أحمد زايد (١): فكر ابن الراوندي
مرحبًا بكم في صالون زمرة الثقافي، الذي نعقد فيه لقاءاتنا منذ سبع سنوات. أحب أن أذكر هذا الأمر في كل مناسبة، عسى أن يتحمس المتابعون، خاصة عبر منصة يوتيوب، لإنشاء صالونات ثقافية مماثلة في بلدانهم، ربما تتفوق على صالوننا، لكل من يتحدث اللغة العربية في العالم، أو على الأقل لمن يتابعنا منهم.
اليوم، نجتمع لمناقشة مواضيع رئيسية بدأناها منذ عام 2017، من بينها أعلام الحضارة العربية الإسلامية. تناولنا فلاسفة الشرق مثل الفارابي والكندي وابن سينا في القاهرة، وكذلك أبا حامد الغزالي. سنتطرق الآن إلى قطاعات فكرية متنوعة، بعيدًا عن التيارات السائدة في العقل العربي أو العقل العربي المسلم في الوقت الراهن. سنستعرض مقتطفات من أفكار علماء، مفكرين، فلاسفة، رجال دين، متصوفة، ومتفلسفة صوفية، مع وجود ابن خلدون وغيره ضمن هذا الإطار.
ذكرت سابقًا، نقلاً عن ابن الجوزي في أحد كتبه، أنه قال: "ملاحدة الإسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو العلاء المعري، وأبو حيان التوحيدي". إن شاء الله، سنتناول هؤلاء الثلاثة في جلسات متباعدة، مع الحرص على تنويع الخطوط الفكرية. لن نقتصر على تيار الزنادقة، أو الملقبين بالزنادقة – وهم مفكرون محترمون – ولا على تيار رجال الدين أو المتفلسفة أو المتصوفة، بل سنختار خلال العام شخصية من كل تيار على حده.
ابن الراوندي، الملقب بالملحد في معظم المصادر التاريخية، يُذكر دائمًا مع هذا اللقب، كما يُلقب غيره بالحنبلي أو الشافعي. أما أبو العلاء المعري، فقيل إنه كان الأكثر صراحة في إلحاده، يليه أبو حيان التوحيدي، الذي لُقب بأديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، بينما يُسمى أبو العلاء شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء. لكن أبا حيان اعتُبر الأخطر؛ لأنه لم يصرح بالإلحاد كالمعري وابن الراوندي، بل كان يُلمح ويُوهم بأفكاره.
ابن الراوندي: حياته وتاريخه
اليوم، سنركز على ابن الراوندي، واسمه الكامل أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي. للأسف، لم تكن هناك سجلات دقيقة للمواليد في عصره، لذا يختلف المؤرخون حول تاريخ ميلاده بفارق يتراوح بين خمس إلى عشر سنوات، وهو أمر طبيعي في تلك الفترة. لكن الاختلاف الأكبر يتعلق بتاريخ وفاته، حيث يذهب بعضهم إلى أنه توفي في سن السادسة والثلاثين أو السابعة والثلاثين (حوالي 245 هـ/860 م)، بينما يرى آخرون أنه عاش حتى الرابعة والثمانين (حوالي 293 هـ/906 م)، وهو فارق كبير يعكس غموض المعلومات المتوفرة.
وُلد ابن الراوندي حوالي سنة 200-210 هـ (815-825 م) في مدينة راوند، وهي قرية قرب أصفهان في إيران، وليس هناك دليل قاطع يربطه ببلدة أخرى تُسمى "هولندا"، كما ذكر البعض، والتي تبعد أكثر من ألف كيلومتر عن أصفهان. الدكتور عبد الأمير الأعسم، في دراسته عن ابن الراوندي في سبعينيات القرن العشرين، أكد أن الاسم "الراوندي" هو الأكثر شيوعًا في المصادر التاريخية، بما في ذلك كتاب "الانتصار" لابن الخياط المعتزلي، الذي رد فيه على ابن الراوندي.
مسيرته الفكرية
كان تألق ابن الراوندي الفكري في بغداد خلال أواخر الثلاثينيات من عمره، حيث كان منتميًا إلى المعتزلة، وهي الفرقة التي كانت تتمتع بنفوذ فكري وسياسي في عصر الخلافة العباسية، خاصة في عهد المأمون. ارتبط أيضًا بشخصيات مثل أبي عيسى الوراق، الذي اتهم بالزندقة أو اليهودية في بعض المصادر. لكن ابن الراوندي اختلف مع المعتزلة، مما أدى إلى انقلابهم ضده، فغادر بغداد إلى إيران أو خراسان، حيث عاش فترة طويلة، ربما عشرين عامًا. تشير بعض الشواهد، مثل رد ابن الخياط عليه، إلى أنه كان لا يزال على قيد الحياة بعد مغادرته بغداد.
مراحل حياته الفكرية يمكن تقسيمها إلى ثلاث:
1. **مرحلة الطفولة**: نشأ على دين أهله، وقيل إنه كان شيعيًا أو سنيًا، لكن هذه النسبة غير مؤكدة ولا مفيدة تاريخيًا، لأن انتماءه الفكري تشكل لاحقًا في بغداد.
2. **مرحلة الاعتزال**: انضم إلى المعتزلة في بغداد، وألف كتبًا للرد على الزنادقة والمنوية (إحدى الفرق المنبثقة عن الزرادشتية). في هذه الفترة، كان يميل قليلاً إلى التصوف مع الالتزام بالمعتقدات المعتزلية.
3. **مرحلة التمرد الفكري**: بعد خلافه مع المعتزلة، بدأ في نقد الأديان، وخاصة الإسلام، وألف كتبًا تتضمن نقدًا للنبوة والنصوص الدينية.
أفكاره ونقده
لم تصلنا كتابات ابن الراوندي مباشرة، بل وصلتنا شذرات منها عبر ردود خصومه، مثل كتاب "الانتصار" لابن الخياط، أو من خلال أعمال الباحثين مثل عبد الأمير الأعسم، الذي جمع شذرات من كتاب "فضيحة المعتزلة"، وهو رد على كتاب "فضيلة المعتزلة" للجاحظ. كما وُجدت بعض كتاباته في مصادر الإسماعيلية، خاصة في المجالس المؤيدية في مصر الفاطمية.
نقده للنصوص الدينية
ابن الراوندي اشتهر بنقده الداخلي للنصوص الدينية، وخاصة القرآن. من أبرز انتقاداته:
- **التناقضات في النص**: استشهد بآيات مثل: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله"، مقابل آية أخرى: "إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب". كما تساءل عن طبيعة إبليس، هل هو من الجن أم من الملائكة، مشيرًا إلى ما اعتبره تناقضات داخل النص.
- **رفض فكرة التواتر**: اعتبر أن التواتر، أي انتقال النصوص الدينية عبر أجيال، غير موثوق، وأعلى من شأن العقل على النقل. نسب بعض أفكاره إلى البراهمة في الهند، وإن كانت هذه النسبة غير دقيقة، كما أشار لاحقًا أبو الريحان البيروني في كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة".
- **نقد النبوة**: رأى أن العقل البشري كافٍ لمعرفة الأخلاق الحميدة، مثل تحريم السرقة والقتل، دون الحاجة إلى نبوة. وسخر من فكرة اختيار الله لنبي معين يجب على البشرية اتباعه، معتبرًا ذلك غير منطقي.
- **نقد قصص القرآن**: سخر من قصة ناقة صالح، متسائلاً عن عدالة عقاب قرية بأكملها، بما في ذلك النساء والأطفال والنباتات، بسبب ذبح ناقة.
- **نقد الجنة والنار**: اعتبر وصف الجنة بالخمر والنساء والحرير غير مناسب للمثقفين، بل موجه للعامة. كما تساءل عن منطقية عذاب الجلود في النار، إذ يُبدل الله الجلود كلما نضجت، معتبرًا ذلك عذابًا ماديًا لا يتناسب مع فكرة العقاب الروحي.
موقفه من الذات الإلهية
لم ينكر ابن الراوندي وجود الذات الإلهية صراحة، لكنه انتقد فكرة الإله المتصل بالكون، معتبرًا أن عدم وجود عدل في العالم دليل على عدم صحة القصص الدينية. في إحدى الشذرات المنسوبة إليه، ورد بيت شعر يسخر فيه من فكرة العدل الإلهي، قائلاً إن توزيع الرزق والصحة يشبه قسمة سكران لا يعي ما يفعل.
نقده للمعتزلة
في كتاب "فضيحة المعتزلة"، هاجم ابن الراوندي شيوخ المعتزلة مثل الجاحظ والنظام والعلاف، منتقدًا آراءهم في مسائل مثل الصفات الإلهية والقرآن المخلوق. رد عليه ابن الخياط في كتاب "الانتصار"، وهو ما يُعد مصدرًا رئيسيًا لمعرفة أفكار ابن الراوندي.
ردود الفلاسفة والعلماء
رد على ابن الراوندي عدد من الفلاسفة والعلماء، منهم:
- **الكندي**: الذي عاصره، واعتبر أن الجنة والنار رمزيتان وليستا ماديتين.
- **الفارابي وابن سينا**: رأيا أن الجنة والنار رمزيتان لتشجيع العامة على الأخلاق، كما يُشجع الطفل بوعود رمزية لتصحيح سلوكه.
- **أبو الحسن الأشعري**: وافق ابن الراوندي في بعض انتقاداته للمعتزلة، لكنه رفض آراءه الأخرى.
- **الشيعة الإسماعيلية**: ردت عليه في مجالسها، خاصة في مصر الفاطمية.
السياق التاريخي
عاش ابن الراوندي في فترة تميزت بحرية فكرية نسبية في عصر المأمون، لكن هذه الحرية لم تكن مطلقة، إذ تدخلت السلطة الدينية أحيانًا. أفكاره تأثرت بالتفاعل مع الأديان الأخرى التي انحسرت بعد الفتوحات الإسلامية، مثل الزرادشتية وبعض المذاهب المسيحية. كما استلهم بعض أفكاره من نقاشات فلسفية عن قدم العالم، معتبرًا أن التغير والحركة هما الأصل في الوجود، وليس الثبات.
توفي ابن الراوندي، على الأرجح، في إيران أو خراسان حوالي سنة 293 هـ (906 م)، تاركًا إرثًا فكريًا نقديًا قويًا، رغم أن كتبه لم تصلنا كاملة، بل عبر شذرات في ردود خصومه. هذا الإرث يعكس عقلًا نقديًا جريئًا تشكل في سياق تاريخي فريد، حيث سمحت الظروف بظهور مثل هذه الأفكار، لكنها لم تحمِ أصحابها من الاضطهاد أحيانًا.
---
تعليقات
إرسال تعليق