إبراهيم عيسى (٣): رحلة الدم إعادة قراءة التاريخ الإسلامي المبكر - الجزء الأول
في هذا المقال، يأخذنا الكاتب والإعلامي إبراهيم عيسى في رحلة فكرية وروائية عميقة عبر التاريخ الإسلامي المبكر، مستعرضًا ثلاثيته الأدبية "القتل الأوائل"، التي تناولت تحولات السلطة والصراعات التي شكلت مسار التاريخ الإسلامي. في حوار مع عمرو عبد الحميد في بودكاست "جدليات"، يناقش عيسى دوافعه لكتابة هذه الثلاثية، وكيف حاول تفكيك الروايات التقليدية، مقدّمًا قراءة نقدية تتجاوز التقديس والتبجيل، ليضع التاريخ في سياقه البشري.
### **إبراهيم عيسى: شغف التاريخ من أجل المستقبل**
أهلًا بكم، أنا عمرو عبد الحميد، وهذه حلقة جديدة من بودكاست "جدليات" عن مؤسسة تكوين الفكر العربي. إبراهيم عيسى، أحد أبرز الأصوات الفكرية في العالم العربي، اشتهر بطرحه النقدي العميق في الصحافة والأدب، حيث جمع بين جرأة الطرح ورصانة البحث. لطالما اهتم بإعادة قراءة التراث الإسلامي بمنظور تحليلي، بعيدًا عن التقديس أو التسليم المطلق بالروايات التاريخية التقليدية. في أعماله، يتقاطع التاريخ مع السياسة والفكر، مما يخلق مساحة للتأمل والتساؤل حول كثير من المسلمات.
في ثلاثيته "القتل الأوائل"، يأخذنا إبراهيم عيسى في رحلة عبر التاريخ الإسلامي المبكر، ليرصد التحولات الكبرى التي شكلت ملامح السلطة والصراع على الحكم، مسلطًا الضوء على الشخصيات والأحداث التي كان لها دور مفصلي في تشكيل مسار التاريخ الإسلامي. بأسلوبه الروائي المشوق، يدمج بين الوقائع التاريخية والسرد الدرامي العميق، حيث يغوص في أعماق شخصيات تاريخية أحاطها السلف بالكثير من القداسة والطهر والعصمة. هذا الانشغال بالتاريخ لم يقتصر على الرواية، فقد سبقته العديد من البرامج والحلقات التلفزيونية التي تناول فيها عيسى التاريخ، مقدمًا جوانب مسكوت عنها أو مثيرة للجدل، مثل برامج "رجال بعد الرسول"، و"الله أعلم"، وغيرها.
أرحب بضيفي الكاتب الكبير والإعلامي الأستاذ إبراهيم عيسى. أهلًا أستاذ إبراهيم، سعيد جدًا بحضورك. في المقدمة، أشرت إلى بعض البرامج التي تناولت فيها التاريخ الإسلامي بأسلوب تلفزيوني مختلف، مثل "رجال بعد الرسول"، و"الله أعلم"، وأيضًا "الرائعان" عن عمر وأبي بكر، و"الرائعتان" عن السيدة فاطمة والسيدة عائشة. ما الذي دفعك للخروج من الإطار التلفزيوني في قراءتك لهذه الشخصيات التاريخية الإسلامية، والتوجه نحو الرواية؟
### **من التلفزيون إلى الرواية: التاريخ من أجل المستقبل**
يجيب إبراهيم عيسى: "حتى خلال فترة كتابة الثلاثية على مدى عشر سنوات، كنت أقدم برامج تلفزيونية تناقش قضايا الدين والتاريخ، والشخصيات الإسلامية المتعددة التي صنعت حاضرنا ومستقبلنا، بعد أن وضعت يدها على صناعة تاريخنا. لكن يجب أن أقول أولًا إنني مشغول بالتاريخ من أجل المستقبل. لم يكن اهتمامي بالتاريخ مجرد حفريات أثرية أو أنثروبولوجية، أو بحث عن التراث، بقدر ما هو سعي لفهم المستقبل. فمن لا تاريخ له، لا مستقبل له. والأسف الحقيقي أن تاريخنا ليس مسكوتًا عنه أو مجهولًا، بل متعمد تمامًا أن يُحاط بأسوار وأسيجة عالية جدًا من التزوير والتضليل والدعاية والتمجيد. هذه هي النقطة المهمة التي أعتقد أنها نقطة انطلاقي في كل أعمالي."
ويضيف: "أتحدث عن التاريخ الإسلامي، أو بالأحرى تاريخ المسلمين، لأن وصفه بـ'التاريخ الإسلامي' يضفي عليه حالة تدين. التاريخ لا يحمل دينًا، لكن ما أتحدث عنه دائمًا هو أن ما نحن فيه الآن من إرهاب، تطرف، تعصب، وفتن، قائم على ما أسميه 'المثلث الأسود'. هذه نظرية أؤمن بها بقوة، وتتكون من ثلاثة أضلاع: الضلع الأول هو الاعتقاد بأن التاريخ الماضي كان عظيمًا، مثاليًا، رائعًا، وذهبيًا. الضلع الثاني هو أن هذا التاريخ الذهبي المثالي النموذجي يجب أن يُعاد ويُستعاد. الضلع الثالث هو أن هذا التاريخ الذهبي العظيم يجب أن يُعاد ولو بالقوة والسيف. هذا المثلث هو ما نحن فيه الآن، حيث البحث الدائم عن دولة الإسلام، الخلافة، والعودة إلى الزمن الأول، على أساس أن 'لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها'. هذا اللغو السياسي المغلف بالدين قائم على هذا المثلث."
### **تفكيك المثلث الأسود**
يوضح عيسى: "لكي نزلزل هذه القصة ونفكك أضلاع هذا المثلث، يجب أن نبدأ بالضلع الأول: التاريخ الماضي لم يكن عظيمًا ولا جليلًا ولا نقيًا ولا مثاليًا ولا نموذجيًا. كان تاريخًا إنسانيًا، يحمل مع نقاط ضوئه المبهرة والمشرقة عتمته وظلمته وقسوته وسواده. إنه تاريخ بشري ككل تواريخ البشر، فيه ما هو عظيم ورائع، وفيه ما هو وضيع ومنهار. للوصول إلى هذا التاريخ، لدينا قاعدة من كتب التاريخ، محصول وفير وكبير منها. ما يدهشني عند قراءة كتب الأمهات هو أن الوقائع والأحداث والسير فيها لا تحمل ذلك العهد من التقديس والتبجيل والتعظيم الذي ساد في القرون اللاحقة. العودة إلى الكتب الأولى تكشف أنها كتب عن بشر، عن ناس، وليست معنية بالتعظيم والتقديس."
ويتابع: "لكن بعد ذلك، مع الدولة الأموية شفاهيًا، ثم تدوينًا مع الدولة العباسية، ومع الخلافات السياسية والسلطة الدينية أو السياسية، بدأ التلاعب بالتاريخ. ننفخ في بعض الشخصيات، نجعلها كبالونات تاريخية، أو نخسف بأخرى، أو نغير في الوقائع، أو نقتصد ونختصر. من الأمثلة الشهيرة، عندما يقول ابن هشام في سيرته إنه اطلع على السيرة التي كتبها ابن إسحاق، فحذف ما أراد أن يحذفه، مما لم يعجبه، أو اعتبره غريبًا، أو لا يجوزه العقل. تدخل ابن هشام فيما سمعه عن ابن إسحاق في سيرته الأولى هو ما حدث. عندما تأخذ الطبري، تجد انتقائية شديدة لصالح فكرة، أو اعتقاد، أو مذهب. فتتحول الكتب اللاحقة، أو معظمها، إلى كتب تمجيدية دعائية، كأنك تعمل إعلانًا عن التاريخ، وليس تاريخًا. الإعلانات، كالعادة، تشبه أي إعلان تجاري: 'هذا المشروب مفيد ولذيذ، كبير وفخيم'، لكنه ليس الحقيقة، وليس تناولًا للواقع بشكل يضمن قراءة جيدة لما جرى."
### **لماذا "القتل الأوائل" وليس "أصل المسألة"؟**
في نقاش الثلاثية، يسأل عمرو: "في البداية، كنت تريد تسمية الثلاثية 'أصل المسألة'، ثم تراجعت عن هذا العنوان. لماذا؟" يجيب عيسى: "ليس تراجعًا، بل محاولة لتقديم عنوان ربما يكون أكثر جذرية وروائية. 'أصل المسألة' كان العنوان الأساسي بالنسبة لي، لأن الهم والاهتمام كان بما يحدث في واقعنا من تطرف وإرهاب وشعارات دينية تؤدي إلى دماء وتفتيت للمجتمعات. السؤال الدائم كان: من أين جاء كل هذا؟ أنا أكتب منذ سنوات في نقد الخطاب الديني المتطرف، وأكاد أكون متخصصًا في هذا المجال منذ عام اثنين وتسعين. كتبت كتابًا بعنوان 'عماد وخلاء' في هذا الموضوع، وتعرضت لتهديدات بالاغتيال مرتين من تنظيمات متطرفة. هذا يجعلك تقاتل قتال الشوارع مع التطرف والإرهاب. لكن الخطاب المتطرف دائمًا يقدم مرجعيته كتراثية ودينية، مستلهمًا التاريخ. فقلت: دعنا نرى إلى ماذا يرجعون في كلامهم هذا."
ويضيف: "أنا قارئ للتاريخ منذ صغري، كما يقولون في التعبير التقليدي 'منذ عُمْر أظفاري'. والدي كان مدرس لغة عربية وشيخًا أزهريًا. منذ اللحظة الأولى، كانت كتب التاريخ موجودة في البيت، وكأنها جزء أساسي منه. كان والدي يحثني على القراءة ويناقشني في ما هو مكتوب في التراث. كنا نشتري القرطبي أجزاء، والطبري أجزاء، فكنت أعيش حضورًا يوميًا مع التاريخ. لم يكن التاريخ غريبًا عني، بل كنت مغموسًا فيه منذ البداية."
### **بداية الكتابة الروائية التاريخية**
يروي عيسى: "أول ظهور للكتابة الروائية مع التاريخ كان مع كتاب 'دم الحسين'، الذي كتبته عام ثمانية وثمانين، وأنا في الثالثة والعشرين من عمري. استرعى انتباهي بشدة حادثة شهيرة تُشبه قصة 'كونت مونت كريستو'، التي تحولت إلى أعمال سينمائية كثيرة. في هذه القصة، ينتقم رجل من أربعة تآمروا عليه وسجنوه. لكن عندما قرأت التاريخ، وجدت من انتقم من ثلاثة آلاف وثلاثمائة وقتلهم جميعًا، وهو المختار الثقفي، الذي انتقم من قتلة الحسين. هذه القصة كانت درامية ولافتة جدًا، ومن هنا جاء كتاب 'دم الحسين'، الذي يروي قصة الانتقام من جيش عبيد بن زياد، قتلة الحسين. هذه كانت أول محاولة لخوض التاريخ روائيًا. والمفارقة أن هذه الرواية، حتى يومنا هذا، هي الأعلى مبيعًا والأكثر طباعة."
ويتابع: "ثم جاءت مرحلة البرامج التلفزيونية، التي قدمت تواصلًا مباشرًا مع الناس بشكل شفاهي وبصري وسماعي. حتى جاءت رواية 'مولانا'، التي وصلت إلى القائمة القصيرة في جائزة البوكر، وبنجاحها الكبير، كنت أتحدث عن الخطاب الديني عبر القنوات الفضائية والإعلام. هذه اللحظة أنارت لي المساحة الشائكة والملغومة التي يجب أن أذهب إليها: العودة إلى الأصول والجذور. أردت أن أعرف ما هو أصل المسألة."
### **رحلة الدم: من عبد الرحمن بن ملجم إلى الفتنة الكبرى**
يشرح عيسى: "قررت أن أكتب رواية عن عبد الرحمن بن ملجم، قاتل سيدنا علي. لكن بمجرد أن تدخل إلى هذه الشخصية، تتسع الرؤية بشدة. حجم ما كتب عن عبد الرحمن بن ملجم لا يساوي مائة سطر في كتب التاريخ، وعن القتلة الآخرين الذين حاولوا اغتيال معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص لا يتجاوز عشرين سطرًا، بل ربما عشرة أسطر في الكتب الأساسية. هذا التكتم مقصود بقوة. لكن في الكتب الأساسية، تجد خيوطًا يمكن أن تصنع منها ثوبًا، بينما الكتب الوسيطة لا تنير طريقك على الإطلاق."
ويضيف: "الكتب الحديثة التي تناولت هذه الفترة، من مقتل سيدنا عثمان إلى مقتل سيدنا علي، كلها على قمتها كتاب 'الفتنة الكبرى' للدكتور طه حسين، وهو الكتاب الأشهر. تعبير 'الفتنة الكبرى' نفسه لم يكن مشهورًا في كتب التاريخ من قبل، بل صكه طه حسين واعتمده الناس. نفس التعبير استخدمه المفكر الكبير هشام جعيط في كتابه 'الفتنة'، وكذلك كتاب عبد الرحمن الشرقاوي 'إمام المتقين'، وكتاب محمد حسين هيكل عن عثمان. لكن هذه الكتب، رغم أهميتها، ليست روايات، وعلى جلال طه حسين، فإنه لم يكمل الصفحة. تناول بعض الوقائع وتجاهل أخرى، وربما توقف عند أشياء بسبب الضغوط الهائلة التي تعرض لها."
### **التاريخ بين اليسار والسلفية**
يوضح عيسى: "عندما تقرأ 'الفتنة الكبرى' أو غيرها من الكتب التاريخية، يطاردك تفسير المفكرين الذين اعتمدوا التفسير الماركسي أو اليساري للتاريخ الإسلامي. هذا التفسير جنى على التاريخ وعلى عقولنا، لأنه أسير منهج مغلق يحاول تطبيقه قسرًا. قسموا الصراع بين علي وعثمان، ثم معاوية، على أساس أن علي يمثل الفقراء والمستضعفين، بينما عثمان ومعاوية يمثلان الأغنياء. هذا التفسير الطبقي سيطر على قراءة التاريخ الإسلامي منذ منتصف القرن الهجري الأول. على الناحية الأخرى، المدرسة السلفية قائمة على مبدأ 'عفى الله عما سلف، فأيدينا وسيوفنا نقية، فلتبقَ ألسنتنا نقية'. فتدخل في الدعاية والتمجيد، وتخفي الأوساخ تحت السجادة، كأن إخفاء الجرح يلغي وجوده. هذه المدرسة اخترعت شخصية عبد الله بن سبأ، يهودي أسلم وتسبب في الفتنة، وهو اختراع يقلل من شأن الصحابة، كأن هامات عظيمة خُدعت بمواطن من اليمن."
### **رحلة الدم: لحظات مفصلية**
يُسأل عيسى: "في رحلة الدم، تناولت محطات مهمة، منها معركة صفين التي استمرت مائة يوم. لماذا اعتبرتها لحظة غيرت الكثير في تاريخ المسلمين؟" يجيب: "معركة صفين كانت حلقة من حلقات تغيير جذري في تاريخ المسلمين. عندما بدأت بدراسة عبد الرحمن بن ملجم، وجدت أنه كان واعظًا ومقرئًا انتدبه عمر بن الخطاب لجيش عمرو بن العاص الذي غزا مصر. كان تلميذًا لمعاذ بن جبل، ثم انضم إلى جيش عمرو بن العاص عام ثمانية عشر هجرية. فكيف تحول هذا الواعظ إلى قاتل علي بعد عشرين سنة؟ وجدت أنه كان من أوائل من بايع عليًا بالخلافة، وكان معاصرًا للثورة على عثمان، موجودًا في مصر مع مجموعة المصريين – أي العرب المسلمين المقيمين في مصر."
ويتابع: "الذين حاصروا وقتلوا عثمان جاءوا من مصر. كيف تحول هؤلاء الذين شاركوا في غزو مصر إلى ثوار ضد عثمان، ثم محاصرين له، ثم قاتلين؟ هنا بدأت 'رحلة الدم'، التي انتهت بمقتل عثمان، ثم مبايعة علي، وتلا ذلك حروب الرحماء: خلاف عائشة وطلحة والزبير مع علي، ثم معركة الجمل، ومن بعدها معركة صفين. هذه المعركة استمرت مائة يوم، منها اثنان وعشرون يومًا من القتال الرهيب. تناولتها في الرواية بأكثر من مائة صفحة، ربما تكون الرواية العربية الوحيدة التي تناولت معركة عسكرية بهذا العمق، لأنها تتضمن مئات التفاصيل، مثل: كيف كانوا يتعرفون على بعضهم في الحرب؟ هل كان هناك زي موحد؟ من أين جاءت السيوف؟ من أين كان الإمداد؟ هذه أسئلة لا يطرحها إلا روائي."
### **الرواية: لغة البشر**
يؤكد عيسى: "لهذا السبب، جعلت المشروع روائيًا، وليس كتابًا فكريًا أو تاريخيًا أو توثيقيًا. الكتابة التاريخية تناقش أفكارًا ووقائع، لكن الرواية تكتب عن بشر، عن مشاعرهم، عواطفهم، دوافعهم، وصراعاتهم. هذا أقرب إلى الحقيقة. كثيرون انتقدوا الثلاثية، زاعمين أنني استندت إلى مراجع شيعية. هذا اتهام سهل لمن لم يقرأ صفحة المراجع. كل المراجع في الثلاثية هي من أهل السنة والجماعة. قررت أن أنأى بنفسي عن أي مصدر شيعي، رغم احترامي له كمراجع تاريخية، لأكون موضوعيًا وأتناول الوقائع من كل وجهات النظر."
ويضيف: "لديّ ما أسميه 'متلازمة فيلم صلاح الدين الأيوبي'. الفيلم رائع فنيًا، لكنه مزور تاريخيًا، مليء بالوقائع المختلقة. الناس اعتمدته كأنه الحقيقة. هذا الهاجس جعلني أقترب من التاريخ بحقيقة، دون اختراع أو تزوير، حتى لو كنت فنانًا."
### **مقتل عثمان: نقطة التحول**
يُسأل عيسى: "لماذا اعتبرت مقتل عثمان اللحظة التي أسست للفتنة الكبرى؟" يجيب: "إذا سلمنا بأن مقتل عمر بن الخطاب كان عملًا فرديًا، فمقتل عثمان هو أول اغتيال جماعي وأول ثورة شقت عصا الطاعة. حمل هذا المقتل فكرتين: الأولى هي عدم التنازل عن الحكم، والاعتقاد بأن الحكم إلهي، كما قال عثمان: 'لن أخلع قميصًا كسانيه الله'. الثانية هي الثورة والاغتيال للتغيير. عندما قرأت عن عثمان، وأنا أحمل الحمولة الفكرية اليسارية التي تصور عثمان خليفة الأغنياء، اكتشفت بعد قراءة آلاف الصفحات أنه خليفة مغدور ومظلوم. لم يظلم، بل كان نبيلًا وكريمًا. حصاره لأكثر من أربعين يومًا، ومنعه من الصلاة، وقذف بيته بالطوب، وحرمانه من الماء، كلها أفعال تحمل حقدًا بالغ الضراوة. هذا المشهد الدموي لا يقل وحشية عن كربلاء."
ويختتم: "في رحلة الدم، اكتشفت عثمان بن عفان لنفسي وللقارئ الباحث عن الحقيقة. الحقيقة تبحث عنكم إذا قررتم البحث عنها. كتبت ألفي صفحة، وأزعم أنني حللت ألغازًا كثيرة في هذه الفترة. هذه الرحلة نضجتني وعلمتني وأمتعتني، وأظهرت أمامي أفقًا أوسع، ورؤية أعمق، وقراءة أشمل لتاريخنا. أصبحت متخصصًا في الفتنة الكبرى. 'رحلة الدم' هي رحلة القتل الأوائل، كما أن هناك مسلمين أوائل، هناك قتل أوائل، مصاحبين للقواعد السياسية للدولة. هذه الرحلة هي محاولة لتفكيك الرواية السائدة، وإعادة بناء التاريخ كقصص بشرية."
**رحلة الدم: إعادة قراءة التاريخ الإسلامي المبكر بقلم إبراهيم عيسى (الجزء الثاني)**
### **المسلمون الأوائل والقتل الأوائل: نزع القداسة**
كما المسلمون الأوائل، كان هناك قتل أوائل، وهذه إحدى مفارقات التاريخ والزمان. إذا لم ننزع هالة القداسة والتبجيل والعصمة عن هؤلاء الصحابة، ونتعامل معهم كبشر تصارعوا، تقاتلوا، ذبح بعضهم بعضًا، علّق بعضهم بعضًا على جذوع الأشجار، مثّلوا بالجثث، قتلوا الأطفال، وردموا الآبار بالأبرياء، فإننا، إن لم نتحدث عنهم بوضوح وشفافية، سنظل أسرى دائرة جهنمية من التطرف والتعصب والتخلف، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
يسأل عمرو عبد الحميد: "منذ قليل، كنت تتحدث عن الدكتور طه حسين، وكيف أغفل بعض الأحداث في تلك الفترة. لكنه كان الشجاع الأول، أليس كذلك؟ هل المجتمعات المسلمة والعربية مستعدة الآن لتقبل هذا الطرح الذي تقدمه؟"
يجيب إبراهيم عيسى: "المجتمعات العربية ليست مستعدة، ولا تريد أن تستعد، ولو انتظرت استعدادها، فأنت في انتظار ما لا يأتي. فهي ترغب دائمًا في العيش في حالة الراحة مع ما تعتقده معرفة، متمسكة بقول: 'هذا ما وجدنا عليه آباءنا'. التاريخ الدعائي، تاريخ الخطب المنبرية في يوم الجمعة، والبرامج الدعوية التي تقدم التاريخ على أنه تاريخ السلف الصالح، بينما لدينا سلف طالح كثيرًا. وحتى السلف الصالح أخطأ، وبعضهم أجرم. لا يصح أبدًا التعامل مع هذا المنطق على أساس أن لدينا تاريخًا مثاليًا وعظيمًا. هذا التصور يدفع أي شاب يعتقد أن التاريخ كان مثاليًا ورائعًا إلى حمل السلاح لاستعادته. تجد الإرهابيين جميعًا، بلا استثناء، يطلقون على أنفسهم كنىً من التاريخ القديم: أبو مصعب، أبو جعفر، وغيرهم. لماذا؟ لأنهم يستدعون التاريخ. يمسكون الكلاشنكوف، يرتدون الجلباب، يتخيلون أنهم يعيشون تلك الحقبة، راكبين الخيل، كأن الأمر استدعاء للماضي على أساس أنه باب العظمة والمجد."
ويضيف: "لكن، ما العظمة والمجد في أننا قتلنا بعضنا بعضًا؟ ما الذي يشرفك في حروب أهلية طاحنة جرت بين الصحابة، قبل أن تمر حقبة زمنية طويلة بعد وفاة النبي؟ بدأت الخلافات ثم تصاعدت إلى حالة دموية بشعة للغاية. عندما نصل إلى الجزء الثالث من الثلاثية، 'سيوف الآخرة'، نجد معركة صفين وواقعة التحكيم، بعد انتهاء 'حروب الرحماء'. المخفي جدًا في التاريخ هو أن الناس تتحدث دائمًا عن معركة صفين ومقتل سيدنا علي، لكن بينهما ثلاث سنوات من أسوأ وأظلم السنوات في تاريخ المسلمين القديم، مليئة بالدم، الغارات، سفك الدماء، القتل، التسبي، التحريق، والدفن أحياء. حدثت استباحة لمكة، المدينة، اليمن، وكل البقاع. كان هناك قتل بالشيء، سلخ، حشو الجثث في بطون الحمير، أفكار جهنمية لا يمكن تصورها. كيف جاء هذا الخيال المجنون المهووس الوحشي؟ أن تقتل شخصًا، تفتح بطن حمار، تسلخ القتيل، تحشوه في بطن الحمار بعد إخراج أحشائه، تخيط الحمار، تركبه فوق جمل، تمشيه أيامًا حتى يصل المدينة، ثم تفتح الحمار لتقدم جثة محمد بن أبي بكر إلى عائشة بنت أبي بكر! من أين جاء هذا الخيال؟ كيف فكر أحدهم بهذه الطريقة؟ إننا أمام وحشية يجب أن نحاول تفسيرها، لأن هؤلاء كانوا يحاربون في نفس الصف في معركة واحدة، ثم بعد سنوات يقتلون بعضهم بهذه الطريقة."
ويتابع: "في معركة الجمل، مثلًا، عبد الرحمن بن أبي بكر كان في صف عائشة مع الزبير وطلحة، بينما محمد بن أبي بكر، ابن أبي بكر الصديق أيضًا، كان مع جيش علي. يتنازع الأخوان، وفي لحظة نهاية الحرب، يذهبان ليسلما على قاتليهما. كل هذه الأخبار، كيف حدثت؟ إذا لم نذهب إلى هذا التاريخ، نقرأه، نفهمه، ونعرفه، سنظل في هذه الدوامة. لا تنتظروا، وأنتم تغلقون على أنفسكم باب هذا التاريخ، تهربون منه، وتظنون أنكم ستتقدمون خطوتين إلى الأمام. سنظل في هذه الدوامة. استمرت هذه الدوامة في الدولة الأموية، الدولة العباسية، كلها حروب ومحن وصراعات."
### **هل حكم العالم عظمة؟**
يضيف عيسى: "الغرام بفكرة أنها سلطة دينية أو خلافة إسلامية تسيّدت العالم يحتاج إلى إعادة نظر كبيرة. من يقول إننا يجب أن نعود كما كنا في الماضي، لا أدري ما الذي كان في الماضي يستحق العودة إليه! يقولون: كنا نحكم العالم. وما المشكلة؟ ألم يحكم الإسكندر العالم؟ ألم تحكم الإمبراطورية الرومانية العالم؟ ألم يحكم الفرس العالم؟ ألم تحكم الإمبراطورية البريطانية العالم، حيث لم تغرب عنها الشمس؟ ما قصة حكم العالم هذه؟ ما هذا الغرام بحكم العالم؟ أنت تدّعي أنك تحمل رسالة دينية، دينًا جاء للبشرية، للسلام، ثم تفرح بحكم العالم؟ إذا حُكم العالم، فليحكم! لا أفهم هذا الغرام بحكم العالم."
ويواصل: "الشخصيات المعظمة، المقدسة، المبجلة في تاريخنا هم من حملوا السيوف. يقولون: لنصنع فيلمًا عن خالد بن الوليد. لماذا نصنع فيلمًا عن خالد بن الوليد؟ لنصنع مستشفى باسم خالد بن الوليد! هل قدمتم خالد بن الوليد بحقيقته، بكل الوقائع المذكورة في التاريخ، دون ادعاء أو تزوير؟ هناك إجماع على تمجيد المشاهد الوحشية التي قام بها خالد بن الوليد، معتبرينها انتصارًا للدين والإسلام، بينما عمر بن الخطاب كان يريد قتله بسببها. أي إسلام تبحث عنه؟ إسلام خالد بن الوليد أم إسلام عمر بن الخطاب؟ نحن أمام مأزق حقيقي: التاريخ المسكوت عنه، المزور، الدعائي، المدفون تحت ركام من الأضاليل والأكاذيب، هو سر شللنا الحضاري وحالتنا من التخلف."
### **الإيجابيات والسلبيات في التاريخ الإسلامي**
يسأل عمرو: "أنت تنتقد من يفتخر بأن المسلمين الأوائل غزوا العالم وحكموه. لكن، ألم تكن هناك إيجابيات في تلك الفترة؟ لماذا تركز على السلبيات؟"
يجيب عيسى: "هناك فرق كبير بين التاريخ الإسلامي وحضارة المسلمين. أنا أتحدث عن من يتفاخر بالجانب العسكري، وأناقشه، لا أنتقص من القدرات العسكرية أو الانتصارات الحربية التي حققها المسلمون. أحاول فقط مساواتها بانتصارات أخرى جرت في حضارات ومجتمعات أخرى. هذه الانتصارات ليست في حد ذاتها عنوانًا لشيء سوى بطولة عسكرية. الشعور بالفخر بالأبطال شعور إنساني عند كل الشعوب، لكن الشعوب تمجد أبطالها الحقيقيين، أي المقاومين، لا الغزاة. لا أفهم ما العظمة في غزو بلد لم يمسك بشيء! على سبيل المثال، بالنسبة لمصر، يمكننا القول إنها كانت فتحًا وليست غزوًا، لأن المصريين استسلموا، بل إن أقباط مصر تعاونوا مع الغزاة بشكل يكاد يكون ترحيبًا وتعظيمًا بدخولهم. لكن، في المحصلة، المجيء إلى مصر كان بنية الغزو. فلما قال المصريون: 'أهلاً، تفضلوا، تعالوا احتلونا'، أصبح فتحًا."
ويضيف: "لكن، ماذا فعلت مصر لتُؤخذ؟ ماذا فعل العراق لتُؤخذ؟ ماذا فعلت الشام لتُؤخذ؟ لا أفهم. أنت تغزو منافسًا أو خصمًا يهددك، لكن لم يكن هناك تهديد. قصة الغزو ليست إملاءً دينيًا، ولا قرآنيًا، ولا نبويًا. لا الله سبحانه وتعالى، ولا القرآن الكريم في نصه العظيم، ولا أحاديث النبي، حتى تلك التي يعتز بها الإسلاميون، تقول إن الغزو كان لنشر الدين. من قال إن الدين يُنشر بالسيف؟ هل قال القرآن انشر الدين بالسيف؟ هل قالت السنة الصحيحة انشر الدين بالسيف؟ إذا كان الدين يُنشر بالسيف، فما التباهي بنشره بالقوة؟ تقول إن الناس دخلت الإسلام طوعًا ومحبة وإيمانًا، فما دخل السيف في الموضوع؟"
ويواصل: "عندما يقول المعترضون إنكم دخلتم بالسيف، يرد المسلمون: 'الإسلام لم ينتشر بالسيف'. حسنًا، فسر لي كيف دخل جيش بلد وقال لهم: 'أمامكم ثلاثة خيارات: ادخلوا الإسلام، أو ادفعوا الجزية، أو تُقتلوا'. أين الرحابة في هذا؟ أين الرقة؟ هذا قانون العصر، بالمناسبة. الدول كانت تغزو وتُغزى، لكن لا تُصبغ هذا بصبغة دينية. لا تقل لي إن هذا الدين أمرك بذلك. أنت، الحكام، في سياق العصر، اتخذت قرارات سياسية. أنا لا أنزعج إن قرر أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، غزو العراق، لأنه شعر بقوة جيشه القادرة على غزو تلك البلاد. كنا نخرج من حرب أهلية، فأراد توجيه الناس إلى حرب خارجية بدلاً من صراعات داخلية. المجتمع كان فقيرًا جدًا، فالغزو كان للسيطرة على الثروات والسبايا. هذا منطق طبيعي في سياق عصره، لكنه ليس دينيًا، ولا مأمورًا به، ولا يُقدس."
### **حكم العالم: عقدة نرجسية**
يضيف عيسى: "لو ظللنا نتصور أن الغزو كان إملاءً مقدسًا أو أمرًا إلهيًا، سنظل أسرى هذه العقدة، عقدة الجرح النرجسي: كنا حكام العالم، والآن نُحكم. حسنًا، كنتم حكام العالم كما كان للعالم حكام آخرون. حكمت وأُحكمت، لا بأس بذلك. هذا يتعلق بمعايير القوة، لا بالدين. ما الفرق بين أن تقول إنك ذهبت إلى تونس أو إفريقية لنشر الإسلام، وبين الصليبيين الذين تندد بهم لأنهم قالوا إنهم يريدون تحرير المسيحية من ربقة المسلمين في القدس؟ لماذا تزعل من هذا وتفرح بغزو الأندلس، حيث سيطرت عليها قرونًا؟ ثم استردوها، إنها بلدهم! نحن أمام مأزق: هذه القضايا لا تُناقش في سياقها التاريخي الطبيعي الإنساني دون انتقاص من أحد. لا أنتقص من انتصارات المسلمين في القرن الأول. كانوا الأقوى، انتصروا، وسيطروا بلغة العصر وسياسته وسياقه، لكن لا تضع هذا تحت عنوان ديني، ولا تطالبني بأن أعتبره الدين أو خدمة للدين. كان لخدمة القوى، السلطة، الهيمنة، والثروة. هذه النقطة، إذا وضعنا أيدينا عليها، نكتشف الفيل، بدلاً من أن يلمس كل واحد جزءًا منه دون فهم ما نلمسه."
### **رحلة الدم: رواية تاريخية أم تخييلية؟**
يسأل عمرو: "هل رحلة الدم رواية تاريخية أم تخييلية؟"
يجيب عيسى: "هي رواية تاريخية بالطبع. المصطلح نفسه محل نقاشات طويلة في مدارس النقد، لكنها، في زعمي، رواية تاريخية قائمة على التخييل التاريخي. بمعنى أنني عملت على وقائع لست بحاجة إلى تأليفها، فهي تؤلف نفسها. التاريخ مليء بالدراما لدرجة أنك لست مضطرًا لبذل جهد للتخييل. ما الخيال الأكثر من أن واعظًا ومقرئًا لجيش عمرو بن العاص يصبح قاتل علي بن أبي طالب؟ هو من ألّف نفسه! لكن التخييل الروائي يكمن في إشباع القصة بالدم واللحم والعظم، إعادة بناء الحكاية، السرد، الوصف، والتحليل النفسي. تجمع أشلاء القصة، لأنك، وأنت تقرأ وقائع التاريخ، تجد ثغرات شديدة، أسئلة لم تُجب، شخصيات تظهر ثم تختفي لسنوات، ثم تعود دون أن تعرف أين كانت مختفية."
ويضيف: "عملت في الرواية، في ألفي صفحة، كمرمم آثار. قلت لك سابقًا إنني كنت منقبًا عن الحقيقة، منقب آثار. الآن وجدنا الأثر، لكن هناك مشكلة: ذراع التمثال ضائع، مكسور، لا نجده. فتأخذ نفس خامة التمثال، ومن طبيعتها تشكل الذراع بالطريقة التي يُرسم بها الجسم كله. أنت أمام عملية ترميم من قلب المادة التي بُني بها التمثال. كما لو كنت ترمم لوحة قديمة لدافنشي، تستخدم نفس الألوان، نفس طبيعة الخامة، نفس طريقة الرسم والتلوين، لتتماشى الجزء المرمم مع بقية اللوحة. هذا ما فعلته في هذه الثلاثية. هذا مجهود خارق، يحتاج إلى جهد عصبي، نفسي، وبحثي هائل."
### **عبد الرحمن بن ملجم: نفسية القاتل**
يسأل عمرو: "نتوقف أحيانًا أمام شخصية عبد الرحمن بن ملجم. هل كانت آراؤه، كما ورد في الرواية، أن بعض الصحابة لم يعودوا مجاهدين في سبيل الله، وأنهم أصبحوا جباة ضرائب؟ هل استشفيت من هذه المقولة، إن صحت، أنها كانت من دوافعه لقتل الإمام علي؟"
يجيب عيسى: "هذه المقولة لا تنطبق على الإمام علي، بل على قراءته لتصرفات الآخرين من حوله تجاه البلاد المفتوحة أو المغزوة. شخصية عبد الرحمن بن ملجم تستحق هذه الرواية وأكثر، لأنها تملك تحولات وانقلابات كثيرة في حياتها، فضلاً عن صراعها النفسي المدوي. نحن نتحدث عن نفسية قاتل، ليس قاتل شخص عادي، بل قاتل الإمام علي بن أبي طالب، الذي كان يعشقه ويبجله إلى حد التقديس، بايعه، وكان مستعدًا ليفديه بروحه. فإذا به يتحول إلى قاتله، بل يعتقد أنه كافر. وصل إلى درجة تكفير علي بن أبي طالب وقتله. إنها نفسية معقدة ومركبة للغاية، يجب أن تعيش في أغوارها، تغوص في أعماقها."
ويضيف: "هذا الغوص يأخذك من طفولته، من كونه شخصًا منزوعًا، لم يتعرف على النساء إلا متأخرًا. ربما كان يعاني من مشكلة حسية جنسية، شخص تطهري جدًا، حافظ للقرآن، لكنه يتعامل مع القرآن بشكل حرفي، موتور، لا يبحث عن تأويله أو تفسيره، بل يتعامل معه بشكل ظاهري. أنت أمام نموذج، عندما تكبر الصورة وتزيد تفاصيلها، تكتشف أنه المادة الخام التي شُكل منها الإرهابيون الحاليون. قمة التدين والورع، لم يخطئ أبدًا في تصوره، حالة من الزهد والورع، قراءة للقرآن تغمره، صوّام قوّام. لكنه، رغم حضوره في كل المعارك، لم يقتل أحدًا، لم يستخدم السيف إلا مرة واحدة، لقتل علي بن أبي طالب. تصوّر، ليس لديه سجل إجرامي، بل على العكس!"
ويواصل: "عندما أرسل عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص، وقال له: 'سأرسل إليك بأربعة، كل رجل بألف'، ظل عبد الرحمن بن ملجم ينتظر هؤلاء الأربعة، متخيلًا أن كل رجل يساوي ألفًا. فلما رآهم، عبادة بن الصامت، الزبير بن العوام، وغيرهم، لم يرَ فيهم تلك القيمة. عندما تعامل معه الزبير بن العوام باحتقار، وشاهد الطبقية بين الصحابة والمسلمين الجدد، تلقى صدمات. ثم صدمة اختلاف المصاحف وحرقها، والتساؤل عن الآيات الصحيحة. هذه الصدمات تراكمت عنده إلى حد الانفجار الأخير. استغرق تشكل هذه الشخصية المعقدة عشرين سنة. ثم، فجأة، في الأشهر الأخيرة قبل القتل، عشق امرأة حتى الوله والجنون، تسلب روحه ونفسه. مع تعلقه الشديد بالآخرة والقرآن والدين، أصبح هوسه بامرأة يخطف عقله وقلبه. إنها شخصية مركبة تسمح بقراءة دور المرأة في حياة الإرهابي والجماعات المغلقة، والتحولات الانقلابية من تطرف في التقديس إلى تطرف في التكفير والكراهية."
### **الشخصيات الأخرى وخطة القتل**
يضيف عيسى: "عبد الرحمن بن ملجم شخصية غنية على الرغم من خشونته، حماقته، ضيق أفقه، وغلظته. لكن التحدي الأكبر كان في الشخصيتين الأخريين اللتين شاركتا في محاولة قتل معاوية وعمرو بن العاص. في كتب التاريخ، تظهر هاتان الشخصيتان من العدم. اجتماع القتل نفسه كان لغزًا. هنا أدّعي اكتشاف ألغاز في هذه الرواية، في 'سيوف الآخرة'. كيف تشكلت الخطة؟ كيف نُفذت؟ كيف طُبقت بطريقة لم يطرقها قلم من قبل؟"
### **مقتل الإمام علي: الذروة الدرامية**
يسأل عمرو: "مقتل الإمام علي، هذا المشهد، هل امتد في الأجزاء الثلاثة للرواية؟"
يجيب عيسى: "بالطبع، فهو لحظة الذروة. بدأت 'رحلة الدم' بتربص القاتل وترصده لسيدنا علي في بيت الفجر. في الجزء الثاني، 'حروب الرحماء'، بعد مقتل سيدنا علي، استدعاه علي، لأنه لم يمت فورًا. في الجزء الثالث، 'سيوف الآخرة'، عدت إلى المشهدين أنفسهما، استكملت رحلة القتل حتى النهاية، حتى مقتل عبد الرحمن بن ملجم نفسه، الذي يختتم العمل كله."
### **الإمام علي: ضحية أم مشارك في منظومة العنف؟**
يسأل عمرو: "هل قدمت شخصية الإمام علي في الثلاثية كضحية أم كمشارك ضمنيًا في منظومة عنف؟"
يجيب عيسى: "هو مشارك قسرًا في منظومة عنف، لكنه ضحية بالتأكيد. لكن دعني أعود إلى ما بدأت به. هناك تصور جاهز لتحليل شخصية سيدنا علي ودوره في التاريخ. هذا التصور ينقسم إلى شقين: الشق الشيعي، الذي نعلم كيف يرى سيدنا علي، والشق اليساري، سواء سنيًا أو شيعيًا، الذي يتعامل مع علي كحاكم عادل لم يُمكّن من عدله، الفارس الذي لم يستطع إقامة العدل، الرجل الذي تحالف عليه حلف من طلاب الدنيا والثروة والسلطة، فأجهضوا تجربته في الحكم. يُتصور أنه كان سيعيد حكمًا أعظم من حكم عمر بن الخطاب. هذا الصراع الطبقي فُرض علينا في قراءة التاريخ، حيث يُمثل علي الفقراء والكادحين والمستضعفين، أمام طبقة المتغلبين والأثرياء."
ويضيف: "في رحلة البحث على مدى عشر سنوات، وقراءة آلاف الصفحات لصناعة رواية تنبني على الحقائق والوقائع الحقيقية، وليس على الرغبات أو الأفكار المسبقة، قرأت كل ما كُتب باللغة العربية الفصحى عن علي بن أبي طالب، ما عدا كتب الشيعة. انتهيت إلى تقديم تصور مختلف في الرواية عن سيدنا علي كحاكم وخليفة وأمير المؤمنين. لا أريد أن أستفيض فيما توصلت إليه، لأترك لقارئ الرواية متعة اكتشافه، وفرصة كشف بعض جوانب هذه الشخصية من خلال الرواية."
**خاتمة الحلقة**
يختم عمرو: "في الجزء الثاني من لقائنا الممتد على ثلاث حلقات، تحدثنا عن 'رحلة الدم'. في الحلقة التالية، سنتحدث عن 'حروب الرحماء'. الأستاذ إبراهيم عيسى، شكرًا جزيلًا لك."
يرد عيسى: "شاكر جدًا وممتن للغاية، أستاذ عمرو."
تعليقات
إرسال تعليق