اليوم ليس مجرد محاضرة، هو جزء من مشروع أعمل عليه، كتاب كبير أعمل عليه منذ فترة طويلة. وهذا، يمكن أنا اليوم لست هنا فقط لأقول المحاور التي لدي، ولكن لأخذ من حضراتكم أيضًا أفكارًا أضيفها. يمكن صديقي العزيز فتح لي نقطة أخرى الآن، وهي فكرة الإبداع والخوف؛ لأن ويل ديورانت، حين جاء ليعرِّف الحضارة، وهو يُعتبر من أشهر وأهم الناس الذين تحدثوا عن الحضارة في موسوعته المهمة جدًّا "قصة الحضارة"، يقول في أول صفحة وأول سطر: "يبدأ الإبداع من حيث ينتهي الخوف والقلق."
الخوف وتأثيره على الإبداع
إذًا، فكرة إشكالية الإبداع والخوف: كيف لو كنت شخصًا خاضعًا طوال الوقت لخوف السلطة، خاضعًا لخوف من سلطة السلطان، خوف من رجال الدين، خوف من الآخر، خوف، خوف، خوف، خوف من هذه الأشياء، خوف من الجسد، خوف حتى من الإله؟ هل سأكون مبدعًا؟ هل سيكون يومي فيه بند أو ساعة معينة تسمح لي بأن أكتب، أبدع، أتخيل، أصور، أرسم؟ أم سأكون طوال الوقت خائفًا: "هل دخلت الحمام برجلي اليمين أم الشمال؟ هل توضأت؟ هل الوضوء حصل له شيء؟" فطوال الوقت أنت مشغول ومهموم بقضية، أنت خائف طوال الوقت. خائف من أشياء بسيطة، من ممارسات بسيطة، أو خائف من قضايا كبيرة جدًّا.
يمكنني، ومن ضمن الأشياء أيضًا التي أخذتها من أخي العزيز، فكرة الإبداع. ولهذا، سنتفاجأ بشيء خطير جدًّا، وهو أن الإبداع ارتبط في تراث الحضارة الإسلامية أكثر بالفرق المعارضة. سنكتشف أن الفرق المعارضة في الحضارة الإسلامية كانت أكثر إبداعًا، وكانت تضيف أكثر إلى الحضارة الإسلامية. حتى يمكن لو جئنا لنرى الفرق بين العرب والفرس في الإسهام الحضاري في الحضارة الإسلامية، سنكتشف أن الفرس قد يكونون زادوا قليلًا عن العرب في التراث الحضاري وفي الإسهام الحضاري؛ لأنه رجل معارض، فهو رجل كسر حاجز الخوف، كسر حاجز الخوف.
الخوف في كتب الفتاوى والنوازل
طيب، سنرى الآن مراحل تطور هذه القضية. ويمكن أيضًا هناك نقطة مهمة أرغب في أن أتحدث مع حضراتكم عنها: أين يمكننا أن نلمح الخوف؟ نحن لدينا في التاريخ الإسلامي، الناس الذين يعملون على التاريخ الإسلامي يأتون بمصادر التاريخ الإسلامي، وكلهم يذهبون إلى مصادر معينة: الطبري، ابن كثير، ابن الأثير، وبعض الكتب المحفوظة هكذا، ويخرجون منها بعض الروايات، ويبدأون في البناء.
أنا لمحت مصدرًا مهمًا جدًّا من مصادر التاريخ الإسلامي، وهو كتب الفتاوى. كتب الفتاوى، أو كتب ما يسمونه "النوازل". أنا سأفترض أن هذا الرجل شيخ، شيخ أسأله: "لو سمحت، أنا أريد أن أسألك عن كذا كذا كذا كذا." الفتوى الأولى في الصفحة رقم واحد، معلش استحملوني في هذه الجزئية، في الآخر سأصل لما أريد أن أقوله لكم. زميلي هذا جاء وسأل نفس الشيخ في الصفحة الثانية، الفتوى كذا كذا كذا. وهو يجيب، يجيب، يجيب.
بعدما قرأت كل هذه الفتاوى، اكتشفت أن معظم الفتاوى هي فتاوى أناس مرعوبين، فتاوى أناس خائفين. من هنا، أستطيع أن آخذ لمحة عن كيف كان الإطار النفسي في تلك اللحظة. يمكن حتى في بعض، وحتى المصادر في التاريخ الإسلامي، استخدمت بعض الألفاظ، يقول لك: "واصفرت وجوهه من الخوف"، "اصفرت الناس وصارت" لأسباب كثيرة سنراها الآن.
إذًا، أنا من خلال كتب الفتاوى، التي يسميها المصادر أو الفقهاء "كتب النوازل"، يعني: "ماذا نزل بي من نازلة أو حلت بي من مصيبة"، فآتي لأسألك. فأرى المصيبة الكبيرة التي حصلت عندك هذه. اليوم، سلمت على واحد مسيحي، وأكلت عنده، ما النظام؟ هل يجوز أم لا يجوز؟ هل رجل دينهم حقًّا يبسط في الأمر أم لا؟ فاكتشفت أن الإشكاليات الكبيرة المعقدة هذه ما هي إلا أمور تافهة جدًّا، أمور صنعها الفقهاء، وصنعتها حواجز مجتمعية واهية جدًّا.
في النهاية، أصبحت أمامي شخص خائف طوال الأربع وعشرين ساعة. خائف من الإله، خائف من النار، خائف من عذاب القبر، خائف من السلطان، خائف من الفقهاء، خائف من كل هذه الأمور. والسلاح الخطير أيضًا أنه خائف من العوام. هؤلاء العوام أنفسهم الخائفون المرعوبون قد يحتشدون مع بعضهم البعض، وهم كجموع، يشكلون مصدرًا من مصادر الخوف أيضًا.
الخوف والجيتو المذهبي
عندما نرى نمط الجماعات الإسلامية الموجودة في التاريخ الإسلامي، الجيتوهات؛ الجيتو المذهبي أو الجيتو الفكري. وكلمة الجيتو لا أقصد بها الجيتو الجغرافي. وفي بعض الأحيان، بالمناسبة، في التاريخ الإسلامي، نجد في العراق، مثلاً، في القرن الرابع والخامس الهجري، بدأ الشيعة يأخذون أحياء ويقفلون على أنفسهم. وبدأ السنة يأخذون أحياء وحدهم. حتى يمكن في حادثة طريفة جدًّا أن اثنين من السنة كانا يسيران في حي الكرخ الشيعي، وكان حيًّا خطيرًا جدًّا وله قصة طويلة جدًّا. فواحد اسمه أبو بكر وماشي معه امرأة. فتقول له وهي تسير في الشارع في الحي: "يا سيدي أبا بكر، ماذا سنفعل؟" قال لها: "تحت أمرك يا سيدة عائشة." فالمرأة قالت له: "أنا اسمي عائشة؟" قال لها: "أنتِ، هل تريدين أن يقضوا علينا وحدنا أم ماذا؟ لا، أنتِ اسمك عائشة."
هذا هو نمط الجماعات، جماعات خلاص، جيتوهات جغرافية أو حتى جيتوهات فكرية بالمناسبة. هم سيقطعون في بعضهم البعض في بغداد والعراق والدولة العباسية طوال الوقت، وسيموتون بعضهم البعض في صراع إسلامي إسلامي، خوفًا من الآخر. حتى سيأتي المغول في ثوانٍ سنة ستمائة وستة وخمسين، يدخلون ويقتحمون ويدمرون الحضارة؛ لأن الناس في الداخل مشغولون طوال الوقت بمشاكلهم الداخلية.
إذًا، فكرة الخوف هي فكرة سنستطيع أن نلمحها من أول لحظة في التاريخ الإسلامي، حتى يمكن من عصر النبوة، فكرة الخوف من جهنم ووصف جهنم أنها قعدت كذا سنة حتى احمرت، وكم سنة حتى اسودت، إلى آخره، حتى اللحظة التي نعيش فيها هذه. حتى يمكن الجماعات، كما كنت أقول لحضراتكم، الجماعات الإسلامية: السنة أو الشيعة أو الخوارج، وهو داخل الجيتو الاعتقادي أو الفكري أو النفسي بتاعه هذا، هو خائف من الآخر. هو خائف، هو هو يحتضن جماعته بشدة، محتضنين بعضهم البعض بشدة، كما كان الأخ مرسي، ليس أنت يا محمد مرسي، عندما كان يقول: "تعالوا نحضن بعض." هم فعلًا كانوا محتضنين بعضهم البعض بشدة.
لماذا؟ لأنه يرى أن الآخر هو الجحيم. خارج هذا الجيتو، خارج هذا الجيتو المعرفي، خارج هذا الجيتو الثقافي، الدنيا في الخارج ستشتعل. إذًا، طوال الوقت نحن بحاجة إلى أن نبقى في جيتو. هل السلطة كانت تحب هذا أم لم تكن تحبه؟ لا، السلطة كانت تحب هذا؛ لأن السلطة، طوال فترة التاريخ الإسلامي، إلى حد كبير جدًّا، طبعًا لا نرغب في التعميم، ولكن في سياق طويل جدًّا في التاريخ الإسلامي، كانت ترغب في خلق عدو وهمي دائمًا. عدو وهمي. يعني طوال الوقت، لو السلطة في الإطار السني، طوال الوقت تحاول أن تبين أن الشيعة هؤلاء هم العدو الأعظم. لو السلطة أصبحت شيعية، كما سنرى مثلاً في فترة الدولة البويهية في العراق، أن العدو الأعظم هم أهل السنة. وعندما سيأتي العدو الحقيقي، كما قلت لحضراتكم منذ قليل، المغول، لن يجدوا أحدًا يحاول؛ لأن الناس في الداخل مشغولون بقضايا أخرى داخلية.
تحالف الفقه والسلطة وصناعة الخوف
الأزمة الحقيقية يا جماعة بدأت من تحالف الفقه مع السلطة. هذا التحالف كان الأزمة الحقيقية. الدولة الأموية والعباسية، الدولة الأموية بدأت تعمل عملاً مختلفًا تمامًا. الجماعة في فترة النبوة كانوا يقعدون، نفسيًّا، راضين، والدنيا تسير معهم. فترة الخلافة الراشدة، حسب ما سميت في كتب التاريخ، حسب مصطلحها، أي على تسميتها، الخلفاء الراشدون، كان الخوف أو الهاجس من الفتنة، "فلا تنازعوا، الاختلاف".
إلا أن الأمويين والعباسيين بدأوا يعملون عملاً مختلفًا، عمل المعلمين. الدولة الأموية، بدءًا من معاوية بن أبي سفيان، بدأ يقول: "لا، أنا هنا ظل الله في الأرض." أنا رجل هنا. سنبدأ الآن في رصد نمط جديد من أنماط الخوف، وهو الخوف من السلطان. وكلمة "السلطان" هذه، قد يقول لي أحدهم: "يا دكتور، لم يكن أحد في تلك اللحظة يستخدم لفظ سلطان." كلمة سلطان معناها الحاكم، أيًّا كان لفظه، خليفة، أيًّا كان. ولكن هو الخوف من السلطة، الخوف من السلطة.
الأمويون وتوظيف عقيدة الجبر
الدولة الأموية بدأت، واحدة شيئًا فشيئًا، تقول إنني ظل الله في الأرض، وإن الخليفة ظل الله في الأرض. وبدأوا يوظفون الدين، وبدأوا يوظفون عقيدة الجبر والاختيار. يعني يريدون أن يقولوا للناس: "خذ بالك، معاوية بن أبي سفيان هذا لم يأتِ بمزاجك. معاوية بن أبي سفيان هذا لم يأتِ لأنك اخترت أو أحببته أو كان هناك شورى. لا، معاوية بن أبي سفيان جاء لأن ربنا أراده أن يأتي، لأن ربنا أراده."
فكرة "ربنا أراده أن يأتي" هذه، حضراتكم في صالون "على المليون" قد تأخذونها فتقولون لي: "هل هذا الرجل يضحك علينا؟" لا، أما الرجل من العوام، الرجل الذي ليس لديه وعي، لديه هشاشة فكرية، ولديه ضحالة ثقافية، "لا، خلاص، هذا ربنا أراده أن يأتي، هذا اختيار رباني." ويمكن معاوية قال: "لو لم يرني ربي أهلاً لهذا الأمر، لو ربنا ما شافنيش أنا أحق واحد بهذا الموضوع، ما تركني وإياه." و"لو كره الله ما نحن فيه لغيره."
خذ بالك، وبالمناسبة، نفس هذا الخطاب كنتم تسمعونه الآن. يعني أحيانًا تقول: "شفيق إيه وتزوير انتخابات إيه؟ هذا ربنا أراده، لو لم يكن ربنا أراده ما كنا هنا." سنجد أن هناك أشياء كثيرة جدًّا متشابهة، رغم أن هذا سنجده في لقطات كثيرة، في مشاهد كثيرة. فيقول: "لو لم يرني ربي أهلاً لهذا الأمر ما تركني وإياه، ولو كره الله ما نحن فيه لغيرت." وهذا صريح الجبر. الرجل قال كلمة الجبر. يعني بدأ يتكلم في مذهب فكري فلسفي، الناس العوام لا يفهمون شيئًا عنه، ولكن قال: "هذه إرادة ربنا." يعني: "هذا قضاء ربنا، هذا قضاء ربنا."
وليس هذا فحسب، بل بدأ الأمويون يستخدمون بعض الأمور التي تساعدهم على توظيف فكرة الخوف من السلطان، مثل السيف. كلمة السيف طبعًا ليس بمعناها المباشر، المدني، لكن بمدلولها الأوسع أن كيف كان توظيف القوة، توظيف القوة في إقصاء أي معارضة، أو في إسباغ هالة على الحاكم الأموي، أن كيف هذا الحاكم الأموي طوال الوقت أراه وأخاف منه. ليس فقط لأنه يستمدها من قوته أو من حضوره، بل أيضًا بقوة السيف. ويمكن أيضًا معاوية قال هذا الكلام: "والله إني ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا بمسارة بيعة. أنا أعرف أنتم يعني ما أخذت الخلافة هذه بحب منكم. لا، بل جاهدتكم بسيفي هذا مجاهدة." ولا شك أن السيف، القوة، كان أحد أهم الأدوات الكبرى في صناعة الخوف في قمع بني أمية للمعارضة السياسية.
عبد الملك بن مروان وسياسة القوة
كما أن عبد الملك بن مروان، وهو أحد كبار الخلفاء الأمويين، قال أيضًا بعض النصوص التي تعبر عن هذا الاتجاه وهذا الطرح. ماذا قال عبد الملك بن مروان؟ صعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه وقال: "أما بعد، فإني لست بالخليفة المستضعف" يقصد عثمان بن عفان. "أنا، بص، أنا لست ضعيفًا، ولا خيرًا، يعني مثل بعض الناس. ولا بالخليفة المداهن." المداهن يعني: "الذي لديه بعض السياسة في الكلام، يعرف. يعني الذي يقصد به معاوية بن أبي سفيان." "ولا بالخليفة الفون الأحمر." يقصد يزيد. "لا، أنا شيء آخر تمامًا."
"وإلا من كان قبلي من الولاة كانوا يأكلون ويُأكلون." الناس الذين كانوا قبلي كانوا يأكلون، ويوم لهم ويوم عليهم، والدنيا تسير معهم هكذا. "وإني والله لا أُذيقكم إلا بالسيف." قال لهم: "ليس لكم شيء عندي سوى السيف." هذا فقط ما لكم عندي. أنا هنا ماذا أفعل؟ أنا هنا أؤسس لنمط في تعامل السلطة مع المجال العام في هذه الأوقات، أن كيف أكون مرعوبًا طوال الوقت وخائفًا طوال الوقت من السلطة. خائفًا طوال الوقت من السلطة.
العباسيون وسياسة العصا والجزرة
حتى جاء الجماعة العباسيون سنة مائة واثنين وثلاثين هجرية، وبدأوا يغيرون الموضوع تغييرًا تامًا. في الدولة الأموية، سنجد أن هناك معارضة قوية وشرسة من بعض الفقهاء. الأمويون كانوا يعملون، نعم، وأحبوا أن يوظفوا الدين، وأحبوا أن يوظفوا بعض الفقهاء، ولكنهم لم يكونوا محترفين جدًّا مثل العباسيين. إلا أن العباسيين، منذ اللحظة الأولى، جاءوا واستخدموا سياسة العصا والجزرة.
من أول يوم، الدولة العباسية جاءت، أول خليفة عباسي بالمناسبة اسمه السفاح، لقبه هكذا السفاح. "فاستعدوا، فإن السفاح المُبير أو السفاح المبيح والسائر المبير." من أول يوم ماذا فعل؟ قال لهم: "وإني زدت لكم، سأعطيكم ألف ألف، فلوس." ما في مشكلة. "فاستعدوا، فإن السفاح." هذه سياسة العصا والجزرة.
وعمه، عم الخليفة السفاح، قام بلعبة لطيفة جدًّا. الفلول، فلول النظام السابق، ماذا فعلوا؟ فالرجل قال: "نحن نريد أن نأتي بفلول الأمويين أو بقاياهم ونقضي عليهم. إذا قضينا على فلول الأمويين هؤلاء، سنبدأ في اكتساب هيبة جديدة وشكل جديد نستطيع أن نقدم به أنفسنا للمجتمع." عندما تقتل الناس أو تسجنهم أو تبعثهم، هل الناس سيحبونك أم ستبدأ في حكمهم بشكل معين، وهو الشكل الذي نتحدث عنه في البداية، وهو صناعة الخوف؟
مجزرة نهر أبي فطرس
قام عمه عبد الله بن علي وقال له: "بص، الأمويون كلهم موجودون في مكان قرب الأردن، اسمه نهر أبي فطرس أو أبي الفُطُس." فبعث لهم: "يلا يا جماعة، أي أموي بدأ يذيع الأخبار، أي أموي موجود، اخرج من مخبئك." وبالمناسبة، هناك كتاب كبير جدًّا اسمه "المتوارون"، أي المستخفون من العباسيين، ستجد فيه هذه القصص كلها. وكل مصادر التاريخ الإسلامي تتحدث عن هذه النقطة. "لو سمحتم يا جماعة، أي أحد مستخفٍ من الأمويين فليخرج، النظام القديم، فلول النظام السابق، سنبدأ صفحة جديدة، وسنكون مع بعض."
وبدأ الأمويون أو معظمهم ينخدعون في قول العباسيين، وبدأوا يظهرون. وبدأوا يظهرون. وكل المصادر تتفق على هذا الموضوع. ونحن لا نرغب في أن نقول إن تاريخنا تاريخ مثالي، يعني؛ لأننا إذا طوال الوقت سننظف التاريخ ونبيضه ونجمل وجهه، إذًا نحن ملائكة جميعًا. لا، نحن الناس، نفس الناس الذين يعيشون، فينا الصادق وفينا الكذاب وفينا البلطجي وفينا الحرامي. فينا الناس التي كانت تعيش التاريخ.
فعبد الله بن علي، وهو عم الخليفة العباسي، جمعهم كلهم عند نهر أبي فطرس. أقام خيمة، هكذا، كخيمة العزاء كبيرة، لكي يجتمعوا مع بعضهم البعض. وأمر بذبحهم كلهم، ذبح كل فلول الأمويين. وبعد أن ذبحهم كلهم، الرجل، يعني، جاع. رجل يعمل في الذبح منذ الصباح، لا بد أن يجوع. فأمر بالطعام، وفرش عليهم بساطًا. أنا لا أحكي أساطير، أنا أحكي تاريخًا حقيقيًّا، حقيقة. وفرش عليهم بساطًا وقال: "لعَمري، أكلت أكلة أطيب ولا أهنأ لنفسي من هذه الأكلة." خذ بالك، الناس ما زالت مذبوحة، ولا أعرف حضراتكم هل ذبحتم من قبل أم لا. والرجل يكون ما زال مذبوحًا. واحد يقول: "آه." واحد ما زال الناس تفزع. فالرجل يأكل على الناس التي تطلع، ويقول: "لعمري، أكلت أكلة أهنأ ولا أطيب إلى نفسي من هذه الأكلة." ما هذا؟ هذا هو صناعة الخوف. صناعة الخوف.
فالناس المحكومة الآن، التي تحت حكم الدولة العباسية الآن، في البداية، في أول يوم، الخليفة اسمه سفاح، والرجل بالفعل يذبح. "لا، إذًا أنا لا بد أن ألم نفسي، بالمعنى، سأمشي بجانب الحائط، ابتسم، أو أحذر من الأخ الأكبر."
نبش القبور واستخدامها في صناعة الخوف
ليس هذا فحسب، بل العباسيون بدأوا أيضًا يدشنون ظاهرة جديدة وغريبة جدًّا، وهي فكرة نبش القبور. نبش القبور هذه ثابتة وموجودة في كتب المصادر. ما معنى نبش القبور؟ يعني أنني سأذهب لأنبش قبرك وأخرجك وأنت ميت. حتى لو كان لك أب متوفى أو أحد متوفى، وأنت تشعر أنه سيخرج من قبره، وسيصلبونه. بالمناسبة، الأمويون فعلوا هذه الحكاية، يعني مثل زيد بن علي، بعدما صلب، تم نبش قبره وعلق وصلب مدفونًا وهو رجل مدفون منذ فترة. حتى يمكن حينها بعض الأمويين قالوا لاتباع زيد بن علي: "صلبنا لكم زيدًا على جذع نخلة، ولم نر مهديًّا يُصلب." كانوا يقولون دائمًا، الشيعة كانوا يقولون إن زيد هذا كانه المهدي المنتظر. فقالوا: "رأيتم مهديكم كيف هو؟ وهو ميت، وليس ميتًا فحسب، بل ميت ومتحلل كذلك."
إذًا، كل هذه الأمور صناعة خوف بامتياز. حتى أن العباسيين، يمكن، المعرفة التاريخية الحقيقية لا تتبين من النصوص المباشرة أو لا تتبين من الأمور المباشرة. دعنا نرى بعض الأشياء، كما قلت لحضراتكم في بداية المحاضرة، كيف أستطيع أن أفهم الخوف كان يحدث كيف؟ من خلال الفتاوى والنوازل والأسئلة. أنا سألت الرجل أسئلة كثيرة، أنا وزميلي وزميل. فعرفت أن هؤلاء الناس كلهم خائفون ومرعوبون.
ألقاب الخلفاء العباسيين ودلالتها
كذلك، دعنا نرى ألقاب حتى الخلفاء العباسيين. ألقابهم. ألقاب الخلفاء العباسيين. دعنا نرى. طبعًا، قلت لكم أول واحد اسمه السفاح. دعنا نمشي قليلًا. هذه الألقاب لم تظهر في مرحلة قوة الدولة العباسية. في مرحلة قوة الدولة العباسية، في الأول، كان الرجل اسمه المنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون. بدأت من مرحلة ضعف الدولة العباسية بعد ذلك. سنبدأ في رصد نمط جديد من أنماط الألقاب والأسماء. ما هذا النمط؟
المعتصم بالله، الواثق بالله، المتوكل على الله، المنتصر، المستنصر بالله، المستعين بالله، المعتز بالله، المهتدي بالله، المعتمد بالله، المعتضد، المكتفي، المقتدر، القاهر، الراضي. كلهم "بالله" أو "على الله". حتى آخر واحد ذُبح، المستعصم، عندما دخل المغول واجتاحوا بغداد سنة ستمائة وستة وخمسين، كان اسمه المستعصم بالله. في الحقيقة، لقبه لم ينفعه جدًّا.
توظيف الدين في صناعة الخوف
إذًا، لماذا استخدم الخلفاء العباسيون هذه الألقاب؟ هل هذا تدين؟ أم هذه رسالة ترغب في أن تصل إلى الجمهور؟ ثم اليوم، عندما تأتي لتسمع هذه المحاضرة اليوم، وأنت في سنة ألفين وسبعة عشر، وقد مر عليك ثورات، ومر عليك ربيع عربي وخريف لا أدري ماذا، وهذه الأشياء اللطيفة كلها، فأنت رجل لديك وعي وثقافة، تستطيع لو جاءك حاكم اليوم وقال لك: "أنا اسمي الواثق بالله"، لن تصدق. أما أنا أتحدث لك عن فترة معينة كان فيها ضحالة فكرية، فترة معينة لم يكن فيها طوال الوقت نحن نرغب في أن نتحكم في أدمغة وعقول الناس الموجودة هذه. فعندما أقول له ألقابًا دينية، فالعوام، وهم كثر جدًّا في الدولة، سيخافون جدًّا وسيعرفون هذا. وهذه رسالة ودلالة.
وبالمناسبة، كان هناك شيء لطيف جدًّا يفعله الخلفاء العباسيون. الخلفاء ورثوا عن الرسول القضيب بتاعه، وهو العصا، والبردة بتاعته، شيء كعباية. فكان من ضمن أدوات التأثير السياسي أو التوظيف السياسي لمخلفات الرسول أن الخلفاء العباسيين كانوا يستخدمونها. يعني يمكن الخليفة العباسي يخرج ويلبس هذا الرداء ويمسك هذه العصا. فالجمهور الموجودون أمامه، المحتشدون هؤلاء كلهم، خلاص، لن يستطيع أحد أن يتكلم؛ لأنه يؤثر عليهم بأداة خطيرة جدًّا، أداة تستطيع أن تضغط عليهم معنويًّا بشكل كبير جدًّا.
كتب الآداب السلطانية وترسيخ الخوف
طيب، ليس هذا فحسب. بدأنا الآن. نحن في البداية قلنا ماذا فعل الأمويون، وقلنا بعد ذلك ماذا فعل العباسيون. والعباسيون بدأوا يتحالفون مع الفقهاء ومع رجال الدين من أجل ترسيخ فكرة الخوف وترسيخ فكرة الرعب طوال الوقت. واستخدموا ألقابًا دينية، وقاموا بمذابح، وقاموا بكل الأشياء التي يمكن أن تُفعل من أجل أن أكون أحكم كيانًا جماعيًّا خائفًا، كيانًا جماعيًّا مرعوبًا طوال الوقت.
وبدأ يدخل أيضًا في اللعبة الناس، أهل كتب الآداب السلطانية. يعني ماذا تعني كتب الناس التي تقول: "كيف يعني السلطان يا جماعة؟" هل أنتم متخيلون أن هذا الدكتور محمد مرسي هذا رجل كان يأخذ هذا، هو الذي يصلح فوق، ناس تصلح المركب الفضائي، ويقعد خمس دقائق وينزل. "يا عم الحاج، هذا السلطان ما حدث." السلطان هذا يعني: "كيف؟"
تعالوا نرى الآن زوبعة، والناس التي كانت موجودة في الدولة العباسية لتتحدث عن السلطان. يحكم بأمر ربنا، وطوال الوقت يرغب في تخويفك من السلطان وإرعابك منه. يعني أنت لا يجوز لك أن تحبه جدًّا ولا أن تكرهه. أنت لا بد أن تتعامل معه بنمط معين. كتب الآداب السلطانية شرحت كيف تتعامل معه، كتالوج. يجب أن لا يقول له: "صُحبة السلاطين على ما فيها من العز والثروة عظيمة الخطر، وإنما تشبه بالجبل الوعر فيه الثمار الطيبة والسباع العادية." تطلع جبل فيه مانجو وبطيخ ولطافة، وفيه سباع وأسود ستأكلك. "فالارتباط فيه أشد. وليس يتكافئ خير السلطان وشره؛ لأن خير السلطان لا يعدو مزيدًا من المال، وشر السلطان قد يزيل الحال."
هالة التقديس حول السلطان
فيقول له: حتى لو كنت صاحب السلطان وقريبًا من السلطان وقريبًا من الخليفة، لا تطمئن جدًّا. إياك أن تصاحبه وتأخذ عليه. لا، ابقَ طوال الوقت تسير كأنك تسير على: "هل أنا هنا يا جماعة؟" هل السلطان في الحكم هذا ليس في النهاية بشرًا؟ وليس رجلًا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ لا، ولكن نمط الكتابة هذا حاول أن يصنع هالة مقدسة على السلطان؛ لأن هذه الهالة سترسخ صناعة الخوف من السلطان. فلن أستطيع أن أجد محمدًا يخرج ويعمل معارضة ضد السلطان. لا، لن يستطيع؛ لأنه بالمناسبة، من هنا؟ طبعًا لن أتحدث الآن عن الشرطة في تلك الفترة، وصاحب الشرطة. الشرطة، فكان هناك واحد اسمه ابن النسوي، صاحب شرطة في بغداد، كان يذبحهم، يذبح في الأسواق. لن أتحدث عن استخدام السلطة المادية، لا، أنا أتحدث عن فكرة كيف أنك أصلاً من داخلك هناك حاجز، أنت أصلاً لن تستطيع أن تكسره. حاجز الخوف. بداية هكذا، الخوف من من؟ من السلطان.
التعامل مع السلطان: الخضوع المطلق
يقول له أيضًا: "عندما تسير مع سلطان أو تتحدث مع سلطان، خذ بالك." وهنا أنت كرجل من عوام الشعب لن تصل أبدًا لتتحدث مع السلطان. أنا أتحدث إليك كرجل الآن، يعني رجل كبير وقادر على أن تصل إلى السلطان. فينصحه الآن ويقول له: "والذي يقول: السائرون مع الملوك عدم معاتبتهم في أي شيء. لو فعل أي شيء أو تعب، وبألا يختاروا إذا رضوا عنهم." إياك أن تجد السلطان أو الخليفة جالسًا معك وراضيًا عنك ويضحك معك هكذا، فتنفك معه وتهزر. لا، لا، لا، إياك. "ولا يتغيروا تجاههم إذا سخطوا عليهم." فتنظر اليوم الخليفة متضايق منك اليوم، فإنك لا تقول له: "لا، لو لم يتصل بي اليوم، خلاص هو هو الذي جاء لنفسه." لا، لا، ليس هذا الكلام. لا بد أن تبقى مثل الألف طوال الوقت، تبقى مثل الألف. من يقول هذا الكلام؟ كتب الآداب السلطانية التي ترسخ لنمط علاقة مع السلطان.
كل هذا يا جماعة في إطار عملنا الكبير الذي نتحدث عنه، وهو صناعة الخوف. وهذه كلها نصوص موجودة. حتى يقول لهم: "إياك أن تدخل هكذا اليوم، السلطان يريدك أن تدخل لتبقى معه، فتذهب مساء الخير، كيف حالك يا سلطان؟" لا، ليس هناك. لا بد أولاً أن تمهد. أنت تجهز نفسك لامتحان التوفل مثلاً؟ لا، واحدة واحدة هكذا. لا تدخل مباشرة. فماذا تفعل؟ قال له: "فلا تكن صحبتك للملوك إلا بعد الرياضة." كلمة الرياضة لا تعني أنه حنط الحبل، لا. المقصود بالرياضة هنا أنك لا بد أن تدرب نفسك على بعض الأشياء قبل أن تدخل على السلطان. "إلا بعد الرياضة منك لنفسك على طاعاتهم في المكروه عندك وموافقتهم فيما خالفك." يعني أنت تعلم أن ما يفعله هذا خطأ، لا بد أن توافقه عليه. إياك أن يظهر من عينك فقط أنك لست موافقًا. هذه موجودة ونصوص ثابتة. "وتقديرك الأمور على ميلهم دون ميلك. وعلى ألا تكتم سرك ولا تستطلع ما كتموه. وأن تخفي ما اطلعوا عليه من الناس كلهم، حتى تحمي نفسك من الحديث به. وعليك الاجتهاد في رضاهم، والتلطف لحاجتهم، والتثبت لحجتهم، والتصديق لما قالوه." يعني هو يقول لك أي هبل، "الله! يعني أحلام سيادتك أوامر؟" "إيه ده بجد أنت تقول هذا بجد؟ وهذا ولا هذا إلهام ولا هذا وحي؟ أنا أعرف الوحي خلاص لم يعد موجودًا الآن. يعني هذا كلام من عندك أنت، أنت السلطان."
إذًا، كل هذا النمط هو هنا، هذه هي التي قلنا عليها في البداية، هو يصنع خدعة، يصنع مؤامرة. الجميع يضحك على الجميع، ولكن في النهاية، لا بد أن أرسخ لنمط من أنماط الخوف. إذًا، كل هذه الأمور كانت ترسخ الخوف من السلطان. هذا هو المحور الأول: الخوف من السلطة، الخوف من السلطان. وهذا هو المعني بصناعة الخوف أصلاً، يعني هو السلطان هذا هو الذي سيكون سعيدًا هكذا لو كان هؤلاء الناس كلهم خائفين منه، خلاص.
الخوف من العقل والفلسفة
من ضمن الأمور الأخرى أيضًا التي ساهم فيها الفقهاء مع السلطة في صناعة الخوف هو الخوف من العقل، الخوف من الفكر. وأنا الآن كلمة، وسأجد عندي شيئًا في الدولة العباسية بشكل كبير جدًّا وواضح، وهي تهمة الفلسفة، تهمة الفكر. أنك إذا كنت رجلاً من أهل الفكر وأهل الفلسفة، فأنت هكذا متهم طوال الوقت. "لا، هذا أنا سأرى، سأقرأ معكم الآن، أنهم كانوا يحلفون أن والله نحن لسنا من أهل الفلسفة. والله العظيم نحن لسنا من أهل الفلسفة." وسنرى أشياء كهذه.
طيب، لماذا يا جماعة؟ لماذا كانت السلطة متضايقة جدًّا هكذا من فكرة أن يكون هؤلاء الناس يعملون بالفلسفة؟ أصل كلمة الفلسفة معناها حرية العقل. وكلمة حرية هذه عكس فكرة الخوف. أنا هكذا سأكسر حاجز الخوف، فقد يخرج لي شخص صباحًا يتحدث معي ويناقشني ويتبادل الرأي، وهكذا. "لا، هكذا أنت تكسر حاجز الخوف الذي أرغب فيه منك."
فسنرى بعض الأشياء هكذا. يقول لك يتكلمون عن محاكمة شخص مثلاً في الدولة العباسية فيقول لك: "فرموه بشيء من مذاهب الفلاسفة." التهمة الخاصة به هو: "اعتقلوه، سجنوه، يقول لك لا، أصلهم أمسكوه وضبطوه، من أهل الفلسفة." "أسود، ربنا يعافينا يا عم." وبالفعل، كان هذا النمط موجودًا في تلك اللحظة. "آه، من أهل الفلسفة، لا يجوز هنا." مثلاً، قتل فيلسوف سنة تسعة وثلاثين ومئتين هجرية، أيام الخليفة العباسي المهدي، يعني في البداية من بدري جدًّا. فماذا كانت تهمته؟ "أنه صاحب الفلسفة." هذه كانت تهمته موجودة هكذا في المصادر.
الكندي ومحاولة شرعنة الفلسفة
ليس هذا فحسب، ولهذا سيأتينا فيلسوف اسمه الكندي. هذا الرجل خائف من أن يؤخذ في الرجلين، وهو فيلسوف حقيقي، خائف أن يؤخذ في الرجلين. فماذا فعل؟ ذهب إلى الخليفة المعتصم، وطرق على الباب. أنت تعرف أن المشاكل كلها تخرج من هنا. فخفض رأسه وذهب إلى الباب، وطرق. قال: "انظر، لقد ألفت كتابًا." الكتاب هذا موجود، لو أردت تنزيله ستجده، اسمه "كتاب إلى المعتصم بالله في الفلسفة". وفيها حاول شرعنة العمل بالفلسفة. وهنا ستظهر فكرة جديدة اسمها الفلسفة الإسلامية. هي الفلسفة في بدايتها أصلاً فكر يوناني. فهنا ستبدأ الفلسفة الإسلامية.
المعتصم، الكندي ذهب إلى المعتصم وقال له: "انظر، هذا الكتاب، لو حضرتك قرأته، ستجد أنني يمكن أن أستفيد بالفلسفة السيئة هذه في أن أدافع عن الإسلام والمسلمين وأفكارهم. وأستخدمه في علم الكلام، وأن أبدأ في توظيف هذا في عملك أنت أيضًا." إذًا، المعتصم بلع الموضوع. ولكن بعد ذلك سيأتي خليفة آخر ويقول له: "ما هذا الهراء الذي تفعله يا كندي؟ هل نحن نمزح أم ماذا؟ لا توجد فلسفة على الإطلاق اليوم. أغلقنا الموضوع. أغلقنا العمل."
الفلسفة تهمة وترك العقل
إذًا، الفلسفة كانت متهمة طوال الوقت. انظر ماذا يقول له الكندي. طبعًا، عندما يكتب كاتب كتابًا لأحد أو يقال كتابًا لأحد من السلطة، فيكتب له إهداءً لطيفًا هكذا، أو مدخلاً، أو ديباجة. فيقول له في ديباجة الكتاب: "أطال الله بقاءك يا ابن ذرى السادات، وعرى السعادات." معلش، ستجد فيها بعض المشاكل. "الذين من استمسك بهديهم سعد في دار الدنيا ودار الأبد. وزينك بجميع ملابس الفضيلة وطهرك من جميع طبائع." هو الرجل يريد أن يكسب رزقه، فلا بد أن يكتب: "إن أعلى الصناعات الإنسانية، والله العظيم، منزلة وأشرفها مرتبة هي صناعة الفلسفة." لكن انتظر، انتظر فقط. "لكن ليس كل الفلاسفة. لا، لا، هناك فلاسفة سيئون. نحن الفلاسفة الطيبون الذين يقولون: غرض الفيلسوف في عمله وعلمه إصابة الحق، وفي عمله العمل الحق." وبدأ يشرح له طوال الكتاب، ويمكن لحضراتكم أن تروا الكتاب على الإنترنت، كيف أن الفلسفة هذه نستطيع أن نوظفها في خدمة الفكر الإسلامي وفي خدمة حضرتك في مقابل الجماعات والأفكار الأخرى.
محنة خلق القرآن وعواقبها
طيب، ضمن الأشياء الخطيرة جدًّا. في خليفة اسمه الواثق، في سنة إحدى وثلاثين ومئتين هجرية، كان هناك بعض المسلمين وقعوا في الأسر عند البيزنطيين. كلمة البيزنطيين هؤلاء الذين يعرفهم معظم حضراتكم باسم آخر، وهو اسم الروم. فهذه المجموعة كلها، أسرى مسلمون موجودون عند البيزنطيين. وكانت أيامها إشكالية دائرة في الدولة الإسلامية، شيء اسمه محنة خلق القرآن. "هل القرآن مخلوق أم ليس مخلوقًا؟" قصة هكذا، يعني ليست قضيتنا الآن. ولكن الدولة قالت إن القرآن هذا تبنت بفكره معينة خاصة بخلق القرآن، أن القرآن هذا مخلوق.
ففي عصر الواثق، قالوا له: "يا سعادة الخليفة، هناك ثلاثون أو أربعون أسيرًا سيأتون من بيزنطة، ونحن سنستلمهم بأسرى من عندهم بيزنطيين. فحضرتك فقط صدِّق." قال لهم: "لا توجد أي مشكلة على الإطلاق، ولكن لو سمحتم، وهم، وأنتم تبادلونهم، اسألوهم أولاً، وهم هناك على الباب هكذا: هل أنت مؤمن بأن القرآن مخلوق أم ليس مخلوقًا؟ أي طريق أنت؟" والله رجل قادم متعب ومجهد وعرقان، وبقاله شهر لم يأكل. فلو قال إن القرآن مخلوق، دعوه يمر. لو قال إن القرآن ليس مخلوقًا، "الله يخليك، معلش، لا نريد أن نراك في هذه الفترة."
طيب، هو هنا ماذا يفعل؟ هو هنا الدولة تبنت اتجاهًا فكريًّا. هل تعلمون لماذا؟ لأن المعتزلة، الذين كانوا، خذ بالك، هنا في كارثة، كان هناك جماعة المعتزلة الذين كانوا أصحاب الفكر وأصحاب الوعي في مرحلة معينة في الدولة العباسية، رموا أنفسهم في أحضان السلطة. بدءًا من عصر الخليفة المأمون، وهم الذين فرضوا على الخليفة المأمون فكرة خلق القرآن هذه. وبعد ذلك بدأت الفكرة، السلطة تتبناها حتى سيأتي المتوكل ويلغي: "قال لك: ما هذا الكلام الفارغ الذي تفعلونه هذا؟ ما هذا الكلام؟ لا يوجد شيء اسمه معتزلة." "ما اعتزلوا." حتى يقول لك: "ترك العمل بالعقل تمامًا. لا يوجد أي شيء. لا أحد." لا يوجد. سنرى هذا الكلام الآن.
المتوكل وإلغاء الجدل الفكري
إذًا، الدولة تقول: "الدولة هذه التي تفكر أنني لو كان عندي أسير قادم، أسأله عن إطار الاتجاه الفكري قبل أن يأتيني." لا يجوز. المتوكل سيأتي ويقول شيئًا لطيفًا جدًّا الآن. سيقول: "فأمر بترك النظر والمباحث في الجدل وترك ما كان عليه الناس في أيام المعتصم والواثق والمأمون. وأمر الناس بالتسليم والتقليد، وأمر شيوخ المحدثين بالتحديث وإظهار السنة والجماعة." لا توجد فلسفة. لا توجد اتجاهات فكرية. لا توجد معتزلة. "أغلقنا. انتهينا. جبرنا."
"سنة وجماعة." أي كتالوج؟ الكتالوج الذي يرسمه من؟ الدولة أيضًا ترسمه بفقهاء السلطة التابعين لها. طيب، هنا في ناس نحن لا نتحدث عنهم الآن، الناس التي تعيش الآن في البيوت وفي الأحياء وفي المدن، وهؤلاء الذين يعيشون طوال الوقت، ماذا يريدون؟ "اليوم، إلى أين يتجه الأمر؟ واليوم، إن شاء الله، معتزلة أم ليسوا معتزلة؟ اليوم، خلق قرآن، ونحن معكم كما تريدون." صناعة خوف.
سقوط الكندي الفيلسوف
الكندي، الذي كان منذ قليل يؤلف كتابًا للمعتصم ويقول له هذا الكلام اللطيف، انظر ماذا سيفعل المتوكل به الآن. "فصار متهمًا في دينه." بدأ شيئًا فشيئًا، المصادر تقول لك نفس الشيء، يقول لك: "ورويدًا رويدًا زالت حظوة الكندي، فصار متهمًا في دينه، ونُعت بأنه ساقط المروءة. حتى وصلت التهمة بأنه قد همَّ أن يعمل شيئًا مثل القرآن. وأُقصي من عمله في ديوان الخراج على يد المتوكل حتى مات منعزلاً في بغداد." هذا الذي كان يملأ السمع والبصر قبل ذلك أيام الخليفة المأمون، اليوم مات ولم يجد من يهتم به.
حظر كتب الفلسفة والكلام
السؤال هو: "هل الفلاسفة كلهم أو المفكرون كلهم أو من لديه طرح فكري محترم في هذه اللحظة سيستطيع أن يقدمه؟" النتيجة: وفي سنة تسع وسبعين ومئتين هجرية، نودي في بغداد: "ألا يقعد على الطريق منجم، وألا تباع كتب الكلام والفلسفة." ووصل الأمر بأن الوراقين حلفوا: "ألا يبيعوا كتب الكلام والجدل والفلسفة."


 انت النهارده عشان تفتح رخصه محل النهارده بتعمل كاميرا على الباب بتعمل مش عارف كام متر بره فالمجلس المدينه بيديك الايه الرخصه فانت زمان عايز تشتغل رخصه وقوني عن راجل بتاع كتب يلا احلف كده انك انت مش هتبيع كتب فلسفه خلاص يلا افتح يلا اشتغل الص دي حاله حاله خطيره جدا طيب اه واحد الناس برض اللي تم محاكمتهم فهو في المحاكمه بتاعته بيقول كلمه جميله قوي بيقول له ايه والله انا قد بعت كتب الفلسفه والنجوم والكلام الفلك يعني

تصحيح لغوي وتدقيق نصي للندوة
يُرجى العلم بأن التصحيح اللغوي التالي للندوة يهدف إلى تحويل النص إلى لغة عربية فصحى سليمة، مع الحفاظ على المعنى الأصلي دون حذف أو اختصار، ومراعاة علامات الترقيم، وإزالة الأرقام.
والكلام، وما عندي سوى كتب الفقه والحديث. أنت تسأل: ما فعلت بهذه الكتب؟ هل أحرقتها أم بعتها؟ تعالى الآن، ما الذي دفعك لبيعها؟ ألم نقل إنه لا يوجد بيع لكتب الفلسفة؟ هذه نصوص ثابتة كلها ترسخ صناعة الخوف من العقل، الخوف من الفكر؛ لأن الفكر أو العقل لو خفتُ منه، فإني بذلك أقتل حركة الإبداع، وبهذا أستطيع السيطرة على هؤلاء الناس بسهولة جداً.
حتى أن خليفة جميلاً جداً اسمه القادر قال: "أأنتظر لأبحث عن الفلاسفة وغيرهم؟ لمَ لا نبدأ صفحة جديدة؟ سنجمع كل هؤلاء المفكرين وسنُجري لهم ما يُسمى استتابة". نعم، ستُستتابون كلكم من جديد. سنحلف أولاً فيما بيننا ألا أحد منا يعتنق الفلسفة لنطمئن لبعضنا. فاستتاب القادر بالله أصحاب كل هذه الاتجاهات الفكرية كنوع من المراجعات السياسية الموجهة من السلطة، وغيرهم من أصحاب المقالات المخالفة لما يعتقده أهل السنة. وهنا أقول كلمة "أهل السنة": أي سنة، وأي أهل سنة؟ ستكتشف حضرتك أن كلمة "أهل السنة" هذه متغيرة بتغير التاريخ، متغيرة بتغير السلطة، متغيرة بتغير التفسير المقدم من الفقهاء المحيطين بالسلطة. من هم أهل السنة اليوم؟ لن تجدهم هم أهل الغد، ولن تجدهم هم أهل بعد الغد. ستجدهم أيام الدولة الأموية يختلفون عن الدولة العباسية، يختلفون عن المماليك مثلاً، يختلفون عن الفاطميين. الفاطميون لم يكونوا سنة أصلاً، كانوا شيعة. طيب، أهل السنة المعارضون للحكم الفاطمي الشيعي، من هم أهل السنة؟ يا تُرى من يعمل في البلاط الفاطمي وهو سني ويقبل بالحكم الفاطمي، هل هو سني حقاً؟ ستجد الموضوع جدلية تلوها جدلية، أي أن المؤامرة كلها ماذا؟ كل هذه النصوص وكل هذه الأمور كلها اتهامات لأناس يعملون بالفلسفة، وأناس يعملون بها.
سنجد أن كل هذه النصوص – وأنا سأُحشد عشرات النصوص – تدل على أن هذا الرجل كان يعمل بالفلسفة. أحد الناس الذين حوكموا محاكمة شنيعة جداً، لأنه قُبض عليه، ولما دخلوا يفتشون بيته وجدوا عنده كتب فلسفة في البيت. ابتسم في الأخ الكبير، أو احذر في الأخ الكبير، فهذا يعني أننا رواد في هذا الموضوع منذ زمن طويل. نحن طول الوقت – حتى عندما كنت أقرأ رواية "ألف وتسعمائة وأربعة وثمانون" – فكرة الصحافة المعينة، والكتب المعينة التي يقرأونها، والجرائد المعينة التي يقرأونها، وفكرة إعادة كتابة الجرائد مرة أخرى ليقدموها للناس. أنا أرى أن هذا قد رأيته ورصدته بالفعل في فترات كبيرة جداً في التاريخ الإسلامي. رصدته في فترات طويلة جداً من علاقة السلطة بالمجال العام، السلطة بالناس، السلطة بالفقهاء. رأيت هذا بالفعل، نماذج لمن يتعمق في قراءة التاريخ وتحديداً التاريخ الإسلامي سيجد كل هذه الإشكالات. حتى أن لديك خوفاً من بعد أن تموت. لقد ذكرت لحضراتكم في بداية حديثي أنه كان هناك نبش للقبور. هل تعلمون أن الطبري، هذا المؤرخ الكبير جداً، توفي سنة ثلاثمائة وعشرة هجرية، في القرن الرابع الهجري؟ بعد أن مات، والناس قد جهزوه ليدفنوه، فقد انتهى أمره. كل ما يطمع فيه هو أو أهله الآن هو مكان يُوارى فيه، وزمان ليس كاليوم، أي ليس مدفناً ورخاماً، بل مجرد قطعة أرض يُدفن فيها، ويُوضع عليها التراب. تجمهر الحنابلة على باب بيت الطبري: "ممنوع أن يُدفن، لن يُدفن". لماذا؟ وهذه حادثة ثابتة لا تحتمل التأويلات. الطبري صنف الفقهاء والمحدثين، وقال إن أحمد بن حنبل محدث وليس فقيهاً. هذه كل جناية الطبري! بالطبع، كان لديه مشاكل كثيرة وبلايا أخرى ليست موضوعنا، لو كنا نتحدث عن شيء خاص بالقراءة التاريخية إن شاء الله في محاضرة أخرى يمكن، أما اليوم فأتكلم عن المشهد الأخير: الرجل مات خلاص، يحتاج الدفن. فتجمع العوام على باب الطبري، وممنوع الدفن. "لا دفن اليوم". لماذا يا عم الحاج؟ هل نسيتم أن الطبري هذا عندما ألف كتاباً في الفقهاء وقال إن ابن حنبل ليس فقيهاً، وقال عنه محدثاً فقط، أينفع ذلك؟ فالناس، أتباع الطبري، تحايلوا وجاءوا في الظلام وأخرجوا الطبري ليدفنوه.
بدأ بعض عوام الحنابلة يرون ذلك، فخرجوا يدفنون الطبري. الحقوا! وبالطوب بدأوا يقذفون جنازة الطبري حتى استطاع الناس بصعوبة أن يذهبوا لدفنه. هنا يُحل نمط مهم جداً في الحادثة. دلالتها ماذا؟ دلالتها أنهم قذفوا عليه بعض الطوب، وذهبوا لدفنه. لا نقولها، ولكن دلالة الموضوع هي توظيف العوام في إرهاب الآخر. يعني حضرتك، لنفترض أنك كنت تسكن في مدينة نصر أيام ما يسمى اعتصام رابعة. لو دخلت مدينة نصر في اعتصام رابعة وقلت لأي أحد: "لمَ لا نتناقش مع بعض؟" أي أحد من الموجودين بالداخل: "طب، الآن، لو افترضنا أنكم تقولون إن مرسي لديه شرعية، وهو استطاع أن يحافظ على شرعيته..." سيحدق بك هكذا: "مرسي؟ يا دكتور، سيأتي...". سيضربك على رأسك ويفتحها. لن يعرف أن يتكلم، لن يعرف أن يتناقش معك. "مرسي كان يصلي بالأولياء أمس واليوم يأتي..." فلا يوجد، يعني هنا كانت الحكاية هذه موجودة: العوام والدهماء، كيف أستطيع توظيفهم في إرهاب الآخرين؟ والمخفي؟ تعرفون أيام الدولة الإخشيدية، أراد كافور الإخشيدي أن يُرمم كنيسة. أراد أن يُرمم كنيسة. العوام خرجوا وبدأوا يُضخمون موضوع الكنيسة. قال: "يا جماعة، ليرفع الأمر للحاكم الإخشيدي، وليرفع الأمر للفقهاء حتى لا يحدث شيء". والناس، أيها الفقهاء، الأمر ليس موجوداً فقط في التاريخ الإسلامي، بل موجود في جزء كبير جداً في تاريخ البطاركة، تاريخ البطاركة. فقالوا لهم: "ليرفع الأمر للفقهاء ليشاهدوا". فالفقهاء كلهم قالوا: "لا، ممنوع وحرام". بالمناسبة، هذا الرجل لم يكن يريد أن يبني كنيسة، بل كان يريد أن يُرممها فقط. ففقيه واحد فقط قال إنه يمكن ترميمها. ما الذي حدث؟ كل العوام تجمعوا أمام بيته، ودغدغوا بيته! دمروا بيته بالفعل، لأن الرجل قال فقط إننا يمكن أن نرمم الكنيسة. في مشهد لطيف جداً أيضاً كان في بغداد أيام الدولة العباسية. كل هذه اللقطات الصغيرة، الكتاب الذي أعمل عليه هو كتاب "صناعة الخوف"، وهو كتاب كبير، وفيه مشاهد كثيرة جداً، وفيه مراحل تاريخية متنوعة، ولكنني أحاول أنتقي بعض اللقطات الصغيرة لأطرحها على حضراتكم. ويمكن أن أستفيد أكثر إن شاء الله في النهاية. في بغداد، في الصراع بين السنة والشيعة، والمشاكل بين الطرفين، السنة والشيعة، بدأ يظهر منصب جديد اسمه منصب السعاة. منصب ماذا؟ السعاة. ما معنى السعاة؟ كلمة ساعي معناها أنني سني، والأستاذ شيعي. أنا سلطة، والأستاذ معارضة، أو العكس. فوليد تابعي، أنا ساعي العين الخاصة بي التي تأتي بالأخبار التابعة للسلي. ومحمد تابع إبراهيم، يقول له: "ماذا يحدث؟" وبدأ العوام يفتتنون بالموضوع، أعجبهم الموضوع كثيراً، مثل أهلي وزمالك. فأصبح هناك "ألتراس" لهذين الاثنين بالفعل. أصبح هناك "ألتراس" لهذا الساعي. الساعي الأول اشتهر، اشتهر هذان الساعيان في العراق، واحد اسمه فضل وواحد اسمه مرعوش. اسمه هكذا: اسمه فضل، والثاني اسمه مرعوش. سيرهب الناس كلهم هناك. كانوا يجوبان بغداد ليعلما الأخبار، وكان أحدهما ساعي السنة، والآخر ساعي الشيعة. واحد تابع السنة، وواحد تابع الشيعة. وحسب ما تحدثت النصوص، يقولون ماذا فعلوا؟ أصبح الناس الذين كانوا يتعصبون لهم، الذين هم "الألتراس" الخاص بهم، كانوا من سقط الناس وسفلتهم، الذين ليسوا العوام فقط، بل ما دون العوام أيضاً، الذين هم – لا أريد أن أقول "بلطجية" لأن "بلطجية" مصطلح تاريخي مرتبط بالدولة العثمانية، وهذا شيء آخر لنضبط المصطلحات – ولكن الناس يقولون من سقط الناس وسفلتهم، ولهج الناس بهم وتعصب لهم. الناس بدأت تعمل لهم "ألتراس". واحد مع مرعوش، وواحد مع كذا. ويمكن في حادثة لطيفة جداً أن قاضي قضاة بغداد، قاضي قضاة بغداد بحاله، تعرفون كم هو منصب خطير! في يوم من الأيام، كان يسير على بغلته أو حصانه، فدخل في محلة. كلمة "محلة" معناها مكان. وهذا المكان بالصدفة كان للشيعة، وهو غير معروف، كان متنكراً. رجل يسير يتنزه يريد أن... فدخل في هذا المكان. فجأة، لجان شعبية، خمسون رجلاً دخلوا عليه: "مساء الخير، عسى ألا يكون شرا؟". قال لهم: "فضل". "أو مرعوش؟". قالوا له: "أنت تابع من؟ مرعوش أم فضل؟". فقال لهم: "أنا لا أفهم، ولكن رويداً رويداً". "أنت تابع... شكلك ستتعبنا". هذه بالفعل حادثة حقيقية حدثت. فأنتم رأيتم فيلم "حسن ومرقص" لما كان عادل إمام جالساً في الجامع، فقال له رجل: "يا مولانا، الدين يقول ماذا؟". فجلس وقال: "هو هكذا". فقال له: "نحن في أي مكان الآن؟ أنت تستهبل؟ تسألني سؤالاً كهذا؟ نحن في أي مكان الآن؟". قال له: "نحن في مكان كذا". فقال لهم: "نحن في محلة مرعوش". قال لهم: "مرعوش" بالطبع. فقال له: "عندما سمع العيار الشيعي هذا الحديث، قال له: "امش يا أيها القاضي في ستر الله، امش أيها القاضي في ستر الله"". بعد ذلك عرف: "في ستر الله؟ امش، ربنا يسترك". هل سألهم؟ لم يسألهم. لم يقل لهم: "نحن في أي مكان الآن؟" قال لهم: "أنتم تستهبلون؟ نحن في أي مكان الآن؟". بالطبع، مرعوش هو...
ما أقوله الآن هو أن مجرد شخصين فقط، واحد تابع لهذه الجماعة أو هذا الفصيل، وواحد تابع لهذه الجماعة أو هذا الفصيل، استطاعا أن يُكوِّنا قوة من العوام. إذاً، كان العوام يُستخدمون في إرهاب المخالفين، كما رأينا في حادثة دفن الطبري، وكما رأينا هنا، وكما رأينا في أشياء كثيرة جداً. كان العوام يُستخدمون لإرهاب المخالفين. وبالمناسبة، هؤلاء العوام أنفسهم هم أيضاً خائفون. لماذا؟ لو أنني اليوم فقيه شيعي أو فقيه سني، أقول لهؤلاء العوام كلهم: "لو سمحتم، اذهبوا واضربوا أحمد سامر". سيذهبون ويدمرون بيت أحمد. أنا هكذا صنعت الخوف لأحمد سامر، وهم أيضاً تحركوا بريموت الخوف؛ لأنهم لو لم يسمعوا كلام فقيههم هذا، سيدخلون جهنم أو لا. إذاً، القصة كلها مرتبطة ببعضها البعض، فكرة صناعة الخوف. طيب، حتى الخوف من المعارضة. السلطة تخاف من المعارضة، هل معنا وقت؟ والسلطة تخاف من المعارضة، ولأن السلطة تخاف من المعارضة، فلا بد أن تُرهب المعارضة وتُخوّف المعارضة. وسنكتشف من ضمن الخلاصة والخلاصات التي سأتكلم عنها في نهاية المحاضرة أن السلطة في سعيها الدائم لصناعة الخوف كانت تتخلص من خوفها هي شخصياً. السلطة في التاريخ الإسلامي، في صراعها، في رحلتها نحو صناعة الخوف، هي شخصياً خائفة من المفكرين فتخوّفهم. خائفة من الناس فتخوّفهم. خائفة من... سنرى، خائفة من المتصوفة فتخوّفهم. وسنرى مع المتصوفة. دعوني أذكر لحضراتكم بعض العقوبات التي استخدمت في فترة التاريخ الإسلامي. بعض العقوبات المستخدمة، يعني عندما أجد مثلاً المصادرات. هذه لطيفة وسهلة. "أنت ليس لديك شيء؟ سآخذه منك وخلاص. يا عم، احمد ربنا، أنت هكذا مئة بالمئة. انظر فقط، الثقيل قادم. قطع الأرزاق. أنت تعمل، إتلاف أدوات المعاقب ومحل عمله. أنت لديك دكان صغير، سأخربه لك وخلاص. أنت ستلتزم لكي لا تفعل ما فعلته بعد ذلك. الضرب، الجلد، قطع الأعضاء. خذ بالك، الثقيل قادم. لا، أنت متضايق من ماذا؟ السمل، وسمل العيون، وإحداث العاهات المستديمة، قطع اليد. بالمناسبة، نحن لا نتحدث عن نمط عام. لا نتحدث عن كتالوج هكذا مطبق من واحد من اثني عشر هجرياً مثلاً. طبعاً هذا الكلام لم يحدث إلا في الدولة العباسية بالمناسبة. لا نتحدث مثلاً عن شيء حدث من مئة واثنين وثلاثين إلى ستمائة وستة وخمسين. هذه أشياء كانت تظهر، ولكنها كانت موجودة ومعبرة وتحصل وتخوّف وتندرج تحت بند صناعة الخوف. الجمع بين قطع اليد والرجل، هو حد الحرابة. قطع اللسان أو بعضه، يعني خذ قطعة صغيرة، أو ممكن تذهب أنت هكذا وأنت صامت. جدع الأنوف، وقلع الآذان، الخصاء، وجب العضو الذكري، سمل العيون وكحلها، اقتلاع الأسنان والأضراس. تعرف عندما تذهب لطبيب أسنان ويعطيك بنجاً ويقلع لك... هذا على الحقيقة! دق القصب في الأصابع وأسفل الأظافر، نعل الرجل في قدميه بالحديد كالدواب. تعرفون الحصان عندما يُسمر... هذا في رجليه هكذا. هذه عقوبات موجودة، ونصوصها التاريخية موجودة. وبالمناسبة، أي أحد من حضراتكم يريد كتابات كاملة في... يعني أنا عندي طالب، رسالة الدكتوراه الخاصة به موجودة عندي، تتحدث فقط عن العقوبات فقط. من يريدها، أرسل له نسخة بصيغة بي دي إف، أرسلها له بمصادرها. ونحن لا نقول كلاماً لا نقف خلفه.
أحرار! تعالى الآن لـ معاذ الكساسبة وداعش. لم يأتوا بشيء! الناس، بالمناسبة، كانوا بريئين جداً. داعش في سياقها الأعم، هم أناس يطبقون كتالوجاً، ناس حتى لم يجتهدوا بصراحة. الناس يفعلون ما هو موجود. الذي حدث هو عندما يأمر الشيخ الفلاني بأن أحرق الشاب الفلاني. يعني عندي حادثة مثلاً أن واحداً أُمسك مع واحدة، واحد مسيحي أُمسك مع واحدة مسلمة في نهار رمضان في الدولة المملوكية. كانوا يحرقونهما هما الاثنين! لا يفرقون شيئاً. كانوا يشربون خمراً، وهي كانت تجلس معه، تُحرقان، تُشعلان فيهما النار فوراً. الإحراق، التلويح على النار. يعني هو يُشوى خفيفاً هكذا لكي... نعم، خفيفاً خفيفاً. نصف السواء. الشاي هذا، وهذا يؤلم. إحراق الأطراف. نحن سنحرق لك يدك فقط لكي تضبط نفسك. النفخ بالكير. ليس النفخ العادي، بل النفخ الساخن. فيصبح منتشياً هكذا. التعليق معتدلاً. هذا ليس مشكلة كبيرة. أعلقه وهو واقف هكذا. التعليق منكساً. الدكتور وليد مصف يلعب في الهاتف، لا أعرف لماذا. فأنا سأعلقه منكساً. التسمير أو الصلب. الرجم، الشنق، الخنق، الذبح، ضرب العنق، الخوزقة، منع الطعام والشراب حتى الموت. شيء، يعني عقوبة التجريس أو التشهير. أن آتي به وأجلسه على حمار بالمقلوب وألفه وأفضحه في البلد. هو هنا ماذا يفعل؟ يخوّف. يخوّف أن... دلالة فكرة أن أعلقك وأنت ميت، ما هي هذه الدلالة؟ كنت قبل أيام أشاهد فيلم "الصمت"، مبشرون ذهبوا إلى اليابان لينشروا الدين المسيحي. رأيتموه؟ كنت أراه في السينما. فهم، لكي يعاقبوا بعض أتباعهم الذين وافقوا على دعوتهم، صلبوهم هم الثلاثة وعلقوهم حتى تعفنت أجسادهم. وهم، خلاص، قدموا رسالة لكل الموجودين: "لا يوجد شيء اسمه...". لدرجة أن المبشر نفسه في نهاية الفيلم سيدخل في السلطة التي مع الجماعة اليابانيين، وسيتركون المسيحية تماماً، وستنتهي القصة هذه تماماً تماماً، ولن يكون مسيحياً، وسيرتد عن المسيحية. وآخر مشهد في الفيلم، بعد أن مات الرجل وجلس هناك سبعين سنة أو ما إلى ذلك في اليابان، وهم يحرقونه خلاص، هو طلب ذلك. فالمخرج أظهر يده صغيرة جداً، وهي داخل الصليب، ولكن داخل يده هكذا، وأغلق عليه. إذاً، صناعة الخوف. نفس هذه القصص تحدث. إذاً، أنا لو كان عندي رغبة في أن أعارض، لو كان عندي فكرة أو تخيل أن أفعل معارضة، وأرى شخصاً معلقاً، وأرى شخصاً لا أعرف ماذا سيفعلون به، المشكلة ليست مشكلة. أنا هكذا دخلت في إطار صناعة الخوف الذي اتفقنا عليه منذ البداية. المؤامرة التي اتفقنا عليها منذ البداية أيضاً.
سأجد بعض النماذج اللطيفة جداً في التاريخ الإسلامي. يمكنني أن أكتفي بنموذجين فيهما لأني لا أملك الوقت لأقول أشياء أخرى. نموذج الحشاشين ونموذج تيمورلنك. نموذج الحشاشين ونموذج تيمورلنك. هؤلاء الحشاشون ماذا؟ سأروي لكم حكايتين عن الحشاشين لو سمحتم. دعوني أروي لكم الحكاية الأولى. الحشاشون هؤلاء جماعة ظهرت، كانوا أتباع واحد اسمه الحسن الصباح. بالمناسبة، أريدكم في النهاية أن تقولوا: الحسن الصباح، وحسن البنا، وجماعة هنا لا أعرف ماذا. ستجدون تشابهاً كبيراً جداً، كما ستجدون تشابهاً بين سيد قطب وابن تيمية تماماً. نفس الآراء ونفس الأفكار، حتى كل الاقتباسات وكل الفقرات التي رجع لها في كتاب "معالم على الطريق"، انظروا، ستجدونه أخذها من كتب ابن تيمية. حتى الرجل سُجن عدة مرات، وهذا سُجن عدة مرات. هذا لم يتزوج ولم تكن في حياته امرأة، وهذا لم يتزوج ولم تكن في حياته امرأة. هذا سيخرج من سجنه إلى قبره، وهذا سيخرج من سجنه إلى قبره. فيهم تشابه غريب، كما سيكون هناك تشابه أيضاً بين حسن البنا وحسن الصباح. الحشاشون. الحسن الصباح أنشأ فرقة اسمها فرقة الحشاشين. أقام في قلعة اسمها قلعة آلموت. هذا الرجل أسس لنمط غريب جداً. جمع مجموعة من الناس، ولكن ليس أي ناس. يعني لا يصلح أن تأتي بواحد مثقف أو متعلم أو شيء. لا لا. هم من ضمن تعاليمهم يقولون لك: "لا تلقِ بذورك في بيت فيه نور". هذا يعني ماذا؟ أنك لا تأخذ واحداً متعلماً أو حتى لديه أساسيات ليكون متعلماً وتأخذه عندك. لا، خذ الضائعين تماماً. الضائعين اقتصادياً، الضائعين فكرياً، الضائعين. اجمعهم وابدأ في تدريبهم.
الحكاية تقول ماذا؟ الأولى تقول إن الحسن الصباح كان يأتي بالرجل، لنفترض أن الدكتور وليد هذا أحد الفدائيين، الذين يسمونهم الفدائيين، لأنه سيفعل أعمالاً فدائية بعد ذلك. حتى المصادر التاريخية تقول إنه أراد أن يثبت لبعض الناس الذين جاءوا ليزوروا قلعته قوته، فقال للرجل: "لو سمحت، ألقِ بنفسك من الجبل". فقفز من الجبل في ثانية، ليدخل الجنة فوراً. فالحسن الصباح أنشأ كياناً كبيراً جداً من الحشاشين. القصة تقول ماذا؟ وموجودة في كتاب ماركو بولو، رحلة ماركو بولو، تقول إنه أنشأ جنة مصغرة في هذه القلعة. جنة مصغرة: نهر صغير من العسل، نهر صغير من الخمر، بعض الجواري اللطيفات، بعض لا أعرف ماذا، كل ما يرغب فيه موجود. جمع هذه الجماعة كلها، نعم، وأنشأ لهم جنة مصغرة. وكان يأتي بالرجل الطيب هذا أمامه، ويشربون حشيشاً حتى يناموا. هذه قصة. سأخبركم قصة أخرى بعد ذلك، ليست هذه هي الحقيقة التاريخية. وبعد أن يشربوا حشيشاً حتى يناموا، يحملونه هكذا، بعد أن يفقد الرجل وعيه تماماً، يذهبون به إلى الجنة. الجنة التي صنعها هو بيده، جنة جاهزة. سيمكث ثلاثة أو أربعة أيام يستمتع تماماً. وبعد أن ينتهي مما يريده هناك، يسقونه حشيشاً حتى يناموا، ويجلسونه أين؟ أمام الحسن الصباح. كما لو كان يقول له: "يا عم، هل شردت مني؟ إلى أين ذهبت؟" فيقول له: "شردت ماذا يا عم؟ ذهبت ثلاثة أيام. كان هناك غلام هناك، حصل... لا، أنا هناك دخلت الجنة، وكانت جميلة جداً". فيقول له: "لا لا، أنت لم تدخل الجنة ولا شيء. أنا فقط جعلتك تتخيل أنك دخلت الجنة. ولو سمعت كلامي، سأجعلك تعيش في هذه الجنة للأبد". "ماذا تريد؟ اذهب واقتل أحمد سامي. اذهب واقتل صلاح الدين الأيوبي". وصل به الحال أنهم في صراعهم مع صلاح الدين الأيوبي، كان هناك صراع طويل جداً، دخلوا ووضعوا له في خيمته كعكاً ساخناً. خذ بالك، هو قادم من قلعة آلموت في فارس، وقطع مسافة إلى معسكر صلاح الدين، وصنع له كعكاً ساخناً. هل تعرفون ما معنى "ساخناً"؟ معناها: "نحن قريبون جداً منك. معنى أننا صنعناه ساخناً أننا صنعناه وطبخناه في معسكرك. نحن قريبون جداً منك، لذا اضبط نفسك لو سمحت". كان العالم الإسلامي كله في هذه الفترة في رعب من جماعة الحشاشين هؤلاء. هذه القصة الأولى، قصة الحشيش والأشياء اللطيفة هذه.
القصة الثانية، وهذه الأهم، وهي الأفضل حقيقةً. وهذا هو ما تفعله داعش تماماً. وهي فكرة أن الحسن الصباح كان رجلاً – بالمناسبة، الحسن الصباح هذا سأخبركم شيئاً مهماً جداً – كان صديقاً لعمر الخيام ونظام الملك الطوسي. واحد أصبح فيلسوفاً، وواحد أصبح شاعراً، وواحد أصبح فيلسوفاً وشاعراً، وواحد أصبح رجل سلطة، معلم سياسة، والثالث أصبح إرهابياً. الثلاثة معاً. ويمكن لي مقال سينزل في جريدة بعد بضعة أيام عن هذه الحكاية: كيف أن الأصدقاء الثلاثة في الطفولة تربوا معاً، وواحد منهم سيصبح إرهابياً، وواحد منهم سيصبح شاعراً وفيلسوفاً، وواحد منهم سيصبح سياسياً. نظام الملك الطوسي قصة كبيرة. الحسن بن الصباح كان رجلاً ليس سهلاً. عمل بشكل جيد جداً. أنا أزعم أنه كان أحد كبار علماء النفس في تلك الفترة. عمل على عقول الناس، فكرة غسيل الدماغ. كيف استطاع أن يعيد تشكيل الوعي؟ فكرة الجنة. اليوم، حضرتك عندما ترى شخصاً قادماً من أوروبا، يتقاضى بالدولار أو لديه جواز سفر أمريكي مثلاً، وقادم إلى سوريا لكي يقاتل، هل هذا يحتاج إلى مال؟ لا يحتاج إلى مال. هذا لديه مشكلة في الخواء الروحي. لديه عقل تلاعب به. لديه أشياء كثيرة جداً. إذاً، الموضوع ليس اقتصادياً ولا شيئاً. فالحسن الصباح لعب على هذه النقطة، وبالفعل استطاع استخدام الحشاشين في إرهاب المجتمع الإسلامي كله. يريد أن يُرهب المسلمين ويغتال قادة مسلمين؟ حسناً. يريد أن يغتال حتى أحد كبار الأمراء الصليبيين؟ وما المانع؟ من يدفع أكثر؟ فرقة مرتزقة استُخدمت ووظّفت لإرهاب العالم الإسلامي. توظيف وصناعة الخوف.
أيضاً تيمورلنك. تيمورلنك هذا، بالمناسبة، قد يكون كثير منكم يسمع عنه، ولكن ربما كثيرون لا يعلمون أنه كان مسلماً. كان مسلماً. وكان رجلاً، وبلغت لطافته وظرافته وشياكته أنه بنى مئذنة. هل تعلمون من أين بناها؟ هل أحد؟ نعم، من جماجم الناس. صنع مئذنة لطيفة من الجماجم. لم يأتِ ببعض السيراميك، ولم يأتِ ببعض الفسيفساء. بعض الجماجم. جمجمة جميلة كبيرة هكذا في البداية، جمجمة صغيرة فوق موجودة. وموجودة في مصادر تاريخية. حتى ابن خلدون، الناس يحبونه ويعظمونه ويعشقونه – لا أريد أن أقول اللفظ لأن هناك تصويراً – كان يتحدث مع تيمورلنك هذا، كيف يعني؟ وكان يحاول أن يقترب منه، كيف يعني؟ وهذا بالفعل يحتاج إلى دراسة كاملة أو مقال كامل عن فكرة علاقة ابن خلدون بتيمورلنك، أو حتى بالسلطة عموماً. فبنى تيمورلنك مئذنة من رؤوس القتلى الذين قتلهم. يريد أن يبعث رسالة صناعة الخوف. يريد أن يصل. هيا، نريد أن نُرهب هؤلاء الناس لكي نعرف أن نعمل، لكي نعرف أن نؤسس لنظام حكم جديد. فقال عندما بعث رسالة لما اقترب من مصر: "والحمد لله، لا أريد أن أقول الكلام الذي هو الشعارات أو لا أريد أن أقول الكلام الذي يمكن للناس أن تقول عني...". ولكن بالفعل طول الوقت التجربة المصرية في مقاومة الغزوات الخارجية كانت تجربة ممتازة جداً. هذا حدث في أيام دولة المماليك، أيام قطز وأيام هولاكو. وهذا سيحدث اليوم، سترون شيئاً مهماً جداً الآن. المصريون يقولون عنهم إنهم أناس لا قيمة لهم. سترون ماذا فعلوا في هذا الكلام. في أيام الدولة المملوكية، بعث تيمورلنك رسالة إلى السلطان برقوق يقول له: "اعلموا أن جند الله..." رجل إرهابي الذي يقتل ويذبح في الناس، هو أيضاً وظف كلمة "الله". وظفها أيضاً، لم يتركها. "اعلموا أن جند الله مخلوقون من سخطه، ومسلطون على من حل به غضبه". نفس المشهد، ولكن باختلاف ما قلته لكم في البداية أن السلطان هو ظل الله في الأرض، ولكنها بتطرف قليل بداعش قليل، حتى بعد قليل لأبي بكر البغدادي: "هو خط ما، خط لا نرق لشاكٍ ولا نرحم لباكٍ. قد نزع الله الرحمة من قلوبنا، فالويل ثم الويل لمن لم يكن من حزبنا ومن جهتنا. قد خربنا البلاد..." وهنا ماذا يفعل بك؟ يهددك وهذا يخوفك. يخوفك. "...وييتم الأولاد، وأظهرنا في الأرض الفساد، وذلّت لها الأعزّة. فخيولنا سوابق، ورماحنا خوارق، وسيوفنا صواعق، وقلوبنا كالجبال، وجنودنا كالرمال". هو هنا يصدر الخوف، يحاول أن يصنع رعباً في المجتمع المصري في هذه اللحظة. وأسر أحد السلاطين العثمانيين ووضعه في قفص، كان يسير به. وأي ضيف يدخل عليه يقول: "تعال أُريك شيئاً جميلاً". يُخرج له السلطان في القفص ويريه. الله! السلطان يخوف الناس. يخوف.
أول حاكم مصري في هذه اللحظة كان موجوداً، فرج بن برقوق. برقوق كان قد مات، وجاء ابنه فرج بن برقوق. فبعث فوراً رسالة إلى تيمورلنك قال له: "انظر! رجل حاكم، غلبان وخائف على نفسه من أن يضعه تيمورلنك في قفص، وأيضاً بجانب زميله الحاكم الآخر". فقال له: "نحن عبيد في مقام الطاعة والانقياد بعد إذنك، يعني. فإذا تجاوز السلطان الأعظم عن جرائمنا..." هم لم يفعلوا شيئاً. يقول له: "نحن سيئون". تعرف عندما يقول طفل صغير: "أنا سيء"، لكي يصالحه. فيقول لك: "لو تجاوز السلطان الأعظم عن جرائمنا، فإننا لن نهمل في أن نقصر عن أداء وظائفنا، الذي يريده، وإطاعة الأوامر، وإظهار الخضوع، وسنفعل كل ما هو ممكن وما قدرنا عليه لإرضاء خاطركم الشريف ومشاعركم السلطانية". ليست السلطانية التي كان مرسي يرتديها، بل السلطانية يعني السلطان. "انظر، ما تريده معك بنفرين، يعني. ولكن لو سمحت، ارضَ عنا". لا علينا، عفواً.

المثير هنا جداً أن المصريين، لأن تاريخ الشعب المصري في الحقيقة لم يُكتب بشكل منصف، لم يرضوا بهذا الموقف المهين. كان المصريون يجلسون ليلاً في المقاهي، فسمعوا الخطابين: الخطاب الذي أرسله تيمورلنك، والخطاب الذي أرسله فرج بن برقوق إلى تيمورلنك. نفس المشهد حدث من قبل، لم يرضَ الشعب بهذا الموقف المهين. فثاروا ضد فرج بن برقوق وعزلوه وقتلوه بعد ذلك نتيجة هذا الخطاب المهين الذي أرسله. إذن، هنا أيضاً أريد أن أقول لكم نموذجاً بأن ليست كل الشعوب تخضع لصناعة الخوف. وليس كل الشعوب تخضع لصناعة الخوف، والمصريون في مرحلة معينة من مراحل التاريخ دلّلوا على أن هذا ليس... لقد تجاوزوا فكرة الخوف من المغول وتجاوزوا فكرة الخوف من تيمورلنك.
حتى يمكننا الدخول في إطار سريع، لكي... في إطار آخر: أنا خوفتك من السلطان، وخوفتك من العقل، خوفتك من الممارسة السياسية، خوفتك من المعارضة. فربما تذهب إلى البيت الآن وتحاول أن تختلي بنفسك وتحاول أن تستمتع بروحك، أي أن تتصوف، يكون لديك اتجاه صوفي. لا، هذا أيضاً لا يصح. خوّف أيضاً من التصوف. وهو موضوع كبير ويحتاج إلى محاضرة أخرى للحديث عن الحلاج وعن التصوف ومحنة التصوف في التراث الإسلامي، وخاصة في الفترة العباسية والفترة التي تليها. ستجد دائماً الفقيه مع السلطة يُحدثان محناً. هل تعلمون حتى؟ يمكن أن تكتشفوا أن القهوة الجميلة هذه، ك... لم تكن موجودة. هذه القهوة عندما ظهرت لأول مرة، حرّموها. ستجد أنه في الدولة العثمانية، عندما اختُرعت الطباعة، حرّموها. قالوا: "كيف؟ القرآن يدخل في المطبعة؟ يمكن أن يكون كلام الله حراماً. لا يصح هذا!". أريد أن أقول لكم أن السلطان العثماني في مرحلة معينة، ويمكن لي مقال كتبته من قبل عن هذا الموضوع، التصوير. وهذا سنراه في نهاية المحاضرة. التصوير، ليس تصوير الكاميرا كهذه، بل الرسم. في هذه الفترة كان حراماً، الفقهاء حرموه. فالسلطان العثماني، الذي يُفترض أنه حارس للدين والبروتوكولات والقواعد هذه، لا يصح التصوير. حرام، ممنوع. وهو نفسه يريد أن يُرسم من داخله هكذا، نفسه أن يُرسم. فصنع مكاناً سرياً، لا يعلم عنه أحد شيئاً غيره هو والفنان الذي يُسمى "نقّاش خانة". فيأتي بالفنان ويجلس معه ويقول له: "من فضلك ارسمني، ولكن لا تقل لأحد". ويبدأ الفنان في الإبداع في رسم السلطان العثماني، والسلطان العثماني يرى الرسمة: "الله!". وبعد أن ينبسط ويستمتع هكذا من الرسمة، ماذا يفعل؟ لا، يقتل الرسام. يقتل الرسام! نعم، نعم. لم يتركه! نقول هذا في النهاية، أما الآن فأتحدث لحضرتك عن التصوف. كان التصوف أيضاً، لأن التصوف هو شكل من أشكال التحرر، ولكن تحرر ماذا؟ الروح. كما كانت الفلسفة تحرر العقل، والمعارضة تحرر الوظيفة والأداء السياسي وتفاعله مع المجتمع، كان التصوف أيضاً فكرة تحرر الروح. دعوني أعطيكم نموذجاً واحداً فقط. وبالمناسبة، أكثر من دعم التصوف بصراحة ووقف بجانب التصوف كان صلاح الدين الأيوبي. والسهروردي، الذي هو أبرز المتصوفة، قُتل على يد صلاح الدين الأيوبي في عصره. صحيح؟ انظر إلى الازدواجية، انظر إلى التناقض. الحلاج مثلاً، هذا رجل، هذه قصة كبيرة جداً. يكفي ما كتب وما كتبه سينون وغيره عن الحلاج، عظيم جداً. الحلاج، تعرفون الحلاج، لن أحكي لكم حكايته خاصة، سأخبركم فقط بمشهد النهاية. بعد أن أُخرج من حبسه وجُلد جلداً شديداً، المصادر تقول هكذا، والكتب تقول هكذا. كل هذه المصادر موجودة، أي أرسل له بها قائمة كاملة. وصُلب حياً حتى فاضت روحه إلى بارئها. "خلاص، انتهى. لقد جلدناه وتركناه، ومات خلاص. شكراً جزيلاً". يعني، "هل نأتي لنحمله وندفنه أو حتى نتركه مصلوباً؟ لا بأس، لن نخسر. هذه الخشبة ما زلنا نؤجرها منذ يومين أو ثلاثة، ليست كثيرة". وفي اليوم الثاني، قُطعت رأسه. يعني بعد أن قتلوه، في اليوم الثاني قطعوا رأسه من على الصليب. وليس هذا فحسب، بل أُحرق جثمانه. "لمَ لا يكفي ذلك؟" ونُثر رماده في نهر دجلة! "نحن حتى خائفون من رماد هذا الرجل! ما هذا؟" ولو أنتم... وبالمناسبة، كان الحلاج الذي اتُهم بالكفر، وكالعادة صدّق فقيه على الموضوع. تعالوا انظروا من أول معاوية بن أبي سفيان عندما قتل حجر بن عدي الكندي، وحتى الحلاج، وحتى داعش عندما تقتل، الكل يجب أن يوقع فقيه في النهاية، يجب أن يمضي على الموضوع. جناية علاقة الفقه بالسلطة جناية كبيرة جداً. إذاً، هذا هو الخوف أيضاً من ماذا؟ الخوف من التصوف، الخوف من تحرر الروح. سأقول آخر شيء أيضاً، معذرة، فكرة الخوف من الفنون. الخوف من الفنون. حتى الإبداع والفن كان هناك خوف منهم طول الوقت. تحريم الفن طول الوقت؛ لأن الفن أيضاً هو باب كبير جداً من أبواب تحرر الروح. حتى قال أحد المفكرين: "إن الفن تَمَّ للدين، ولكن مشكلة الدين أنه ابتُلي بالكهنوت، والفن الحمد لله لم يُبتلَ بالكهنوت".
ابن تيمية، هذا رجلنا الكبير، الذي نأكل عيشاً بسببه الآن، الحمد لله. لم أكن أعلم كيف كنا سنفعل بدون ابن تيمية. الحمد لله. نعم، ابن تيمية قال لك: "المعازف خمر النفوس، تفعل بالنفوس أعظم مما تفعله حميا الكؤوس، وأن من اعتاد سماع الغناء واغتذى به لا يحن لسماع القرآن" وأشياء كثيرة. ابن القيم الجوزية، تلميذ ابن تيمية النجيب طبعاً، قال: "فإنه رقية الزنا وشرك الشيطان". ما هذا! وأنت عندما تذهبين يا سيدتي لتسمعي حفلة لعمر خيرت، انظري كيف تكونين! تطيرين. فما علاقة الشيطان والزنا والخمر... "ويصد عن القرآن أكثر من غيره من الكلام الباطل لشدة ميل النفوس إليه ورغبتها فيه". انظروا هنا ماذا! أليس هذا صناعة خوف؟ أريد أن أخوّفك من الموسيقى. انظر ماذا يقول! هو حتى وجه الاتهام ووجه الكسرة في نفس الجملة. قال: "لشدة رغبة، شدة ميل النفوس إليه ورغبتها فيه". يعني هو يعلم أن الناس تميل جداً لسماع الموسيقى، ولأنها تميل، فلا بد أن أخوّفهم من مجرد الميل هذا. ويمكن لداعش حتى أنها أخذت هذا الكلام. داعش هذه محترمة. الناس تأخذ الكلام وتطبقه، تجتهد، الحمد لله لم يجتهدوا، يعني لم يحاولوا أن يجودوا. فهم أخذوا كتجميع، وأي مكان دخلوه جمعوا كل معدات الموسيقى والآلات الموسيقية والطبل والأشياء، وأشعلوا فيها النيران. وبدأوا يصنعون موسيقاهم هم الآن. نعم، صليل الصوارم. حتى المصريون، هذا الشعب المصري يا جماعة شعب أنا منبهر به، وأنا مصري طبعاً، ولكنني منبهر بأدائه طول الوقت. المصريون في اليوم الثاني على التوك توك: "صليل الصوارم"، وبدأوا يشغلونه في التكاتك. وتجد الشاب يسير، ولكن دخل فيه الجزء الذي هو: "المؤثرات الصوتية الخاصة بالتكاتك هذه"، تعرفون؟ "صليل الصوارم". نعم. فداعش ماذا فعلت؟ بدأوا يلغون ويدمرون كل الموسيقى ومدارس الموسيقى وحرقوا كل الأدوات الموسيقية. خذ بالك، خذ بالك يا سيدي، هم أخذوا كلام من؟ ابن تيمية. وبدأوا يؤلفون بعض الأناشيد الموسيقية الجميلة. "أنتم لا تريدون موسيقى؟ نريد لكي تكونوا مبسوطين هكذا، ومال؟" هدف جميل. وسنسمع موسيقى ماذا؟ الموسيقى: "قريباً قريباً ترون العجب، صراعاً رهيباً، وسوف ترى بعقر ديارك تكون المعارك لأجل دمارك، حسام براً". يعني لكي، أنا السيف الخاص بـ "لأجل دمارك حسام براً" معناها السيف. حسام براً يعني يسن، يلمع، لطيف هكذا، وعشرة. هو لم يسن إلا ليدمر حضرتك. خذ بالك. هذه هي الأغاني. "بأشباح ليل وفتيان هول وتفجير ويل لكي يتحرر". يعني هذا الرجل، هذه الموسيقى التي يؤلفها لكي ماذا؟ لكي يشبع روح الناس الذين هم ماذا؟ فالشاب منهم جالس يسمع: "تصدق أنا شبح!". الذي يقول: "هذا هو الله". ويسمع ويكون سعيداً جداً. فهذه هي الموسيقى البديلة عند داعش، تطبيقاً لقول... وأيضاً التصوير، الرسومات، البروت... يعني أي أي أي أي شيء فيه إبداع، أي شيء فيه رسم، أي شيء فيه، كل هذا لا بد أن أفرض عليه صناعة خوف.
آخر مشهد سأذكره لحضراتكم في محاضرة اليوم هو أيضاً داعش، لأني أرى أن فكرة هذه المهنة موجودة هذه الأيام، الموضة اللطيفة لتجديد الخطاب الديني. وهذا في الحقيقة هو موضة. يعني، رئيس الدولة قال: "يا جماعة، نريد أن نجدد الخطاب الديني". فبدأ الأزهريون في اليوم التالي، وبدأ الناس الفقهاء في اليوم التالي: "صباح الخير، إن شاء الله اليوم خطاب ديني بإذن الله". نعم، صحيح. "كيف كنا ساكنين حتى تجديد الخطاب الديني؟ يجب أن نجدد". فنأتي بأبواب الكتب. الأزهر هذا فيه فصل عن شيّ لحم الأسير. خذ بالك! كما كنت أقول لكم قبل قليل: "لا، دعوا الشيّ هذا. دعوا الشيّ هذا. دعونا في الأخ الذي كتب الخوزقة، ليست سيئة، ليست سيئة". وكان عندما رئيس الدولة، وهذا كان بالمناسبة سابقة، أن أي سلطة سياسية تقول: "هيا، لنفعل تجديد خطاب ديني". طول الوقت السلطة السياسية تريد الخطاب الديني الموجود والمكتري. فالرجل قال لكم: "هيا، لنفعل تجديد خطاب ديني". فيلا صباحاً إن شاء الله، تجديد خطاب ديني، تجديد الألفاظ، تجديد الكلمات، ولكن المضمون نفسه مستحيل. وأي أحد سيعتمد على فئة معينة لتجديد الخطاب الديني، مستحيل أن يحدث؛ لأنها فئة معجونة في فكرة صناعة الخوف أصلاً وفكرة تخويف الآخر.
طيب، لو تتذكرون حضراتكم في ليبيا، الواحد والعشرين مصرياً الذين ذُبحوا في ليبيا. كان رجل واقف يذبحهم. ففي بداية المشهد أو الفيلم، الذي يرجع لحضراتكم الفيلم، يقول ماذا؟ "رسالة موقعة بالدماء إلى أمة الصليب". موقعة بالدماء. أيضاً صناعة الخوف. "رعايا الصليب من أتباع الكنيسة المصرية المحاربة. الحمد لله القوي المتين، والصلاة والسلام على من بُعث بالسيف رحمة للعالمين". لم يكن في زمان بالسيف هذه. "طيب أنت وضعتها؟ المهم. أيها الصليبيون، إن الأمان لكم أمان". كلمة "إن الأمان لكم أمان" هذه، ماذا أفعل؟ أنا أهددك. يقول لك: "ابقَ ابني لو أحسست بالأمان". هذا ماذا؟ أليس هذا خوف؟ أليست هذه صناعة خوف؟ هذا قادم من هذا الرفض. هذا مجرى تاريخي كبير جداً مصنوع بالخوف ومعجون بالخوف وفكرة إقصاء الآخر.
لمَ لا آتي وأرى ابن تيمية ماذا فعل وماذا قال؟ الرجل الذي نقول لكم إننا نأكل عيشاً بسببه هذا. يقول ماذا؟ "لتعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك. فإن الله سبحانه وتعالى بعث الرسل وأنزل الكتاب ليكون الدين كله لله". بعد ذلك يقول لهم ماذا؟ "لا بد أنك تُكره على دفع الجزية، وتُكره المرتد على العودة للإسلام، وتُكره من أسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة". يعني ليس فقط ماذا؟ أنت أيضاً ستُكره المخالف في مذهبك. "لا تكاتبوا أهل الذمة". مصطلح أهل الذمة في المصطلح التاريخي يعني غير المسلمين من أهل الكتاب. "لا تكاتبوا أهل الذمة فتجري بينكم وبينهم المودة". إياك أن تكون بينكم وبينهم مودة. "وأذلوهم". هذا نص موجود في كتب ابن تيمية. يعني أنا اليوم يا جماعة، عندما أجد أن الأزهر كل يوم رسائل ماجستير ودكتوراه عن ابن تيمية. ابن تيمية هو ابن عصره. ابن تيمية هذا كان طفلاً لطيفاً هكذا وهو جالس في البيت وجد المغول افتحوا بيته وقتلوا أهله، وأبوه حمله على كتفه وهو طفل صغير وهاجر وهرب. أأتي بالنصوص التي قالها ابن تيمية في عصر كهذا وأطبقها اليوم؟ اذهبوا إلى الأزهر هكذا، ستجدون أن ابن تيمية هو رقم واحد في كل الدراسات وكل الأفكار، هو الملهم بالنسبة لهم. طيب، لماذا؟ لماذا عندما أجده يقول لك: "لا تكاتبوا أهل الذمة فتجري بينكم وبينهم مودة، وأذلوهم". وبعد أن أمرنا بإذلالهم بكل حنان ورقة وطيبة، يقول لك: "ولا تظلموهم". يعني ماذا؟ "أذلوهم على الخفيف"، يعني "لا تظلموهم".
آخر كلمة سأقولها: "لا يجوز لمسلم أن يؤجر أو يبيع أي دار أو منفعة لذمي غير مسلم؛ لأنه سوف يدق فيها النواقيس، وسيعلن فيها بالباطل. ولكن من الممكن أن يؤجر لهم في حال واحدة فقط: ممكن أن تؤجر لواحد، يعني هذا ابن تيمية يقول، في حالة نيتك تخويفهم ورعبهم وإذلالهم فقط". فقط! يعني أنت هذا الرجل، فتأتي صباحاً هكذا، وهناك نكت بالمناسبة ولكن ليس مكانها الآن عن هذه الأشياء. تريد أن تأتي برجل ذمي هذا وترعبه؟ حسناً. تخوّفه؟ صناعة الخوف هذه. تُذلّه؟ لا مشكلة. خلاص، إذن أنا هكذا. إذن أنت هكذا تمام. أجّره عادي. كل ما قلته هذا لا يمثل جزءاً كبيراً جداً مما أحاول أن أقوله في الكتاب الجديد إن شاء الله. هو فكرة صناعة الخوف في التراث الإسلامي أو في التاريخ الإسلامي. وقد بات واضحاً أن فكرة صناعة الخوف كانت أحد أهم أدوات السلطة في السيطرة على المجال العام وعلى الجمهور. كانت أيضاً أن تكون مفكراً، أن تكون مبدعاً، أن تكون معارضاً، أن تكون مشغولاً بالشأن العام. لا بد طول الوقت أن أُشغلك بعدو داخلي، عدو وهمي. أُشغلك حتى بنفسك، حتى بمشاكلك. لو لم يكن لديك عدو داخلي، لم يكن لديك مشاكل هكذا تقول: "سنة وشيعة ومسيحي ومسلم" وهكذا. لا، ممكن أن أُشغلك حتى بتفاصيل يومك، بتفاصيل... لا، ممكن حتى أن أخوّفك وأنت داخل الحمام بقدمك اليسرى أو قدمك اليمنى. ممكن طول الوقت يجب أن أحاصرك لكي أضمن أنني أبقى جالساً مرتاحاً، بتوقيع ورعاية "سبونسر" من الفقهاء في فترة طويلة جداً من فترات التاريخ الإسلامي. أشكر حضراتكم، وأرحب بأي مداخلة من [تصفيق] حضراتكم.
فرح نعيشه جميعاً بشكل موروث، ونشعر به، ويسير معنا مع التسلسل الزمني حتى الفترة التي نعيشها. هناك جزء متجذر من ثقافتنا، من ثقافة الخوف التي ورثناها نتيجة أن لكل منا عقيدة معينة، أو أن الدولة بدأت تجسدها بشكل ما على مراحل تاريخية مختلفة. طيب، سأطرح السؤال الأهم الآن: كيف أقاوم ثقافة الخوف هذه؟ وأريد للموضوع ألا يكون مجرد خلق معارضة لمقاومة السلطة. الفكرة هي كيف أحرر الفكر عندي من فكرة وتشويه. هناك أيضاً ما لم نتحدث عنه، مثلاً دخول محمد مكة، وكم قتل من المعارضين ومن انتقدوه قبل ذلك في بداية الدعوة وغيره وغيرها طبعاً من الحوادث المشابهة. فسؤالي يعني: هل هذا يعني من أثر صناعة الخوف علي أنا شخصياً؟ هل كانت تساعد، مثلاً، سلطة الأب وتضخمها مثلاً في الدين الإسلامي، هل كانت تساعد في الخوف الذي كان ينشأ والسيطرة التي كان يقوم بها السلطان؟ ففكرة صناعة الخوف هي كل البحث عن الشكل السياسي في الخوف. والحقيقة، لكي نكون منصفين، هذا لم يكن حكراً على التاريخ الإسلامي فقط. يعني في نفس الفترة هذه، سنجد كيف تعامل المغول مع كل البلاد التي غزوها. كانوا يبعثون هذه الرسالة بأنهم حتى بعد أن تصبح الدولة أو البلد تحت سيطرتهم، يتم القتل بشكل عشوائي، ويتم بقر بطون الحوامل وحرق المدن. يعني بغداد كانوا يقولون أنهم قتلوا ألف ألف، لدرجة أن النهر كان مقفولاً بالجثث. وكذلك الإسكندر الأكبر، نفس القصة. البلد التي كانت تقف أمامه وتحاربه كان يُعطش بها المسلمين الذين هم المورسكيون. المورسكيون في الأندلس عندما تم تحريرها من الغزاة العرب، فإن المسلمين الذين احتفظوا بدينهم أيضاً تعرضوا لممارسات فظيعة عليهم، مثل محاكم التفتيش في أوروبا. فالحقيقة أن هذا لم يكن حكراً فقط على التراث الإسلامي.
لكن المشكلة أين الآن؟ المشكلة أن لا أحد من اليونانيين أو المقدونيين يحاول استحضار الإسكندر الأكبر. ولا أحد من الأوروبيين يحاول استحضار تجربة الطارقة أو رجال الكهنوت. نفس القصة، المغول أو المنغوليون اليوم لا يحاولون استحضار رعبهم. هم يعتزون بتاريخ جنكيز خان جداً، كما نعتز بتاريخنا سواء المحلي كمصر القديمة أو التاريخ في المنطقة. المسلمون يعتزون بتاريخهم لدرجة أنهم يحاولون استحضار التجربة التاريخية في العصر الحالي. يعني فكرة المطلقة وفكرة الأنسنة، لدرجة أنهم يخشون في تدليس. تنظر عندما يأتي أحد، يعني يسهل عليه أن يقول أن هذه فترة تاريخية وخلاص وشكراً. لا يصح أن نأخذ من هذا الرسول، لكن هذه المشكلة أو أنا أُشفق عليه، وفي نفس الوقت يحاول أن يُمرر ويحاول أن يُشرعن ويحاول أن يُؤنسن مذبحة بني قريظة مثلاً. أصل انظر، الجاسوس في فترة الحرب. هذه الفكرة مشكلة. المشكلة ليست كامنة فقط في التاريخ الإسلامي أو كامنة في السيرة الإسلامية أو كامنة في النص الديني، بقدر ما هي كامنة في العقل المسلم الحالي الذي يحاول استحضار تجربة كهذه. وشكراً.
طيب، أشكر حضراتكم على المداخلات القيمة طبعاً. أستاذي الفاضل في بداية المداخلات سألني وقال لي: كيف نقدر أن نقاوم ثقافة الخوف؟ بالوعي. يعني نحن نقدر أن نقاوم ثقافة الخوف بالوعي. كيف؟ يعني طول الوقت ثقافة الخوف تحاول أن تضيق الوعي. يمكن أنني قلت لحضرتك كان هناك تهمة بالفلسفة في الدولة الإسلامية، تهمة بالتصوف في الدولة الإسلامية. إذاً، ما نحن فيه اليوم ونحن نتكلم ونفكّر التاريخ إلى آخره، فهذا أهم شيء من مقاومة ثقافة الخوف. دعني أقول لحضرتك مثلاً أنت في فترة مثلاً إسلام البحيري وقبل إسلام البحيري، وبغض النظر عن اتفاقك أو اختلافك معه، أو كيف تقيّمه، ولكن يعني صار لنا فترة، صار لنا عدة سنوات، بدأنا نكسر بالفعل في تابوهات كبيرة كانت موجودة، وكان هناك خوف أصلاً من أن تقترب منها. فهذا خلاص، بدأت تقاوم ثقافة الخوف هذه. أنا وظيفتي، أنا رجل تاريخ، جئت وبدأت أحاول أن أساعد حضرتك في أن نبدأ في مقاومة ثقافة الخوف من النصوص التاريخية هذه أو من التراث هذا. زميلي الآخر المتخصص في منطقة أخرى، أو الذي لديه وعي في منطقة أخرى، والتخصص ليس شرطاً أن يكون تخصص دراسة، يعني تخصص اهتمام، سيستطيع أن يساعدك في كسر حاجز الخوف من شيء معين، وهكذا. إذاً، ثقافة الخوف لا تقاوم من وجهة نظري إلا بالوعي. وهذا ما نفعله اليوم، نحن في حالة من حالات مقاومة ثقافة الخوف.
طيب، كل الأسئلة الفاضلة بعد ذلك، يمكن لا، أولاً السؤال عن سلطة الأبوية. صحيح؟ سلطة الأبوية وسلطة الأب. دعني أقول لحضرتك أن هذه السلطة موجودة في التراث العربي منذ أيام القبيلة. شيخ القبيلة الذي يحكم القبيلة كلها، وهو يأخذ مخصصات أكثر من أي أحد، ولديه تهمة مهمة جداً موجودة في التراث القبلي. ما هي؟ تهمة الخلع. تهمة ماذا؟ الخلع. يعني لنفترض أننا قبيلة من القبائل الآن. أنا كشيخ قبيلة من حقي أن أخلع حضرتك من القبيلة. أخلعك يعني معناها ماذا؟ الخلع مع أن تكون خليعاً أو فتُطرد من القبيلة وتذهب من القبيلة وتذهب في الصحراء. والله لو نجوت من السباع ونجوت من الأسود الموجودة في الصحراء، ستذهب إلى أي قبيلة أخرى، ستكون اسمك "لصيق" أي "لاجئ". وهذا اللصيق، الشعراء شبهوه في الكتب الشعرية الموجودة في الفترة التي سبقت الإسلام، شبهوه بأنه كان مثل الجمل الأجرب المطلي بالقار الأسود. يعني الجمل الأجرب لكي يعلموا أنه أجرب في الصحراء، فيطلونه بطلاء أسود هكذا. فاللصيق هذا كان يُعامل هذه المعاملة في القبيلة. فلو كنت أنت ابن ناس في القبيلة، ولك وضعك الاجتماعي ووضعك الاقتصادي وتجارتك، وتشعر أنه لو لم يكن شيخ القبيلة راضياً عنك في أي لحظة – وهذا الكلام قبل الإسلام بكثير جداً – ستُتهم بهذه التهمة وهذا الموقف. فلا بد أن تسير في فلك من؟ طاعة. هذه هي ثقافة الطاعة. ثقافة صناعة الطاعة موجودة في فكرة القبيلة وفي هذا التراث البدوي منذ فترة كبيرة جداً.
دعني أكون صريحاً مع الأستاذ أحمد سامر. بالأمس، كنت أتحدث إليه في الهاتف، وهو رجل يعني توقع بشكل كبير جداً أن السؤال الذي طرحته حضرتك هذا سيُطرح. طيب، أنا اليوم قادم إلى صالون ثقافي، فلا بد لكي أكون قادماً إلى صالون ثقافي أن أؤلف لكم حكاية أو أقول شيئاً يرضي الجمهور لكي أبسطكم، أم أنا في بداية المحاضرة قلت أنا رجل جئت لأستفيد وأُفيد؟ أنا جئت لأخذ منكم محاور وإضافات. عملي طول الوقت بحكم التخصص أصلاً، ليس بحكم الخوف والله ولا شيء. عملي طول الوقت أنني رجل أحب أن أقرأ كثيراً جداً في منطقة الدولة الأموية والدولة العباسية والمماليك والفاطمية وهذه الأشياء. لدي كتبي فيها، ومكتبتي، ودراساتي، وأبحاثي فيها، وأشياء كثيرة. لقد ألفت خمسة كتب عن هذه المنطقة، عن هذا الوقت. فأنا متمكن من أدوات هذه الفترة. متمكن من أدوات هذه الفترة. فكرة أنني سأتطرق للفترة من قبل أبي بكر الصديق وفترة النبوة في المرحلة المكية والمرحلة، أوعدك أنني سأتطرق لها، وأوعدك أنها ستكون في بداية مدخل الكتاب. أوعدك. ولكنني يجب أن أكون قدها لكي أقتحمها. ليس قدها أنني خائف من الناس أو خائف أنني دكتور في الجامعة أو لا لا خالص. سأقتحمها، ولكن يجب أن أكون قدها. يعني فكرة "جئناكم بالذبح" مثلاً. بغض النظر عن أن هذه قد تكون حدثت بشكل كبير جداً وموجودة في العلاقة مع اليهود والعلاقة مع، ولكن سؤال: أنا عندما جئت لأحقق، وكثيرون جداً جاؤوا ليحققوا هذا النص، وجدوه غير مضبوط وغير موجود. طيب، أنا رجل لست متخصصاً في الحديث، لا أفهم في الحديث، ليست وظيفتي والله. طيب، أنا اليوم لكي أدخل وأقول في أول حتة في الكتاب هكذا: "لقد جئناكم بالذبح". طيب، أنا لا أريد واحداً أزهرياً لطيفاً يأتي ويقول لي: "أخرج لي ألف دليل أن هذا الكلام ليس...". يجب أن أقتحم هذه النقطة وهذه المرحلة وأنا لدي وعي بها، وأنا لدي قوة، وأنا قدها. ليس قدها خوفاً، بل قدها أكاديمياً. وهناك مشكلة عندنا كأكاديميين. أنا أعمل في الصحافة نعم، ولكن وظيفتي الحقيقية في الجامعة. هناك مشكلة عندنا، وهذه أيضاً ممكن أن تكون من صناعة الخوف الأكاديمي. يعني أنني لا أستطيع أن أكتب أي شيء إلا عندما يكون لدي مصادرها بالفعل، ولدي أو أستطيع أن أوثقها جيداً. لأنني عندما قلت في أول شيء في المحاضرة: "قلت لكم شيئاً، قلت لكم: لا أحد لديه شيء عندي". الذي سيسألني عن أي نص، سآتي له بعشرة مصادر بدلاً من مصدر واحد. أنا جالس وواثق في الموضوع وفي الكلام. أما أن أدخل في منطقة أدواتي ما زالت غير مكتملة فيها، فسأكون غير قدها.
فأوعدك بالفعل أن كتابي سيكون فيه يا أستاذ أحمد سامر، والصديق العزيز الآخر الذي سأل، أوعدكما أنه سيكون فيه جزء ومحور مهم جداً بعد الدراسة وبالفعل والتدقيق في هذه النقطة. الأستاذ أحمد سامر أثار نقطة مهمة جداً وفكرة الفتنة بالتاريخ. نحن مفتونون بالفعل بتاريخنا. ولكن أي تاريخ؟ نحن نرى الآن لو كنا نتصفح في الفيسبوك هكذا، ستجد لديك صديق سلفي، ولديك صديق يعني ليس بعيداً عن هذه المنطقة إطلاقاً. فتجد هذا لديه سلفه الصالح، وهذا بدأ ينزل صورة أخناتون، رجل عظيم، أمنحتب الرابع، ونفرتيتي، وهو يقول لك السلف الصالح. كل واحد لديه سلف صالح الآن. فنحن كلنا خلاص، أصبحنا في حالة من أيضاً من أننا نريد أن نصطدم ببعضنا. فنستحضر التاريخ. هل تعلمون، مرة دخلت عند صديق لي؟ بالفعل الناس تستحضر التاريخ الإسلامي فترة بشكل كبير جداً. لماذا؟ هذا تجديد جزء أيضاً مهم من تجديد الخطاب الديني. هو لديه خطيب كل يوم جمعة. والله اليوم، كنت جالساً قبل أن آتي، كنت أصلي الجمعة اليوم. فالشيخ الذي كان يخطب رآني جالساً، ولم أستطع أن أقف وأضربه مثلاً، أو أقف... لا يصح. أنا متخصص في التاريخ الإسلامي. وظيفتي متخصصة فيها. هو عامل لي كتاريخ إسلامي، المفروض مني أنني جالس هكذا وأهز رأسي. بالمناسبة، أنا لا أقلل بأي قدر من خطبة الجمعة أبداً. أنا أتحدث لك عن حالة عشتها اليوم. رجل يحكي لي حكاية تاريخية، وطالع يتكلم كلمتين، وكل الكلام خطأ. طيب، تخيل حضرتك لو قمت وقلت له: "لو سمحت يا فندم، الكلام الذي تقوله يا رجل يا متعين من وزارة الأوقاف، تجديد خطاب ديني، الكلام ماذا؟" ماذا سيحدث لي؟ سأُضرب ضرباً لم يحدث لي من قبل. يمكن ابنتي كانت معي، ولو كنت ضربته أمامك، سيبدو شكلي غير لطيف. فقلت: "ليس ضرورياً اليوم". إذاً، نحن بالفعل لدينا في الناس ولع بـ إعادة استحضار التاريخ الإسلامي.
عندما تأتي لترى حضرتك، أنا اليوم وأنا أدرس للطلاب، وهذه هي وزارة التربية والتعليم عندما آتي لأدرس للطلاب قصة عقبة بن نافع كقصة أساسية لكي يذاكرها الطالب ويمتحن فيها، أقدم له نموذجاً. ماذا؟ أنا لدي رجل عظيم جداً في تاريخ مصر، عظيم جداً بالفعل، أمنحتب الرابع، أخناتون هذا. وحكايته وفكرته وثورته على كهنة آمون، قصة كبيرة جداً. عندما آتي لأُعلمه قصة عن أمنحتب الرابع أخناتون، لا، أنا صنعت له قصة عن ماذا؟ عن عقبة. تعالوا لنرى عقبة بن نافع، مع كامل الاحترام لدوره التاريخي. تعالوا لنرى اللقطة الصغيرة جداً التي تتعلق حتى لو هو غيور بالفعل على الإسلام. تعالوا لنرى عقبة بن نافع ماذا فعل. عقبة بن نافع بعد أن كان يسير في فتوحات المغول، كلمة "الفتوحات" حسب ما استخدمت في المصطلح التاريخي، جاء على واحد اسمه كسيلة بن لَمْزِم. اسمه كسيلة بن لمزم. كسيلة بن لمزم هذا كان رجلاً من البربر، دخل الإسلام حديثاً، وكان رجلاً كبيراً جداً، لديه خبرة في قبيلته وفي عائلته وفي قومه. فأنا عندما ذهبت إلى الدكتور وليد، الدكتور وليد هذا هو كبير البلد الخاصة بهم. وأهنتُه أمام بلده. كيف ستكون نفسيته؟ عقبة بن نافع ذهب إلى كسيلة بن لمزم. يريدون أن يتعشوا، الجيش يريد أن يتعشى ليلاً، ومنعت الجيوش في هذه الفترة أن يحضروا الماعز ويذبحوها ويأكلوها. فكل واحد يقوم بوظيفته. فذهب عقبة بن نافع إلى كسيلة بن لمزم وقال له: "هيا، اعمل. اسلخ مع السلاخين". هو ليس هو، ليس برستيجيه. فقال له: "هؤلاء فتياني وعبيدي، ادخلوا". فقال له: "أقول لك، اسلخ مع السلاخين". فكسيلة قام وقال: "حاضر، من عيني". بدأ يسلخ. وخذ بالك، أنت اليوم عندما تعض شخصاً واحدة، كيف تفعل؟ تفعل هكذا. أحد يفعل ماذا؟ عندما توعد شخصاً، ماذا تفعل؟ أحد يرى، يتوعد تماماً. تفعل هكذا. صحيح؟ هذه حركة، أصلها الآن سأخبركم كيف جاءت. كان كلما يسلخ سلخة يضع يده في الدهن هكذا بين الجلد وبين، ويفعل هكذا وهكذا. فبدأ الناس العرب، وهو رجل مسلم مثلهم بالمناسبة، فقال له: "ماذا تصنع يا بربري؟" خذ بالك! فكرة إقصاء الآخر أيضاً، العربي والبربري. "ماذا تصنع يا بربري؟" قال له: "لا، لأنه مفيد للشعب". فرجل عجوز حكيم عربي، ابن ناس هكذا، ويفهم المهنة، فقال له: "كأن هذا البربري يتوعد". يفعلون هكذا. كيف عرفوا؟ "كأن هذا البربري يتوعد". وبالفعل، أقام ابن نافع بعد أن انتهى من المرحلة العسكرية الآن، وقطع شوطاً في نجاحاته العسكرية، فصرف الجيش لكي يأخذوا إجازة. توعد له، وكمن له كسيلة بن لمزم ومجموعة من قومه. وذبح عقبة بن نافع وكل الناس. هو هنا انقلب على من؟ انقلب على سلطة، أم انقلب على واحد؟ هذا نموذج، هو رجل بالمناسبة كان مسلماً. انقلب على سلطة عربية، على واحد... على سلطة، سلطة عسكرية. إذاً، أنا اليوم أقدم لابني الصغير قصة عقبة بن نافع. حضرتك جلست في مرحلة معينة هكذا، يمكن يا جماعة، بالله عليكم، لا تستهينوا بالكلمة التي سأقولها هذه. ألا ترون أن المرحلة معينة كانت أيام، كان هناك تمثيلية تُذاع تاريخية، تنظر تجد لاعبي الأطفال فيها سيوف، سيوفاً فكر. وابنك يريد أن يذهب ليشتري سيفاً. أنا لماذا لا أجعل ابني يذهب ويقول لي: "أريد أن أشتري زهرة اللوتس مثلاً؟" أنا قلت وكتبت من قبل أن تجديد الخطاب الديني يبدأ من الحضانة. يبدأ من الحضانة. أنا اليوم أقدم له النموذج، وأقدم له النموذج. رجل يركب خيلاً و... أو انظر، تجد أطفالاً في الحضانات، حتى في مدارس اللغات، حتى اليوم، يا جماعة، "نحن اليوم يوم البيتزا، اليوم يوم التونة، واليوم يوم...". فتجد الولد يضع عقالاً على رأسه، والبنت ترتدي لا أعرف ماذا، ومجوهرات من الدنانير والأشياء. ادفعوا اليوم، كل واحد منكم سيجمع خمسين جنيهاً، فأنا أخذت خمسين جنيهاً فكة لكي أشتري مجوهرات من الدنانير لكي تعطيهم ماذا؟ لكي تستحضر اليوم. فأنت تقدم له المثل وتقدم له النموذج. فهذا هو الإجابة على سؤال حضرتك: لماذا؟ ودائماً طول الوقت تستحضر التاريخ الإسلامي، أنك طول الوقت تضغط على الناس به. لم تقدم بديلاً. لم تعطهم بديلاً. لم تقل لهم خطبة الجمعة فكرة ثقافية محضة. لم تقل لهم عندما جئت تدرس لهم قصة في المدرسة وهم أطفال، لم تدرس لهم مثلاً أخناتون. لم تدرس لهم بطليموس. لم تدرس لهم كيف بُني معبد الكرنك. لم تدرس لهم كيف صنع المصريون الأهرامات. أنت درست لهم نمطاً واحداً، وبناءً عليه النموذج حاضر حتى الآن.
نعم يا فندم. أريد أن أضيف بعد إذنك، الخطورة ليست في استدعاء التاريخ الإسلامي، يعني هو الأزهر هو الديكتاتور. صناعة الديكتاتورية في أي عصر، في أي مكان. الخطورة في التاريخ الإسلامي أننا لا نستدعيه كتاريخ، فينفع أن تشكك في الأشخاص وفي قدرتهم. تستدعيه كسند من الإله، من الكهنوت، من أن هذا قادم بسلطة قرآنية وبسلطة نص ديني. فأنت، يعني، قصة أنك تنتقد هذا في غاية الصعوبة. لن تقول: "هذا مخطئ لأنه إنسان يخطئ ويصيب"، لأنه سيشهر في وجهك على الفور سلاح: "أنا قادم بنص قرآني". فصعوبة المسألة واستحالتها قادمة من هنا. تمام. فأنا يعني هم لا يستدعونها كتاريخ، وإلا لكانت سهلة جداً أننا بالفعل، كما تقول حضرتك، نبدأ نقول: أين تاريخنا نحن كمصريين؟ وكيف أن أطفالنا يعرفون الآن عن حاطب بن أبي بلتعة أكثر مما يعرفون عن أحمس. لكن القصة هي أنني لا أستطيع أن أقول لهم هذا؛ لأنه في النهاية سيقولون: "هذا كلام ربنا، الرسول قال". وستكون أنت شجاعاً جداً لو قلت: "لا يصح أن يكون هذا الكلام من ربنا". هي هذه خطورة المسألة. المناطق المضيئة جداً في هذه الفترة التاريخية، ولكن في النهاية الناس لا تستحضر. الخطاب الموجه للناس لا يستحضر غير العنف أو إقصاء الآخر أو التراث الدموي، ويُخفى بشكل كبير جداً تاريخ... يعني سأخبرك شيئاً. هل سمعت من قبل في التاريخ الإسلامي عن تاريخ مثلاً المهمشين؟ ستكتشف أن المصادر الإسلامية نفسها، أشهر كتاب تاريخ اسمه "تاريخ الرسل والملوك"، كان هناك مؤامرة لإقصاء حتى المهمشين والفقهاء وبكل إبداعاتهم وكل فنونهم. اقرأ كتب التراث الشعبي، وستجد أنه في مجال كبير جداً. الرحلة للكتابة التاريخية والوعي التاريخي في الحقيقة هي الأزمة. هي الأزمة التي ما زلنا ندور حولها. هي فكرة الخطاب الديني والخطاب الديني المرتبط بالتاريخ الإسلامي وكل هذه الأمور. وهي إشكالية لن تُحل. ولكن الحل الوحيد، كما نفعل الآن، سنُقيم حلقات من الوعي، وحلقات كل يوم نتحدث، نحاول أن نكسر في هذه التابوهات لكي نستطيع في النهاية أن نحاول أن نصنع شكلاً جديداً من أشكال الوعي غير الزائف. وأشكر [تصفيق] حضراتكم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة