يوسف زيدان (٤): التجليات الإيمانية والأنماط الإلحادية

يجد الكثير من المتابعين للمشهد العربي، والمصري على وجه الخصوص، أن الصراع أو الصدام الذي برز في السنوات الأخيرة على الساحة يتجلى في تضاد إيماني-إلحادي، على خلفية تنامي نفوذ التيارات الأصولية الإسلامية وصعودها خلال السنوات الأخيرة. هذا الصعود تجلى في إنتاج جماعات العنف الديني، وبالأخص العنف الديني الإسلامي السني، أبرزها وأعنفها جماعة "داعش" و"جبهة النصرة" في سوريا، وجماعة "الإخوان المسلمين" في العديد من البلدان العربية، وبعض الجماعات الإرهابية في غرب إفريقيا مثل "بوكو حرام"، وصولاً إلى ظاهرة "الذئاب المنفردة" التي ضربت العمق الأوروبي.  

إن ظهور الموجة الإلحادية كان سببه الأساسي، في نظر البعض، هو تنامي الأصولية الدينية في السنوات الأخيرة. لكن الحقيقة أن قراءة الظاهرة بهذا الشكل السطحي تبدو ناقصة، لأن مسألة الصراع أو التضاد بين الإيمان والإلحاد ليست جديدة، بل هي قديمة قدم الحضارة الإنسانية. حتى في أيام الأديان الوثنية، كان هناك من يُعرفون بالدهريين أو منكري وجود الأديان، رغم تعدد الآلهة في تلك الأديان. لكن السؤال هنا: هل هناك جسر أو رابط بين الإيمان والإلحاد؟ بعبارة أدق، هل عندما يزداد الإيمان يثبت الإيمان، أم يتزعزع؟  

الإمام الغزالي له مقولة شهيرة: "الشك أعلى درجات الإيمان". لكن الحقيقة أن الغالبية الساحقة من رجال الدين يتعاملون مع مسألة الشك والنزعة العقلية بميل إلى شيطنة هذا الفعل. البعض يرى أن التفكير العقلي لدى الإنسان هو تزيين من الشيطان، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتساؤلات المشروعة والطبيعية حول الوجوديات أو الكليات أو الإلهيات، وكأنها بمثابة الضوء الأحمر الذي لا ينبغي التطرق إليه.  

الحقيقة أن مسألة الإيمان والإلحاد ليست مجرد تضاد سطحي أو تجاذب يبدو في ظاهره تهافتًا. هذه المسألة تبرز بقوة لدى الكثير من الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي، مثل "يوتيوب" وغيرها. لنكن واضحين: الإيمان في حد ذاته قد يدخل في دائرة التساؤل. البعض يرى أن الإلحاد هو انقلاب، والبعض الآخر يرى أن الإيمان هو الانقلاب. بمعنى آخر، هناك من يعتبر الإيمان فعلاً إيجابيًا لأنه ينطلق إلى اعتناق فكرة، بينما الإلحاد فعل سلبي لأنه قائم على النفي، أي نفي وجود فكرة. هذا الصراع أو التنظير تجده دائمًا حاضرًا في النقاشات بين الفريقين: الإيماني والإلحادي. كل طرف يتحدث كأنه أساس الفكرة وأساس الواقع، فالإيمان يُعتبر دخيلاً على الفطرة من وجهة نظر البعض، بينما الإلحاد يُعتبر انقلابًا على الفطرة من وجهة نظر آخرين.  

[موسيقى]  
هل الإيمان في حد ذاته يجب أن يكون ذاتيًا؟ هل هناك إيمان موضوعي؟ وكذلك الإلحاد، هل هو تجربة ذاتية أم موضوعية؟ الإيمان له تجليات وصور متعددة، وكذلك الإلحاد له أنماط وأشكال متنوعة. هذا هو عنوان لقائنا الليلة: "التجليات الإيمانية والأنماط الإلحادية".  

قبل أن أعرج على تقديم ضيفنا الكريم، دعوني أشير إلى سؤال استنكاري تلقاه ضيفنا وتلقاه صالون "علمانيون": "كيف تجلبون هذا الضيف الذي طالما وجه انتقادات للعلمانية؟" الحقيقة أن من طرح هذا السؤال لا يعرف صالون "علمانيون" جيدًا، لأن "علمانيون" لا تتبنى العلمانية من منظور أيديولوجي، بل من منظور مفاهيمي ومنهجي. وأشهد أمام الجميع أنني أقول لشباب "علمانيون" والباحثين فيه: إذا أراد هذا المشروع أن يحقق شيئًا، فعليه أن يوجه انتقادات أكثر للفكرة العلمانية وللمشروع العلماني، أكثر من انتقاداته لخصومه، ولا سيما الأصولية الإسلامية.  

كذلك، من وجه هذا السؤال لضيفنا لا يعرف مرونته في تناول العديد من الأفكار والمفاهيم من منظور تاريخي وزماني، وتفنيدها دون الانطلاق من مواقف أيديولوجية أو مقولبة مثل "العلمانية تقول" أو "الديمقراطية تقول". هذا ما يميز ضيفنا، إلى جانب العديد من المزايا الأخرى.  

ضيفنا الليلة، تقديمه مرهق لأنه قد يحتاج إلى وقت أطول من مقدمة الصالون. فهو يُعتبر أحد أهم وأبرز رموز الفكر العربي المعاصر، ليس فقط المصري. له العديد من الأبحاث والدراسات والجولات في مجالات اللاهوت، الفلسفة، التصوف، الأدب، الاجتماع، والتاريخ. باسمي وباسم حركة "علمانيون"، أدعو حضراتكم للترحيب بضيفنا الكبير والكريم، الدكتور يوسف زيدان.  

[تصفيق]  
بالنسبة لمسألة السؤال الذي وجهه أحد الأشخاص بصيغة جميلة ومدهشة، قال: "أنت ذاهب إلى صالون علمانيون وتدخل في عقر دارهم؟" توقفت عند كلمة "عقر"، لأنني دائمًا أتساءل عن سبب شيوع هذا التعبير وانتشاره. من أين جاء؟ هل من العقل أم مما هو؟ هذا يحتاج إلى بحث. لكن بالطبع، رددت على أحدهم في الصفحة عندما قال شيئًا مشابهًا بصيغة أخرى، فقلت له: لا، نحن قد نختلف في الرأي، لكن هذا لا يعني إلغاء الاحترام أو التقدير لأحد. وسنعود إلى هذه النقطة في نهاية الحديث إذا أردتم، فقد تحتاج إلى شرح أكثر. أظن أنني أوضحتها بشكل كبير، لكن إذا أردتم، دعونا أولاً نتحدث عن هذه المسألة بعيدًا عن النظرة العامة.  

عندما تواصلوا معي، أين الأستاذ محمد بلال والأستاذ محمد أحمد؟ قلت: ماذا؟ سأتحدث إلى العلمانيين عن الإيمان؟ أن تكون علمانيًا لا يعني بالضرورة أن تقع في مواجهة مع أصحاب الاتجاهات الدينية. النظر في التجليات الإيمانية بالمعنى الذي سأتحدث عنه الآن هو نوع من التبصر والبصيرة. وفي الوقت ذاته، من زاويتي، أرى أن كل ما هو علماني – بين قوسين – أو ديني مخلص، هو في النهاية شكل من أشكال القوة المجتمعية التي لا ينبغي أن نخسرها في صدامات داخلية.  

ولعل بعضكم يتابع منذ سنوات عندما طرحت في مدينة طنجة المغربية الصيغة التي أعلنتها تحت عنوان "لا جدوى من الجدال الديني"، وشرحت مقصدي من هذا المبدأ الذي توصلت إليه بعد طول نظر وتفحص في الأحوال والتاريخ. موضوع المحاضرة، كما أبلغتهم، هو "التجليات الإيمانية والأنماط الإلحادية". لماذا نقول "تجليات" هنا و"أنماط" هناك؟ لأن الإيمان، في رأيي، سرٌّ ملفوف بسرٍّ. هو يبدأ بمجموعة أفكار غالبًا لا تستطيع اللغة التعبير عنها. إنها صورة الإله في ذهن المتخيل.  

المناطق وأهل اللغة مختلفون، سواء أكان الحديث يقيم التصور أم لا يرتبط بالتخيل. لكن دعونا من هذا الجدل. عندما نقول "الله" أو "God" أو "Dieu" بالفرنسية، أو غيرها، فإذا كنت مسلمًا نمطيًا، فهذا يعني أن الإله جامع بين المتناقضات: هو القابض الباسط، الرحيم القهار. هناك حل طرحه عبد الكريم الجيلي في كتاب "الإنسان الكامل"، حيث قال إن الألوهية غير الربوبية. الربوبية صفة مشتركة بين الله والإنسان، فنقول "رب البيت" مثلاً، أما الألوهية فهي صفة يختص بها الإله، لكنها تجمع بين الضدين.  

ما الذي ينفرد به الله في ذهن المسلم؟ قالوا: الأحدية، لأن الأحدية ترادف عنده لفظ القرآن "الصمد". هذه فلسفة صوفية لا تصل إلى معظم الناس. سيظل معظم المسلمين متوقفين ومستسلمين لفكرة أن الألوهية تجمع بين الأقدار. هناك نصوص قرآنية، مثل "يعطي ويمسك ويرزق من يشاء ويذل من يشاء"، وهكذا.  

ماذا لو كان الشخص يهوديًا؟ الكلمة التي تصف الله في الوجدان أو الوعي اليهودي هي كلمة عامية مصرية، لا أحب استخدامها الآن خشية أن نجدها غدًا منتشرة، لكنها تُعبر عنها بالفصحى بشيء غريب جدًا. الله في اليهودية "مفترٍ"، نسي نوحًا ومن معه بنص التوراة. لم يكن هناك بشر سوى نوح ومن معه، ومع ذلك "ذكر الرب نوحًا" بعد أربعين يومًا. بالطبع، سيرد البعض قائلاً: "وما كان ربك نسيًا"، لكن هنا يتعلق الأمر بالأعمال. ما تفعله ستُحاسب عليه، كأن الله هو المتولي لمسألة الحساب والعقاب والثواب.  

لكنني أتحدث الآن عن التخيل اليهودي للإله، وهو غريب جدًا. بحسب النص التوراتي، قصة الخلق التي نعرفها تتوازى مع القرآن إلى حد معين، لكن المشترك أنهم سكنوا الجنة وقال لهم: "لا تأكلوا من شجرة المعرفة". لماذا؟ هل يريد الله إنسانًا جاهلاً؟ في التوراة، هناك غلو قوي، إذ قال الرب في نفسه: "الإنسان قد أكل من شجرة المعرفة وصار عارفًا كواحد منا، فماذا لو أكل أيضًا من شجرة الخلود هو والمرأة التي جعلها معه؟" وحتى آدم التوراتي قوي، إذ قال للرب: "المرأة التي جعلتها معي هي التي أغوتني".  

هذه التصورات تُزرع لاحقًا أفكارًا مدمرة تتعلق بالأنوثة. لكنني أتحدث الآن عن التخيل الإلهي. لقد عرضت بعض الشيء، بحسب ما يسمح به الحال والمقام، في كتاب "اللاهوت العربي". لكن مقصدي الآن هو تبيان كيف أن تصور الإله يتفاوت بين الجماعات. لو ذهبنا إلى المذاهب الهندية أو الديانات الهندية، سنرى حالة السلام الكوني. ولو كنا بوذيين، مثل الدكتورة القادمة من الصين، سنرى حالة السلام السماوي الأعلى.  

في المسيحية، تصور الإله "غلبان" جدًا، يُضرب بسهولة. حتى في التوراة، في تسمية إسرائيل المعروفة، تجد أنه "اختنق" مع الله وتشاجروا بشدة حتى قال الله: "اتركني، الشمس ستطلع، باركني". قال له: "ما اسمك؟" قال: "أنت تعرف اسمي، يعقوب". قال له: "لا تُدعَ من اليوم يعقوب، بل إسرائيل، لأنك غالبت الله والناس وانتصرت". هذا كما يقول الشباب اليوم في المقاهي: "وش ده؟"  

هذا الوعي، المسكوت عنه غالبًا، يُعتبر سرًّا، والعلاقة به سرٌّ أيضًا. لماذا؟ لأنه، كما قال الصوفي الجميل نجم الدين الكبرى، هذه المسألة قد تحرج حضراتكم العلمانيين. لماذا أهتم بالتصوف؟ أظن أن الشام سيطرح هذا السؤال، وإن لم نطرحه اليوم، سأجلس معكم لاحقًا وأشرحه بالتفصيل. لكن عندي وجهة نظر: الله على عدد أنفاس البشر.  

في حديث صوفي خاص، يقولون إن العبد قد يذنب فيُدخله الله الجنة. يرى توبته أمامه حتى يدخل الجنة. في التصوف، لا داعي للخوض في السند والصحة وما إلى ذلك. الغزالي، يا أستاذ أحمد، أنا شاكك في العبارة التي نسبتها له. أين قالها؟ لكن لا يهم، المهم أن الصوفية لا ينبغي أن نقحمها في خزعبلات. في السنة، يقولون لك: "خلاص، لا تؤلم نفسك". الله يمنحنا أنك قد تجد طريقك إليه بذنب تفعله وتتضايق منه، فيجدك الله حيران، فيرحمك.  

في المعنى الصوفي، الله صورة أخرى. هو موجود في الأشياء، في المنظر الجميل، في الفتاة الحسناء. ابن عربي، مع النظام، والترمذي، والكيلاني، وغيرهم، يرون الله غير متعالٍ. ليس متعاليًا بالمعنى الإنجليزي، ليس بوحدة الوجود، بل بسطوعه في الكون، بحيث لا يوجد شيء في الكون يكتسب وجوده إلا باعتباره عارية من الذات الإلهية. هذه نظرية معقدة جدًا. لو جاءت فرصة وحولتم صالون "علمانيون" إلى صالون "صوفيون"، سأقدم لكم محاضرة عنها.  

لكن الآن، نقول إن جوهر الفكرة ليس غامضًا فحسب، بل مغلق على ذاته. طريقه مغلقة. حتى في حياتنا اليومية، يقول أحدهم: "صحوت من النوم وشعرت في قلبي بضيق لا أعرفه". أو كما يقولون: "قلب الأم"، أو "حصل لهم شيء لكنني لست مرتاحًا". "ربنا ينور بصيرتك"، كأن هناك ضوءًا يأتي عن طريق. كل هذا يتم في سرداب السر المحاط بسرٍّ. السر الأول هو تصور الإله، والسر الثاني هو الطريق إليه.  

ماذا عن "داعش" و"بوكو حرام" والذئاب المنفردة؟ هذه هي الصورة المعاصرة. لكن لو قارنت، ستجد أن "داعش"، بالنسبة للقدامى، تشبه القرامطة بعد انقلابهم على الفاطميين. "داعش" صنعت ويلات رأيناها بإخراج هوليوودي. القرامطة، مساكين، لم يصنع أحد لهم شيئًا، لكن تخيلوا أنه في سنة 318 هـ، لم يبقَ طفل أو امرأة أو رجل على جبل عرفة، قتلوهم جميعًا بملابس الإحرام. وبعد ذلك، حتى عهد العزيز بالله، لمدة حوالي 60 أو 80 سنة، لم يكن هناك حج. لم يكن هناك حج لأن البدو كانوا ينهبون الحجاج في الدولة الضعيفة التي لا تستطيع حماية القوافل. فكيف إذن؟ يا رب، جعلنا البيت مثابة للناس وأمنًا؟ كيف العبرة بعموم اللفظ؟ هنا تأتي الحيل الفقهية.  

إليك النص المصحح باللغة العربية الفصحى مع مراعاة علامات الترقيم والسلاسة دون حذف أو اختصار:

إنما تُظهر الأقوال والوقائع أن تنظيم "داعش" و"القرامطة" هما من يثيرون الفتن. فكيف يمكننا القضاء عليهم؟ ليسوا الأربعة هم من يُسببون المشكلة، بل هناك قضايا تتعلق بعلي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. وبالنسبة لموسى الأشعري، فقد كان رجلاً بسيطًا جدًا، ولم يكن يعرف الكثير، بل كان مريضًا أصلاً، فلم يُقتل ولم يخرج للصلاة. وكذلك عمرو بن العاص، الذي كان ماكرًا، لم يخرج للصلاة أيضًا، بل استغل سلطته. أما معاوية، فقد تعرض لحادثة، حيث انزلق بسبب شيء ما - لا أعرف تحديدًا ما هو - فأُجريت له عملية إخصاء. هل تعرفون معنى الإخصاء؟ إنه إجراء طبي يُعرف بهذا الاسم. وأما علي بن أبي طالب، فقد انتهى أمره.

بالطبع، بعد ذلك، تحولت "القرامطة"، أو بالأحرى، أصبح لهم شكل آخر، لكنهم ظلوا يظهرون بأشكال مختلفة. حسنًا، بخصوص أهل السنة والشيعة، يقول الأستاذ أحمد إن الإرهاب لا يُعرف إن كان سنيًا أو شيعيًا، بل إن كل شيء يتضح عندما ننظر إلى تفاصيل الحالة الفكرية في الشام، خاصة في القرنين السابع والثامن، وبعد صوت بغداد. كيف تم حل الخلاف بين المسلمين من أهل السنة والشيعة؟ لقد كانت الأمور سيئة، فقد وقع قتال بين القرى، وما زلنا حتى الآن لا نعرف الكثير من التفاصيل. ماذا فعلت إيران في منطقة عربستان، وهي المنطقة الجنوبية التي لا علاقة لها بالصراع؟ كيف تجلت الأسرار الملفوفة بالغموض في الواقع؟

هنا يجب أن نرصد: هل هذا هو الشكل الوحيد للتجلي؟ لا، بل هناك تجليات متعددة. فمثلاً، هناك تجلٍ يتمثل في الصوفية. قد يقول أحدهم: "فلان كافر، هداه الله." أو يقول عن فتاة وأمها: "كلتاهما قد تجاوزتا الحدود." لكن عندما يُسأل عن سرقة ما، قد يقول: "أعيدها؟" وهو لا يستوعب شيئًا. أنا هنا أتحدث عن الصوفية الحقيقيين، وليس عن المجلس الأعلى. انتبهوا، أتحدث عن أشخاص رأيتهم وعاملتهم، مثل جماعة الزمالك، وهم لا يستخدمون كلمة "التصوف" أصلاً، لم أسمعها منهم. مع أشخاص مثل إبراهيم حلمي، ومصطفى حلمي، وأخوه الشيخ حسين معوض، شيخ الخلوتية، الذين عرفتهم في عشرينيات عمري، وقضيت معهم فترة. لم يكن هناك مولد أو ذكر أو أي شيء من هذا القبيل. قالوا إن التصوف هو سر قائم على سر قائم على سر.

هذا التجلي محظور، أي ممنوع وغير مكشوف، لأنه يتعلق بالله الملغز، الذي يُحيط به الغموض، وطريق الوصول إليه لا يعلمه أحد. والعلاقة معه سرية أيضًا. لذلك، يحتفظ الصوفيون بأحاديث مثل: "لو أقسمت على الله لأبره"، ويستشهدون بأبي عامر اليمني، الذي يُعتبر في بداية السلسلة الصوفية. يقولون: "يا عم، لمَ تشغل بالك؟ حياتك نفسها مثل فيلم هندي، فانشغل بها أولاً." ويحذرونك من أن تظن أنك أصبحت صالحًا، فالأمور تدور وتعود إليك. يجلسون مئات السنين - ثلاثمئة سنة - يعيشون على فكرة كسر حدة النفس. اقرأ عن أبي زيد البسطامي، الذي قال له نفسه: "من مثلك يا أبا يزيد؟ أتممت الذكر مئة ألف مرة، وختمت القرآن، وحججت عشر حجات." لكنه كان يخشى سيطرة نفسه عليه، فنادى: "من يشتري عشرين حجة ومئة ألف تلاوة قرآن برغيف خبز؟" فقال له أحدهم: "خذ ثوبي." فقال: "استرحت." لماذا سمي أبو زيد بهذا الاسم؟ لأنه لم يرد لنفسه أن تسيطر عليه، أو أن ترى نفسها أفضل من أحد.

وكذلك عبد الواحد بن زيد، وهو غير عبد الواحد الذي تزوج رابعة العدوية في البصرة. كان هناك شخص آخر في طرطوس. من هو؟ ذاكرتي ضعفت أم ماذا؟ دخلت على الصوفية في ثغرة، وهي منطقة في شمال سوريا، فأكرموني وأجلوني حتى قلت: "أين عباءتي؟" فسقطت من أعينهم، وقالوا: "يا رجل، ظنناك شيئًا عظيمًا!" عباءتي هي ضياء الملكية، ونحن نمر بأمور عظيمة. في الماضي، في المرسي، كان هناك عمي، أصغر أعمامي سنًا، جالسًا بجانبي، فقال: "والنبي، ظهرك!" الفكرة هنا أن هذا أحد تجليات الإيمان.

هناك تجلي سري غير التجلي الإجرامي. فمنذ الموجة الأولى من الخوارج، مرورًا بالقرامطة، وصولاً إلى جماعات مثل "داعش" وغيرها، أرى أن هذا خط إجرامي يرفع الغاية الدينية، فيُعتبر تجليًا إيمانيًا، كما هو الحال مع أبي بكر البغدادي. هل هناك تجليات أخرى في الدين الشعبي؟ في بلادنا، قال لي أحدهم في الإمارات: "يا أخي، أنتم المصريون لا يمكن فهمكم!" قلت: "لماذا؟" قال: "كنت أبحث عن خادمة للمنزل، فقالوا لي عن امرأة في الستين من عمرها. قلت لها: كم تأخذين يا حاجة؟" قالت: "خمسة آلاف من عملتهم." لكن عبد الواحد بن زيد، في آخر حياته - تذكرت الآن - ذُكر في الكتب، وإذا قرأتِ عنه ستعرفين أن الذاكرة ليست شيئًا ممتعًا. وجهة نظري أن هذه القصص تُظهر عقولاً مذهلة.

نعود إلى الرجل الإماراتي، الذي أراد خادمة لرعاية البيت والأطفال، فقالت له: "خمسة آلاف، وإذا أردتني أن أصلي على الطوبة فستة آلاف." قال لها: "ما الطوبة؟" قالت: "إنها عادة شيعية." فقال: "كيف؟ أنتِ مصرية وسنية، وأنا سني!" قالت: "نعم، لكن ماذا؟ لا يوجد عندنا طوبة، حسنًا، فليكن خمسة آلاف." قال لي: "لو صليتِ على هذا الشيء، سأعطيك ألف درهم إضافية." لكنها لم تفهم شيئًا. سبق أن قدمت بثًا مباشرًا قبل رمضان عن كيفية كشف طرق التفكير الشعبي من خلال الأمثال الشعبية، واستعرضت كمية هائلة منها، تُظهر أن هذا الشعب لا دين له ولا ملة، بل يسخر من الله. مثل قولهم: "اللي يعطي الحلق للي ما لهاش ودن." هذا الكلام، لو قيل لرئيس قسم، لأُقيل صاحبه. وهناك أمثال أكثر سخرية، مثل: "لا تقف على الأعمى ولا تتعداه." هذه قمة السخرية!

لدينا إذن الإجرام الذي يرفع شعار الدين، وهو تجلٍ إيماني. والتصوف، بالمعنى الحقيقي وليس الفلكلوري، هو شكل آخر. كما قلت في المحاضرة السابقة، هذا في النهاية استعلاء للإيمان، أي تجلٍ من تجليات السر الداخلي. أما الدين الشعبي المراوغ، الذي يقول لك الحقيقة وعكسها، فمثلاً، إذا ذهب ليسرق يقول: "ربنا يسهل." يشغلون الشيطان عندهم! يقولون: "فلان فعل كذا، يا عم، الشيطان شاطر!" ويظهرون حزينين جدًا، لكن المشكلة ليست فيهم، بل في الشيطان الشاطر، وهم المساكين. أو يقولون: "ربنا كرمنا." هذا تجلٍ أداتي، بمعنى براجماتي، بالمعنى الفلسفي الجيد، وليس بالمعنى الشعبي النفعي. إنهم يحلون المشكلات بأدوات ناجحة، ويتبنون الفكرة التي تكون مفيدة. ما هي الفكرة الجيدة بهذا المعنى؟ إنها التي يطبقونها.

إذا كانت تجليات الإيمان متعددة، فما هي أنماط الإلحاد؟ الإيمان والإلحاد كلاهما سر، وكلاهما إنساني، وكأنهما وجهان لعملة واحدة، تدور في النفس الواحدة، وقد لا يُعلن هذا الدوران. مثلاً، شخص زعلان من زوجته، فيقول له صديقه: "كفرتني!" وهو يقصد المعنى المجازي. أو يقول: "لم أصلِّ، كفرتني!" أو "جعلتني أفطر في رمضان." هنا "كفرتني" تعني أنه ضاق بها ذرعًا، وشعر أن الوجود الإلهي غير فاعل. هذا نمط من أنماط الإلحاد. لكن هل يمكن حصر التجليات الإلحادية؟ ذكرت بعضها في أحاديث سابقة. الإلحاد هو أحد أشكال الخروج عن الإيمان، ويختلف باختلاف الثقافات. في الزمن الإسلامي الأول، إذا شرب أحدهم خمرًا، مثل أبو نواس، وقالوا له شيئًا، قال: "ويل للمصلين، ما قال شيئًا للشاربين!" فسموا ذلك زندقة. أما في المسيحية، فقد يسمونه هرطقة. في اللغة العربية الفصحى، الكفر يعني الإخفاء. والصيغة القرآنية: "يُعجب الكفار نَباتُه"، أي المزارعين. في سياقات لغوية كثيرة، نقول: كفر البذرة، أي أخفاها. ثم انتقل المعنى إلى كفر النعمة، أو كفر الوجود الإلهي، أي إخفاؤه وعدم الاعتراف به. ثم غلب المعنى الديني، فأصبح الكفر نقيض الإيمان. لكن في الفلسفة الصوفية، لا يوجد مفهوم الكفر أصلاً. ابن عربي وغيره أوضحوا ذلك. يقولون: إذا كنت تصدق القرآن، والقرآن يقول: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده"، فكل شيء في الكون يسبح، سواء كان عصفورًا أو إنسانًا. حتى الملحد الذي يقول بلسانه إنه كافر، جسده يسبح بحسب المنظور الصوفي.

