لارا بوي: كيف يتغير الدماغ؟ رحلة في عالم اللدونة العصبية
كيف نتعلم؟ ولماذا يجد بعضنا تعلم الأشياء أسهل من غيره؟ هذه الأسئلة تشغل بال الدكتورة لارا بويد، باحثة في علوم الدماغ بجامعة بريتش كولومبيا، حيث تُعدّ أبحاث الدماغ واحدة من أعظم المجالات في فهم فسيولوجيا الإنسان، وفي استكشاف ما يجعل كل فرد منا فريدًا. في هذا المقال، تستعرض الدكتورة بويد اكتشافاتها المذهلة حول اللدونة العصبية، تلك القدرة الرائعة للدماغ على التغيير والتكيف، وتسلط الضوء على كيفية تأثير سلوكياتنا اليومية على هذه العملية.
### **اكتشافات جديدة في علوم الدماغ**
تتغير معرفتنا عن الدماغ بسرعة مذهلة، حيث تبين أن الكثير مما كنا نعتقد أننا نعرفه كان غير دقيق أو ناقصًا. على سبيل المثال، كان يُعتقد سابقًا أن الدماغ، بعد مرحلة الطفولة، لا يمكنه التغيير بشكل جوهري، لكن الحقيقة أثبتت عكس ذلك تمامًا. كذلك، كان هناك اعتقاد شائع بأن الدماغ يستخدم أجزاء منه فقط في أي وقت معين، ويكون صامتًا عند عدم القيام بأي نشاط. لكن الأبحاث أظهرت أن الدماغ يبقى نشطًا للغاية حتى في حالة الراحة.
تأتي هذه الاكتشافات بفضل التطورات التكنولوجية، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي، التي مكّنت العلماء من رؤية الدماغ بطرق غير مسبوقة. ومن أبرز هذه الاكتشافات أن التعلم – سواء كان حقيقة جديدة أو مهارة جديدة – يغير الدماغ فعليًا، وهي ظاهرة تُعرف باسم "اللدونة العصبية".
### **كيف يتغير الدماغ؟**
يتغير الدماغ بثلاث طرق رئيسية لدعم التعلم:
1. **التغييرات الكيميائية**: يعمل الدماغ عن طريق نقل إشارات كيميائية بين الخلايا العصبية، وهي العملية التي تُطلق سلسلة من الأفعال والتفاعلات. أثناء التعلم، يزيد الدماغ من كمية أو تركيز هذه الإشارات، مما يدعم الذاكرة قصيرة المدى أو التحسن السريع في أداء مهارة حركية.
2. **التغييرات الهيكلية**: يمكن للدماغ تغيير الروابط بين الخلايا العصبية، مما يعني تغييرًا في الهيكلية الفيزيائية للدماغ. هذه العملية تستغرق وقتًا أطول وترتبط بالذاكرة طويلة المدى والتحسن المستدام في المهارات الحركية.
3. **التغييرات الوظيفية**: عند استخدام منطقة معينة في الدماغ، تصبح أكثر قابلية للإثارة وأسهل للاستخدام مجددًا، مما يؤدي إلى تحولات في شبكات النشاط الدماغي.
هذه التغييرات – الكيميائية، والهيكلية، والوظيفية – تحدث عبر الدماغ بأكمله، وقد تحدث بشكل منفصل أو بالتآزر، لكنها دائمًا تدعم التعلم وتستمر طوال الوقت. على سبيل المثال، الأشخاص الذين يقرؤون طريقة بريل لديهم مناطق حسية لليد أكبر في أدمغتهم، وسائقي سيارات الأجرة في لندن، الذين يحفظون خريطة المدينة، لديهم مناطق دماغية موسعة مخصصة للذكريات المكانية.
### **لماذا لا نستطيع تعلم كل شيء بسهولة؟**
إذا كان الدماغ لدنًا إلى هذا الحد، فلماذا لا يمكننا تعلم أي شيء بسهولة؟ ولماذا يفشل بعض الأطفال في المدرسة؟ ولماذا ننسى الأشياء مع تقدمنا في العمر؟ ولماذا لا يتعافى الناس تمامًا من إصابات الدماغ مثل السكتة الدماغية؟ هذه الأسئلة تقودنا إلى استكشاف ما يحد ويسهل اللدونة العصبية.
تُركز أبحاث الدكتورة بويد على التعافي من السكتة الدماغية، وهي حالة تُعدّ السبب الرئيسي للإعاقة طويلة الأمد لدى البالغين. على الرغم من انخفاض السكتة الدماغية من المرتبة الثالثة إلى الرابعة كسبب للوفاة في الولايات المتحدة، إلا أن عدد المصابين بها لم ينخفض، بل أصبحنا أفضل في إبقاء الناس على قيد الحياة بعد السكتات الشديدة. لكن مساعدة الدماغ على التعافي لا تزال تحديًا كبيرًا، حيث فشلنا حتى الآن في تطوير تدخلات تأهيلية فعالة.
### **السلوك: المحرك الأساسي للتغيير**
الشيء الواضح هو أن أفضل محفز للتغيير العصبي هو السلوك. الممارسة هي المفتاح، لكن الجرعة المطلوبة من الممارسة لتعلم أو إعادة تعلم المهارات الحركية كبيرة جدًا، وتقديمها بفعالية يُعدّ تحديًا مكلفًا. لذلك، طورت الدكتورة بويد وفريقها علاجات تُهيئ الدماغ للتعلم، مثل التحفيز الدماغي، والتمارين الرياضية، والروبوتات. لكنها اكتشفت أن التباينات بين الأفراد في أنماط اللدونة العصبية تشكل عائقًا كبيرًا.
هذه التباينات، التي كانت تُزعج الباحثين بسبب صعوبة تحليلها إحصائيًا، أصبحت الآن المفتاح لفهم أفضل. فالدرس الأول هو أن السلوك هو المحرك الأساسي لتغيير الدماغ، ولا يوجد دواء يمكنه أن يحل محل الممارسة. بل إن زيادة الصعوبة أثناء الممارسة تؤدي إلى تعلم أكبر وتغييرات هيكلية أعمق. لكن اللدونة العصبية يمكن أن تعمل في الاتجاهين: إيجابيًا عند تعلم مهارة جديدة، أو سلبيًا عند نسيان شيء أو الإصابة بألم مزمن أو الإدمان.
الدرس الثاني هو أنه لا يوجد نهج واحد يناسب الجميع في التعلم. الاعتقاد بأن 10,000 ساعة من الممارسة كافية لإتقان مهارة ليس دقيقًا، فالاحتياجات تختلف من شخص لآخر. هذا يقودنا إلى مفهوم "الطب الشخصي"، حيث يحتاج كل فرد إلى تدخل مخصص. في علاج السرطان، تُستخدم الجينات لمطابقة العلاجات مع أنواع السرطان، وفي التعافي من السكتة الدماغية، تُظهر المؤشرات الحيوية أهمية مماثلة في تخصيص العلاجات.
### **التعلم الشخصي: مستقبل التعليم والتأهيل**
إن تفرد كل دماغ يعني أن ما ينطبق على التعافي من السكتة الدماغية ينطبق على الجميع. السلوكيات التي نمارسها يوميًا تشكل أدمغتنا، سواء كنا والدين، معلمين، مدراء، أو متعلمين مدى الحياة. فهم هذه الاختلافات سيُمكّن العلماء من تطوير تدخلات أكثر فعالية، سواء في التعليم أو التأهيل، مما يسمح بمطابقة أفضل بين المتعلمين والمعلمين، والمرضى والعلاجات.
عندما تغادرون غرفة ما، لن يكون دماغكم كما كان عند دخولكم. كل تجربة، كل سلوك، وكل تفاعل يغير دماغكم. هذا التغيير قد يكون للأفضل، بتعلم شيء جديد، أو للأسوأ، بنسيان شيء أو اكتساب عادة سيئة. لذا، يجب علينا دراسة كيف نتعلم بأفضل طريقة، وتكرار السلوكيات الصحية لأدمغتنا، وكسر العادات الضارة. التعلم يتطلب جهدًا، واستراتيجياته تختلف بين الأفراد، بل وحتى داخل الفرد الواحد، فقد تجدون تعلم الموسيقى سهلاً، بينما يكون التزلج تحديًا كبيرًا.
### **بناء الدماغ الذي نريده**
إن دماغكم لدن بشكل مذهل، ويتشكل باستمرار بالعالم من حولكم. كل ما تفعلونه، وكل ما تواجهونه، يترك أثرًا فيه. لذا، دعوة الدكتورة بويد هي: اخرجوا وابنوا الدماغ الذي تريدونه. من خلال الممارسة الواعية والسلوكيات الإيجابية، يمكننا تشكيل أدمغتنا لتصبح أداة قوية للتعلم والنمو، ليس فقط للتعافي من الإصابات، بل لنصبح أفضل كمتعلمين، معلمين، وأفراد في هذا العالم المتغير باستمرار.
تعليقات
إرسال تعليق