جبريل إبراهيم: ماذا بعد الحرب في السودان
لا خوفَ من أيِّ شكلٍ من أشكال الانفصال. فقد تلقَّى السودانيون درسًا قاسيًا من انفصال جنوب السودان، وآلام هذا الانفصال ما زالت قائمة. ربما هذه المرة الأولى التي أقول فيها إن هناك إجماعًا. إذا رجعنا إلى محضر الاجتماع الذي قُرِّر فيه حمل السلاح في مؤتمرٍ عُقد في ألمانيا، كنتُ الوحيد الذي عارض حمل السلاح. لم أكن خائفًا من أن يحدث لي – لا قدَّر الله – ما حدث لخليل أو شقيقك. نحن لسنا من الذين يخافون الموت، ففي النهاية لا مفرَّ من الموت. الجميع سيموتون بأيِّ طريقةٍ كانت، ولذلك لم يكن ذلك شاغلنا. تنظيف المدن المتضررة من الحروب من بقايا الجثث المتحللة، ومن الذخائر التي لم تنفجر والموجودة بكمياتٍ كبيرة، وحتى من الكلاب التي اعتادت في النهاية على أكل لحوم البشر... هذا سؤالٌ جميل: من أين تأتي بالمال؟ الأموال عندما تأتيك من الغرب تكون مسيَّسة. طيب، هل هم راضون عنكم أم لا؟ لا أظنهم راضين عنا، ولو كانوا راضين لكنا استلمنا المال مباشرةً في حساباتنا في بنك السودان. لكن الرضا درجات، فلم نصل إلى الصفر، ولم يقل أحدٌ في الدولة إنه يريد التطبيع مع إسرائيل. الدعم السريع مجرد أداة تُستخدم مرحليًّا، وسيُستغنى عنها في مرحلةٍ لاحقة، من دارفور إلى اليابان، ومن جماعة الإخوان المسلمين إلى المعارضة المسلحة ضد نظام عمر البشير، ومن ثم إلى الوقوف أخيرًا إلى جانب الجيش السوداني ضد الدعم السريع.
في بودكاست "دو الشان"، نستضيف اليوم رئيس حركة العدل والمساواة ووزير المالية السوداني، الدكتور جبريل إبراهيم، لنسلط معه الضوء على مسيرةٍ واكبت أبرز منعطفات السودان، وصولًا إلى المشهد الحالي بآلامه وآماله. أهلًا وسهلًا بك، دكتور جبريل.
السلام عليكم ورحمة الله. الأخت خديجة، سعداء بالاستضافة، ونحن أيضًا سعداء بتلبيتكم الدعوة. الله يسلمك. من أين تحب أن نبدأ؟
حيث شئتِ، من الطفولة والنشأة والقرية الطينية المحاذية لتشاد، على حدود تشاد. نعم، أنا مولود في قريةٍ صغيرة جدًّا بالقرب من الطينة، على بُعد حوالي سبعة كيلومترات من الطينة، أو من أطرافها. نشأتُ في هذه المنطقة، وهي منطقة شبه صحراوية، الحياة فيها قاسية، الناس تتنقل نصف اليوم للوصول إلى مصادر المياه، وتعود في النصف الآخر بمشقةٍ حقيقية. نسعى وراء الماشية من جهة، ونزرع زراعةً قليلة لا تكفي حاجة الناس. قليلٌ من الناس في تلك الأزمنة كانوا يذهبون إلى المدارس. لكن تصادف أن أخي الأكبر كان يدرس في المدرسة، وكان يأتي بملابس نظيفة، ومظهره أعجبني، فتبعته وذهبت إلى المدرسة، وهكذا بدأ المشوار.
انتقلنا شرقًا، درستُ في المدرسة الابتدائية في الداخلية. كانت هناك مدرسة داخلية في الطينة، نعم، مدرسة واحدة فقط. كنا نذهب إلى الأهل مرةً في الأسبوع ونعود. ثم في المرحلة المتوسطة، انتقلنا إلى مسافةٍ تبعد حوالي 180 كيلومترًا من الطينة، أيضًا في مدرسة داخلية لدراسة المرحلة المتوسطة. ثم انتقلنا إلى المدرسة الثانوية، على بُعد حوالي 310 كيلومترات من الطينة. كل هذه المراحل كانت في الداخليات. ومن الفاشر، انتقلت إلى جامعة الخرطوم، واستمر الإنزياح شرقًا حتى وصلت إلى بلاد الواقواق، أو اليابان. الناس يسمونها بلاد الواقواق، والنطق الحقيقي هو "واكوكو". بالنسبة للغة اليابانية، كلمة السلام هي "كونيتشيوا". فهمنا الآن من أين جاءت كلمة الواقواق. نعم، بلاد الواقواق هي اليابان، أو "واكوكو". كم عشتَ في اليابان؟ عشتُ في اليابان سبع سنوات، ودرستُ فيها الدراسات العليا. هل تتحدث اليابانية؟ أتحدث اليابانية، رغم أنها بدأت تتآكل مع مرور الزمن، لأننا خارج اليابان لا نستخدم اللغة كثيرًا. طيب، كيف يقولون باليابانية "أنا فخور بكوني سودانيًا"؟
[موسيقى]
اللغة سهلة أم صعبة من حيث النطق والقواعد؟ اللغة سهلة، لكن من حيث الكتابة والقراءة، فهم يعتمدون على الحروف القريبة من الهيروغليفية، أي الحروف الصينية نفسها. إنها صعبة في الكتابة والقراءة، لأن الرسمة الواحدة، كلما ارتبطت برسوم أخرى، لها معنى آخر ونطق آخر. لكنها لافتة ومدهشة. سعادة الوزير، هذا الطفل الذي نشأ في بيئة رعوية فقيرة جدًّا، في قرية الطينة، وصل إلى اليابان! من الطينة إلى الخرطوم إلى اليابان، شيءٌ جميل! من يجد فرصةً لدخول المدرسة في ذلك الزمان كان محظوظًا، فالفرص كانت ضيقة. أتذكر أننا ذهبنا إلى المدرسة حوالي 120 تلميذًا صغيرًا، أخذوا منهم 36 شخصًا، والباقون ذهبوا ليرعوا الماشية. التصفيات كانت صعبة، الامتحانات تأخذ نسبة أصغر للمتوسطة، ونسبة أصغر للثانوية، وهكذا، لأن المدارس كانت محدودة، لم تكن هناك مدارس كثيرة في البلاد. التصفيات التي تمر بها عبر الامتحانات تقوي الثقة في الإنسان، وتجعله يشعر أن لديه قدرات تمكّنه من تجاوز كل هذه المراحل. وبالتالي، لا يكون لديه تردد كبير في التقدم.
الأمر الآخر، نحن من بيئة رعوية، الناس فيها يترحلون بطبعهم من موقعٍ إلى آخر. عندنا الرحالة، أو أهل البادية، يقولون: "الرحيل عز العرب". يحبون الانتقال، فلا غرابة في أن ينتقل الإنسان من موقعٍ إلى آخر، ويبتعد عن الأهل لفتراتٍ طويلة. على العكس، الناس في البيئة الصحراوية، أهم شيء عندهم أن يكتم الرجل مشاعره، فلا يظهر أي شكل من أشكال الضعف، لأن الشكوى من الجوع أو إظهار العواطف الجياشة، حتى تجاه الأم، يعتبر ضعفًا. ولذلك، نحن من بيئة جافة، حتى في مشاعرها إلى حدٍ كبير. الناس يتحملون، يخترقون الصحارى، يذهبون إلى ليبيا أو النيجر سيرًا على الأقدام بحثًا عن مصدر للرزق. إنها منطقة صعبة، بها تحديات كبيرة، لكننا نشأنا في هذه البيئة.
في اليابان، كانت منحة من الدولة اليابانية. نعم، في سنتي الأخيرة في الجامعة، قدَّم اليابانيون منحة من وزارة التعليم العالي اليابانية. ذهبنا على هذه المنحة، وكانت حالة شاذة، فمعظم الطلاب كانوا يذهبون غربًا إلى بريطانيا بحكم الاستعمار، أو إلى أمريكا بحكم سهولة اللغة، لأن جيلنا درس في الجامعة باللغة الإنجليزية، فلا مشكلة في الدراسة في بريطانيا أو أمريكا. لكن عندما تذهب إلى اليابان، يجب أن تبدأ بدراسة اللغة من جديد، وهو تحدٍ كبير. قليلون من يرغبون في الذهاب إلى اليابان. حتى أنا لم أذهب لأبقى في اليابان، بل ذهبت لاستكشاف شيء جديد لم يجربه الناس من قبل. وجدنا أن البقاء في اليابان ممكن، الإنسان الياباني طيب ومرحب بالأجنبي. لكننا كنا حالة غريبة بالنسبة لليابانيين، فهم غير معتادين على أناس من إفريقيا. في القرى، كان الأطفال يحومون حولنا، يريدون التأكد إن كنا قرودًا بلا ذيل! يمسحون الجلد ويقولون: "لماذا لا تستحم؟ جلدك وسخ!"، لأنهم لم يكونوا معتادين على الأجانب في الريف الياباني. كان هناك عدد صغير يظهرون في طوكيو، وكان هناك جزء من الجيش الأمريكي في جزيرة أوكيناوا، فيعتبرون أي شخص أسود من أوكيناوا أمريكيًا. كما يربطون إفريقيا بحدائق الحيوانات بصورة أساسية.
ماذا درستَ هناك؟ درستُ الاقتصاد. وهل عدتَ إلى السودان بعدها؟ لا، عرجتُ إلى السعودية، درستُ في الجامعة في السعودية خمس سنوات قبل أن أعود إلى السودان. كنت في أبها، مدينة جميلة في أقصى الجنوب، ثم انتقلت إلى فرع نفس الجامعة، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم. كم بقيتَ في السعودية؟ بقيتُ أربع سنوات، ثم إلى لندن، ثم إلى السودان. بقيتَ في السودان أم غادرت؟ بقيتُ في السودان، وكُلِّفت بإنشاء شركة للنقل الجوي. كنتَ مكلَّفًا في أيام البشير بتأسيس شركة؟ نعم، شركة السودانية للنقل الجوي. كانت هناك شركة الخطوط الجوية السودانية، وهي شركة وطنية قديمة. كلفتَ بإنشاء شركة أخرى للطيران؟ نعم، وهذا يعني أن علاقتك مع البشير كانت ممتازة. لم يكن عندنا مشكلة. سمَّينا الشركة "عزة"، و"عزة" هو اسم مستعار للسودان في زمن الاستعمار، كانوا يرمزون به للسودان. فسمَّينا الشركة "شركة عزة للنقل الجوي"، وبقيتُ على رأس هذه الشركة ثماني سنوات، من عام 1990 إلى عام 2000. ما الذي دعاك بعد ذلك لترك المشروع؟ حدثت تغييرات كثيرة سياسية وغير سياسية في عامي 1999 و2000. تركتُ شركة عزة في منتصف عام 2000، أيام الرئيس المخلوع البشير. ثم انتقلتَ بعد ذلك إلى تشاد المجاورة للسودان؟ نعم، وأنا أصلاً من قرية حدودية، وجزء كبير من الناس في الحكم من أهلنا، لدينا صلات. حاولتَ إنشاء شركة للطيران في تشاد؟ نعم، لكن شعرتُ أن السوق أضعف من أن تستوعب شركة طيران متعددة العدد. فانتقلتُ من تشاد في عام 2001 إلى دبي، إلى الإمارات العربية المتحدة. وبقيتَ في الإمارات إلى عام 2005؟ نعم، حياتي كلها تجوال، من السودان إلى اليابان، إلى السعودية، إلى تشاد، ثم إلى أبوظبي. ولم يكن أبوظبي نهاية المطاف؟ بعد أبوظبي، انتقلتُ إلى لندن، هذه المرة لاجئًا، لأنه طُلب مني مغادرة الإمارات بطلب من الحكومة السودانية حينها. طلبوا تسليمي، والإماراتيون لم يجدوا سببًا لذلك، فطلبوا مني مغادرة البلاد. عمر البشير طلبك شخصيًا؟ نعم، لأن الثورة في دارفور بدأت، وظنوا أن كل من يعمل في مجال الأعمال من أهل دارفور يدعم الثورة، وكنتُ ضمن المتهمين بدعمها. فذهبتُ إلى لندن، وبقيتُ فيها، لكن لم أحصل على اللجوء السياسي. الإنجليز، إما بإيعاز من حكومة البشير، أو ربما لأن خلفيتي إسلامية، لم يرغبوا في منحي اللجوء السياسي. لكن بقيتُ في لندن بحصولي على إقامة مؤقتة تُجدَّد باستمرار حتى عام 2012. في نهاية عام 2011، اغتيل شقيقي، رئيس حركة العدل والمساواة، خليل إبراهيم، فاحتجنا إلى عقد مؤتمر لاختيار خلفٍ له. خرجتُ من بريطانيا، وذهبتُ إلى جنوب السودان، إلى كمبالا، وإلى الأراضي السودانية، وعقدنا مؤتمرًا. في هذا المؤتمر، رأى المؤتمرون أن أكون خلفًا لشقيقي، رحمه الله. أصبحتَ قائد حركة العدل والمساواة بعد وفاة شقيقك خليل؟ نعم. كيف وقع الاختيار عليك؟ يُنتخب الرئيس من كليات متعددة: النساء، الشباب، الطلاب، الجيش، والقيادات السياسية. تُرشَّح أشخاص، ووَقع الاختيار عليَّ كرئيس للحركة.
ألم تخفْ أن يحدث لك – لا قدَّر الله – ما حدث لخليل شقيقك؟ نحن لسنا من الذين يخافون الموت. في النهاية، لا مفرَّ من الموت، الجميع سيموتون بأيِّ طريقةٍ كانت. لم يكن ذلك شاغلنا. على العكس، كنا نرى شبابًا غضًّا يتقطع أمامنا، فموت الكبار لم يكن مشكلة كبيرة. المشكلة كانت في القضية، وهي أكبر. بالتأكيد، كانت لديك رموز أثرت فيك، شخصيات ربما في تلك المرحلة. أنتَ رجل ذو خلفية إسلامية، من هم الذين أثَّروا في تكوين شخصيتك في تلك المرحلة؟
شوفي يا أختي العزيزة، بدايةً، نشأتُ يتيمًا. والدتي كانت شخصية قوية جدًّا، وأثَّرت فينا كثيرًا، جميعنا. رحمها الله. ثم كان المدرسون في المجتمعات الصغيرة هم القيادات، أوضاعهم كانت أفضل بكثير مقارنة ببقية الناس، ملابسهم نظيفة، مظهرهم طيب، فكانت أمنية الواحد أن يصبح مدرسًا في المدرسة الابتدائية. ثم تتنقل الطموحات مع مسار العلم. دخلتُ في الحركة الإسلامية وأنا في السنة الأولى في المرحلة الثانوية، مبكرًا. كان هناك قيادات كبيرة من الفاشر، مثل آدم قاضي مليط وجبريل عبد الله، رحمهما الله، والشيخ حسن الترابي أيضًا. ثم انتقلنا إلى الجامعة، كنا نسمع بالشيخ حسن الترابي من بعيد، وعندما ذهبنا إلى الجامعة اقتربنا منه وتعرفنا عليه عن قرب. هو شخصية مؤثرة جدًّا، يمتلك قدرات غير عادية مقارنة بعامة الناس، وقدرة تحمل عالية. كنا نذهب من الجامعة لنصلي معه صلاة الفجر، ويبقى يقابل الناس حتى الساعة الثانية فجر اليوم التالي، لا يكل ولا يميل ولا يكشر في وجه أحد. عنده طاقة تحمل عالية جدًّا، ورجل عالم في الوقت ذاته. أثَّر في شخصيتك؟ أظن أنه أثَّر في كل من عرفه، تأثير كبير. لكنني لم أكن أسيرًا لشخصية محددة.
اليوم، هل ما زلت تنظر إليه كما كنت تنظر في تلك المرحلة؟ أؤكد لكِ، كلما يكبر الإنسان، يعرف محاسن الناس وميزاتهم، وأيضًا عيوبهم. لكن بالتأكيد، الشيخ حسن من القيادات السياسية والفكرية المميزة جدًّا التي مرت على السودان، على الأقل في عصرنا. لم يكن يجاريه أحد في هذا الجانب. كما التقينا بكثير من الناس، في كل مكان ذهبنا إليه، وجدنا قيادات، وكنا نحن أنفسنا قيادات للطلاب في المرحلة الثانوية والجامعية وما بعد الجامعة. لكن ربما، دكتور جبريل، الشيخ الترابي إسلامي، وعمر البشير إسلامي، وأنت ذو خلفية إسلامية، والطلاب في ذلك الوقت كانوا من عائلة سياسية إسلامية. رغم ذلك، حدث كل هذا التناحر بين الإسلاميين؟ نعم، المؤسف في الحركات العقائدية عمومًا أنه عندما يحدث خلاف، يكون حادًّا، وقد يصل إلى مرحلة دموية. تجدين ذلك في الحزب الشيوعي، وفي الحزب البعثي، وحتى في الحركة الإسلامية، لسوء الحظ، لأن الكل يدَّعي احتكار الحقيقة، وهذا يعني أن الآخرين على باطل تمامًا، وهذه مشكلة كبيرة. لكن أعتقد أن الخلاف لم يكن في الفكر، بل في طريقة إدارة الدولة، وفي الاستماع إلى مظالم الناس. الناس في الأطراف كانوا يعانون باستمرار ويشتكون من الظلم، ولم يكن هناك استعداد للاستماع إلى مظالمهم. الذين جنحوا إلى الحكم حادوا عن الجادة التي اتفقنا عليها. هل استغلوا الإسلام للتأثير عاطفيًّا على الناس للوصول إلى الحكم، لكنهم لم يكونوا حريصين على تطبيق قواعد أساسية في الإسلام، مثل العدالة؟ لم نشعر أنهم كانوا حريصين على تطبيق العدالة في المجتمع، وهذا كان سبب الخلاف. الخلاف لم يكن فكريًّا بقدر ما كان في منهج إدارة الدولة.
طيب، فقط أعود إلى فكرة أنك درستَ في السعودية. درستَ شريعة، صحيح؟ لا، درستُ في كلية الشريعة، لكنني كنت أدرس اقتصادًا. الاقتصاد مهم جدًّا، خاصة وأنك وزير المالية والاقتصاد. هذا ملعبك وجمهورك! في ظل ما يعيشه السودان من أزمة، هناك تصنيف من منظمات دولية يشير إلى حالة تقترب من المجاعة، إن لم تكن مجاعة في بعض مناطق السودان، مع سوء التغذية والفقر. ما هو توصيفك للحالة التي يعيشها السودان اقتصاديًّا اليوم؟
أولًا، ليست هناك حالة مجاعة، بفضل الله سبحانه وتعالى. إنتاجنا من الغلال في عامي الحرب كان أعلى بكثير من السنوات التي سبقت. لكن بالتأكيد، هناك شح في الطعام في بعض المناطق، لأن المليشيا التي تمردت حالت دون وصول الغذاء إلى الأسواق والناس. هذا كان سببًا في أن بعض الناس لا يحصلون على الطعام. لكن المخزون لدينا، سواء عند الدولة أو القطاع الخاص، يفيض عن حاجة الناس، والحمد لله. الآن، المنظمات الدولية، وعلى رأسها برنامج الغذاء العالمي، تشتري منا الذرة وتصدّرها إلى دول أخرى. لكن دعيني أقول أيضًا إن الوضع الاقتصادي صعب. طبيعيًّا، في الحروب، تتآكل قيمة العملة الوطنية بصورة كبيرة، وتُوجَّه الموارد إلى جهات تكون خصمًا على التنمية والخدمات الأساسية. الإيرادات عادةً تتناقص، لكن في هذا الظرف، كانت المسألة أسوأ، لأن معظم النشاط الاقتصادي الذي كانت تُجني منه وزارة المالية الإيرادات كان متمركزًا في العاصمة. وعندما ضُربت العاصمة، ضُربت مصادر إيرادات الدولة، فبدأنا نقترب من الصفر. لم تصلوا إلى الصفر؟ لم نصل إلى الصفر، لأن برنامج الغذاء العالمي حذَّر من تفشي المجاعة، وهذا مصدر منظمة دولية. أنت تقول إن السودان بخير ولا توجد مجاعة؟ برنامج الغذاء العالمي، وليس الفاو (منظمة الأغذية والزراعة)، أصدر تقريرًا قبل شهر ونصف، قال إن إنتاج السودان من الذرة والدخن في الموسم الصيفي المنصرم بلغ 6 ملايين طن. استهلاكنا قبل أن يلجأ الناس إلى خارج البلاد كان في حدود 5 ملايين طن، بما في ذلك القمح. وبالتالي، ليس لدينا عجز، بل لدينا مخزون يقارب 4 ملايين طن. لذلك، لا يوجد شح، لكن المشكلة في نقل الغذاء إلى من يحتاجونه بسبب الحرب. الموضوعان مختلفان. ربما هناك أيضًا مشكلة في قدرة المواطن على شراء الغذاء، لأنه أصبح فقيرًا فجأة. إنسان يعيش في وضع متوسط، في بيته، بسيارته، ينقل أولاده إلى المدارس بصورة طبيعية، وفجأة يُحتل بيته، يُطرد منه، تُنهب ممتلكاته بالكامل، فيجد نفسه في اليوم التالي مشردًا تمامًا، وبالتالي لا يملك المال الذي يمكّنه من شراء الطعام. في الوزارة، بدأنا بشراء الغلال الأساسية وتوزيعها على الناس مجانًا حتى لا يكون هناك سبب للمجاعة. الوضع الغذائي ليس سيئًا إلى هذا الحد، لكن بالتأكيد، في مناطق مثل الفاشر في شمال دارفور، المحاصرة بالكامل، هناك مشقة شديدة جدًّا في إدخال الغذاء إلى المدينة، وليس فقط إلى المدينة، بل إلى سكان القرى المجاورة الذين أُجبروا على الهجرة إلى المدينة. تضاعف عدد سكان المدينة، وفي الوقت نفسه، هناك شح شديد في الطعام وحصار كامل على المدينة. الحصار لا يسمح بدخول الغذاء، فهناك تحدٍ كبير من هذا الجانب. الآن، نعمل حتى مع جهات دولية على إسقاط الطعام من الجو إلى أن يُفك الحصار عن الفاشر. في بعض الجيوب، بسبب الحرب، يكون الوضع الغذائي سيئًا، لكن من حيث المنتج، ليس لدينا مشكلة.
أريد أن أقول أيضًا إننا نعتمد الآن إلى حد كبير على مواردنا الذاتية، سواء من الضرائب أو الجمارك أو عائدات الذهب. الدولة تصدّر شيئًا من الذهب. إنتاج الذهب ليس بقليل، لكن غالبه يعود للقطاع الخاص. نصيب الدولة من الذهب محدود، لكن الدعم السريع كان يسيطر على إنتاج الذهب، أليس كذلك؟ كان يسيطر، لكنه الآن يسيطر على جيب في أقصى جنوب دارفور، ولم يعد لديه سيطرة على الذهب، والحمد لله. طيب، إذا كان هناك ذهب وقمح وإنتاج زراعي، فأين المشكلة؟ المشكلة قائمة، لأن الدولة تواجه تهجيرًا لأكثر من 12 مليون شخص. لكن توصيفك، سيد الوزير، يبدو كأنك تتحدث عن سويسرا، أن لدينا ذهبًا وقمحًا وزراعة! صحيح أن السودان فيه أراضٍ خصبة، لكن ليس مثل سويسرا بأي حال من الأحوال. لا ينتقص هذا من أن السودان غني، هذه مسألة لا يختلف عليها أحد. لكن لنحلل أسباب هذه الأزمة التي يعيشها السودانيون. السبب الأساسي هو الحرب، بالتأكيد، والتهجير القسري للناس، وتعطيل الإنتاج في البلاد بصورة كاملة. في النهاية، الذين مُنعوا من الإنتاج، تحتاج الدولة إلى تكفلهم، إسكانهم، ودعمهم. هنا، لا بد أن أنتهز الفرصة لأشيد بالسودانيين العاملين في الخارج. لقد وقفوا مع أسرهم، ليس فقط مع الأقربين جدًّا، بل حتى مع الأبعدين والجيران، وأنفقوا أموالًا طائلة، دعموا الاقتصاد السوداني من جهة، ودعموا أهلهم، سواء في المهجر أو داخل السودان. هذا خفَّف عنا كثيرًا في وزارة المالية.
ما هي الحلول التي تراها مناسبة؟ الحل بالطبع هو ألا تكون هناك حرب في البلاد، وأن يعود الناس إلى ديارهم. هل تتوقع ذلك قريبًا؟ إن شاء الله. ما مصدر التفاؤل؟ التطورات التي شهدناها مؤخرًا. بفضل الله سبحانه وتعالى، تم تحرير جزء كبير من الأراضي التي احتلتها المليشيا، سواء في ولاية سنار، أو الجزيرة، أو الخرطوم، أو شمال كردفان. الزحف متجه نحو الغرب لتنظيف ولايات دارفور وغرب كردفان من أي وجود للتمرد. البشائر كبيرة، والتقدم كبير، والعودة الآن تجري بأعداد كبيرة. يوميًّا، لدينا من 50 إلى 60 حافلة للعائدين من مصر إلى السودان، والناس ينتقلون من الولايات التي هاجروا إليها إلى مناطقهم الأصلية بأعداد كبيرة أيضًا. هذه العودة لها التزامات كبيرة، لأن الدولة مطالبة بتوفير الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء، والتأكد من أن المستشفيات تعمل، والأطباء والكادر الطبي موجودون. الدولة مجتهدة في ذلك قدر طاقتها، لا أستطيع أن أقول إنها قادرة، لكنها مجتهدة. نحتاج إلى التأكد من أن الأطفال العائدين يعودون إلى المدارس في اليوم التالي، ونحتاج إلى تنظيف المدن المتضررة من الحروب من بقايا الجثث المتحللة، والذخائر التي لم تنفجر والموجودة بكميات كبيرة، وحتى من الكلاب التي اعتادت على أكل لحوم البشر. كلها مصائب كبيرة. الدولة بحاجة إلى بذل جهد للتأكد من أن العائدين يعودون إلى مناطق آمنة.
ما هي رؤيتك، دكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية، لإعادة بناء الاقتصاد السوداني؟
نعتقد أن السودان بحاجة إلى بناء شيئين أساسيين. الأول هو الإنسان، من خلال الاهتمام بالتعليم. بالمناسبة، كنا روادًا في التعليم في المنطقة بعد مصر إلى حد كبير. عدد كبير من السودانيين عملوا مدرسين ومهندسين وأطباء في المنطقة العربية، لكنهم تقدموا ونحن تخلفنا عن الركب. نحتاج إلى بذل جهد كبير جدًّا في التعليم، تعليم نوعي تقني متقدم، لأن التكنولوجيا تقطع مسافات بعيدة. نحتاج أيضًا إلى بذل جهد كبير في الخدمات الصحية، والاهتمام بالأمومة والطفولة والتغذية، لخلق إنسان يستطيع تحمل مسؤولية التنمية في البلاد. هذا الجانب الأول، وأنا ميال دائمًا إلى تنمية رأس المال البشري، لأنه أداة التنمية وهدفها في النهاية. الجانب الآخر هو البنية التحتية المادية، من طرق وجسور وسكك حديدية وموانئ برية وبحرية وجوية، وشبكات مياه وغاز وصرف صحي ومطارات. كلها في أمس الحاجة إلى وضع بنية تحتية أساسية تعتمد عليها الانطلاقة الكبرى التي ننشدها. إذا استطعنا النجاح أو التقدم بصورة كبيرة في هذين المجالين، التعليم والبنية التحتية، أعتقد أن مقاومات السودان للنهضة الكبرى ستكون قليلة. لكن هذا يحتاج إلى ميزانية. هل لديكم مساعدات خارجية؟
في الجانب الأول، تنمية رأس المال البشري، يجب على الدولة أن تنفق على التعليم والصحة. هناك مساعدات تأتينا من البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي وبعض الجهات، لكن الاعتماد بصورة أساسية على الدولة. سعينا قبل الحرب إلى رفع نصيب التعليم والصحة في الميزانية إلى 40%، وكانت التنمية البشرية تسير بصورة ممتازة، لكننا تعطلنا بعض الشيء بسبب الحرب. سنعود إلى ذات الترتيب في وقت لاحق بإذن الله. بالنسبة للبنية التحتية المادية، نحن بحاجة إلى شركاء استراتيجيين يعملون بنظام البناء والتشغيل ثم تحويل الملكية للدولة، ويُسمى هذا بنظام "البي أو تي". البيئة من حيث التشريعات، سواء قانون الاستثمار أو قانون الشراكة أو قانون بيع الكهرباء، كلها تيسر للمستثمرين أن يأتوا. تريد بناء طريق؟ تعالَ، ابنِ الطريق، واجمع رسومه، واستعد أموالك، وتولَّ إدارته بالتشاور مع الدولة. نفس الأمر بالنسبة للمطارات، تسترد أموالك من عائدات المطار. نحن بحاجة إلى شركاء من الخارج يسيرون معنا في هذا المشوار، وهذا لا يمنع أن يشارك القطاع الخاص أيضًا.
كيف تجذب المستثمر الأجنبي ليأتي إلى السودان؟
نعتقد أن الفرص المتاحة عندنا ليست متاحة في كل مكان. نسبة الأرباح التي يمكن أن يحققها المستثمر صحيحة، لكنه يخشى من الاضطرابات السياسية والحروب. يقال إن رأس المال جبان، لكنه لن يذهب إلى منطقة فيها حرب. كل ما نتحدث عنه هو الاستثمار ما بعد الحرب، بعد الاستقرار. بالتأكيد، لا أحد يأتيك برؤوس أموال كبيرة في ظل الحرب. هل هناك آفاق زمنية متوقعة؟ نتجنب عادةً تحديد مواعيد قاطعة، لئلا يُقال لنا: في يوم كذا قلتَ إن هذا سيحدث ولم يحدث. لكننا متفائلون جدًّا بأن الوضع سيكون قد استقر تمامًا قبل نهاية هذا العام. ألا تخشى أن يقع السودان مرة أخرى تحت وطأة حكم عسكري صارم؟ وسائل التواصل الاجتماعي السودانية تعج بالاحتجاج على تصريحات الفريق البرهان، التي انتقد فيها المظاهرات السلمية وأدوات التعبير المدني الأخرى، وقال إن المجد سيكون في الفترة المقبلة للبندقية. ألا تعتبر أن هذه التصريحات مقدمة لحكم عسكري دكتاتوري صارم؟
العسكر لم يغيبوا عن الساحة السياسية في السودان طوال سنوات الاستقلال. على العكس، غالب عمرنا في الحكم الوطني كنا تحت حكم العسكر. إبراهيم عبود حكم من عام 1958 إلى 1964، جعفر نميري من 1969 إلى 1985، وعمر البشير من 1989 إلى 2019. حتى بعد البشير، النظام الآن بشكل أو بآخر عسكري. صحيح أن التغييرات جاءت بثورات شعبية، لكن البلاد الآن تحت قيادة عسكرية. نحن واثقون أن الشعب السوداني لديه القدرة، عبر ثورات متعددة، على تغيير الأنظمة العسكرية. لكن كلامك الآن لا يعني أنك تدعم الحكم العسكري؟ لا أدعم الحكم العسكري. الحكم العسكري الموجود الآن فرضه الظرف، والحرب مدَّت عمر الحكم العسكري، لكن الشعب السوداني يطمح بعد الفترة الانتقالية إلى حكم مدني ينتخب فيه قيادات البلاد. لكن ما دوركم أنتم، وقد جئتم إلى السلطة عبر اتفاق كان ثمرة التغيير المدني في السودان؟
نحن الآن نعيش في أتون حرب فُرضت على البلاد. الشغل الشاغل لكل السودانيين الآن هو هزيمة التمرد والعودة إلى الحياة الطبيعية، إعادة النازحين واللاجئين إلى ديارهم، واستئناف الحياة الطبيعية. بعدها، سيكون هناك حوار سوداني شامل، ومن خلاله ستُرسم خارطة الطريق للخروج الآمن الذي يوصلنا إلى انتخابات يُنتخب فيها قادة البلاد. هذا هو الترتيب الذي يجب أن يكون عليه.
طيب، في تصريحات للبرهان، بدا أنه شنَّ هجومًا حادًّا على الوزراء الذين اعتبرهم يتصرفون في الوزارات كأنها ملكهم، بالمحسوبية والواسطة والتوظيف. أعذرني على السؤال، لكن ألا تعتبر نفسك من بين هؤلاء الذين يقصدهم البرهان؟ لا، بالتأكيد لست منهم. التعيين في الدولة ليس بالفوضى إلى هذا الحد. الوزير لا يستطيع تعيين شخص إلا عبر إجراءات يوافق عليها وزارة العمل أو وزارة المالية، ويجب أن تكون هناك وظائف متاحة. التعيينات ليست سهلة. ربما يعيّن الوزير بمحسوبية أشخاصًا في شركات تابعة للدولة هنا وهناك، لكن في الخدمة المدنية، هناك صعوبة شديدة، لأن الوزير لديه الحق في تعيين ثلاثة أشخاص فقط، سائقه وسكرتيره ومدير مكتبه، قانونًا. صلاحياته محدودة إلى هذه الدرجة. أي إضافة يجب أن تكون بطريقة صحيحة. في الخدمة المدنية، لا يمكن تعيين شخص في مدخل الخدمة إلا عبر لجنة الاختيار، وفيها منافسة مفتوحة. في الوظائف العليا، يجب إعلان الوظائف، ويتنافس عليها الناس. حتى في الوظائف بالتعاقد، يقوم الوزير بترشيح، لكنه لا يستطيع تعيين وكيل الوزارة، بل يرشح، ويطلب رئيس الوزراء عادةً من الوزير ترشيح أكثر من شخص، ثلاثة أشخاص عادةً. السودان يجب أن يكون خاليًا تمامًا من المحسوبية؟ لا أستطيع أن أقول إن البلاد خالية من المحسوبية، لكن القانون لا يسمح بفوضى في التعيينات على الإطلاق. في النهاية، لا بد من تعيين الشخص في وظيفة موجودة. إذا كانت الوظيفة غير موجودة، من أين تأتي بالميزانية؟ من أين تأتي بالمال لهذا الشخص؟
جميل هذا السؤال: من أين تأتي بالمال؟ وزارة المالية هي المسؤولة عن حقوق موظفي الدولة. بالتنسيق مع وزارة العمل، تُحدد عدد الوظائف في الموازنة، وبناءً على العدد المحدد، تُحدد الأجور والمعاشات ومن يخرج من الخدمة. كل شيء محدد. رئاسة الوزراء هي من تُحدد، وليس وزارة المالية أو وزارة العمل. الميزانية السنوية تمر باللجنة الفنية في القطاع الاقتصادي، ثم بمجلس الوزراء، ثم تنتقل إلى المجلس المشترك. الآن، في غياب البرلمان، هناك اجتماع مشترك لمجلس الوزراء ومجلس السيادة يجيز الميزانية. المسألة مترابطة، فلو خرج أي شخص عن هذه الضوابط، يجب أن يعود إليها، ويجب أن يُحاسب. إذا عيَّنتُ شخصًا من خارج الميزانية، يجب أن أدفع له من جيبي، وليس من جيب الدولة.
ولو قلنا سؤالًا بسيطًا، ربما ساذجًا: هل هناك أموال موجودة؟ الأموال ليست بالكثرة، لكن الدولة ليست معدومة. المواطن يدفع ضرائب، والشركات تدفع، لكن عائدات الضرائب لا تكفي. تحدثتَ قبل قليل عن اتفاقيات مع البنك الدولي ومنظمات دولية تساعد بشكل ما؟ المنظمات الدولية، مثل البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي، تدعم برامج التعليم والصحة والغذاء والدعم الاجتماعي والزراعة، لكن عبر طرف ثالث.
إليك النص المصحح باللغة العربية الفصحى السليمة، مع مراعاة علامات الترقيم والقواعد اللغوية دون حذف أو اختصار:
---
وعادةً ما يكون الطرف الثالث من وكالات الأمم المتحدة، مثل برنامج الغذاء العالمي، أو اليونيسف، أو منظمة الأغذية والزراعة، أو منظمة الصحة العالمية. فتقدم هذه الجهات الأموال لهذه الوكالات، وهذه الجهات بدورها تنفذ برامج، أي مشاريع تُموَّل، ولا تُعطى الأموال مباشرةً. ربما يكون ذلك للتغلب على ظاهرة الفساد، حتى لا تذهب الأموال إلى غير وجهتها. لكن، في حقيقة الأمر، ليس هذا هو السبب. الأموال عندما تأتيك من الغرب تكون مسيَّسة. فإذا كانوا يدفعون بشكل مباشر لحكومة السودان، فإنه عند التغيير الذي حدث في 25 أكتوبر 2021، تم تصنيف هذا التغيير على أنه انقلاب، وقالوا: "نحن لا نتعامل مع حكومة انقلابية، وبالتالي لا نستطيع أن نعطي المال لحكومة انقلبت على حكومة غير منتخبة في كل الأحوال." وبالتالي، قالوا إنهم سيتعاملون مع الدولة عبر طرف ثالث. نعم، كانت هناك عقوبات أيضًا، وما زالت مستمرة. العقوبات الدولية ليست على الدولة، بل على أفراد، وليست على الدولة. وهناك لجنة خاصة بالأمم المتحدة تتابع الجهات التي تدخل السلاح إلى السودان، وبخاصة إلى دارفور. هذا أمر قديم يعود إلى بداية الألفية الثانية، لكن ليست هناك عقوبات اقتصادية على السودان.
قلتَ قبل قليل إنك ذكرت مصطلح "أموال مسيَّسة". الأموال المسيَّسة تعني أنها تأتي مع شروط. نعم، إذا رضوا عنك، أعطوك المال مباشرةً، وإذا لم يرضوا عنك، أوقفوا المال، وفي أحسن الأحوال، أعطوك إياه عبر طرف آخر يأخذ منه ما يُسمى بالتكاليف الإدارية والتشغيلية، ويصل ما يصل. طيب، هل هم راضون عنكم أم لا؟ أنا لا أظنهم راضين عنا. لو كانوا راضين عنا، لكنا استلمنا المال مباشرةً في حساباتنا في بنك السودان. لكن الرضا درجات، وقد بذلنا جهدًا حتى عادوا وأعطوا المال عبر وكالات الأمم المتحدة، بعد أن كانوا قد توقفوا عن ذلك بشكل كامل.
طيب، بعيدًا عن المنظمات والوكالات، ماذا عن الدول العربية، وخصوصًا دول الخليج الغنية؟ ألم تنجحوا في – سأستخدم مصطلحًا قد يكون خارج السياق قليلًا – لكن، ألم تنجحوا في "مغازلة" الدول العربية الغنية لتدعمكم؟ أولًا، أنتهز هذه الفرصة لأشكر كل دول الخليج، ومصر، والجزائر، وإيران، وتركيا، فقد وقفت جميعها مع الشعب السوداني بعد الحرب مباشرة بالإغاثة. لقد وصلت كميات كبيرة من الدعم، سواء كان في الدواء أو الغذاء، أو حتى في مواد الإيواء والمفروشات. لقد جاء دعم كبير من كل دول الخليج، ولم تتوقف حتى الآن، فهناك جهات مستمرة في هذا الدعم. فنحن، بالنيابة عن الشعب السوداني، نسجل شكرنا بالجهد الذي بُذل. أما بالنسبة للاستثمار في البلد أو تقديم العطايا المالية، فقد بدأ هذا يتغير في الخليج بدرجة كبيرة. الآن، العقلية التجارية صارت هي الغالبة، وبالتالي، من يريد المال عليه أن يقدم مشروعًا يحقق الربح للطرفين. ونحن نعتقد أنه في السودان يجب أن نذهب في هذا الاتجاه، بدلًا من البحث عن دعم، نبحث عن شراكات استراتيجية تعود بالفائدة لكل الأطراف، وتحافظ على كرامة كل الأطراف أيضًا.
جميل، سيد الوزير، يعني وصلتم إلى ما وصلتم إليه باسم – لنقل – سكان دارفور. ماذا قدمتَ للإنسان في دارفور؟ أولًا، أنا أقود حركة تُسمى حركة العدل والمساواة السودانية، وهي ليست حركة إقليمية، بل حركة قومية ينتمي إليها ويؤمن بمشروعها ناس من كل أنحاء السودان. وجزء كبير من هذا السودان هو إقليم دارفور، وأهل دارفور قدموا تضحيات كبيرة بحكم أن الحرب بدأت من عندهم. نحن اجتهدنا في أن نبني البلد ككل. لم نأتِ لنأخذ من مال الدولة لننقله إلى دارفور فقط، بل جئنا لننصف كل الناس. لكن بحظنا العاثر، واجهنا حربًا، وهذه الحرب لم تتح لنا فرصة لمشاريع التنمية التي كان يجب أن تقوم، ليس فقط في دارفور، بل في الشرق، وفي جبال النوبة، وفي النيل الأزرق، وفي الشمال، وفي مواقع مختلفة. وبالتالي، إذا انتهت الحرب – بإذن الله سبحانه وتعالى – فهناك مشاريع كثيرة ستنفذ في دارفور في مجالات مختلفة، بجانب أن الدولة يجب أن تلتزم بما جاء في حقوق اتفاق سلام جوبا، أو سلام السودان. وفي هذا الاتفاق، هناك مبالغ مخصصة للتنمية في دارفور، ومبالغ مخصصة للتنمية في المناطق الطرفية الأخرى. وبالتالي، الظروف لم تسمح، وإمكانات الدولة كانت شحيحة، فلم تستطع أن توفر ما تم الالتزام به في اتفاق السلام، لكننا نطمح إلى أنه بعد الحرب نستطيع أن نحقق نهضة حقيقية في دارفور وغير دارفور.
نعم، قلتَ قبل قليل، سيد الوزير، إن حركة العدل والمساواة هي حركة قومية وليست محلية. تقصد ليست محلية؟ طيب، هناك من يعتبرها – من السودانيين – يقولون إن الحركة هي حركة قبلية تتبع قبيلة الزغاوة. هل هي أكبر من ذلك؟ بالتأكيد، هذا الكلام غير صحيح. الحركة فيها رئيس الحركة، بغض النظر عن قبيلته، ونواب من كل أقاليم السودان: من الإقليم الشمالي، من الإقليم الشرقي، من الإقليم الأوسط. لكن الغلبة لأهل دارفور، ليس منهم – يعني عندنا نائب من إقليم دارفور، صادف أنه كان من قبيلة غير الزغاوة. قبل فترة قليلة، جاء واحد من الزغاوة، فتحول الذي كان في إقليم دارفور إلى إقليم الخرطوم، وهو ليس من الزغاوة. رئيس الإقليم الأوسط ليس من الزغاوة، رئيس الإقليم الشرقي ليس من الزغاوة، رئيس الإقليم الشمالي ليس من الزغاوة. ليس صحيحًا أن الحركة هي حركة إقليمية أو حركة قبلية. نعم، هي حركة لكل أهل السودان. والفكرة التي تأسست من أجلها، ما زالت هي نفسها؟ نعم، هي نفسها. الفكرة الأساسية أن البلد في حاجة إلى أن يُعدل بين الناس فيما بينهم، حتى لا يحدث ما حدث لجنوب السودان، الذي أدى إلى انفصال بعد اقتتال استمر لما يقارب نصف قرن من الزمان. نحن على قناعة بأن البلاد غنية، والسودان بلد واسع شاسع بإمكانات ضخمة، والتنوع الموجود فيه تنوع إيجابي. من المفترض أن نحسن إدارة هذا التنوع بدلًا من أن نتجه نحو الاقتتال. إذا جئتم لتصحيح وضع معين، نعم، الانتصار للمهمشين في وجه المركز أو الحكومة المركزية، بدلًا من أن تصير المسألة مواجهة، نريد أن نعدل بين الناس جميعًا. نريد أن نحقق تنمية متوازنة في كل أقاليم السودان.
بالمناسبة، هذا الكلام الذي يقوله حميدتي أيضًا: إنه ينصر المهمشين وينتصر لحقوقهم في وجه المركز. لا ندري إن كان يؤمن بذلك. الإنسان يستطيع أن يقول ما يشاء، لكن المطلوب منه أن يفعل ما يقول. حميدتي لا يفهم في التنمية شيئًا، ليس له نصيب في هذه المسألة، وبالتالي هو ليس معيارًا بكل الأحوال. لكن أقصد أن كل تيار يرفع لواء الدفاع عن المهمشين والانتصار لحقوقهم في وجه الحكومة المركزية أو النظام الحاكم. نعم، نحن الآن ندافع عن حقوق كل أهل السودان، وليس فقط دارفور. كل ما نتحدث عنه هو أن نعدل بين أهل السودان. يجب أن يُقسم ما عندنا بصورة يشعر الجميع فيها بأن العدل قائم، وأن التنمية متوازنة، وأن الكل يتنافس من أجل تحقيق مزيد من الإنتاج، مزيد من التنمية في مناطقهم، وأن يكون للناس القدرة والحق في حكم أقاليمهم، وأن يكون لهم الحق في المشاركة في إدارة الدولة على المستوى الاتحادي. نحن لا نميل حتى إلى التناطح بين المركز والأطراف. المركز نفسه يجب أن يكون مركزًا عادلًا، قادرًا على تحقيق التنمية المتوازنة، وعلى رفع المظالم الواقعة على الناس في الأطراف. رفع المظالم عن الناس ليس بالضرورة حتى في الأقاليم، أحيانًا في العاصمة نفسها. نعم، لكن رفع المظالم عن الناس برفع السلاح؟ قد أضطر الناس إلى رفع السلاح إذا لم يُسمع لهم.
طيب، حدثنا عن هذه التجربة. ما هي هذه التجارب؟ هذه تجارب قديمة في السودان، ابتداءً من قبل خروج المستعمر من السودان. في عام 1955، بل قبل عام 1955، في مؤتمر الجمباز عام 1947، خُيِّر أهل الجنوب بين البقاء في السودان أو الانضمام إلى يوغندا أو كينيا. اختار أهل الجنوب البقاء مع السودان، بشرط أن يحكموا أنفسهم، أي أن يكون هناك حكم فيدرالي. عندما انتهى الأمر وبدأ الناس في تكوين المؤسسات التي تخلَّف عنها المستعمر، بدأ الناس يتنكرون للوعد الذي قطعوه لأهل الجنوب، وقالوا: "لا فيدرالية، لا حكم فيدرالي، دولة واحدة." وهذا دفع الجنوبيين إلى حمل السلاح. عندما جئنا للسودنة الوظائف الحكومية، شعر أهل السودان في أطراف كثيرة بالظلم. من بين هذه الأطراف، شرق السودان، فَلَجَأوا إلى تكوين مؤتمر البجا عام 1958، أي بعد عامين من خروج المستعمر، احتجاجًا على طريقة توزيع الوظائف في الدولة. في عام 1959، قام اتحاد أبناء جبال النوبة، وكانت مطالبهم هي نفس المطالب التي تحدث عنها أهل شرق السودان، فأظهروا تظلمهم وعدم رضاهم بالترتيب الموجود، ولم يشعروا بأنهم ممثلون في نظام الحكم في البلاد. في عام 1964، قامت جبهة نهضة دارفور أيضًا بنفس المطالب، وكانت الناس تشتكي من أنها غير ممثلة في حكم البلاد. إذًا، حمل السلاح تقليد قديم في السودان، وليس تقليدًا جديدًا. صحيح، لم يحمل الجميع السلاح، لكن كيف وصلت دارفور إلى نقطة الصدام تلك؟
نعم، في دارفور هناك مجموعة عوامل، منها الشعور بالظلم الذي يعاني منه الإنسان في دارفور، بأن المركز لا يعدل في توزيع الفرص، سواء في الخدمة المدنية، أو في الخدمة العسكرية، أو في مشاريع التنمية. هذا شعور قوي عند أهل دارفور. بجانب ذلك، هناك شعور أيضًا بأن الحكومة أحيانًا تلعب دور المركز في إثارة الفتنة بين أهل دارفور أنفسهم، فتلجأ إلى تفضيل قبيلة على قبيلة، أو جماعة على أخرى. وهذا كله أدى إلى حروب، بل تطاحن بين هذه المكونات الاجتماعية. هل تقصد اضطهاد سكان دارفور من غير العرب مثلًا؟ نعم، هناك شعور بأن الحكومة، في النهاية، كانت تميل إلى المكونات العربية على حساب المكونات الاجتماعية الأفريقية الأخرى، وهذا أدى إلى تطاحن كبير. لأن الجهة المفضلة، بعد ذلك، تأخذ راحتها في التصرف في أموال الناس، في مزارعهم، وأدى إلى خلافات كبيرة بين الناس.
هل يمكن أن نقول إذًا إن الصراع في جوهره كان عرقيًا؟ لا، الصراع في أصله حرمان. لو تعلم الناس بالمستوى المطلوب، ولو وجدوا الخدمات الأساسية بالصورة المطلوبة، ولو كانت هناك تنمية بصورة كبيرة، فإننا – مثلًا – من مناطق شبه صحراوية، الناس لشح الأمطار يضطرون للهجرة جنوبًا، فيحتكون بالمناطق التي تُسمى المستضيفة لهذه الهجرات، ويحصل احتكاك يصل إلى مرحلة الاقتتال مع الناس. ولو بذلت الدولة مجهودًا في حصاد المياه، ووفرت المياه في المناطق التي يهاجر منها الناس، ووفرت العشب – وهناك وسائل لتوفيرها – لما احتاج الناس إلى الهجرة والاحتكاك بالمجتمعات الأخرى. وهكذا، فهي كلها قضايا تنمية في أساسها. غياب التنمية أدى إلى انشغال الناس بالقضايا الصغيرة التي تطورت إلى حروب طاحنة بين الناس. ولذلك، كان الاحتجاج على أن الدولة ليست قائمة بوظيفتها في تحقيق التنمية في البلد بصورة متوازنة.
نعم، عندما نتحدث عن الصراع المسلح في دارفور سنة 2003، بدأت مجموعتان متمرضتان: مجموعة حركة العدل والمساواة التي كان يرأسها يومها شقيقك، ومجموعة حركة تحرير السودان. كنتما تشتركان في قتال الحكومة السودانية معًا. ثم، كيف استمرت العلاقة؟ أولًا، حركة العدل والمساواة السودانية تأسست كفكرة منذ عام 1995. صار هناك شعور عند عدد كبير من أبناء الأقاليم بأن نظام الحكم في الدولة لا يسير في الخط الصحيح، وحاولوا تنبيه الدولة أن هذا الخط لا يخدم. واجتمعوا، ولم يجدوا آذانًا صاغية. في نهاية عام 1999، أُصدر ما يُعرف بـ"الكتاب الأسود"، وهو كتاب يُظهر الفروقات الكبيرة والمظالم الواقعة على جهات كثيرة من السودان، ليس فقط دارفور. لكن القادة كانوا من كتفان، ومن دارفور، ومن مواقع مختلفة. ثم بعد ذلك، تطورت الحكاية، وأُعلنت حركة العدل والمساواة السودانية في أغسطس عام 2001 في ألمانيا. واتُخذ قرار بعد عام من ذلك الموعد بأن يحمل الناس السلاح في عام 2002. أول معركة كانت في 28 فبراير عام 2003. المسألة، وقبل اللجوء إلى السلاح، تفاوض الناس مع الدولة في باريس، في هولندا، في أكثر من موقع، لكنهم لم يجدوا استجابة لمطالب الناس. وبالتالي، تحولت المسألة إلى التنبيه الأقوى.
الدكتور جبريل إبراهيم، وزير المالية السوداني، عندما ينظر إلى هذا التاريخ بعد كل هذه السنوات وسقوط نظام عمر البشير سنة 2019، اليوم، بنظرة نقدية تعود إلى الوراء، هل ترى أن قرار حمل السلاح كان قرارًا خاطئًا أم صائبًا؟ ربما هذه المرة الأولى التي أقول فيها إن هناك إجماعًا. لو رجعنا إلى محضر الاجتماع الذي قُرِّر فيه حمل السلاح في مؤتمر عُقد في ألمانيا، كنتُ الوحيد الذي عارض حمل السلاح من بين الذين اجتمعوا. وكان رأيي أن ما نستطيع تحقيقه بالحوار في عشرين سنة أفضل لنا مما نحققه في عام أو عامين بحمل السلاح، لأن معظم الذين حملوا السلاح لن يحضروا نتائج هذا العمل. كان رأيي ألا يحمل الناس السلاح، لكن كانت قناعة الناس أن الحكومة هذه لا تسمع إلا أصوات المدافع، وليست مستعدة لأن تتحاور مع من لا يحمل السلاح، إلا مع من يحمل السلاح. نعم، إذًا، أنت لست نادمًا، والحكومة نفسها كانت تقول إن هذا... يعني، أنت لست نادمًا على خيار التمرد المسلح على الإطلاق؟ لكنني كنت أتمنى ألا يلجأ الناس إلى حمل السلاح. نعم، وكان رأيي أن يبحث الناس عن وسيلة غير السلاح للوصول إلى أهدافهم.
لكن الحرب ما زالت مستمرة في كردفان، وفي جزء من دارفور. نتحدث مثلًا عن الفاشر، تعرضت لـ208 هجمات من طرف قوات الدعم السريع، لكنها استعصت على السقوط حتى الآن. كيف ترى الوضع؟ طيب، الحرب في الفاشر، المدينة لها رمزية خاصة تاريخيًا، فهي عاصمة إقليم دارفور، وهي العاصمة التي كانت تكسو الكعبة، ورئاسة السلطنة في الإقليم. وهي مملكة إسلامية قديمة، مملكة دارفور، وكانت شبه دولة مستقلة، في تحالف مع الباب العالي، مع ألمانيا، مع اليابان في الحرب العالمية الأولى. لم تكن جزءًا من السودان بالشكل الحالي. الفاشر، نعم، عاصمة دارفور. دارفور نفسها كانت شبه مستقلة عن السودان. الإنجليز دخلوا السودان عام 1888، ولم يصلوا إلى دارفور إلا في عام 1916، فكانت مستقلة تمامًا. ولذلك، المليشيا حريصة جدًا على الوصول إلى هذه العاصمة الرمزية لإعلان حكومتها من خلال هذه العاصمة. وأصروا على الهجوم المتكرر أكثر من 208 مرات، وبفضل الله سبحانه وتعالى، هُزموا شر هزيمة، وسيُهزمون – بإذن الله سبحانه وتعالى – أيضًا في المرات القادمة. بالنسبة لهم، المدينة مهمة، وربما المتعهد أيضًا يقول لهم: "لابد من السيطرة على الفاشر حتى تستطيعوا القول إنكم تسيطرون على دارفور." لأنهم سيطروا على عواصم الولايات الأخرى في دارفور، الولايات الأربع الأخرى. هذه العاصمة الخامسة في دارفور، فلم يستطيعوا، وبإذن الله سبحانه وتعالى لن يستطيعوا. هناك تضحيات كبيرة، موت بأعداد كبيرة، جروح بأعداد كبيرة، جوع، والخدمات الصحية غائبة، ضُربت المستشفيات، مصادر المياه، مصادر الطعام، كل شيء. الإنسان يعاني معاناة كبيرة جدًا، لكن الإنسان أيضًا صامد صمودًا غير عادي، سواء من القوات المسلحة نفسها، أو من القوات المشتركة، أو من المستنفرين، أو من المقاومة الشعبية. كل أنواع القوات المساندة، نساء ورجال، يقاتلون الآن جنبًا إلى جنب في الفاشر. لكن ليس هناك نذر سقوط الفاشر، ولن تسقط – بإذن الله سبحانه وتعالى. يعني، نحن نكاد نكون مطمئنين. والآن، هناك قوات متحركة من جهات أخرى إلى الفاشر، وإن شاء الله ستُفك الحصار عن الفاشر قريبًا.
لكن كيف تفسر إصرار قوات الدعم السريع على كل هذه الهجمات؟ ومن أين تأتي بهذه القوة؟ ومن يدعم قوات الدعم السريع؟ ومن أين جاءت أصلًا؟ هذا مشروع كبير، مشروع إقليمي، وقد يكون دوليًا. والدعم السريع مجرد أداة تُستخدم مرحليًا، وسيُستغنى عنها في مرحلة لاحقة. نحن على قناعة بأن هناك أطماعًا حقيقية على سواحل البحر الأحمر، بحر القلزم. وهذا البحر الآن يزداد أهمية أمنية وتجارية، لأن التجارة الدولية الآن صارت تتجه من الشرق إلى الغرب، والطريق عبر البحر الأحمر يختصر جزءًا كبيرًا، بدلًا من رأس الرجاء الصالح، يختصر الطريق إلى أوروبا، إلى إفريقيا، لجهات كثيرة. وبالتالي، هناك أطماع، وبعض الجهات تسعى لإقامة موانئ في اليمن، في الصومال، في جيبوتي، في إريتريا، في السودان، في الأردن في العقبة، في مصر. يُشاع أن هناك مشروعًا أكبر من مجرد تجارة عبر مشاريع الموانئ، مشروع أمني في المقام الأول. وقد يكون العائد الأمني لجهات وراء هذه الجهات. هذا الأمر الأول.
نحن على قناعة بأن الحروب القادمة هي حروب مياه وغذاء. والسودان يتمتع بقدرات كبيرة جدًا، فهو من الدول القليلة التي لديها أكثر من 200 مليون فدان من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، وتتوفر فيها مياه جوفية، ومياه أمطار، ومياه أنهار. وبالتالي، الصراع على المياه والصراع على الغذاء نقطة مهمة للناس الذين لديهم أطماع في هذا الجانب. الأمر الثالث، السودان دولة غنية جدًا بالمعادن، من الذهب إلى اليورانيوم، اذكري ما شئتِ من المعادن، كلها متوفرة في السودان. وبالتالي، ربما الجهات هذه لديها علم بما لا نعلم حتى من معادن متوفرة في السودان. لأنهم لديهم علم أكثر تقدمًا، قد يحيطون بما لا نحيط به. الأمر الرابع، ربما يحاول الناس تغليف المسألة بمحاربة الإسلام السياسي أو الإخوان المسلمين، لكن في حقيقة الأمر، هناك حرب ضد الإسلام وضد كل المجتمعات الإسلامية. وهناك جهات متبنية لهذه الحرب لصالح المشروع الإبراهيمي، ومعروف مصدر المشروع الإبراهيمي. ولذلك، تجد الجهة المتبنية لهذا المشروع، أو المتعهدة، تحظى بحماية من الجهات صاحبة المشروع الأساسي. الأمر الخامس، عندما تنظر إلى الخارطة في المنطقة، قال الأمريكيون منذ وقت مبكر إنهم يريدون إعادة تشكيل الشرق الأوسط. وذكروا في عهد الرئيس أوباما – أعتقد أنهم قالوا إنهم يريدون إشعال الحروب في سبع دول. نعم، مع أوباما، أو ربما في عهد بوش، أو كوندوليزا رايس، التي قالت إنهم يسعون إلى صياغة... لكن كان هناك تصريح بأنهم يريدون تغيير الأنظمة في سبع دول، فأشعلوا الحروب في ست دول، وبقيت إيران. الحروب في بقية الدول اشتعلت: السودان، ليبيا، اليمن، سوريا، فلسطين، لبنان. نعم، يعني أفهم من كلامك، سيد الوزير، أن هناك جهة إقليمية تسعى للسيطرة على الموانئ في المنطقة، وعلى المعادن، خصوصًا المعادن، وعلى الأراضي الزراعية، والذهب، وخيرات السودان. وهذا يعني أن قوات الدعم السريع تقوم بدور وظيفي لصالح هذه الجهة. نعم، وربما هذه الجهة تقوم بدور وظيفي لجهة أكبر.
نرجع إلى النقطة الخامسة. عندما تنظر إلى هذه الخارطة، تشعر بأن الأمر هو إعادة تشكيل للمنطقة ككل. وفي إعادة التشكيل هذه، هناك عزل لمصر من محيطها الإقليمي ومن بعدها الأمني الاستراتيجي. وهذا يشير إلى أن الهدف النهائي هو مصر. إذًا، المخطط كبير. مخطط كبير، وأتوقع – لسوء الحظ – أن هذا المخطط لن ينتهي بسهولة. نحن في السودان مطمئنون تمامًا لهزيمة المليشيا ولعودة السلام إلى السودان. لكن نتوقع أن من وراء هذا الاستهداف سيبحث عن وسائل أخرى للوصول إلى أهدافه، سيتشكل، سيأخذ أشكالًا جديدة في الاستهداف، ولن يتوقف، ليس للسودان فقط، بل لكل المنطقة. وأنتم تعلمون، من الجزائر، كان هناك سعي جاد جدًا لإشعال الحروب في الجزائر، وما زال هذا السعي مستمرًا حتى الآن. ولذلك، كل المنطقة مرشحة لأن تكون مشتعلة، معنية بهذا المخطط. فهذه ليست حربًا خاصة بالسودان، بل حرب كبيرة هدفها إعادة تشكيل المنطقة كلها لصالح أطراف معروفة.
لكن لماذا السودان الآن؟ لأنه هش؟ يعني، كان يمكن تحقيق هذا في أيام البشير، لأنه كان تحت عقوبات، وكان مطلوبًا لمحكمة الجنايات الدولية. الدولة كانت ربما أكثر هشاشة. لاrelli
System: لا، في أيام البشير لم تكن الدولة أكثر هشاشة. كانت الأداة المستخدمة الآن، الدعم السريع، أضعف بكثير، وكان الجيش أقوى. وجدت هذه الأداة فرصة في الفوضى التي أعقبت ما يُسمى بثورة ديسمبر 2018، وخلع البشير في 2019. خلال هذه الفوضى، وجد العدو فرصة لدعم التمرد أو الدعم السريع بإمكانات ضخمة جدًا: عسكرية، لوجستية، اتصالات، تدريب، وإمكانات إعلامية. تم ترتيب كل شيء في هذه الفترة. هل كان هذا المشهد الذي نراه اليوم يمكن تفاديه من البداية لو كانت هناك فراسة سياسية في استشراف ميول حميدتي وتوجهاته بعد الثورة مباشرة؟ بالتأكيد، كل ما حدث – ربما لم يتخيلوا أن الأمر يمكن أن يصل إلى هذا الحد. من جهة أخرى، ربما حاول الناس تجنب الحرب بكل الوسائل، وجزء من هذه الوسائل كان إرضاء حميدتي حتى لا يلجأ إلى الحرب. لكن تم استغلال هذا الجانب استغلالًا سيئًا، وتم تمكين حميدتي بصورة أكبر، وفي النهاية دُفع دفعًا لإشعال الحرب.
قلتَ قبل قليل، سيد الوزير، إن هذه الجهة تحاول الاستيلاء على الموانئ وعلى خيرات السودان، وعلى ذهب السودان، وأيضًا أحد أهدافها هو محاربة الإسلام. تقصد الإسلام أم التنظيمات الإسلامية؟ أنا على قناعة تامة بأن المقصود هو الإسلام. المشروع الإبراهيمي مطروح كبديل للإسلام، وليس كبديل للتنظيمات الإسلامية. الحديث عن التنظيمات الإسلامية وعن الإسلام السياسي وعن الحركة الإسلامية، كلها وسائل للتغطية على هذه الحرب. أساسًا، المقصود هو دين المسلمين، تبديل دين الناس. نعم، أنت رجل ذو خلفية إسلامية، ومن استمزاجك للمشهد السياسي في الدول العربية وبعد ثورات الربيع العربي، هل ترى أن الإسلاميين قادرون فعلًا على خوض تجربة الحكم وإدارة البلاد في أي دولة عربية إسلامية؟ الإسلاميون يواجهون مقاومة حقيقية، ليس فقط من الداخل، بل أيضًا من الخارج. بالتأكيد، كثير من الأنظمة التي قاومت أي دور للإسلاميين كانت مدفوعة من جهات خارجية، وهذه الجهات ستستمر. أمنيتنا في العالم العربي الإسلامي أن يُترك أمر اختيار نظام الحكم في أي بلد لأهل البلد وللانتخاب الحر المباشر لمواطني البلد، فيختاروا من يشاؤون. ليس بالضرورة أن يأتي إسلامي، أو شيوعي، أو غيرهم. المشكلة كلها في فرض أنظمة على الشعوب، هذا هو الأمر المرفوض بالنسبة لنا. نريد أنظمة ديمقراطية حقيقية يختار فيها الشعب قيادته، وينزعها إن وجد أن هذه القيادة فاشلة. هذا كل المطلوب.
القيادة التي حكمت السودان ذات خلفية إسلامية وكانت فاشلة، ونزعها الشعب بثورة. وهذا من حق الشعب، وليست هذه المرة الأولى. كما قلنا، الشعب السوداني قام بثورة أكتوبر في 1964، وخلع نظامًا عسكريًا لم يكن إسلاميًا. قام بثورة أخرى في عام 1985، وخلع نظام جعفر نميري، الذي تقلب من اليسار إلى اليمين إلى الإسلامي، ثم ترك الإسلام في النهاية. وخلع نظام عمر البشير أيضًا في 2019. صعب جدًا، لكن بعد ثلاثين سنة أو أكثر، ربما. لكن في النهاية، الشعوب ليست مخيرة، فعندما تشعر أن النظام خرج عن الجادة تمامًا، تثور عليه. وبالتالي، النظام الحالي يمكن توصيفه إسلاميًا أيضًا؟ لا، النظام الحالي ليس إسلاميًا. حتى نظام البشير لم يكن إسلاميًا. بدأ نظام الإنقاذ بدفع من الإسلاميين، لكن بعد ذلك صار سلوكه غير إسلامي. لكن التوصيف النمطي للحكم كان إسلاميًا. نعم، الإسلام كان شعارًا وليس حقيقة في الحكم. نعم، أنت مع الحكم الإسلامي؟ أنا أؤمن بأن الإسلام نظام حياة متكامل، ليس فقط شعائر تعبدية يقيمها الإنسان في مسجده أو بيته. الإسلام يحكم علاقتي مع كل شيء: مع الأرض، مع الإنسان، مع المجتمع. وبالتالي، أرى أن الإسلام نظام حياة، ويجب أن يكون كذلك. نعم، هل لديك مثال ناجح للحكم الإسلامي؟ حكم الرسول صلى الله عليه وسلم هو أكبر مثال. التجارب التي تلت، لا تستطيع أن تقول إنها مثالية. مثلًا، خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، كانت عادلة عند الناس. الخلافة الراشدة كانت عادلة. لكن في كل طور، هناك أمثلة، لا تستطيع أن تقول إن هذا النظام هو الإسلام الذي نريده بالكامل، لأنه في النهاية اجتهاد بشري يخطئ ويصيب. لكن على الأقل، نريد أن يعيش الناس ولو جزءًا من دينهم في حياتهم العامة، في السياسة، في الاقتصاد، في الاجتماع، في العلاقات الدولية. نعم، إذًا، لستَ ضد الحكم الإسلامي؟ نعم، ولكن يجب أن يكون باختيار الناس، لا يُفرض عليهم.
سعادة الوزير، قبل قليل ذكرتَ أن هناك أهدافًا كثيرة، يعني السودان مستهدف للأسباب التي شرحتها، وهي أهداف تدخل في إطار مخطط كبير لإعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط، والسودان جزء منه. طيب، كل هذا الكلام جميل، لكن هناك مفارقة تبدو غريبة، وهي أنه في هذا الوقت الذي تدرك فيه القيادة السياسية – وأنت منها – كل هذه المخاطر، هناك شيء يُسمى التطبيع مع إسرائيل، وإسرائيل جزء من هذا المخطط الذي يسعى لتركيع السودان واستلاب خيراته. أنا لا أرى تطبيعًا مع إسرائيل. صحيح، في يوم من الأيام، صُوِّر الأمر كذلك، لكن السودان لم يطبّع مع إسرائيل. لا وجود لإسرائيل في السودان، وليس هناك مشروع تطبيع. لم نسمع بذلك؟ كان مجرد لغط. التقى الرئيس البرهان بنيامين نتنياهو في أوغندا عام 2020 أو 2021، هذا كل ما حدث. وكان هناك حديث عن التطبيع، لكن لم يحدث تطبيع، ولم يتبع هذا اللقاء أي خطوات يمكن أن تُعد تطبيعًا. التطبيع ليس بالأمر السهل مع الكيان الصهيوني. مصر وقَّعت اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، وحتى اليوم لم يطبّع الشعب المصري مع إسرائيل. لكن قبل انضمامك إلى الحكومة، دكتور جبريل، كان هناك انفتاح على التطبيع، وهذا أمر واضح تناولته وسائل الإعلام وأثار ضجة كبيرة. هل كان هذا مجرد ضجة إعلامية، أم أنه لم يكن هناك أي انفتاح على التطبيع؟ مجرد لقاء رئيس مجلس السيادة برئيس وزراء إسرائيل يثير ضجة، وهذا أمر طبيعي متوقع. لكن هذا اللقاء رافقه أصوات عالية جدًا من الشعب السوداني، حيث عارضت العديد من التنظيمات السياسية هذا اللقاء. ولم يتبع هذا اللقاء أي خطوات يمكن أن تُحسب تطبيعًا. إذًا، ليس هناك أي انفتاح على موضوع التطبيع؟ لا، حتى الآن، لم أشعر بذلك. ولا أحد في الدولة قال إنه يريد أن يطبّع مع إسرائيل، لم نسمع بذلك.
طيب، الأطراف الإقليمية التي كانت تدعمكم في صراعكم مع نظام البشير، كيف تقرأون مواقفها اليوم من المشهد السوداني الحالي؟ أولًا، الحديث عن دعم بالمعنى المطلق لأطراف إقليمية لم يكن حادثًا. كنا نُستضاف كقيادة في بعض الدول، ثم نُطرد من هذه الدول. مرة في جنوب السودان، طُردنا من جنوب السودان. مرة في يوغندا، طُردنا من يوغندا. مرة في تشاد، طُردنا من تشاد. مرة في ليبيا، طُردنا من ليبيا. وهكذا، لم يكن هناك دعم بالمعنى المذكور. لكن في ذلك الوقت، كانت حكومة البشير على علاقة قوية بمعظم دول الجوار، مما جعل الحياة صعبة بالنسبة لنا. الآن، المتعهد للدعم السريع استطاع أن يؤثر بماله الغزير على كثير من دول الجوار. مثلًا، ليبيا تدعم التمرد في السودان، حكومة تشاد تدعم التمرد، حكومة إفريقيا الوسطى تدعم التمرد، وحتى جزء من مكونات جنوب السودان يدعمون التمرد. المكونات السياسية، الناس في مواقع متقدمة في الحكومة، يوغندا تدعم التمرد، يمر السلاح عبرها، يستضيفون التمرد، يقدمون لهم كل ما يحتاجون. كينيا من الدول التي تقف بقوة مع التمرد وتمرر السلاح. طيب، يعني، هذه الأطراف، ماذا تستفيد عندما تدعم قوات الدعم السريع؟ مثلًا، حفتر، على سبيل المثال، يدعم مقابل ماذا؟ حفتر نفسه كان يقاتل بدعم من نفس الطرف الذي يدعم التمرد. وبالتالي، هو مأمور. في حقيقة الأمر، إذا استمر الدعم لحفتر، فعليه أن يدعم تمرد السودان، ليس لديه خيار آخر. كينيا حصلت على دعم مادي كبير جدًا، إثيوبيا حصلت على دعم مادي، هذه الدول كلها حصلت على دعم مادي كبير أغراها. جزء من هذه الدعومات ليس للشعوب، بل للحكام. في النهاية، حصلوا على أموال جعلتهم يغيرون مواقفهم. نحن نعتقد أن من دول الجوار التي كان لها موقف واضح وقاطع، إريتريا لم تقف يومًا ما مع التمرد ولم تبدل موقفها على الإطلاق. مصر، موقفها مع مؤسسات الدولة، لم تغير هذا الموقف. إريتريا مع الدولة السودانية، وكذلك مصر.
طيب، علاقتكم مع إثيوبيا على خلفية النزاع حول سد النهضة، إلى أين وصلت؟ لم يُحسم أمر سد النهضة، وهذا الأمر ليس معنيًا بالسودان فقط، بل أيضًا بإخواننا في مصر. في كل الأحوال، السد قائم، ولم يعد موضوعًا كبيرًا، لأن الخوف كان من تهديد هذا السد للسودان أو لمصر، سواء من حيث إمكانية الانهيار، أو حبس المياه، أو إطلاق المياه في غير وقت، مما يسبب فيضانات. كانت هناك تنبؤات كثيرة، لكن الحمد لله، لم يحدث شيء من ذلك حتى الآن، وانتظم سير المياه بصورة طبيعية. لكن الإشكالات بيننا وبين إثيوبيا كثيرة. نحن دولة متداخلة معها تداخلًا كبيرًا، قبائل مشتركة، الناس تتحرك عبر الحدود بحرية كبيرة. من مصلحة إثيوبيا ومن مصلحة السودان أن نكون على وفاق وحسن جوار وسلام مع بعضنا. لا داعي لأن يجدع أحدنا الآخر بالحجارة، لا نحتاج إلى ذلك. لكن العلاقة ليست هكذا الآن. إثيوبيا مارست ضغطًا كبيرًا للدخول في الحرب بشكل مباشر، لكنها اختارت ألا تكون محطة انطلاق كبيرة. قرأتُ اليوم أن بعض الأسلحة نُقلت من إثيوبيا، من مطار إثيوبي، إلى التمرد. لكن، في عموم الأمر، لم تدخل إثيوبيا بثقلها في الحرب، وهي تعلم أيضًا أن السودان يستطيع أن يزعجها لو أراد. كيف يمكن أن يزعجها؟ إثيوبيا لديها معارضات كثيرة على حدودها مع السودان. الحدود طويلة جدًا، وهناك مكونات اجتماعية ليست على وفاق مع القيادة في إثيوبيا. وليس من مصلحة إثيوبيا أن تثير قلاقل بينها وبين السودان، وليس من مصلحتنا نحن في السودان أن نثير قلاقل مع إثيوبيا، وكذلك الحال بالنسبة لجنوب السودان وتشاد.
بما أننا في المحيط الإفريقي ونتحدث عن إثيوبيا، نذهب إلى كينيا، التي كان من المفترض أن تُعلن فيها حكومة موازية. أليس كذلك؟ لم يكن إعلانًا لحكومة موازية، لكن كان هناك توقيع إعلان سياسي يفضي إلى تكوين حكومة موازية. وحتى الآن، لم تُعلن هذه الحكومة الموازية. هناك مساعٍ للإعلان عن هذه الحكومة في الأسافير، لكننا لا ندري أين ستُعلن هذه الحكومة وأين سيكون مقرها. بالطبع، لم يجد هذا الاتجاه أي شكل من أشكال الدعم من أي من دول العالم، لا على مستوى الأمم المتحدة، ولا الاتحاد الأوروبي، ولا الاتحاد الإفريقي، ولا الجامعة العربية. لم تجد أي تأييد. الكل، على مستوى الدول بمفردها، أعلنوا أنهم ضد قيام حكومة موازية في السودان، وأن مثل هذا الإجراء سيؤدي إلى تفتيت البلاد. ولذلك، ربما ستُقام في الأسافير، لكن على أرض الواقع، سيجدون مشقة كبيرة في إقامة مثل هذه الحكومة.
لكن هذا يحيلنا، سيد الوزير، إلى المخاوف المطروحة بخصوص وحدة السودان. هل ترى أن السودان يمكن أن يبقى موحدًا، وليس هناك خوف عليه على الإطلاق؟ أنا الآن أكثر اطمئنانًا لبقاء السودان موحدًا. عندما رأيت كيف اصطف الشعب السوداني كله، في شماله وشرقه ووسطه وجنوبه وغربه، وراء قواته المسلحة والقوات المساندة لها، وسعى الجميع لحمل السلاح لتحرير كل شبر من أرض السودان من هذا التمرد، الآن – كما أسلفتُ – الشعور بوحدة البلد وضرورة الحفاظ على هذا البلد موحدًا أكبر من أي وقت مضى. ولذلك، ليس هناك خوف من أي شكل من أشكال الانفصال. السودانيون تلقوا درسًا قاسيًا جدًا من انفصال جنوب السودان، وآلام هذا الانفصال ما زالت قائمة. ولذلك، ليس هناك استعداد نفسي أو معنوي عند أي سوداني لقبول انفصال آخر. انفصال الجنوب أثَّر كثيرًا جدًا على السودانيين، الكل تعلم مما حدث. ولذلك، لا يوجد استعداد لقبول انفصال أي جزء آخر من السودان.
طيب، لكن هناك حالة تفرض نفسها في السودان اليوم، يسميها البعض خطاب الكراهية. هل أنهت الحرب حالة التسامح السوداني؟ خطاب الكراهية يقوم به فئات صغيرة أو أفراد في غالبيتهم. لكن التحدي الأكبر بعد الحرب هو إعادة بناء النسيج الاجتماعي. استطاع التمرد استقطاب مكونات اجتماعية كبيرة إلى صفه، وبعض قيادات هذه المكونات الاجتماعية أعلن أن المكون بأكمله يتبع المليشيا، مما أدخل نفسه في تصنيف مضر بالمكون الاجتماعي نفسه. وبالتالي، قد تتولد – إذا نُهب مالك، وانتهك عرضك، واحتلت دارك، وخرج كل شيء من يديك، وفقرت بصورة كاملة، من قبل أطراف يدَّعون أنهم ينتمون إلى المكون الاجتماعي الفلاني أو العلاني – موقفك من هذا المكون سيكون صعبًا. وبالتالي، نحن بحاجة إلى معالجة اجتماعية كبيرة لإعادة بناء النسيج الاجتماعي، لما يُسمى بالسلام الاجتماعي بعد الحرب. الحروب عادةً تكون بين جهات تحمل السلاح، لكن السلام الاجتماعي يحتاج إلى تمويل. يعني، لإرضاء المواطن، يحتاج إلى أن يلبس، يأكل، يدرس، يسكن، وكل هذا يحقق هدف السلام الاجتماعي. في كل الأحوال، ما تفضلتِ بذكره، يجب على الدولة تقديمه للمواطن حتى لو لم يكن مقصودًا به السلام الاجتماعي. لكن السلام الاجتماعي الذي نتحدث عنه هو إمكانية التساكن بين المكونات الاجتماعية في البلد مع بعضها في وئام وألفة، من دون اقتتال، لأن الناس في النهاية لديهم غبائن، لقد تضرروا كثيرًا من بعضهم. إزالة هذه الغبائن، إيجاد وسيلة للتسامح بين هذه المكونات، والسعي أيضًا لمحاسبة بعض الذين تسببوا في هذا، حتى لا يكون الأمر هكذا كل مرة يتكرر، ويقول الناس: "عفو الله عما سلف." من المهم جدًا أن يكون هناك قصاص ومحاسبة، حتى الذين تولوا كِبْر هذا الأمر يجب أن يُحاسبوا. نحتاج إلى عدالة انتقالية فيها محاسبة، فيها مراجعة شاملة، فيها تسامح، فيها تعويضات، فيها أشياء كثيرة، حتى يعود المجتمع إلى وضعه الطبيعي، ويستطيع الناس أن يعيشوا مع بعضهم جنبًا إلى جنب من دون كراهية، من دون تضاغط، من دون تطاحن.
لكن الصيغة الأخرى من السلام الاجتماعي التي تحدثنا عنها الآن، أنتَ وزير مالية، وفي حكومة تدير شؤون الناس، والمواطن السوداني ينتظر منك ومن حكومته أن تحقق له هذه الشروط البسيطة لحياة كريمة. هل هذا شيء ممكن؟ بالتأكيد، في حقيقة الأمر، هذا ما نسميه بالحماية الاجتماعية. نسميه أحيانًا السلام الاجتماعي. لدينا برنامج متكامل للحماية الاجتماعية، نسعى لتوفير المدخلات الأساسية للحياة الكريمة للإنسان البسيط على قدر طاقة الدولة. بالتأكيد، الدولة تُفرِد مساحة في موازنتها للحماية الاجتماعية. الآن، نصل إلى الأسر الفقيرة بالأموال نقدًا، ندفع للتعليم، للصحة، للعلاج، للدواء. الجهد مبذول في السعي أيضًا لتوفير الغذاء للمواطن بأسعار معقولة. وبالتالي، الجهد مبذول في تحقيق الحماية الاجتماعية للمواطن. نعم، أنت تفرّق بين الحماية الاجتماعية والسلام الاجتماعي؟ لكن الحماية الاجتماعية تؤدي إلى السلام الاجتماعي، لأنه كي لا يخرج الناس ويتظاهرون ويحتجون، وقد يتحول هذا الاحتجاج والمظاهرات إلى عمل مسلح، وهذا وارد. ولذلك، توفير الخدمات الأساسية وتوفير الحماية الاجتماعية ضرورة مهمة لكل الحكومات. والحكومات، عندما تعيش في شح الموارد، تجد مشقة في توفير كل ما هو مطلوب. لكن المواطن يريد أن يقتنع بأن الحماية الاجتماعية متوفرة بمستوى يجعله يشعر بأن الفقر يُتقاسم بالتساوي. لا يريد أن يشعر بأن هناك طرفًا مفضلًا على طرف، أو طرفًا يحصل والآخر لا يحصل. كل المطلوب أن يُقسم القليل الذي عندنا بطريقة عادلة، حتى لا يشعر أحد بالغبن.
ولو شعر شاب سوداني بالغبن، ماذا تقول له؟ ماذا تقول للشباب السوداني الذي ربما فقد الثقة اليوم في السياسيين وفي القيادات السياسية؟ أول شيء أقوله للشباب السوداني: هذا بلدكم. نحن الآن في أواخر أعمارنا، وفي النهاية، المسؤولية تقع عليكم، والإصلاح أيضًا مسؤوليتكم. يجب ألا يسكت أحد على الظلم، يجب أن ينصح الناس بقوة بدلًا من اللجوء إلى السلاح. الآن، الفرص متاحة ليعبّر الناس عن آرائهم بغير قيد، وبالتالي يستطيعون توصيل آرائهم. وسائل التواصل الاجتماعي، التحكم فيها صعب جدًا، حتى بالنسبة للحكومات القابضة جدًا، فتجد مشقة في التحكم بها. وبالتالي، يستطيع الإنسان أن يوصل صوته، يبلغ رأيه. كل المطلوب أن يكون إيجابيًا، لا سلبيًا. لا يكون هادمًا لكل شيء، لكن الآراء البناءة تجد طريقها إلى النفوس، ولو بعد حين. ولذلك، أعتقد أنه من المهم جدًا أن يكون الشباب بنَّاءً، وليس هدامًا. الحكام يجب أن يحرصوا على هذا الإصلاح، وأن يعبروا عن رأيهم بوضوح، وأن يتقدموا بمشاريع تفضي إلى الإصلاح.
طيب، لو أُتيحت لك فرصة كتابة وثيقة العقد الاجتماعي، مثلًا، وتريد أن تضع فيها بنودًا، ماذا ستكتب فيها؟ البند الأول عندي أن الحاكم خادم للمواطن، وليس سيدًا. من المهم جدًا أن يفهم أنه أجير عند المواطن، موظف عند الشعب. جبريل هذا أجير عند المواطن السوداني الذي يدفع له مرتبه. ولذلك، لا ينبغي أن يشعر بأي حال من الأحوال بأنه متسيد على هذا المواطن ويتعالى عليه بحال. إذًا، أنتَ ستصبح أجيرًا، أو أنتَ الآن أجير؟ أنا الآن أجير عند الشعب السوداني. ويجب أن يفهم كل من يعمل للشعب هذا الفهم. هذه واحدة. اثنان، هؤلاء الأجراء، من حق الذين استأجروهم أن يستغنوا عنهم في أي وقت من الأوقات. يجب أن يكون هذا الحق متوفرًا، لا يقتصبه أحد، ولا يفرض ما يشاء ويفعل ما يشاء من دون الرجوع إلى الشعب. وبالتالي، الحكم الشوري الديمقراطي بالنسبة لنا مهم جدًا أن تكون فيه حريات. الأمر الآخر المهم جدًا حتى نتعايش في سلم، ألا نتظالم. يعني، في النهاية، يجب أن تكون لدينا معايير عادلة لتقاسم السلطة والثروة، حتى نعيش في أمان، ويشعر الكل بأنه يجد نفسه في مرآة الدولة، في مرآة الحكم. هذا أمر مهم جدًا بالنسبة لنا. يعني، أن يحكم الشعب نفسه؟ نعم، أتحدث عن الديمقراطية، أتحدث عن التنمية المتوازنة. بالنسبة لمسألة الحكم الفيدرالي، فهي في غاية الأهمية، أن تجد الشعوب فرصة لحكم نفسها في أقاليمها، ثم تتنافس هذه الأقاليم في التنمية، ويكون لها تمثيل عادل في المركز، في الحكومة الاتحادية. نظام ديمقراطي، أو شورى. الناس يرون النظام الديمقراطي هو النظام الشوري. ربما تجد من يتصلب للفظة، وتجد آخر يتصلب لفظة أخرى. لكن في النهاية، اختيار الشعب لقيادته وقدرته على نزعها هو المطلوب، بغض النظر عن تسميتها الشورى أو الديمقراطية. استيراد الديمقراطية الغربية؟ الديمقراطية كلمة غربية، لكنها مُورست قبل الغربيين بقرون في المجتمع الإسلامي. كانوا يستشيرون النساء في قدور من يكون الخليفة، وكانت هناك لجان تُشكَّل لإجراء الاستفتاء. لكن العالم تغير، تغيرت الوسيلة، لكن الفكرة هي نفسها. لكن لن تجد أي نظام ديمقراطي عربي اليوم. إذا حاولت أن تبحث وتستمزج وتحلل المشهد السياسي العربي، لن تجد أي تجربة ديمقراطية عربية يمكن أن نسميها نظامًا ديمقراطيًا في الدولة العربية الفلانية. هذا لا يعني أن الديمقراطية غير صالحة، أو أنها ليست مطلبًا شعبيًا. الديمقراطية مطلب شعبي، الحكم الشوري مطلب شعبي. سيُتحقق، وإن لم يتحقق اليوم، فسيتحقق غدًا. لكن كرجل إسلامي، لا ترى فرقًا بين أن تقول نظام ديمقراطي أو نظام شوري؟
تعليقات
إرسال تعليق