إبراهيم عيسى (٥): لماذا لا يجب أن يمتلك العرب قنبلة نووية؟

**لماذا لم تمتلك الدول العربية قنبلة نووية؟ تأملات في المرحلة الدقيقة**

في خضم الأحداث المتسارعة والمرحلة الدقيقة التي تمر بها الأمة العربية، يبرز سؤال ملح ومثير للجدل: لماذا لم تمتلك الدول العربية قنبلة نووية أو مفاعلات ذرية قادرة على إنتاج هذا السلاح الفتاك؟ هذا السؤال ليس جديدًا، بل هو صدى يتردد منذ عقود، كما لو كان نشيدًا وطنيًا يُردد في كل مرحلة تُوصف بـ"الدقيقة"، وكأن كل مراحل الأمة العربية دقيقة، تشبه الأمعاء الدقيقة أو عنق الزجاجة الطويل الذي يبدو أطول من التاريخ نفسه. فهل كان امتلاك القنبلة النووية ضرورة حتمية؟ وهل كان سيغير مصير الأمة؟

إن هذه المرحلة، التي تُوصف دائمًا بالدقيقة، تشهد اليوم فرجة الأمة على صراع وحرب قد تطول بين إسرائيل وإيران. نرى إسرائيل تسعى سعيًا محمومًا لهوسيًا لمنع إيران من امتلاك القدرة النووية، بينما تسعى إيران منذ نصف قرن تقريبًا بنفس الحماس المجنون لامتلاك هذه القنبلة. يبدو الأمر وكأن امتلاك القنبلة النووية هو أمر مصيري، يحقق الرفاهية والعدالة والتقدم العلمي والاقتصاد العادل للشعوب. لكن، هل هذا صحيح؟ أم أن هذا السعي هو نوع من الجنون؟

إن إسرائيل تمتلك قنبلة نووية، وها هي إيران تسعى لتحقيق التوازن النووي. لكن، دعونا نتوقف لحظة ونسأل: ماذا حققت باكستان، على سبيل المثال، بامتلاكها قنبلة نووية؟ هل أدى ذلك إلى تحويل شعبها إلى شعب مزدهر؟ الحقيقة أن الشعوب لا تتحول بالقنابل النووية، بل تظل تحت رحمة حكامها وقراراتهم. ففي التاريخ العربي، كانت هناك محاولات لامتلاك هذه القوة، لكنها باءت بالفشل لأسباب متعددة، سواء بسبب سوء الإدارة، أو نقص الموارد، أو التدخلات الخارجية.

في مصر، حاول جمال عبد الناصر بناء مشروع نووي من خلال مفاعل إنشاص، واستعان بعلماء ألمان بعد الحرب العالمية الثانية لتطوير صواريخ مثل "الظفر" و"القاهر". لكن هذه المشاريع أجهضت، إما بفعل التدخلات الإسرائيلية، كعمليات اغتيال العلماء، أو بسبب الضغوط الأمريكية، أو نتيجة الفشل الإداري. حتى محاولة عبد الناصر لتأهيل طلاب الثانوية العامة المتفوقين لدراسة العلوم النووية في الاتحاد السوفيتي لم تُكلل بالنجاح. في المقابل، نجحت إسرائيل في بناء مفاعل ديمونا النووي بمساعدة فرنسا، وليس أمريكا كما يُعتقد أحيانًا.

وفي العراق، حاول صدام حسين بناء مفاعل نووي، لكن إسرائيل دمرته في غارة جوية. وفي ليبيا، سعى معمر القذافي لامتلاك قدرات نووية، لكنه انتهى بتسليم كل مواده النووية بموجب اتفاق دولي. هذه التجارب تشير إلى نمط مشترك: الديكتاتوريون والحكام المستبدون هم من سعوا لامتلاك القنبلة النووية، وليس المجتمعات الديمقراطية المتوازنة التي تركز على بناء الرفاهية والاستقرار لشعوبها.

إن السعي لامتلاك القنبلة النووية في المجتمعات العربية ارتبط غالبًا بطموحات قومية أو يسارية، أو بحكام استبداديين مثل عبد الناصر، صدام حسين، والقذافي. تخيل لو نجح أحدهم، مثل القذافي، في امتلاك قنبلة نووية! كيف كان سيستخدمها؟ وهل كان سيجلب الدمار للعرب قبل غيرهم؟ الشرط الأساسي لامتلاك سلاح نووي هو أن يكون القرار في يد دولة ديمقراطية، تخضع لمؤسسات ورقابة شعبية، وليس في يد حاكم فرد لا يُسأل عما يفعل. إسرائيل، على سبيل المثال، لا يمكنها استخدام سلاحها النووي إلا بإجماع مؤسساتي، على عكس الجمهوريات العربية التي تُتخذ فيها القرارات بناءً على نزوات الحاكم.

إيران، التي تسعى اليوم لامتلاك القنبلة النووية، لا تواجه خطرًا وجوديًا من إسرائيل أو أمريكا، بل هي من تبادر بالعداء وتعلن شعارات مثل "الموت لإسرائيل" و"أمريكا الشيطان الأكبر". هذا السعي ليس دفاعًا عن النفس، بل طموحًا للهيمنة الإقليمية. إيران استغلت القضية الفلسطينية كمدخل لاختراق العالم العربي، مستفيدة من الانقسامات الطائفية بين السنة والشيعة. فمن خلال دعمها لحركات مثل حماس وحزب الله، تمكنت من بناء نفوذ في المنطقة، ليس حبًا بفلسطين، بل لتعزيز هيمنتها.

القضية الفلسطينية، التي تُستخدم كـ"قميص عثمان" من قبل الجميع، أصبحت أداة للديكتاتوريين والمستبدين لتبرير سياساتهم وتدمير مجتمعاتهم. فهل القنبلة النووية هي الحل؟ أم أن الأولوية هي بناء مجتمعات عادلة ومزدهرة؟ إن إنفاق المليارات على مشاريع نووية، بدلاً من تطوير التعليم، الصحة، والاقتصاد، هو نوع من الجنون. فلو أن إيران، على مدى الخمسين عامًا الماضية، ركزت على بناء اقتصادها ورفاهية شعبها، لكانت اليوم في مصاف الصين أو فيتنام، حتى وإن ظلت ديكتاتورية.

والسؤال الأعمق: لو امتلكت إيران قنبلة نووية وقررت استخدامها ضد إسرائيل، من سيتضرر؟ الإجابة واضحة: الشعوب العربية ستكون أول المتضررين. الانفجار النووي لن يقتصر على تل أبيب، بل سيمتد إلى سيناء، لبنان، سوريا، والأردن، مخلفًا جحيمًا إقليميًا. وحتى لو دمرت إيران إسرائيل، فإن العرب سيدمرون معها. إن هذا السيناريو الانتحاري ليس حلًا، بل هو نتيجة لعقلية ترى الموت مساويًا للحياة، وهي عقلية بعيدة كل البعد عن الدين أو العقل.

إن القنبلة النووية لا تصنع السعادة ولا التقدم. باكستان، التي تمتلك قنبلة نووية، لم تحقق بها ازدهارًا لشعبها، بل أصبحت تدور حول الدفاع عن قوتها النووية بدلاً من أن تكون القوة النووية هي التي تحميها. وفي المقابل، نجد كوريا الجنوبية، التي ركزت على التقدم التكنولوجي والصناعي، أصبحت نموذجًا للازدهار والحرية، بينما كوريا الشمالية، التي تمتلك قنابل نووية، تعيش في ظل ديكتاتورية تقمع شعبها وتمحو كرامته.

في النهاية، يبقى السؤال: أيهما أولى؟ قنبلة نووية لا نعرف كيف سنستخدمها، أم بناء حياة كريمة لشعوبنا؟ أيهما أولى؟ معدل التخصيب أم معدل التضخم؟ أيهما أولى؟ إنفاق المليارات على مفاعل نووي سيجعلنا هدفًا للصراعات، أم بناء مجتمعات عادلة ومستقرة؟ الحل ليس في السلاح، بل في السلام. لقد أثبتت تجارب مصر والأردن أن السلام حقق مكاسب حقيقية، بينما الحروب التي خاضها العرب بقيادة ضباط عسكريين أو ديكتاتوريين انتهت بالهزيمة.

إن حرب أكتوبر يجب أن تكون آخر الحروب بين العرب وإسرائيل. أما الحرب الإيرانية-الإسرائيلية التي نشهدها اليوم، فهي صراع على الهيمنة الإقليمية، وليست لتحرير فلسطين. نحن، كعرب، لسنا سوى متفرجين عاجزين في هذا الصراع، ننحاز بعواطفنا إلى مشاهد التدمير، وكأنها انتصارات. لكن الحل الحقيقي يكمن في السلام، وفي بناء مجتمعاتنا على أسس العدالة والتقدم. وإلى أن يعقل "المختلون"، سنظل عالقين في دوامة التخلف والصراع، في عالم أضيق من خرم إبرة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة