علي مبروك (١): الصراعات السياسية والفكرية بين المذاهب
مساء الخير. نرحب بكم في صالون زمرة الثقافي بالقاهرة، حيث نجتمع لمناقشة قضايا فكرية وسياسية تهم المجتمع المصري والعربي. ليلة أمس شهدت مصر حدثًا مؤلمًا، إذ وقع هجوم إرهابي على مديرية أمن الدقهلية، أسفر عن استشهاد عدد من رجال الشرطة والمدنيين. هذه الأحداث تذكّرنا بأن الحرب على الإرهاب لا تقتصر على الحدود أو الطرق الخارجية، بل تمتد إلى قلب المدن المصرية. إنها حرب ضد أصحاب الفكر المتطرف الذين يحتمون أحيانًا بشعارات المصالحة الوطنية. لكن المصالحة لا تعني التسامح مع السيارات المفخخة أو الهجمات على الجامعات والمؤسسات العامة. هذا الهجوم يؤكد استمرار الصراع بين الدولة وجماعات "اللادولة"، التي تستغل شعار الثورة لتحقيق أهدافها الإرهابية ضد الدولة ومشاريع التنمية.
ما نشهده اليوم هو صراع سياسي ذو جذور فكرية، متأصل في تاريخنا. لذلك، يركز صالوننا اليوم على موضوع: "الصراعات السياسية والفكرية بين المذاهب العقائدية: الأشاعرة والمعتزلة". ضيفنا هو الدكتور علي مبروك، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، الذي تناول في أطروحة دكتوراه بعنوان "الإمام والتاريخ: بين الأشاعرة والمعتزلة" هذا الموضوع بالتحليل العميق. الدكتور علي ليس جديدًا على صالوننا، فقد شاركنا من قبل في القاهرة والإسكندرية، حاملًا مشروعًا فكريًا يسعى إلى التوفيق بين التيارات الفكرية المختلفة.
شكرًا للدكتور علي على تلبية الدعوة. والآن، أترك الكلمة له.
---
**كلمة الدكتور علي مبروك:**
مساء الخير. أشكر القائمين على الصالون على هذا التقديم الطيب وعلى فرصة مناقشة هذا الموضوع المهم. أبدأ بتقديم التعازي في شهداء الهجوم الإرهابي الذي وقع ليلة أمس، وأقف دقيقة حدادًا تحيةً لأرواحهم وتضامنًا مع أسرهم.
ما يحدث في مصر والعالم العربي يؤكد أهمية تحليل الخطابات الفكرية التي لا تزال تؤثر في واقعنا. يظن البعض أن هذه الخطابات قد انتهت بانتصار أحدها، لكنني أرى، بدلائل واضحة، أن العرب لم يتجاوزوا خطاب الأشاعرة. هذا الخطاب يفسر العديد من الممارسات العربية، سواء كانت فكرية، سياسية، اقتصادية، أو اجتماعية. هذه الممارسات ليست سوى تجليات لخطاب متكامل يرفض الزوال. لذا، نحن بحاجة إلى تفكيك هذا الخطاب بشكل منهجي، ليس لإلغائه، بل لفهمه نقديًا وربطه بأحداث اليوم.
منذ ثورة يناير قبل ثلاث سنوات، أرى أن الثورات العربية لا ينبغي اختزالها في مجرد الاحتجاج على الفساد أو الاستبداد. إنها تعبر عن رغبة حقيقية في التحديث والانضمام إلى الحداثة. لكن، للأسف، ما حدث خلال هذه السنوات يظهر محاولات لإعادة إنتاج الخطاب القديم تحت أقنعة سياسية جديدة. لذلك، أؤكد ضرورة تجاوز هذا القناع السياسي، وعدم حصر المشهد في البعد السياسي فقط، بل تحليل الأبعاد الفكرية والثقافية التي تقف وراءه. بدون هذا الفهم، سنظل ندور في حلقة مفرغة، نتقدم خطوة ونتراجع أخرى، حتى يتحول الأمر إلى صراخ وانفعالات، كما نرى اليوم، نتيجة عجز البعض عن إحداث تغيير حقيقي.
عندما يدرك الناس الواقع ويعجزون عن تغييره، يتحول الأمر إلى سخط وصراع عاطفي، كما نشهده في قطاعات واسعة من المصريين. لذا، أرى أن الخروج من الأزمة العربية، وخاصة المصرية، يتطلب فهمًا عميقًا للجذور الفكرية لهذه الصراعات. اختزال الأزمة في البعد السياسي سيفاقمها، ولن نجد مخرجًا دون العودة إلى أصل المشكلة.
### **الأشاعرة والمعتزلة: صراع فكري وسياسي مستمر**
موضوع الأشاعرة والمعتزلة يعكس صراعًا فكريًا وسياسيًا لا يزال مؤثرًا. حاولت المعتزلة تقويض خطاب الأشاعرة، لكنها فشلت لأسباب سأوضحها لاحقًا. لكن دعونا أولًا نميّز بين فرق الفقه وفرق العقائد. فرق الفقه، مثل المذاهب الأربعة عند أهل السنة، تختلف عن فرق العقائد، التي تُعنى بأصول الدين، مثل الأشاعرة، المعتزلة، المرجئة، الخوارج، والشيعة. هذه الفرق تختلف في الاعتقادات، وليس في الأحكام الفقهية فقط.
علم العقائد هو الأخطر في تاريخ المسلمين، لأنه لا يقتصر على وضع المعتقدات، بل يحدد القواعد العقلية التي تحكمها. عند تحليل هذه المنظومات، نجد أنها ليست مجرد اختلافات عقائدية، بل أنظمة معرفية متباينة. الأشاعرة والمعتزلة يمثلان بنيتين عقليتين مختلفتين. الأشاعرة يرون العالم من خلال الإطلاق والتعالي، بينما المعتزلة يقدمون بنية معرفية قائمة على التفاعل بين المقولات، حيث تؤثر كل مقولة في الأخرى.
كل حضارة في التاريخ تعتمد على ثلاث مقولات: الله، العالم، والإنسان. تختلف الحضارات في ترتيب العلاقة بين هذه المقولات. في الإسلام، الأشاعرة يجعلون الله المقولة المهيمنة المطلقة، التي تحدد العالم والإنسان دون أن يؤثرا فيها. أما المعتزلة، فيرون علاقة تفاعلية، حيث يحدد الله، العالم، والإنسان بعضهم بعضًا. على سبيل المثال، الله عند المعتزلة لا يُفهم بمعزل عن العالم الإنساني أو الطبيعي. العدل، وهو أساس العلاقات البشرية عندهم، ينعكس على تصورهم لله، الذي يجب أن يكون عادلًا.
### **العدل عند المعتزلة: جوهر الفكر**
المعتزلة، المعروفون بأهل العدل والتوحيد، يرون العدل قانونًا أساسيًا يحكم العالم الإنساني. هذا العدل يمتد إلى العلاقة بين الحاكم والمحكوم، مما يجعله جوهر القوانين السياسية والاجتماعية. ونتيجة لذلك، يجب أن يكون الله عادلًا، بمعنى أنه لا يفعل إلا ما فيه خير الإنسان. بل ذهبوا إلى القول بأن الصلاح واجب على الله، وهي فكرة أثارت جدلًا واسعًا.
في العالم الطبيعي، يرى المعتزلة أنه محكوم بقوانين ثابتة، وليس خاضعًا لإرادة مطلقة. هذا يقودهم إلى تصور الله كحكيم يعمل وفق قوانين عقلية. على عكس الأشاعرة، الذين يرون الإرادة الإلهية مصدر كل شيء، مما يسمح بتدخل إلهي مستمر في العالم. هذا الاختلاف يؤثر على دور الإنسان: عند المعتزلة، الإنسان فاعل قادر على التأثير، بينما عند الأشاعرة، هو مجرد أداة لتجلي الإرادة الإلهية.
### **الإنسان: مركز الصراع**
المعتزلة يرون الإنسان كائنًا مركزيًا، يلعب دورًا أساسيًا في تحديد الذات الإلهية من خلال تفاعله مع العالم. هذا مستمد من الحديث القدسي: "كنت كنزًا مخفيًا فأردت أن أُعرف، فخلقت الخلق ليعرفوني". هذا الحديث يعني أن الله يتحقق من خلال الخلق، وخاصة الإنسان، الذي يصبح شريكًا في عملية المعرفة الإلهية. طوّر ابن عربي هذه الفكرة لاحقًا في نظرية وحدة الوجود، حيث تتجلى الذات الإلهية في العالم عبر المخلوقات.
أما الأشاعرة، فيجعلون الإنسان تابعًا، دوره الخضوع للإرادة الإلهية. هذا التصور يمتد إلى السلطة السياسية، حيث يُقاس الحاكم على الله، فيصبح مقدسًا لا يُناقش. الغزالي، في كتابه "الجام العوام عن علم الكلام"، يقول إن الحضرة الإلهية تُفهم بالتشبيه بالحضرة السلطانية. هذا القياس يعزز سلطة الحاكم ويجعلها مطلقة، مما يكشف أن الصراع بين الأشاعرة والمعتزلة سياسي بقدر ما هو لاهوتي.
### **الصراع السياسي: جوهر المعركة**
الصراع بين الأشاعرة والمعتزلة يدور حول مركزية الإنسان. الأشاعرة يسلبون الإنسان فاعليته، مما يخدم السلطة السياسية، بينما المعتزلة يؤكدون قدرته على التأثير. هذا يتجلى في قضية الصفات الإلهية: الأشاعرة يرونها قائمة بالذات الإلهية، بينما المعتزلة يعتبرونها اعتبارات إنسانية تنشأ من التفاعل مع العالم.
فخر الدين الرازي، في كتابه "أساس التقديس"، حاول تأويل الصفات الحسية (مثل يد الله) لتجنب التشبيه، لكنه قاس الله على الحاكم السياسي. يقول إن "البلد في يد الأمير" تعني سيطرته، وكذلك "العالم في يد الله" تعني هيمنته. هذا القياس يمنح السلطة السياسية قداسة إلهية.
### **الأشاعرة والسلطة: علاقة وثيقة**
الأشاعرة، بسلب فاعلية الإنسان، خدموا السلطة السياسية. الغزالي، في كتابه "فضائح الباطنية وفضائل المستظهر بالله"، يصف الخليفة العباسي المستظهر بالله بأوصاف مقدسة، رغم أنه كان شابًا صغيرًا. هذا يظهر أن الهدف كان سياسيًا، لدعم الخلافة العباسية ضد الفاطميين.
### **المرجئة: دين السلطة**
المرجئة، الذين سُمّوا "دين الملوك"، ارتبطوا بالأمويين. رؤيتهم للإيمان كقول دون عمل خدمت الدولة الأموية، التي احتاجت لتبرير أفعالها وتجنب التكفير. هذا جعل الإيمان نطقًا بالشهادة فقط، مما سهّل جمع الخراج والجزية دون اشتراط العمل الصالح.
### **خاتمة: تحرير الدين من السياسة**
الصراعات بين الأشاعرة والمعتزلة ليست لاهوتية فقط، بل معارك سياسية حول دور الإنسان والسلطة. الأشاعرة دعموا السلطة بسلب فاعلية الإنسان، بينما دافع المعتزلة عن دوره المركزي. هذه الصراعات تتجلى اليوم في استغلال بعض الجماعات الإسلاموية للدين لأغراض سياسية. الحل يكمن في تحرير الدين من قبضة الدولة، ليس على النمط الأوروبي الذي حرر السياسة من الكنيسة، بل بتحرير الدين من استغلال الدولة له كأداة هيمنة. هذا هو مفتاح الخروج من الأزمة العربية.
---
تعليقات
إرسال تعليق