إبراهيم عيسى (٦): هل يمكن الوقوف على الحياد في الصراع الإيراني الإسرائيلي؟


بين فكيْ رحى: هل يمكن الوقوف على الحياد في الصراع الإسرائيلي الإيراني؟

في خضم أجواء الحرب المتصاعدة، والصواريخ المنطلقة، والنيران المندلعة، يبرز تساؤل جوهري يفرض نفسه بقوة على المشهد العربي: هل يمكن الوقوف على الحياد في الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران؟ هذا التساؤل، الذي قد يوجه إلينا بشكل استنكاري ومتوجس، يهدف إلى اختبار مواقفنا والتأكد من تموضعنا.
قبل الإجابة على هذا السؤال، لا بد من استكشاف موقفنا العام من إسرائيل، وذلك بمنتهى الهدوء والحرية والتجرد. فهل نرى إسرائيل كيانًا صهيونيًا مصيره إلى الزوال، ونعتقد بضرورة إفنائه وعدم إقامة أي علاقات معه أو الاعتراف به؟ هل ننتظر ما انتظرته الجزائر بعد أكثر من قرن من الاستعمار الاستيطاني الفرنسي لتحقيق التحرر، أو ما انتظره الإسبان على مدى خمسة قرون لاستعادة الأندلس؟ إذا كان هذا هو رأيك، ولديك القدرة على تحقيق هذا النصر العظيم، فهذا موقف مفهوم.
ولكن دعنا نتحدث بمنطق الواقع. فبينما يرى البعض إسرائيل كيانًا يمكن نزعه أو زواله، هناك وجهة نظر أخرى وموقف رسمي عربي يعترف بوجود إسرائيل وبقراراتها الدولية، بل وعقد معاهدات سلام معها. فمصر والأردن وفلسطين نفسها، والإمارات والمغرب، كلها دول اعترفت بإسرائيل وتفاوضت مع المجتمع الدولي على أساس وجودها. وحتى حركة حماس، تدعي الآن أنها مع حل الدولتين.
أما عن الموقف الفلسطيني نفسه، فتتعدد المواقف بين من يؤمن بحل الدولتين، ومن طرح فكرة الدولة ثنائية القومية على غرار جنوب إفريقيا، وهو حل يبدو أنه لم يعد يحظى بأي دعم. وبين هذه المواقف، تظل فكرة مقاومة إسرائيل كقوة احتلال للأرض العربية محورًا أساسيًا.
تاريخ المقاومة الفلسطينية ممتد، من بعد عام أربعة وثمانين وتسعمائة وألف، مرورًا بمنظمة التحرير الفلسطينية، وصولًا إلى الانتفاضات، ثم اتفاقية أوسلو. لكن السؤال الأهم: هل نجحت هذه المقاومة في تحقيق أي نتائج ملموسة؟ على الرغم من نبْل عمل المقاومة كواجب لتحرير الأرض، إلا أن التجربة أثبتت أن ما كسبناه بالسلام، لم نكسبه بالحرب أو بالمقاومة الوهمية. فغزة نفسها تم تحريرها باتفاقية سلام وانسحاب من طرف واحد.
تأتي بعد ذلك "المقاومة" التي تدعيها وتزعمها الجماعات الإسلامية، كحماس والإخوان المسلمين. فهل هذه مقاومة حقًا؟ البعض يرى أن وصف حماس بالإرهابية هو وقوف ضد المقاومة ومع إسرائيل. لكن هل المقاومة فعل لذاته، أم لها أهداف يجب أن تحققها؟ وهل كل من يمارس ما يدعيه مقاومة هو مقاوم حقًا؟ حماس، التي كانت تحكم غزة بالحديد والنار والقمع والاستبداد الديني والسياسي، هي جماعة دينية عنصرية طائفية، ومشروعها إسلامي إخواني وليس فلسطينيًا وطنيًا.
فهل هذه المقاومة ناجحة؟ في رأيي، هي فاشلة تمامًا. هل حررت شبرًا، أو أنقذت طفلًا؟ لا. هم يريدونك أن تشتم إسرائيل، وهو أمر سهل لأنها تستحق ذلك، لكنهم لا يريدونك أن تكشف عوار حماس وضعفها ومتاجرتها بالقضية الفلسطينية وعمالتها لإيران. فمن الذي دفع إسرائيل لاحتلال غزة وقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين وتدمير ديارهم؟ الإسرائيليون فعلوا ذلك، ولكن عبر حماس، وبسبب عملية السابع من أكتوبر المجنونة والانتحارية. فكيف لي أن أؤيد مقاومة ليست وطنية، ولا تؤمن بالمشروع الفلسطيني، ولا تنتصر للحرية والديمقراطية، ولا هي ناجحة، بل مرتبطة بمشروع إسلامي إيراني؟
على الجانب الآخر، يأتي الموقف من إيران. شخصيًا، موقفي ضد إيران تمامًا وكلية، وليس فقط في حربها مع إسرائيل. أنا ضد جمهورية دينية قائمة على القهر والقمع لشعبها، وعلى قتل معارضيها، وعلى الاستبداد الديني والسياسي وحكم الملالي. أنا ضد حكومة تتدخل في الدول العربية وتقيم أذرعًا وميليشيات تهدم الدولة الوطنية العربية في اليمن والعراق ولبنان. لماذا أؤيدها؟ هل لمجرد أنها ضد إسرائيل أو أمريكا؟ كوريا الشمالية أيضًا ضد أمريكا، فهل نؤيدها؟ إيران لا تنتصر للقضية الفلسطينية، بل تدمرها بنفس طريقة حماس، وتزرع المتطرفين والإرهابيين، وتشعل نيران الفتنة في أجساد الأطفال الفلسطينيين مقابل مصالحها السياسية. أنا ضد حكم الملالي في إيران تمامًا وإلى الأبد.
بالعودة إلى السؤال الرئيسي: هل يمكنني الوقوف على الحياد بين إيران وإسرائيل في هذه الحرب؟ لا، لا أستطيع الوقوف على الحياد، ولا أريد ذلك أصلًا. موقفي واضح. إسرائيل دولة اعتدت على إيران، وإيران ترد هذا الاعتداء. أنا لا أقف على الحياد لأن إسرائيل دولة معتدية، وانتهكت القانون الدولي وسيادة إيران، واعتدت عليها. ومن حق إيران أن ترد.
لكن هذا لا يعني أنني أؤيد إيران أو حكمها أو سياستها. أنا لا أرغب في نتيجة معينة لهذه الحرب، فموازين القوى هي التي ستفرض نفسها. ولست سعيدًا بضرب إسرائيل، ليس لشيء، بل لأن هذا الضرب والأذى الذي يلحق بإسرائيل، لا يساوي الأذى والدمار الهائل الذي يلحق بإيران. أرى عمارة تحترق في إسرائيل، وأخرى تحترق في إيران، فأين الفرح؟
إن الفرح بقتل عدد محدود من الإسرائيليين، بينما يموت أضعافهم من الإيرانيين، هو أمر لا يمكن قبوله. هذه قسمة ضيزى. إن المشاعر الملتهبة والعواطف الجامحة، عندما تشل العقل وتعمي العين عن الحقيقة، تصبح مأساة. فالحقد المقدس، سواء كان دينيًا أو قوميًا، يعمي عن رؤية الواقع. فعملية عسكرية ناجحة، مقابل انتحار شعب وتدمير بلد، وولوج القضية الفلسطينية نفقًا مظلمًا، لا يمكن أن يعد نجاحًا.
إن الوقوف ضد حماس لا يعني أبدًا الوقوف ضد المقاومة، بل هو يصب في صالح القضية الفلسطينية، والحق الفلسطيني، وانتصار الشعب الفلسطيني، وينتصر للمنطق والعقل والواقع وموازين القوى. أما العبث الجنوني الانتحاري العدمي، فهو مشكلة تعاني منها مجموعتنا العربية.
وبالنسبة لإيران، فإن رغبتها في النفوذ والهيمنة على المنطقة العربية، واختراق الدولة الوطنية العربية، وعسكرة الدول العربية بالميليشيات، وحكمها الديني الاستبدادي الذي يضطهد المرأة والأقليات وحقوق الإنسان، كل ذلك يجعل موقفي ضدها ثابتًا. إنها دولة تقتل حقوق الإنسان. فكيف يؤيدها البعض لمجرد أنها ضد إسرائيل؟ أنا لا أرى أنها تحارب إسرائيل لمصلحة فلسطين، بل لخدمة مصالحها، وخدمة المشروع الإسرائيلي. فمنذ أن أقامت إيران أذرعها في المنطقة، وإسرائيل تنتهك السيادة اللبنانية والسورية واليمنية. فالحق الفلسطيني ليس تفضلًا من أحد، بل هو واجب ينتظر النصر للشعب المحتل.
الموازين القوى هي التي ستفرض ما تريده، وليست المعجزات السماوية. من هو الأقوى؟ إيران أم إسرائيل؟ من يملك حليفًا أمريكيًا بكل غطرسته وأسلحته؟ ومن يقف وحيدًا ينتظر المهدي المنتظر؟ هذا هو الواقع الذي يجب أن ننظر إليه بعين العقل، لا بعين العواطف الملتهبة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة