محمد فياض(١): الخلافة الإسلامية الحكاية التي لم تُروَ
في إنجيل متى الخاص بالعهد الجديد عند المسيحيين، يخاطب المسيح تلاميذه، فيحصل بينهم حوار، ثم يسألهم: "من تظنون أنني أنا؟" فيرد بطرس قائلاً: "أنت المسيح، ابن الله الحي". فيقول له المسيح: "أنت بطرس"، وكلمة بطرس هنا تعني الحجر الأبيض الرامي، ثم يضيف: "وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي". الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى أخذت هذا النص بحرفيته، معتبرة أن الباباوات في كنيسة روما هم خلفاء المسيح، وبالتالي خلفاء الله، لأن المسيح يكمل في الآية قائلاً لبطرس: "كل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السماء، وكل ما تحله يكون محلولاً". ومن هنا جاءت فكرة خليفة الله وظل الله على الأرض في المعتقد الديني.
تأتي هذه الفكرة دائماً بصفة دينية. لكن في الخلافة في التاريخ الإسلامي، لم تكن هذه الفكرة متبلورة عند أبي بكر وعمر بن الخطاب بهذا الشكل. فأبو بكر نفسه قال: "إنني خليفة رسول الله ولست خليفة الله"، بمعنى أنه جاء بعده زمنياً، لكنه لا يملك امتيازات النبي واستحقاقاته. وبالنسبة لعمر بن الخطاب أيضاً، يُروى أنه عندما ناداه أحدهم بـ"أمير المؤمنين"، استحسن ذلك، فبدأت الفكرة تتبلور. لكن مع عثمان بن عفان، بدأت تظهر بوضوح، حيث عندما أولى أقاربه مناصب، واشتدت الثورة ضده، رد على منتقديه قائلاً: "أنا خليفة الله". فعندما منع أموال الصدقة لواحد من الأمويين، قال: "إذا كنت خليفة الله، فلي أن أفعل هذا". وعندما ازدادت الاعتراضات والثورة عليه، قال: "لا أخلع قميصاً ألبسنيه الله"، أي أن الله نفسه منحه هذا الرداء، فلا يمكن أن يتنازل عن الحكم.
إذا كان الأمر كذلك، فهل يصح أن نصف تلك الخلافة بالوصف الإسلامي؟ هل هي إسلامية أم كانت مدنية تحتوي على ما تحتويه السياسة من عيوب ودسائس؟ إذا وصلنا إلى هذه النقطة، وأن هذه الخلافة نظام غير إسلامي، فلا يمكن إعادة تطبيقه أو استحضار هذا النموذج في التاريخ، فما هو البديل المتاح؟ البديل الذي نراه في العالم اليوم هو نموذج الدولة الوطنية، حيث يتساوى الجميع، والحاكم غير مقدس، وبالتالي يجوز انتقاده وممارسة الديمقراطية. وإذا لم نستطع تغييره بالديمقراطية وصندوق الانتخاب، تحدث ثورات، وهناك قوانين وتشريعات تخدم المواطن.
إذا لم نتمكن اليوم من فهم أن روح العصر الذي نعيشه مختلفة عن التاريخ، وإذا لم نكن قادرين على تفكيك هذا التاريخ وقراءته ونقد السيء فيه وتضييق الجوانب الجيدة، فإننا سنظل منسحبين من الواقع، خارج سياق العالم الحديث، في عالم آخر. وبالتالي، لن نرى أي تقدم على أي صعيد، لا الاقتصادي ولا السياسي ولا غيره. إذا كانت هذه الرؤية أن التاريخ مقدس ولا يجوز المساس به، فإننا سنظل نتقهقر.
يشرفنا اليوم أن يكون ضيفنا الدكتور محمد فياض، أستاذ الفلسفة. مرحباً بكم، مساء الخير يا فندم. أنا سعيد بوجودي اليوم في صالون عانون، وأشكر الأستاذ جون على تقديمه، وأرحب بحضراتكم. في الحقيقة، موضوع اليوم هو الخلافة الإسلامية، أو الحكاية التي لم تُروَ، التي سمعناها وعُلّمناها بالمآثر والأمور العظيمة والتاريخ المجيد الذي حدث أيام الخلافة الإسلامية. لكن في بعض الأحيان، يتم التغافل في كتابة التاريخ عن أمور مهمة جداً. ما هي الخلافة الإسلامية؟ متى نشأت؟ وما هي ظروف نشأتها؟ وكيف تطورت؟ وهل هي خلافة إسلامية أم خلافة المسلمين؟ هناك فرق. وهل الخلافة دين أم تراث؟ وما الفرق؟ كيف يمكننا فك الاشتباك بين الدين والتراث؟
للأسف، في كثير من الأحيان، عومل التراث معاملة الدين. وأي تنقية أو تمحيص لهذا التراث، كان يُعتبر طعناً في الدين. عندما ننظر إلى معظم الحركات الإسلامية، سواء كانت تحاول محاكاة النموذج أو الجماعات الإسلامية المتطرفة، نجد أن بند الخلافة هو رقم واحد في أدبياتها. يريدون الخلافة، يحلمون بها، ويستندون إلى حديث ضعيف، غير صحيح، يقول: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكية جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة"، ثم سكت. هذا الحديث يشكل جزءاً كبيراً في أدبيات الجماعات الإسلامية.
أبرز من تحدث عن تاريخ الإمامة أو الفرق الإسلامية فيما يتعلق بموضوع الخلافة هو الشهرستاني في كتابه "الملل والنحل". في الصفحة الأولى يقول: "ما سُلَّ سيف على أمر من أمور الدنيا مثلما سُلَّ على الإمامة". أكثر ما تسبب في مشاكل وصراعات وسفك دماء في تاريخ الإسلام كان موضوع الخلافة والإمامة. الآن لدينا ما يُسمى "داعش"، أي الدولة الإسلامية في العراق والشام، التي تدعي أنها خلافة المسلمين وأن أبا بكر البغدادي هو خليفة المسلمين. عندما ننظر إلى فكر حسن البنا وسيد قطب، نجد فكرة الخلافة. في رسائل حسن البنا، يقول: "وجه الخلاف بيننا وبينهم أننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالدخول والحدود الجغرافية". هو يرى أنه لا يوجد شيء اسمه بقعة محدودة أو وطن أو أرض، بل الحدود دينية مرتبطة بالعقيدة، وهذه الحدود تصب في دولة الخلافة. كان مشروعه يسمى "استاذية العالم"، يطمح إلى إقامة الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، ثم الخلافة.
حسن البنا تلميذ رشيد رضا، الذي كان يحلم بعودة الخلافة بعد سقوطها عام 1924 على يد أتاتورك. المفارقة، وربما الكوميديا، أن رشيد رضا اقترح إقامة الخلافة في الموصل. تخيلوا، الموصل! أليست هي الآن مركز خلافة داعش؟ هذا يعني أن الفكرة واحدة وقديمة. اليوم، للتعامل مع موضوع الخلافة، يجب أن نعود إلى التراث، ونفككه، ونرى ما هو وضع نظام الخلافة. هل هو جيد؟ اليوم، يستيقظ شخص من داعش أو جماعة متطرفة أخرى، يرتدي ملابسه، ويتجهز ليفجر نفسه من أجل عودة الخلافة. فما هي الخلافة في ذهنه؟
الخلافة هي نظام سياسي لا علاقة له بالدين، اقتضته الظروف السياسية بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام. توفي الرسول ولم يترك شكلاً من أشكال التنظيم السياسي لمن سيخلفه، ولم يحدد شكل الحكم بعده. انتهت رسالته، وتحول الأمر إلى سياسة. اجتمع بعض الأنصار، أهل المدينة الأصليين، في سقيفة بني ساعدة، وبدأوا يفكرون ويتخذون قرارات مصيرية بشأن الدولة الإسلامية. سمع المهاجرون بذلك، فذهب أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب إلى السقيفة، وأوقفوا الأنصار الذين كانوا ينوون اختيار زعيم منهم. بدأت مفاوضات سياسية، حيث قال الأنصار: "أنتم جئتم من مكة ولكم مشاكلكم، ونحن من قوّاكم ونصرناكم، والرسول سمانا الأنصار، فلنا أن نحكم". فقال أبو بكر: "الأئمة من قريش"، وهي كلمة سنعود إليها لاحقاً. بدأت المفاوضات والمساجلات بين المهاجرين والأنصار، وانتهت بتولية أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين.
هنا نسأل: هل كان هذا الاختيار سياسياً أم دينياً؟ هل كان اختياراً إلهياً؟ وهل هو خليفة الله أم خليفة الرسول؟ من الذي غاب؟ من الذي انتهت مرحلته؟ لا يمكن القول إنه خليفة الله، فهذا نظام سياسي اقتضته الظروف. لدرجة أن أبا بكر قال بعد ذلك: "لقد كانت بيعتي فتنة، وقى الله المؤمنين شرها". حدثت مفاوضات سياسية في اجتماع سياسي، أسفرت عن اختيار أبي بكر الصديق. بعد أبي بكر، الذي حكم من 11 إلى 13 هـ، جاء عمر بن الخطاب من 13 إلى 23 هـ. كيف تولى؟ أوصى أبو بكر بعمر قبل وفاته. هل هذا دين أم سياسة؟ ثم جاء عثمان بن عفان من 23 إلى 35 هـ. كيف تولى؟ قبل وفاة عمر، أقر نظاماً سياسياً سريعاً يشبه الانتخابات بين ستة أشخاص، وانتهى الأمر باختيار عثمان. ثم قُتل عثمان عام 35 هـ على يد ما يُسمون بالثوار، وتولى علي بن أبي طالب من 35 إلى 40 هـ بعد فراغ سياسي.
لدينا أربعة خلفاء راشدين، اختلف شكل اختيارهم وبيعتهم من واحد لآخر. هل هناك في القرآن الكريم أو الحديث الصحيح أو السنة الصحيحة أي شكل من أشكال تنظيم الحياة السياسية بعد الرسول؟ لا يوجد. ثم إن ثلاثة من الخلفاء الراشدين قُتلوا لأسباب سياسية. أبو بكر لم يُقتل لأنه حكم سنتين فقط. عمر بن الخطاب، وهي فترة استثنائية في تاريخ الدولة الإسلامية، بدأ ينظم السياسة، وأسس دواوين، وحاول إجراء إصلاحات إدارية، لكنه قُتل على يد أبي لؤلؤة المجوسي لأسباب سياسية وعصبية. عثمان بن عفان واجه ما يُسمى في كتب التراث بالفتنة، أو ما يسميه آخرون الثورة، أو حركة عبد الله بن سبأ، وهي شخصية ينفي الشيعة وجودها. في النهاية، حوصر بيت عثمان، ومنعوا عنه الماء، ودخل الثوار وقتلوه. من بين الذين شاركوا في قتله كان محمد بن أبي بكر الصديق، ابن أول خليفة، يشارك في قتل ثالث خليفة. هذا يظهر تحول الأمر إلى قمة الصراع السياسي.
عندما ندرس عصر عثمان، نجد مشاكل سياسية كبيرة، مثل تولية الأقرباء من الأمويين لمناصب الدولة، ومشاكل مالية، وبعضهم سماه فساداً. ثم جاء علي بن أبي طالب، الذي حكم من 35 إلى 40 هـ، وقضى هذه السنوات في صراعات. أول صراع كان مع طلحة والزبير وعائشة في معركة الجمل، وهي صراع بين صحابة. ثم ظهر خصم لدود من الشام، معاوية بن أبي سفيان، الذي طمع في الخلافة، فدخلوا في معركة صفين، وحادثة رفع المصاحف، التي يُروى أنها غير منطقية، لأن المصحف في تلك الفترة لم يكن بالحجم الذي يسمح بحمله بهذه الطريقة. ثم جاء التحكيم، الذي قضى بخلع معاوية وعلي، لكن الصراع استمر حتى قُتل علي. تولى الحسن بن علي لستة أشهر، لكنه رفض السياسة وتنازل عن الخلافة لمعاوية عام 41 هـ، الذي سُمي مجازاً عام الجماعة. لكن ابن خلدون قال إنه عام عدم الجماعة، لأن الصراعات السياسية بدأت تظهر، ونشأت الأحزاب والشيع والخوارج.
فترة الخلفاء الراشدين تُظهر أن تسميتهم "راشدين" جاءت لاحقاً لتمييزهم عن الانزلاقات في عصر الدولة الأموية والعباسية. ثلاثة من الأربعة قُتلوا لأسباب سياسية. لو افترض الرسول شكلاً للحكم بعده، هل كانت ستحدث كل هذه الصراعات؟ لذا، الخلافة نظام سياسي اقتضته الظروف، وليست أصلاً من أصول الدين. لكن الشيعة جعلوا الإمامة أصلاً من أصول الدين. الجماعات الإسلامية، مثل داعش وحسن البنا وسيد قطب، تحلم بالخلافة. حتى الخميني في ثورته الإسلامية في إيران قال: "حكم العرب والترك العالم الإسلامي قروناً، وقد آن الأوان للفرس أن يحكموا". إيران لا تزال تحلم بالخلافة، وسياساتها في المنطقة تعود إلى هذا الحلم.
في الخلافة العباسية، نجد ألقاب الخلفاء مثل "المنصور بالله" و"العزيز بالله"، تضم كلمة الله لتحويل الخلافة إلى خليفة الله. كتب الأدب السلطاني، مثل كتاب المواردي "الأحكام السلطانية"، حاولت إضفاء القداسة على الخليفة، معتبرة إياه ظل الله في الأرض. عندما جمع أبو جعفر المنصور الفقهاء، قالوا له: "أنت تحكم باسم الله في الأرض"، وهو تطور خطير قام به فقهاء السلطة.
يهمني، بل يلزمني، أن أبدأ بعرض بعض اللمحات التاريخية لنرى معاً: هل نظام الخلافة، الذي تحلم به بعض الجماعات الإسلامية اليوم، كان نظاماً مثالياً لا تشوبه شائبة؟ هل كان نظاماً براقاً، يجعلك تشعر بالفخر عندما تتذكره، كما لو كنت تجلس مع والدك أو جدك يروي لك أياماً جميلة مضت، فيتملكك الحنين لتلك الأيام؟ أم أننا إذا جلسنا لنروي حكاية الخلافة الإسلامية، هل سنكون فرحين منشرحي الصدر، أم سنقول: لا، كان هذا نظاماً سياسياً قمعياً في بعض الأحيان، دموياً في أحيان أخرى، له علاقة بالدماء، وله علاقة بالنساء في كثير من الأحيان، وكان مناسباً لعصوره، لكنه لا يصلح لاستدعائه في عصور أخرى؟
عندما أقول إن معاوية بن أبي سفيان كان أول خليفة أموي، فإن هذا الرجل كان معلماً سياسياً بامتياز. فقد أسس الدولة الأموية، وكان لديه رؤية سياسية كبيرة وطموح قوي لتأسيس ملك عظيم لهذه الأسرة الأموية. لذا، تقول المصادر إنه حول نظام الخلافة من نظام الشورى والبيعة، حيث كان هناك على الأقل أخذ ورد في الرأي، إلى نظام قيصري أو ملكي، أو ما يُسمى بالنظام الكسروي. فبمجرد أن تولى معاوية الخلافة، بدأ يغير النظام، وقال: سأبتكر شيئاً يُسمى ولاية العهد. وهي فكرة جديدة، تطور سياسي في نظام الحكم. فقرر أن يجعل ابنه ولياً للعهد ليحكم من بعده. هل لهذا علاقة بالديمقراطية؟ هل له علاقة برغبة الجماهير أو إرادة الأمة؟ لا، هذا نظام سياسي استبدادي. قام معاوية بتولية ابنه يزيد ولياً للعهد، وكانت سياسته حيناً حليمة وأحياناً أخرى عنيفة للغاية.
على سبيل المثال، كان هناك رجل يُدعى حجر بن عدي، كان يعارض معاوية، وأحياناً كان يتجاوز في معارضته. انتهى الأمر بقتل حجر بن عدي، بعد أن جمع معاوية بعض الشيوخ وعدداً من الناس ليوقعوا على عريضة تتهمه، ثم أُعدم. بعد ذلك، ولَّى معاوية ابنه يزيد، الذي أصبح خليفة المسلمين. بالمناسبة، كانوا ينادون أبا بكر الصديق بـ"خليفة رسول الله". وعندما جاء عمر بن الخطاب، قالوا له: "يا خليفة خليفة رسول الله"، فقال: "لا، هذا لا ينفع، فمن سيأتي بعده، هل سيقال له خليفة خليفة خليفة رسول الله؟" فاستقر الأمر على لقب "أمير المؤمنين"، لكن المقصود أنه خليفة رسول الله. فلما جاء يزيد بن معاوية، خليفة رسول الله، واجه معارضة من بعض الفئات في المجتمع، مثل الحسين بن علي. تطورت هذه المعارضة إلى ذبح الحسين في كربلاء.
الحسين، بالمناسبة، كان يطالب بمنصب سياسي أيضاً، منصب الخلافة، ويزيد بن معاوية كان يحافظ على منصبه السياسي، وهو الخلافة أيضاً. هل شممنا هنا رائحة الدين؟ لماذا إذن نزعل عندما يقول أحدهم إن الخلافة كانت نظاماً استبدادياً أو قمعياً، أو نظاماً من نظم العصور الوسطى التي ساهمت في تخلف المسلمين؟ لماذا الغضب؟ كل ما نرويه مستمد من كتب التاريخ والتراث والنصوص. إذا بحثت، لن تجد هذا الكلام غير صحيح. كلها تشير إلى أن هذا النظام لم يكن جيداً بالمطلق. فلماذا هذه الحمية الشديدة لنظام الخلافة؟ ولماذا هذا الحنين الغريب لعودته؟ ما هي الحسنة فيه؟
يزيد بن معاوية مارس سياسات كارثية، مثل واقعة كربلاء عام إحدى وستين هـ. حتى هذه اللحظة، تظل هذه الواقعة أكبر مشكلة بالنسبة للشيعة، وأكبر مصدر كره لهم تجاه المسلمين الذين أصبحوا يُعرفون لاحقاً بالسنة. ففي عام إحدى وستين هـ، قُتل الحسين بن علي وذُبح، ولا يزال الشيعة يمارسون لطمياتهم وشعورهم بالذنب وجلد الذات بسبب هذه الواقعة، متسائلين: "لماذا لم ننصر الحسين؟ لماذا لم نقف معه؟" كل السلطات الزمنية التي جاءت بعد يزيد بن معاوية تُعتبر في نظر الشيعة غير شرعية. من الأمور المثيرة أن الشيعة كانوا يقولون، مثلاً: "توفي فلان الفلاني في السنة الخامسة من خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب". لكن عندما تبحث، تجد أن هذا الشخص توفي في السنة الخامسة أو السادسة هـ مثلاً. فتتساءل: كيف؟ إنهم في التاريخ الشيعي يسقطون فترة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان، ويعتبرون أن علياً هو من كان يجب أن يكون الخليفة منذ وفاة الرسول، استناداً إلى حادثة غدير خم.
حادثة غدير خم، بحسب اعتقاد الشيعة، هي أن الرسول وقف بالمسلمين وقال: "من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيثما كان". يعتقد الشيعة أن هذا النص وصية من الرسول لعلي. لكن في نفس اللحظة، قال الرسول كلاماً طيباً عن أبي بكر وعمر، لكن النص السياسي اقتُطع واستُخدم في الصراع. كل فرقة سياسية أو حزب سياسي له نصوصه التي يستخدمها. من بين الأحاديث الضعيفة التي أصبحت سيفاً مسلطاً علينا حتى اليوم هو حديث الفرقة الناجية، الذي يقول إن الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. طوال التاريخ الإسلامي، كل مجموعة كانت تدعي أنها الفرقة الناجية: الشيعة، الخوارج، وحتى مجموعة من خمسة عشر شخصاً يريدون إحداث ثورة أو سرقة متجر في بغداد يدعون أنهم الفرقة الناجية. هذا الحديث كان يُستخدم كسيف لإقصاء الفرق والمذاهب والآراء السياسية الأخرى.
يزيد بن معاوية تسبب في معركة كربلاء، بل إن ابنه يزيد بن المعارض، في معركة الحرة، هاجم الأماكن المقدسة. في الدولة الأموية، ضُربت الكعبة بالمنجنيق عند محاصرة عبد الله بن الزبير. هذا يمثل أقصى درجات العنف ضد الفكر الديني نفسه. فلماذا نحاول اليوم استدعاء فكرة الخلافة وأدبياتها للحديث عن مجد الإسلام، مدعين أن الخلافة هي الوحيدة القادرة على إعادة الحضارة الإسلامية؟ هذا كلام فارغ.
من الأمور الأخرى، في عصر الدولة الأموية، عبد الملك بن مروان، عندما قيل له: "أنت الآن خليفة"، كان يقرأ في المصحف، فأغلقه وقال: "هذا آخر عهدنا بك". هذه مقولات موثقة. النقاش في نهاية هذه الجلسة قد يكون حول أن هذه المقولات غير موثقة، لكن من السهل القول إنها غير موثقة. نحن نعمل بالمصادر التاريخية، ننقدها ونفحصها، ونصل إلى أقرب الروايات صحة. إذا قلت إن هذا النص موضوع، سأحترم رأيك، لكن أريد دليلاً. يجب أن تقول إن رواية الطبري، مثلاً، رواها فلان وهو مجروح. هذا هو المنهج. أما نفي الرواية مطلقاً فهو غير صحيح. وأنا مستعد لسماعك. عندما قلت إنني أكثرت من هذه الروايات، تحدثت عن فترة الخلفاء الراشدين، ولا أعتقد أنك ستعترض على أن أبا بكر وعمر قُتلا.
بالنسبة للأحاديث التي ذكرتها، أحاول إضعافها، لكنني لست من أهل الجرح والتعديل، ولا علاقة لي بعلم الحديث. لكن أعطني دليلاً واحداً. ذكرت حديثين: حديث النبوة والخلافة، وحديث الفرقة الناجية. أعطني دليلاً على أن هذين الحديثين فيهما شبهة صحة. أنا لست عالماً بالحديث، لكنني بحثت كثيراً فيهما، وتوصلت إلى يقين، وهي اجتهادات شخصية، أنهما لا علاقة لهما بالصحة. من شروط صحة الحديث أو عدمها تطبيق العقل. كيف يكون هناك حديث يتحدث عن نبوة وخلافة وملك متتابع، بينما الصحابة بعد وفاة الرسول لم يعرفوا كيف يختارون نظام حكم؟ هل كان لديهم كتالوج مسبق لنظام الخلافة؟
يزيد بن عبد الملك، كما يشير عنوان المحاضرة "الخلافة الإسلامية: الحكاية التي لم تُروَ"، لسنا نروي الحكاية التي رُويت. كل عصر من عصور الخلفاء، مثل أي نظام سياسي، له إيجابيات وسلبيات، إنجازات حضارية ومشاكل سياسية واجتماعية. لا أنكر أن ثورات كادت تعصف بالخلافة العباسية نتيجة ظروف اجتماعية واقتصادية. لا أنكر أن أي دعوة كانت تدغدغ أحلام المهمشين والفقراء، مدعية المهدوية، قائلة: "أنا المهدي المنتظر، سأملأ الأرض عدلاً كما مُلئت ظلماً". فتجتمع حولها أعداد كبيرة، وتحدث مشاكل. لا أنكر وجود ثورة الزنج، أو القرامطة، أو أن الثورات في التاريخ الإسلامي كانت نتيجة أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية. لا نريد أن نجعل الموضوع مثالياً، ولا نقول إن الخلافة الإسلامية كانت ناصعة البياض.
لا أنكر أن عبد الحميد الكاتب، أعظم كتاب العصر الأموي، في نهاية الدولة الأموية، أُعدم بصب زيت مغلي على رأسه حتى مات، كما تقول المصادر التاريخية. لا أنكر أن ابن المقفع اتهم بالزندقة، فقال الوالي: "حق لي قتله"، وقُطعت أوصاله ورُميت في النار أمامه. هل يمكن لأحد أن ينكر هذه النصوص الموجودة في كل المصادر التاريخية؟ هذه أمور موثقة، حتى بإقرار الخلفاء أنفسهم. فمثلاً، المأمون، ماذا فعل؟ هناك أمور صغيرة قد نختلف عليها، لكن هناك أحداث تاريخية لا يمكن الاختلاف عليها إلا إذا لم نقرأ المصادر التاريخية. هناك فرق بين أن نكتسب معلوماتنا التاريخية من مواقع الإنترنت أو كتيب صغير، وبين أن نأتي بالمصادر والنصوص، وكتب المغازي والسير، ونستخلص منها الأحداث التاريخية.
يزيد بن عبد الملك كان محاطاً بمجموعة من فقهاء السلطة. من المشاكل التي واجهت تاريخ المسلمين طوال عصورهم هو فقهاء السلطة، الذين يحاولون التقرب من الخليفة أو القائم على الوضع السياسي، فيصيغون فتاوى على مقاسه. يزيد بن معاوية جاء بعد عمر بن عبد العزيز، الذي سُمي في النصوص التاريخية خامس الخلفاء الراشدين، لأنه حكم سنتين فقط، من تسع وتسعين إلى مئة وواحد هـ، وكانت سياساته تتسم بالعدل والتساوي مع الفئات غير المسلمة، وناقش أفكار الخوارج، وكان منفتحاً إلى حد كبير. جاء بعده يزيد بن عبد الملك، الذي أراد السير على طريق عمر بن عبد العزيز، لكن فقهاء السلطة رأوا أن هذا الأمر مرهق لهم. فقالوا للخليفة: "كفى أنك ظل الله على الأرض، تجمع في يديك أمر الدنيا والدين، أنت مسؤول عن الأمور السياسية والاجتماعية وكل شيء، فالله لا يحاسبك كما يحاسب العامة". وقالوا: "خفف عن نفسك، أنت تصوم وتقوم الليل، لا تنام إلا ساعة أو ساعتين، تقرأ القرآن قبل الفجر، تصلي الفجر، ثم تتفقد الأسواق بنفسك. أنت متعب جداً، ابدأ بالترفيه عن نفسك". فبدأ فقهاء السلطة يؤثرون على يزيد بن عبد الملك، حتى أخرجوه عن طريق عمر بن عبد العزيز.
المصادر تحكي لنا، وأنا دائماً أركز على كلمة المصادر، لأن كل كتاباتي وندواتي تستند إلى المصادر التاريخية، فهي أساسنا. عندما نعمل على تاريخ الحروب الصليبية، نأتي بأعمال الباباوات والوثائق اللاتينية. وعندما نعمل على التاريخ العربي أو الإسلامي، نأتي بمصادر التاريخ الإسلامي. هناك كثير من الروايات الموضوعة والإسرائيليات والأوراق، لكننا لا نستطيع الجرح في الحديث الشريف لأنه علم له متخصصون، لكننا نستطيع الجرح في الأحداث التاريخية.
على سبيل المثال، العباسيون، عندما تولوا الحكم، لجأوا إلى خدعة سياسية. أتذكر، مثلاً، شعار الإخوان "الإسلام هو الحل"، وهو شعار سياسي بغرض المكسب السياسي. حسن البنا قال: "الله غايتنا، والرسول زعيمنا". هذا شعار سياسي أيضاً. في تلك الفترة، كان مصطفى النحاس يُوصف بأنه زعيم الأمة، فصُدر شعار "الرسول زعيمنا" لإلغاء زعامة مصطفى النحاس. العباسيون بدأوا منذ فترة طويلة بشعار "الرضا من آل محمد". أي باحث في التاريخ لا يمكنه إنكار هذه النقطة. ماذا يعني "الرضا من آل محمد"؟ يعني أن دعوتهم السياسية هي دعوة لآل محمد عليه الصلاة والسلام. بدأوا يعملون في أماكن بعيدة مثل خرسان، واستقطبوا المهمشين والفقراء وأصحاب الوازع الديني، وقالوا: "آل محمد أقرباء الرسول". فأسسوا الثورة العباسية، التي نجحت في إقامة الدولة عام مئة واثنتين وثلاثين هـ.
هنا وقع العلويون، أبناء علي بن أبي طالب، في خلاف كبير مع العباسيين، وقالوا: "هل أنتم تمزحون؟ لقد خدعتمونا! قلتم الرضا من آل محمد، ونحن آل محمد!" فقال العباسيون: "نحن قلنا آل محمد، ومحمد العباس عم الرسول". فقال العلويون: "علي بن أبي طالب ابن عم الرسول، وزوج ابنته فاطمة، وأبو أحفاده، فهو الأولى". فحصلت معركة سياسية كبيرة بين العلويين والعباسيين. لكن العباسيين نجحوا في تأسيس دولتهم على أنقاض الدولة الأموية. منذ اليوم الأول، اضطهد العباسيون أبناء عمومتهم العلويين. الدولة العباسية تبنت شعاراً يقول: "كل مشكلة في الدولة يمكنني حلها بسهولة، إلا ما يأتي من العلويين". أي مشكلة تأتي من العلويين يجب مواجهتها بالسيف. إذا قرأت كتاب "مقاتل الطالبيين" للأصفهاني، ستجد مجلدين يؤرخان للعلويين الذين قُتلوا أو سُجنوا أو أُقصوا في أيام الدولتين الأموية والعباسية.
لا يمكن لأي باحث مبتدئ في التاريخ أن ينكر أن الدولة العباسية، عند قيامها، شهدت مذبحة خطيرة تُسمى مذبحة نهر أبي فطس. بعد سقوط الدولة الأموية وقتل آخر خليفة أموي، مروان بن محمد، عام مئة واثنتين وثلاثين هـ في مصر، أصبح الأمويون فلولاً. مصر كانت دائماً حاضرة في المشاهد السياسية. في خلافة عثمان، خرج بعض الناس من مصر. في صراع علي ومعاوية، شارك أناس من مصر. ومروان بن محمد هرب إلى مصر وقتل هناك. أبو العباس السفاح، الذي سُمي في كتب التاريخ بالسفاح، ربما يحتاج اسمه إلى تجريح. لكن البعض حاول تلطيف الأمر قائلين إن السفاح يعني "يسبح في الخير"، أي يغدق بالخير. لكن اسمه في الكتب هو السفاح، ولا حاجة للتأويل.
يسرني اليوم أن أشارككم في هذه الندوة التي نستضيف فيها الأستاذ محمد فياض، لنناقش موضوع الخلافة الإسلامية. لنبدأ بالحديث عن أول خليفة عباسي، أبو العباس، الملقب بالسفاح. هذا اللقب أُطلق عليه، وهناك فرق بين أن نطلق لقباً على شخص في عصره وبين أن نتحدث عنه بعد قرون. على سبيل المثال، عندما نتحدث عن هتلر اليوم، نصفه بالسفاح بناءً على أفعاله. لكن أبو العباس، في خطبته الأولى، قال بنفسه: "فاستعدوا، فأنا السفاح المبير". هذا التصريح واضح، وقد كلف عمه عبد الله بن علي بتعقب فلول الأمويين. وقعت مذبحة نهر أبي فطس، تحديداً بالقرب من الأردن، حيث دعا عبد الله بن علي الأمويين قائلاً: "تعالوا، لقد أمناكم، ما مضى قد مضى، فلنقف معاً ونشارك في بناء الدولة الجديدة". لكن هذا كان كلاماً سياسياً يخفي نوايا أخرى. فقد أُلقي القبض على الأمويين الذين خرجوا، وذُبحوا.
تروي المصادر التاريخية أن عبد الله بن علي فرش الأرض بالموائد، وأثناء تناول الطعام، كانت أرواح الضحايا تخرج من تحت الموائد. وقال: "والله، لقد أكلتُ طعاماً أطيب من هذا، لكن هذه الأكلة أهْنى إلى نفسي". إذا أردنا القول إن هذه الرواية لم تحدث، فكل المصادر التاريخية الإسلامية ذكرتها بتفاصيلها. لا أوافق على نفيها دون دليل، لكن هذا لا ينفي أن هناك حركة اضطهاد وقتل وتعقب لكل من كان أموياً. هناك كتاب يُدعى "أخبار الفارين"، يروي قصص الأمويين الذين هربوا واختبأوا، وكيف كان العباسيون يتعقبونهم. يشبه هذا مقاومة النازية في أوروبا، حيث كانوا يتعقبون أي شخص يُشتبه بأنه نازي. نفس الأمر كان يحدث مع الأمويين والعلويين.
هنا، كخليفة أو معارض سياسي، نتحدث عن سياسة خالصة، لا علاقة لها بالدين. قد تكون مرتبطة بالتراث، لكنها ليست ديناً. على سبيل المثال، أبو جعفر المنصور، ثاني خليفة عباسي، وهو المؤسس الحقيقي للدولة العباسية والذراع الأيمن لها، قتل أبا مسلم الخراساني بيده. لماذا؟ لأنه لا يمكن أن يُغمَد سيفان في غمد واحد. بدأ صراع الكاريزما: أبو مسلم الخراساني، الذي قاد الثورة وأسس الدولة، كان محبوباً من الناس. عندما كان أبو جعفر المنصور ولياً للعهد، وذهب للحج مع أبي مسلم، كان الناس يتجمعون حول الأخير ويهتفون به، بينما لم يلتفت أحد إلى أبي جعفر، فنشأت إشكاليات نفسية.
نفس الأمر حدث مع الخلافة الفاطمية، وهي خلافة شيعية قامت في بلاد المغرب على أكتاف أبي عبد الله الشيعي، الذي نشر الدعوة. لكن الخليفة الفاطمي الأول، عبيد الله المهدي، شعر بأن أبا عبد الله يتمتع بشعبية كبيرة، فقرر التخلص منه. قال الذي قتل أبا عبد الله: "الذي أمرنا بطاعته أمر بقتلك". هذا نمط متكرر: الخلفاء، سواء كانوا سنة أو شيعة، كانوا يقتلون أعوانهم، سواء بسبب صراع على الكاريزما، أو خلاف في الرأي، أو ميول علوية تتعارض مع مصالح الخليفة.
في عصر هارون الرشيد، لا يمكن إنكار ما حدث للبرامكة من تنكيل. هناك رواية طريفة في كتب التاريخ تقول إن هارون الرشيد زوَّج أخته من زعيم البرامكة، لكن بشرط ألا يدخل بها، لأن ذلك سيُعدّ معاداة للخليفة. لكنه دخل بها وحملت، فكان ذلك سبباً في القضاء على البرامكة. أيضاً، لا يمكن إنكار أن المأمون قتل أخاه الأمين. هارون الرشيد، قبل وفاته، ارتكب خطأ سياسياً بتعيين وليي عهد: الأمين، الذي كانت أمه عربية وتربيته عربية، والمأمون، الذي كانت أمه فارسية وتربيته فارسية. بعد وفاة هارون، اندلع صراع كبير بين الأخوين، تطور إلى قتل الأمين، حيث قُطعت رأسه وأُرسلت إلى المأمون. هل نتحدث هنا عن دين أم عن صراع سياسي؟ هذه هي الحكايات التي لم تُروَ.
عندما نتحدث عن الخلافة وحلمها الضائع، لا نتحدث عن هذه القصص. قتل الأمين ليس مجرد صراع سياسي، بل صراع شعوبي بين العرب، ممثلين في الأمين، والفرس، ممثلين في المأمون. قُتل الأمين العربي بأيدي أخوال المأمون الفرس. هذا قمة الصراع السياسي. للأسف، عندما يتحدث الناس عن عظمة الخلافة الإسلامية، يتوقفون عند المأمون ويمتدحونه بحماس، معتبرينه رائد التنوير. لكن من وجهة نظري، المأمون كان مستبداً ذكياً، صوَّر نفسه كراعٍ للتنوير، يوزن الكتاب بوزن ذهب، لكنه كان من أكثر الخلفاء ظلماً.
لنأخذ مثالين: أولاً، محنة خلق القرآن. المعتزلة، وهم مجموعة مستنيرة، تورطوا في هذه الفترة بقربهم من السلطة، وهو ما أفقدهم قيمتهم. كان لديهم آراء معقدة حول خلق القرآن: هل هو مخلوق أم غير مخلوق؟ قضية فكرية معقدة لا تعنينا هنا. لكن المأمون تبنى هذه القضية، واستند إلى رأي المعتزلة، الذين أصبحوا فقهاء سلطة. فكل إمام أو عالم دين لم يقل برأي خلق القرآن، كان يُنكَّل به، يُجلد، يُعذب، ويُسجن. أين الاستنارة هنا؟ النصوص التاريخية تروي أنه في عام من الأعوام، أثناء تبادل الأسرى بين العرب والروم، كان يُسأل الأسير قبل تبادله: هل تؤمن بخلق القرآن؟ إذا كان معتزلياً، يُقبل، وإلا يُعاد إلى بلاد الروم. هذه قمة الحرية الفكرية!
عندما نتحدث عن الخلافة كنظام مستبد، يثور البعض ويتهموننا بالطعن في الدين. نفس هؤلاء يهاجمون من ينتقد آراء الأئمة الأربعة، مثل إسلام البحيري وغيره. لكن إذا قرأتم التاريخ، ستجدون أن العلماء، مثل أحمد بن حنبل، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة، تعرضوا لمحن، جُلدوا، عُذبوا، وسُجنوا على أيدي خلفاء مسلمين. هذا واضح في كتب الحديث، حيث تجدون باباً كبيراً بعنوان "محن العلماء" أو "محن الأئمة". أبو حنيفة، مالك، ابن حنبل، كلهم تعرضوا للاضطهاد من الخلفاء. هذا واضح وضوح الشمس.
أتمنى منكم أن تقرأوا باب محن العلماء. انظروا ماذا حدث لأبي حنيفة النعمان، ومالك، وابن حنبل. الخليفة كان يختبر العالم، فيرسل له هدية، فإن رفضها، كانت أيامه سوداء. أو يطلب منه أن يكون قاضياً، فإن رفض، كانت أيامه سوداء. اقرأوا الكتب، ضعوها أمامكم، وستصلون إلى نتائج كبيرة. ستجدون أن هناك حساسية مفرطة عند الحديث عن الخلافة أو آراء الأئمة، رغم أن هؤلاء هم من تعرضوا للتنكيل.
لنعد إلى المأمون. في يوم من الأيام، قال: "لقد ظلمنا العلويين كثيراً، وهم أبناء عمنا، وهم طيبون، ونحبهم". قرر تعيين علي الرضا ولياً للعهد. الشيعة يتبعون علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين (زين العابدين)، ثم محمد الباقر، ثم جعفر الصادق. عند جعفر الصادق، توفي ابنه إسماعيل، فانقسم الشيعة: فرقة ذهبت إلى إسماعيل وأبنائه، وهم الإسماعيلية الذين أسسوا الدولة الفاطمية، وفرقة أخرى ذهبت إلى موسى الكاظم، ثم علي الرضا، ثم محمد الجواد، ثم الحسن العسكري، ثم محمد بن الحسن العسكري، المهدي المنتظر، وهم الشيعة الإثنا عشرية.
المأمون دعا علي الرضا وقال له: "ستكون ولي العهد". هذا قرار صادم، لأن العباسيين كانوا يقولون: "كل فتق قابل للرتق إلا ما جاء من العلويين". فكيف يصبح علي الرضا ولي العهد؟ بل إن المأمون غيّر شعار الدولة من اللون الأسود إلى الأخضر، لأنه لون العلويين، وزوّج ابنة علي الرضا من ابنه. لكن بعد فترة، مات علي الرضا مسموماً. لا نعرف بالضرورة إن كان مسموماً، لكن بعد موته، أصدر المأمون قراراً بإعادة اللون الأسود وغسل المنابر التي دُعي عليها لعلي الرضا. في تاريخ الخلافة، كان الخطيب يدعو للخليفة وولي العهد يوم الجمعة كمظهر من مظاهر السيادة. لكن المأمون أمر بتطهير المنابر من اسم علي الرضا، واستمر التنكيل بالعلويين.
ابن خلدون، في مقدمته، يقول إن فترة المأمون شهدت كثرة الخروجات العلوية، وتشوشت الأمور. كان هناك ثوار علويون في كل مكان، فحاول المأمون لعب لعبة سياسية بتعيين علي الرضا ولياً للعهد لتهدئة الأمور، ثم إزالته بالسم أو غيره. اقرأوا تحليل ابن خلدون لهذه الحادثة، وستجدون كمية المراوغة السياسية. هل يمكن إنكار أن المأمون قتل أخاه الأمين؟ هل كان ذلك خدمة للدين؟ لو لم يقتل أخاه، هل كانت ستحدث مشكلة في الدين أو سيرتد المسلمون؟ كلها صراعات سياسية.
الجماعات الإسلامية، مثل حسن البنا، وسيد قطب، وداعش، تحلم بالعودة إلى الخلافة "الحلوة" التي نتحدث عنها. لكن هذا كان نظاماً سياسياً صرفاً، لم يكن جيداً، وتسبب في كثير من المشاكل والدماء. نظرة بسيطة لبلاط الخلافة العباسية تكشف كمية التجاوزات، سواء المتعلقة بالجواري أو الغلمان. هناك فنون كتابة كاملة عن الجواري والغلمان في بلاط الخلفاء العباسيين.
ما الذي أصاب العالم الإسلامي تحت حكم الخلافة؟ الحروب الصليبية استمرت قرنين، واستطاعت إقامة إمارات وممالك في قلب بلاد الشام في ظل الخلافة. المغول اجتاحوا الحضارة الإسلامية وبغداد وبلاد الشام، وقتلوا الخليفة. والمفارقة أن انتصار المسلمين على المغول في معركة عين جالوت تم في مصر، في غياب الخلافة. الخلافة لم تستطع حماية العالم الإسلامي من التفرق، أو الغزوات الخارجية، أو الصراعات. استخدمت كل الوسائل: الألقاب الدينية، الشعارات السياسية، فقهاء السلطة، الاستبداد، القمع، المنح والمنع. المصادر الإسلامية تروي أن في عام كذا، وقع صراع بين السنة والشيعة، وأصبح ذلك عادة. عندما جاء المغول، سقطت بغداد بسهولة، لأن القادة كانوا يرتعبون من رسائل المغول.
في عام ما، أحيا الظاهر بيبرس الخلافة العباسية في مصر. جاء بشخص قيل إنه من نسل الرسول، وسُمي المستنصر بالله، وقيل له: "وظيفتك أن تمنحني الشرعية فقط، تجلس في القلعة وتختم على قراراتي". المماليك شعروا بنقص في أصولهم، لأنهم كانوا عبيداً، فأرادوا اكتساب شرعية من خلال الخلافة العباسية. حتى شجرة الدر، عندما حكمت مصر ثمانين يوماً، واجهت ثورات لأن المصريين رفضوا حكم امرأة. فأرسلت إلى الخليفة العباسي، الذي قال لها: "إذا عدمت الرجال عندكم، أخبرينا نرسل رجالاً". هكذا تزوجت عز الدين أيبك. بيبرس استمر في استخدام الخلافة العباسية كرمز للشرعية، لكنه كان يضع خليفة رمزياً ليختم على قراراته، دون أن يكون له أمر أو نهي. هذه كانت محاولة إحياء الخلافة العباسية في التاريخ المملوكي.
تعليقات
إرسال تعليق