عبد الوهاب المسيري (١): علمنة التدين
**علمنة التدين: تفكيك الذات وتحديات الإيمان في عالم متغير**
في سياق النقاش حول العلمانية وتداعياتها على التدين، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة الإيمان وكيفية تجلياته في حياة الفرد والمجتمع. إن مسألة التفكيك ليست مجرد عملية نقدية موجهة إلى الآخر، بل هي أيضاً دعوة لتفكيك الذات، بهدف فهم أعمق للمفاهيم التي تشكل وعينا الديني. فعندما نقوم بتفكيك خطابنا الديني، قد نكتشف أن بعض مفرداتنا تحمل طابعاً علمانياً دون أن ندرك ذلك. هذه المفردات، التي قد تبدو حتمية في سياقها التاريخي، ينبغي أن تُدرج ضمن مرجعية متجاوزة، حتى لا تتحول إلى مركز أساسي يحل محل الجوهر الإلهي.
إن علمانية التدين ذاته تأخذ أشكالاً متعددة، لكنها تتلاقى في جوهرها حول فكرة تحويل الإيمان إلى تجربة فردية محصورة في الذات. أحد هذه الأشكال يتمثل في اختزال الإله إلى حالة شعورية أو تجربة جمالية خاصة بالقلب والضمير الشخصي. في هذا السياق، يُقال إن الدين "شأن قلبي" لا علاقة له بالشعائر الدينية كالصلاة والصوم، بل هو شعور داخلي يُعفي صاحبه من التزامات الفعل الديني. هذا الخطاب، المنتشر في بعض الأوساط، يحول الإيمان إلى تجربة فردية منعزلة عن التاريخ والمجتمع.
في شكل آخر، يتحول التدين إلى محاولة لكشف الحجاب عن الإله، حيث يُختزل الإيمان بالغيب إلى تجربة معرفية مباشرة. بدلاً من أن يكون التدين إيماناً بالغيب يتجلى في التاريخ ويترجم إلى سلوك أخلاقي ينظم العلاقة بين البشر، يصبح مجرد وسيلة لتنظيم العلاقة الفردية بين الإنسان وربه. في هذه الحالة، يركز المؤمن على الجوهر الرباني الواحد، ويغرق في تمارين صوفية تهدف إلى التوحد بالخالق. هذا التوجه قد يقود إلى محاولة التحرر من قيود المادة لتحقيق صفاء روحي، يُفترض أنه يؤهل الإنسان للحلول الإلهي أو وحدة الوجود الروحية. لكن هذا الصفاء، في كثير من الأحيان، يجعل الأمور الزمنية تبدو عرضية وغير حقيقية، فيتوحد الخلق بالمخلوق، ويصبح المؤمن "مكشوفاً عنه الحجاب"، يدعي امتلاك علم غنوصي وعلاقة خاصة بالخالق.
هذا التحول قد يتجاوز حدوده، حيث يصبح المؤمن، في بعض الحالات، يمجد ذاته بدلاً من تهذيبها وكبح جماحها وفق تعاليم الدين. بدلاً من طاعة الخالق، يطوع الخالق لتبرير أفعاله، فيتحول الهدف من الإيمان إلى تحقيق خلاص شخصي، يهدف إلى هزيمة الآخرين بدلاً من إصلاح العالم الداخلي وبناء المجتمع الخارجي وفق طاعة الله. ورغم مظاهر الزهد والتقشف، فإن الهدف الأساسي لهذه التجربة الدينية يظل الخلاص الفردي، دون اكتراث بالآخر أو بالتاريخ أو بالسياسة أو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو تحقيق العدل في الأرض.
يترافق هذا التوجه مع تركيز مبالغ فيه على الحياة البرزخية، وعذاب القبر، وحساب يوم القيامة، ورحلة الانتقال من الدنيا إلى الآخرة. يصبح الاهتمام منصباً على تراكم الحسنات وحساب قيمتها بدقة، وكأن الإنسان يعرف "سعر التحويل" إلى الجنة. يُضاف إلى ذلك الاهتمام المادي المقنع بطابع روحي، كالحديث عن عدد القصور في الجنة وما تحويه من نعيم. هذا الخطاب، في جوهره، يعكس إيماناً مادياً يشبه الإيمان بالأطباق الطائرة، حيث يغيب الغيب الحقيقي وتُهمل الأعباء الأخلاقية.
إن جوهر الدين، في المقابل، يكمن في طاعة الإله والإيمان بالغيب كما يتجلى في هذه الدنيا. الغيب ليس مجرد فكرة مجردة، بل هو واقع يتجسد في التاريخ ويترجم إلى أفعال أخلاقية. الإيمان بالغيب لا يعني تحويله إلى مادة أو قوانين تاريخية، بل هو إدراك لأسرار الكون التي لا يمكن تفسيرها، وثقة بأن الله سينصر المؤمنين، كما تثبت ذلك الوقائع التاريخية. لكن عندما يركز المؤمن على الغيب في حد ذاته، منفصلاً عن التاريخ، ينقسم الدين إلى "دنيا" و"دين"، ويُهمل الجانب الدنيوي تماماً. هنا تبرز مشكلة التركيز المفرط على الحياة البرزخية، التي تُستخدم كوسيلة للهروب من الأعباء الأخلاقية، وخاصة إقامة العدل في الأرض.
في هذا السياق، يمكن مقارنة "الدروشة"، بمعناها السائد، بالتصوف الحقيقي الذي تجسد في حركات مثل المرابطين، الذين آمنوا بأن الإيمان بالغيب يترجم إلى فعل أخلاقي في الزمان، ملتزم بقوانين أخلاقية عليا وردت في القرآن. هذا التصوف لم يكن هروباً من التاريخ، بل كان انخراطاً فيه دفاعاً عن العدل والأمة.
إن التمركز حول الذات، الذي يعبر عن نفسه في التعصب الديني، يحول الشعائر الدينية إلى أدوات للتفوق العلماني الإمبريالي. تفقد هذه الشعائر معناها الداخلي وتصبح مجرد مظهر خارجي يعزز الهوية الذاتية، بدلاً من أن تكون تعبيراً عن طاعة الله. في النهاية، يصبح المسلم المتمركز حول ذاته أكثر أهمية من الإسلام ذاته، فيتحول الإيمان إلى دفاع عن هوية المسلمين، لا عن قيم الإسلام. هذا التحول يعكس، في جوهره، علمانية مقنعة، حيث تصبح الذات هي القيمة المطلقة، بدلاً من القيمة الإلهية.
في مواجهة هذه التحديات، ينبغي إعادة تعريف الإسلام كإيمان بالحق وإقامة العدل في الأرض للجميع، مسلمين وغير مسلمين. الإسلام ليس هوية، بل هو مشروع أخلاقي يتجاوز الفولكلور والمتاحف. إن التركيز على قضايا ثانوية، كطريقة الوضوء أو تحية أهل الكتاب، بدلاً من مواجهة السعار الاستهلاكي أو ظلم الحكام، يكشف عن قصور في الخطاب الديني. فعلى سبيل المثال، يثير بناء كنيسة ردود فعل متشنجة من بعض الجماعات الإسلامية، بينما تمر إعلانات الشركات الاستهلاكية دون اعتراض. هذا الانتقائية تعكس غياب تحليل نقدي عميق للواقع.
في الختام، إن التحدي الأكبر أمام الخطاب الديني اليوم هو مقاومة العلمانية المقنعة التي تتسلل إلى النسق الديني ذاته. سواء تجلت هذه العلمانية في اختزال الإيمان إلى تجربة قلبية، أو في تحويل الخالق إلى قوة مادية تخضع للعقل وحده، فإنها تُفقد الدين فعاليته وتجعله نسقاً منعزلاً عن التاريخ. إن استعادة جوهر الإيمان تتطلب إعادة التوازن بين الغيب والتاريخ، وبين طاعة الله وإقامة العدل، ليظل الدين مشروعاً متجاوزاً يوجه الفرد والمجتمع نحو الحق والخير.
تعليقات
إرسال تعليق