فما هو الإلحاد إذن؟ عندما يجلس الشاب الجميل الذي يجلس خلفي مع آخر يجلس على الأرض - لا أراه الآن - يتحدثون في حوارات. كلمة "الحد" هنا تعني قتل أمر من غير بابه. القبور كان لها مدخل، وأحيانًا يُسد، فيُثقب، وهذا يسمى اللحد. وفي السياق القرآني: "لسان الذي يلحدون إليه"، أي الذين يحورون به. قد نسمع ما يقولون، لكنهم يحورون بالحجة القرآنية. لسان الذي يلحدون إليه هو لسان أعجمي، بينما هذا لسان عربي مبين. بغض النظر عن الآية، أتحدث هنا عن "يلحدون إليه"، أي الذين يحورون به. مثل ذلك الشاب الحزين الذي قال شيئًا، فيقول له آخر: "يا عم، يحور عليه!" أي يأتيه من طريق غير صحيح. هنا نعرف الفروق في الدلالة بين الكفر والإلحاد والهرطقة والزندقة.

فما هي العلامات الموجودة في التاريخ الآن من الإلحاد؟ مثلاً، يقال لشخص: "أنت لم تعترف منذ زمن ولم تتناول القربان." غالبًا ما يكون الإلحاد الحاد نتيجة أزمة نفسية، مثل فقدان شخص عزيز أو خيبة أمل متكررة. هذه الأزمات قد تؤدي إلى الإلحاد أو إلى الإيمان. أتذكر شخصًا - لن أذكر اسمه لأنه محرج، لكنه توفي منذ زمن - كان أبًا ممتازًا وباحثًا، جورج قنواتي. كنت أحبه جدًا. عرفته وأنا في العشرين من عمري، وكنت أزوره في شارع الطرابيش، حيث كانت لديه مكتبة ضخمة. هو من الإسكندرية أصلاً. حكى لي ابن أخيه أنه كان يحب فتاة، لكن أهلها لم يزوجوها إياه لأن حالتهم كانت متواضعة، فتزوجت من شخص يملك متجرًا أو شيئًا من هذا القبيل. رد فعله كان نقيضًا، لأن الإيمان والإلحاد وجهان لعملة واحدة هي الإنسان. لكن الإلحاد الحاد يتميز بكونه نتيجة أزمة نفسية.

وهناك الإلحاد البارد. قال لي أحد الأصدقاء إن هذه الكلمة تُغيظه، وطلب مني استخدام تعبير آخر. مثلاً، في يوم عرفة، ترى الناس يكتبون على فيسبوك: "جهال!" أو يقولون: "الصينيون والهنود يغطسون في نهر اليانجتسي، فلماذا تنكدون عليهم؟" هذا إلحاد بارد يهدف إلى الإزعاج. لكن هناك إلحاد جاد، يمثله شخص موجود معنا هنا - لن أذكر اسمه ولا أشير إليه - لأنه درس جيدًا ويعرف ما يقول. ليس عنده كذب أو رغبة في أن يكون "الملحد الجامد"، ولا هو متأثر بخيبة أمل عاطفية. المشكلة أن الآخر قال له: "هذا لا يصح، وذاك لا يصح." وهذا ما أزعجه.

أحمد كريم، مثلاً، لم يكن يفكر في المواجهة. فجأة، وأنا جالس، أتذكر هشام المصري - لا أحد يذكر الأسماء، لكن للتوضيح فقط - عندما بعث لي حازم شوقي من أمريكا بعد الحلقة الأولى، قلت: "متى سينفجر أحمد كريم؟" لأنه ليس غبيًا، بل ذكي جدًا. لكن ماذا نفعل؟ قلة الأدب؟ أنا أدافع عن ديني، وفجأة تجدونه لم يعد موجودًا على يوتيوب، أو أُزيل. هو نفسه في النهاية ليس قليل الأدب، لأن أحد تجليات الإيمان هو الشكل النظامي السلطوي. فالإلحاد الجاد يضرب في العمود الفقري لهذه المنظومة، سواء كانت سلفية أو إخوانية. هو يقول كلامًا يهد المنظومة التي تقوم عليها جماعته، بدءًا من أي جماعة دينية ترفع شعار "لا إله إلا الله"، سواء كان دستور القرآن عند الإخوان، أو غيره عند السلفيين. هناك حديث غريب: "حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء." لكن الترتيب فيه مقلوب، وهو كاشف. أنا أتعرض لهذه الأمور لأنك، سواء كنت علمانيًا، سلفيًا، إخوانيًا، ملحدًا جادًا، أو ملحدًا باردًا - وبالمناسبة، عندما وضعت مصطلح "الملحد البارد"، لم أقصد الشباب، بل شخصًا لديه كتاب بعنوان "الوجود والعدم"، وهو رسالة دكتوراه جادة في الفلسفة. لكنه ذهب إلى الوجودية، وقال في الصفحة الأولى: "موضوع الله لن أتحدث فيه، لأنه كلام فارغ." هذا كتاب من ألف صفحة! الفلسفة، بحسب بعض التقسيمات، تهتم بثلاثة موضوعات: الله، العالم، والإنسان. فكيف تقول إن موضوع الله لا لزوم له؟

قياسًا على ذلك، رأيت بعد سقوط الإخوان في مصر ظهور الكثير من الإلحاد البارد، حيث يستخدم البعض كلامًا دون فهم. هذا هو الإلحاد. لماذا أهتم بطرح هذه المسائل؟ لأن القوى المجتمعية لا يجب أن تأكل بعضها. إذا جلس العلماني في صدام مع السلفي، والإخواني في صدام مع الليبرالي، فإن المجتمع سيُستنزف داخليًا، وهذا مضر على مستوى الفرد والمجتمع والدولة. الاتحاد السوفيتي، بحجمه، لم يسقط بحرب، بل أكل بعضه بعضًا. كان عندنا دكتور قديم، أستاذ وأبو ريان، مشغولون بإسرائيل والهزيمة والنصر. قال لي: "إذا أردتم إسقاط إسرائيل في شهرين أو ثلاثة، اشتروا اقتصادها في البورصة، اشتروا الأسهم، وفي وقت واحد، كما حدث في جنوب شرق آسيا، حيث دُمر النمو الآسيوي بهذه الحركة." قال لي ذلك في عام 1981 أو 1982.

إن توجيه القوى المجتمعية بسبب اختلاف زاوية الرؤية إلى أن تأكل بعضها هو ما دفعني للحديث إليكم الليلة في هذا الموضوع. موقفي من العلمانية وهذا الكلام ينظمه الأستاذ أحمد حسب المفكر، ليس بناءً على تنبؤات، بل استشراف المستقبل من خلال المدخلات. أتحدث تحديدًا عن مصر والمنطقة العربية. الثنائية بين العلم والدين، أو حتى ثلاثية فرح أنطون: العلم، الدين، والمال. كيف نقرأ مستقبل الدين في مجتمعاتنا الناطقة بالعربية في ظل التقدم العلمي المتسارع، والتطورات المالية، حيث يقال إن 75% إلى 80% من الوظائف الحالية ستختفي بسبب الذكاء الاصطناعي؟ هناك إجابتان مختصرتان: الأولى، المستقبل بيد الله سبحانه. والثانية، مستقبل كل جماعة مرهون بأدائها وعملها.

السؤال الأخير: حذرتَ خلال حديثك من صدام يستنزف موارد المجتمع وأطيافه. وفي الوقت نفسه، أشرت إلى مسألة الجدل أو الديالكتيك فلسفيًا، أي صراع الأفكار أو تلاقحها. ألم نرَ مناظرات أو صدامات بين سلفيين، علمانيين، قوميين، وليبراليين؟ أليس هذا في صالح الأفكار والحراك الاجتماعي والثقافي؟ أم أنه يؤدي فقط إلى الصراع؟ كيف يمكن أن يكون الصدام الفكري حميدًا يولد واقعًا جديدًا، وكيف يكون مستنزفًا؟

كل صدام، إذا أردتَ أن تكون مهندسًا جيدًا، فجدد في الهندسة. كن علمانيًا وشاعرًا راقيًا، تحدث إلى الناس في الإسلام. كن سلفيًا وطبيبًا مخلصًا، لا تستغل المريض. الجزء الاعتقادي، وهو خصيصة النفس، ليس مطروحًا للجدل أو النقاش أو المناظرة. الإنسان يتقلب، وما سُمي الإنسان إلا لنسيانه، وما سُمي القلب إلا لأنه يتقلب. في نهاية هذه الأمسية، كالعادة، نقدم محاضرة من ضيفنا، شديدة التأثير والعمق. لا يسعنا إلا أن نتوجه بالشكر والحب والترحيب لضيفنا، الدكتور يوسف زيدان، على أمل لقائه قريبًا. شكرًا.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة