حامد عبد الصمد (٢): تفكيك التنوير (لقاء)
إضاءة اليوم مع المفكر والكاتب حامد عبد الصمد، أحد أبرز وجوه التنوير المعاصر، وهو من أكثر الأصوات إثارة للجدل في العالم العربي. يطرح حامد الأسئلة التي يخشاها كثيرون، ويخوض معارك فكرية في ساحات محفوفة بالمقدس والسياسة والهوية. حديثنا اليوم محاولة للتمييز بين التنوير الحقيقي والتنوير الزائف الذي يتخذ من الحرية قناعًا لغايات أخرى. لماذا يُستقبل التنوير في عالمنا العربي بوصفه خطرًا على الهوية؟ ومن الذي شوه صورته وجعله مرادفًا للانسلاخ والتغريب؟ هل وقع التنوير في فخ التعالي، وهل خسر جمهوره لأنه لم يتحدث بلغته؟ هل يقتصر التنوير اليوم على كونه مشروعًا فرديًا شجاعًا، أم أنه بحاجة إلى حاضنة ثقافية وسياسية؟ وهل لا يزال ممكنًا في زمن الارتباك واللايقين؟ حوارنا اليوم يذهب إلى العمق، فأنا وحامد متفقان على أن لا شيء محصن أمام السؤال.
أستاذ حامد، أهلًا وسهلًا بك في بودكاست "إضاءات". أهلًا بالنور، سعيدة بوجودك معي. سبق أن اجتمعنا في حوار من قبل، لكنه كان عبر الشاشة، عبر الإنترنت، منذ خمس سنوات تقريبًا، منذ زمن كورونا، صحيح؟ هذه أول مرة سنتحدث وجهًا لوجه. سعيدة بهذا اللقاء، شكرًا لك.
أستاذ حامد، أنت من دعاة التنوير الحقيقي، أو تتحدث عن التنوير الحقيقي وليس التنوير المجازي أو المزيف. كيف يمكننا أن نميز اليوم بين تجربة تنويرية حقيقية وتجربة تستخدم مفردات تنويرية كقناع لأجندات أخرى؟ يعني، التنوير الحقيقي وما بينه وبين التنوير الزائف أمور متشابهة. التنوير الحقيقي يعني أن نذهب إلى لب المشكلة، ولب المشكلة هو بنية العقل العربي الإسلامي، بنية العقل الملوثة بأفكار كثيرة لها علاقة بالقبلية، بالتراث الديني، بالوضع المجتمعي، بصورة المرأة، بالتربية والتعليم. فالتنوير الحقيقي هدفه الوصول إلى جوهر المشكلة أو نواتها، أما التنوير المزيف فيهتم بالقشور، يحاول إجراء عمليات تجميل للمشكلة ولا يغوص إلى العمق. لدينا بصلة من المشكلات، طبقات فوق طبقات، وهناك نواة المشكلة، وهي دائمًا البنية العقلية. كثيرون يقولون إن التنوير هو الاحتكام إلى العقل، ولكن أي عقل؟ عقلنا ملوث، بنيته العقلية ملوثة. يقول البعض إن التنوير هو التغيير، حسنًا، عرف لي التغيير. التغيير ليس بالضرورة تحسينًا. في الخمس عشرة سنة الماضية في العالم العربي، حدثت موجات تغيير، لكن كل تغيير جلب كارثة جديدة.
من هنا، عندما أتحدث عن التنوير للعالم العربي أو الإسلامي، أستخدم مصطلحات دينية كي يفهموني. أقول إن التنوير يُبنى على خمسة مبادئ، كما يقولون إن الإسلام بُني على خمس. أخاطبهم بلغتهم. أول عنصر من عناصر التنوير هو العقلانية، ولكن العقلانية التي تحرر العقل من الوصاية، وليس العقلانية التي تعني تحكيم العقل الإسلامي أو العقل المسيحي أو العقل القبلي. العقل ليس قالبًا تصب فيه ما تريد. حتى الضمير قالب، هناك أناس يقتلون بشرًا وهم يبتسمون، يظنون أنهم يفعلون ذلك لتبرير معين. لذا، قبل أن نقول العقل، نقول رفع الوصاية عن العقل، عقلانية تبدأ برفع الوصاية عن العقل وتدريبه على أسلوب في التفكير يفيدني ولا يضر الآخرين. العقلانية ورفع الوصاية عن العقل مبدأ من مبادئ التنوير.
المبدأ الثاني هو العلم ونظرية المعرفة للوصول إلى الحقيقة. لا يمكننا الاعتماد على أفكار غيبية أو نصوص قديمة للوصول إلى الحقيقة، نحتاج إلى أسلوب علمي. هناك أسلوب بحثي علمي في العلوم الطبيعية، وهناك نظرية المعرفة: كيف نصل إلى الحقيقة عن طريق المنطق والتجربة وإعادة التجربة؟ هكذا تصبح حقيقة. لا توجد حقيقة تنزل من السماء. هذا أول شرخ يحدث بيننا وبين مجتمعاتنا وبين التنوير، لأنهم يعتقدون أن الحقيقة ثابتة وموجودة مسبقًا، ولا بد من الاطلاع عليها فقط. رفع التقديس هو العلم. العلم لا يعترف بثوابت ولا مقدسات، يعيش من فكرة أنه يصحح نفسه جيلًا بعد جيل ليصل إلى أفضل نسخة من الحقيقة في وقتها الحالي، وليست حقيقة مطلقة. على سبيل المثال، لو جاء عالم اليوم وأثبت أن نظرية أينشتاين النسبية خطأ، سيحصل في المجتمع العلمي على جائزة نوبل. لكن لو جاء باحث في الأديان وأثبت أن شخصية دينية معينة لم تكن موجودة أو أن فكرة دينية معينة خاطئة، سيعاقب بالنفي أو السجن، وفي أسوأ الأحوال...
هذا هو الفرق. نظرية المعرفة لا تعترف بالمقدسات، هناك طريقة للوصول إلى الحقائق، وأي حقيقة هي مؤقتة حتى يثبت العكس أو عدم صحتها. إذن، العقلانية، العلم ونظرية المعرفة، ثم الفردانية. التنوير ينظر إلى الإنسان ليس كمسلم أو مسيحي، ليس كابن هذه القبيلة أو ذلك البلد. الإنسان إنسان له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات. نواة المجتمع هي الإنسان المستقل فكريًا ووجدانيًا وجسديًا. امتلاك الإنسان لجسده، هو الذي يختار ماذا يلبس، ماذا يأكل، ماذا يشرب، من يحب، من يتزوج. الفردانية تأخذنا إلى المبدأ الرابع، وهو مبدأ الحرية. الحرية موضوع متشعب جدًا. الحرية لا تتجزأ، صحيح؟ إذا كان التنوير لا يأتي بالنفع على الجميع، إذا لم تستفد منه كل الناس في المجتمع، فليس تنويرًا. الأفكار التي تأتي فقط كقوالب لخدمة أجندة معينة أو سياسة معينة ليست تنويرًا.
لو نظرنا إلى بلد مثل سوريا، حاكم سوريا اليوم مر بقوالب عدة، في كل مرة يظهر بوجه جديد وشكل جديد يتوافق مع سياسة معينة، مع مرحلة معينة، من إدارة التوحش إلى البدلة والكرافات، ويسمونها براجماتية. لا، هذه ليست براجماتية، هذا تلون. البراجماتية نظام مهم، لكن التلون حسب الموقف لا علاقة له بالبراجماتية. البراجماتية هي التوجه إلى الناس بالحقيقة. التلون مثل الحرباء ليس براجماتية. الخطر الأكبر هو تلون التنويريين مع تلون السياسي. أفهم أن السياسي يغير جلده وأفكاره حسب ما يصلح أو لا يصلح لكل مرحلة، لكن التنويري يجب أن يترفع فوق الأيديولوجية الدينية والسياسية، ويظل ولاؤه الأول لهذه المبادئ، لجوهر البنية العقلية التي تتحكم في تفكير ووجدان مجتمعاتنا.
العنصر الخامس في التنوير هو العلمانية. العلمانية سيئة السمعة إلى أبعد حد في مجتمعاتنا. حتى فكرة التنوير نفسها مشوهة جدًا. التنوير ليس أيديولوجية ولا عقيدة. التنوير يقول: رفع الوصاية عن الإنسان، رجلًا وامرأة، ومنح حرية التفكير. التنوير يعني ثقافة طرح السؤال. في مجتمعاتنا، مجرد طرح السؤال جريمة وخطيئة. في التنوير، الشك مبدأ مهم جدًا للوصول إلى الحقيقة. عندنا، نصلي ونقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك"، ربطوهما ببعض. ثقافتنا تعتمد على أسئلة معلبة، تعليمنا قائم على إجابات معلبة. كل شيء تمت الإجابة عليه مسبقًا، الحقيقة موجودة ومغلق عليها في درج أو على رف، فقط عليك أن تأتي وتفتح الدرج وتأخذ الكتاب المقدس وتقرأ، هذه هي الحقيقة. لكن لا تسأل. الحقيقة هي تجربة بشرية تتغير من وقت لآخر.
انظري كيف كان اليونانيون القدماء ينظرون إلى الأرض من أيام بطليموس، ثم كيف أصبح العلم يفسر ظواهر معينة. كان الرعد غضب الإله، والبرق له تفسير معين، وكان الناس يخافون من ظواهر معينة. مع الوقت، جاء العلم وألغى نظريات قديمة وأفكارًا قديمة، وقدم أطروحة جديدة. من اليونانيين القدماء إلى نيوتن، لمدة ألفي عام تقريبًا، كان العالم يؤمن أن الكون موجود بشكل معين. حتى وصلنا إلى كوبرنيكوس، فتغيرت نظرة العالم، أصبحت الأرض ليست مركز الكون. ثم جاءت نظرية داروين، فشرحت تطور الكائنات والإنسان بشكل مدعوم بالأدلة. قد يأتي في المستقبل من يغير هذا أو يطوره، لكن هذه هي الوسيلة المعرفية بنظرية المعرفة. عندنا، يقولون إن الله جاء بقطعة فخار وشكلها بيده ونفخ فيها من روحه، وهكذا صار الإنسان. أي رفض لهذه النظرية، بما أنها ليست عقلانية وليست مبنية على نظرية المعرفة ولا يوجد دليل تاريخي أو بيولوجي عليها، يُعتبر كفرًا أو إلحادًا أو تشويهًا لهويتنا، كأن هويتنا يجب أن تقوم على الخرافة أو على أفكار خاطئة.
جاء فرويد بنظرية أخرى عن نفسية الإنسان، وعن المشاعر وعن الكبت ودوره في تشكيل النفسية. كل هذه كانت جروحًا نرجسية أصيب بها الإنسان ليتطور وعيه ويطرح أسئلة أكثر، وليس ليخاف. أكيد كانت صدمة للعالم الغربي عندما جاء كوبرنيكوس وقال إن ما تقوله الكنيسة عن الأرض كمركز الكون وعن كونها مسطحة كلام فارغ. كان لا بد من تجاوز ذلك. كانت صدمة، لكن كان لا بد من التعامل معها. استقبلوا السؤال أولًا بالرفض، ثم بالتفكير والشك، ثم بطرح نظريات أخرى. نفس الشيء مع داروين، صدمة كبيرة أن الإنسان جزء من عالم الحيوان وتطور بطريقة معينة. الدين رفض ذلك، لكن...
التنوير المزيف هو الذي ينشغل بالقشور ولا يذهب إلى الجوهر. التنوير المزيف هو الذي يريد أن يصب في قالب معين يخدم فئة سياسية أو دينية أو اجتماعية معينة، ولا يصب في مصلحة الجميع. التنوير المزيف يقول لك: حرية الرأي، نعم، لكن... حرية المرأة، نعم، لكن... يضع قيودًا على الحريات. التنوير المزيف لا ينطلق من الإنسان واحتياجاته وهمومه، بل من عقيدة دينية أو سياسية يريد حمايتها أو تجميلها. كثيرون يحاولون "تظبيط صواميل" النص المقدس ليتوافق مع العصر الحديث والحداثة، لكن هذا لا يجدي. أسميها أحيانًا: إذا كان لدينا بيت آيل للسقوط، ندهنه بأجمل الألوان، لكنه في النهاية سيظل آيلًا للسقوط، وسيسقط فوق رؤوسنا.
تحدثت عن الرفض، رفض التنوير كرد فعل أول تجاه أي حركة تنويرية، كما حدث في العصور السابقة في أوروبا. هل لا زلنا في العالم العربي نعيش في الخطوة الأولى، وهي رفض التنوير، أم انتقلنا إلى الخطوة التالية؟ هناك أشياء تحدث بالتوازي، لأن العالم العربي ليس كتلة واحدة، وداخل المجتمع العربي الواحد هناك فئات. أعرف تنويريين عربًا كثيرين، أعدادهم تزداد، وحتى بعض السياسيين أصبح لديهم هذا الوعي بأن التغيير الحقيقي ضروري. لكن هناك أيضًا مقاومة. هناك فريق يرفض أي شيء لم ينتج من ثقافته. ربما أحد أسباب الرفض هو استيراد أفكار التنوير من الخارج. لكن الآيفون والميكروفون والكاميرات كلها مستوردة من الخارج، ولم يقل أحد إننا نريد كاميرا بمرجعية إسلامية! الكاميرا مبنية على مبادئ معينة لغرض معين وآلية معينة. إذا لم تجد هذه الآلية، تستوردها، تدفع ثمنها، تستخدمها، وتستفيد منها. تضع صورًا على إنستغرام، وتضع آيات قرآنية أيضًا، وتشغل الأذان على هاتفك ليوقظك لصلاة الفجر. لكن عندما يتعلق الأمر بالأفكار، يقولون: هذا لا يتوافق مع ثقافتنا وخصوصياتنا! ما هي خصوصياتك الثقافية؟ القبلية، النزعة الدينية المتطرفة، احتقار المرأة؟ عندما يناقشني أحدهم عن خصوصياتنا الثقافية، أريد أن يحدثني عنها. ستجد في النهاية أنها تتعلق بشعر المرأة، هل تعمل حواجبها أم لا، من تحب، من تتزوج، في أي بيت تبيت. التنوير يجعل المرأة مركز ثقل. الهدف الأول للمشروع المناهض للتنوير هو القول: التنوير يعني خلع الحجاب. هذا لا علاقة له. التنوير يقول: رفع الوصاية عن المرأة والرجل والطفل، العقلانية هي إيجاد توازن بين مصلحتي ومصلحتك، وليس فرض وصاية عليك لمجرد أن لدي نصًا قديمًا من 1400 سنة أو 2000 سنة.
هناك الفريق التنويري الذي لا يزال أقلية، وهناك الفريق المناهض بشدة وعنف للتنوير لأنه يعتبره منافيًا للهوية، وهناك الفريق الثالث الذي أراه مشكلة كبيرة: الذي يقف في المنتصف، يريد تنويرًا بمرجعية إسلامية أو دينية. هذا خطير جدًا. ربما يحاول الجمع بين عالمين. ابن رشد حاول الجمع بين الدين والفلسفة، فطُرد وحُرقت كتبه. لا يجب خلط الماء بالزيت. نحن لا نقترب من الدين كتنويريين إلا إذا هجم علينا ككلبٍ مسعور، آسف للتعبير. التنويري ليس هدفه إزاحة الدين، الدين ليس على خريطة التنويري. هذا ما أريد سؤاله دائمًا: يتم ربط الفكر التنويري أو الحركة التنويرية بالخروج عن الموروث الديني والإصلاح الديني. هل التنوير والإصلاح الديني يجب أن يكونا متلازمين؟ الإصلاح الديني كان أحد مخلفات عملية التنوير، لكنه ليس التنوير. الإصلاح الديني هدفه الدين، مرجعيته الدين، همه الدين، أما التنوير فهدفه الإنسان، ومرجعيته الإنسان، ويبحث عما يعود بالنفع على منظور أوسع. التنوير يسمح للإصلاح الديني أن يتحرك في فضاء أوسع وأرحب. عندما يطرح التنوير أفكارًا جريئة، يصبح المصلح الديني ليس الكافر، بل المصلح. بعض أصدقائي من المصلحين الدينيين يقولون لي: "والله، يا أستاذ حامد، قدمت لنا خدمة كبيرة. قبل ظهورك، كنا نحن الكفار حين نحاول إصلاح الدين، الآن أنت الكافر ونحن المصلحون." قلت لهم: أنا راضٍ بهذا إذا كان سيفيدكم، لأن الهجوم صار موجهًا نحوي أكثر.
الإصلاح الديني يجب أن يكون صادقًا مع نفسه. الإصلاح بدون صدق مع الذات لن يجني ثمارًا. الإصلاح يجب أن يكون ولاؤه للحقيقة وللإنسان. استخدمتِ مصطلح البيت الآيل للسقوط الذي ندهنه. أنا أستخدم صورة السيارة القديمة المكسورة، فراملها خربانة، موتورها تعبان، تقتل الناس في الشوارع بسبب فقدان السيطرة على سرعتها. فيأتي أحدهم ويقول: نريد إصلاح هذه السيارة، فيدهنونها، يعطونها أرقامًا جديدة، يكتبون عليها "فيراري". هذا هو أسلوب الإصلاح الديني عندنا. يحاولون إقناعنا بشيء ليس فيها. فجأة يأتي أحدهم ويقول: في القرآن: "واللاتي تخافون نشوزهن فَعِظُوهُنَّ واهجروهن في المضاجع واضربوهن." الآية واضحة، لا تحتمل تفسيرًا أو تأويلًا، هناك تبرير للعنف ضد المرأة. أي تنويري سيأتي ويقول: "أصل ربنا ما كان قصده." أقول له: هل جلست مع ربنا وشربت معه قهوة وشرح لك ما لم يقله؟ هذا ترقيع، وليس هدفه حماية المرأة من الضرب، بل حماية الدين من النقد. هذا لا يلزمني. اعمل أنت، اخرج من ورطتك، لكن لا تفترِ على اللغة، لا تفترِ على العلم ونظرية المعرفة، ولا تخلق لي دينًا جديدًا. يقولون: هناك تفاسير متعددة. أنا يمكنني حل الأزمة ببساطة، أقول: هذه نصوص ناتجة من مجتمع في عصر معين، كان هذا مقبولًا كأحد أساليب إدارة الأزمات داخل المنزل، والمرأة لم تكن قد حققت استحقاقات معينة أو كانت تقبل هذا. لكن اليوم، هذا مرفوض، وحتى لو كان موجودًا في القرآن، ضرب المرأة خطأ. هنا نبدأ نفصل القمح من الزوان، نعرف من يريد اللب ومن يريد فقط تجميل صورة الدين.
التنوير لا يشتبك مع الدين إلا إذا جاء الدين ليناطحه في كل شيء. مشروع التنويري هو تحرير العقل من الوصاية، أي وصاية: سياسية، دينية، اجتماعية، أسرية. حين يأتي الدين ويصر على فرض هذه الوصاية، لا بد أن نشتبك معه لأنه يهدد هذا المشروع. حين يأتي الدين ويشتبك معي في كل كبيرة وصغيرة، طريقة لبسي، لبس المرأة، أكلها، قصة شعرها، من تحب، ماذا تأكل، ماذا تشرب، هنا لا بد من الاشتباك. لكن الدين ليس هدف التنوير، ولا يمكن أن ينطلق التنوير من موضوع الدين. التنوير يحاول إزاحة العقبات التي تعرقل العقل عن أداء وظيفته، ووظيفة العقل الأساسية هي الوصول إلى الحقيقة وحماية الإنسان من المخاطر.
أستاذ حامد، تحدثت عن الهجوم الذي تعرضت له، وأخذت على عاتقك أن الهجوم صار موجهًا إليك مباشرة لأنك تبنيت خطابًا تنويريًا صريحًا. ما الثمن الذي قد يدفعه من يتبنى خطابًا تنويريًا صريحًا، خاصة أننا نعيش في بيئات تحكمها الرقابة والخوف والمقدس؟ نعم، أول أعداء التنوير هو الخوف. أفهم أن كثيرين لا يستطيعون قول ما أقوله. أنا أخذت على عاتقي هذا الحمل، ومستعد لتحمل تبعاته، وقد تحملت تبعات كثيرة: صداقات، خسائر مادية ونفسية كبيرة. أفهم من يخاف على نفسه وعلى أسرته. لكن المفارقة أننا في مجتمعاتنا العربية، أتباعي بالملايين، وكلهم يتبنون هذه الأفكار سرًا. لا أستطيع أن أقول لك من هم من الإعلاميين المشهورين، الممثلين، أو السياسيين الذين يتابعونني ويتفقون معي، لكنهم لا يستطيعون التعبير عن ذلك علنًا، فقط في رسائل خاصة. احترامًا لخصوصيتهم، مستحيل أن أتحدث عن هذا. وصلت إلى بيوت شيوخ كبار، زوجاتهم وأولادهم يسمعونني ويفهمون الأسئلة، لأنني أطرح أسئلة أكثر مما أعطي إجابات. هذا الشيء معدٍ ومنتشر جدًا. لو كل إنسان طرح السؤال بصوت عالٍ، لن أحتاج إلى حماية الشرطة لأدلي بأفكاري. الوضع الذي أنا فيه سببه أن كثيرين يخافون على سلامتهم وأمنهم لو قالوا الحقيقة. لكن على المدى الطويل، هذا خطير جدًا، لأنه يعني أن أولادك سينشؤون في هذا المجتمع ويتعلمون الخوف، والخوف يولد النفاق، والنفاق يولد شخصيات مهتزة، غير قادرة على تحمل المسؤولية، غير قادرة على التغيير، ليس لديها ثبات نفسي أو انفعالي. هذه خسارة للمجتمع. نحن مجتمع يحارب نفسه بنفسه بمحاربة الحقيقة، يحارب المنطق والعقلانية. التنوير ليس خطرًا على الأسرة، بل بالعكس، هو الذي يخلق الأسرة المتماسكة القائمة على المحبة وليس التخويف. حين تُبنى العلاقات على الهيراركية والتخويف والابتزاز، تصبح علاقات سامة. أعتقد أن علاقة كثيرين في مجتمعنا بالدين هي علاقة سامة، علاقة كبت، علاقة خوف. الإيمان الحقيقي يجب أن يكون إيمان شخص حر اختار، فهم، ووجد نفسه وتحققه في هذا الإيمان. أما الإيمان الذي يُفرض على الناس بالسيف أو بالتخويف، الإيمان الذي فيه جهاز مخابرات في المساجد، في الأسرة، وملائكة تراقب وتكتب: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"، هذا يشبه الديكتاتوريات العربية التي كانت تعمل حسب هذا السيناريو. صورة الإله التي يقدمونها هي صورة الديكتاتور: "لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون." كل من يأتي بعد ثورة، في غضون عشرة أيام، يتقمص دور الإله.
التنوير يقول: لا توجد آلهة على الأرض، لا يوجد شيء مقدس إلا حياة الإنسان وحريته وحقوقه. كل شيء آخر مادة للنقاش والتحاور والبحث العلمي والأكاديمي لنستقصي الأمر ونصل إلى حقيقة الأمور. التنوير لا يعترف بحقيقة جاهزة مفروضة على الناس. التنوير يسمح للميمات العقلانية – كما في كتاب ديفيد دويتش المهم عن الميمات العقلانية واللامعقلانية، ليست الميمات الخاصة بالسوشيال ميديا، بل الميم كفكرة أو أسلوب تصرف ينتقل من جيل إلى جيل بآليات معينة. الميمات العقلانية تُورث بدون قمع أو فرض، مثل ميم الحرية، ميم حرية المرأة. المجتمعات التي طبقت هذه الميمات اكتشفت أنها مفيدة للجميع. فلماذا نحاربها أو نفرضها بالقمع إذا كانت قادرة على الإقناع بنفسها؟ أما الميمات اللامعقلانية فتحتاج دائمًا إلى سلطة، إلى هيراركية، إلى تخويف، إلى قوانين صارمة، إلى تخويف من النار، من الله، من المجتمع. فتنتقل هذه الميمات اللامعقلانية لأنها تخاطب نقاط ضعف في الإنسان. مثل حكاية القطة السوداء، إذا رأيتها تقول: سيحدث شيء سيء. هذا كلام فارغ، لكنه منتشر في كل الثقافات لأنه يخاطب خوفًا دفينًا في الإنسان. الميمات العقلانية تخاطب عقل الإنسان ومصالحه الحقيقية. فحكاية أن الزوج يضرب زوجته هي ميم لامعقلاني، لأن أبجديات العلاقة الأسرية هي الاحترام بين الرجل والمرأة وغياب العنف تحت كل الظروف. فعندما تحاول إقناعي بميم لامعقلاني، تحتاج أن تقول: هذا كلام من عند الله، هذا مقدس، وإذا لم تطبقه تكون كافرًا. الميم اللامعقلاني يرفض الأسئلة، يرفض التحري، يرفض النقاش، وإلا لما بقي لامعقلانيًا، بل يتحول إلى ميم عقلاني. الفكرة اللامعقلانية لا تصمد كثيرًا أمام النقد والحوار، لذلك يُبنى حولها أسوار من التخويف وكلاب حراسة والقداسة والخوف على المجتمع والأخلاق والأسرة. هنا تأتي محاربة التنوير باسم حماية الأسرة، لكن هذا تدمير للأسرة التي لا توجد بينها أساليب تواصل صحية بسبب السلطوية والتخويف والخوف من طرح السؤال.
التنوير يبدأ بالجرأة على طرح السؤال، كما قال إيمانويل كانط: "تجرأ على استخدام عقلك." الجرأة في استخدام العقل الذي تم تنظيفه وتعقيمه من الموروث الذي سيطر عليه. تحرير البنية العقلية من الشوائب. كثيرون يقولون: أنا مع العقلانية، لكن العقلانية الإسلامية أو المسيحية أو الفودو الإفريقية. هذه عقلانية ملوثة، وضمير ملوث. يجب تنقية كل ذلك، ولا يمكن تنقيته إلا بالعودة إلى كونك فردًا، إنسانًا له هوية، نعم، لكن هذه الهوية في يدك، لا تمتلكك. لك أفكار، نعم، لكنك تمتلكها ولا تمتلكك. هذا هو الفرق بين التنوير الحقيقي والمزيف. التنوير الحقيقي يعني أنك تمتلك أفكارك ولديك الشجاعة والقدرة على تغييرها من وقت لآخر. أما التنوير المزيف فيظل يدور حول فكرة واحدة تمتلك المفكر والمشروع التنويري، فيدور في حلقة مفرغة ويعود إلى نفس النقطة. يقولون: نريد تنويرًا بمرجعية إسلامية، ديمقراطية أو دولة مدنية بمرجعية إسلامية. كيف؟ المرجعية الإسلامية تلغي كل هذا. تقول لك إن النبي طار على حصان إلى القدس، حسنًا، هذه سردية دينية يؤمن بها الإنسان، وله الحق في ذلك. لكن عندما تقول إن هذه مرجعية للتعليم، ستفسد على الطالب الذي يقرأ أفكارًا فلسفية ونظرية معرفة وأسلوبًا علميًا في التفكير. سيصاب بالتنافر المعرفي (cognitive dissonance)، ستصيبه بحيرة معرفية. لا يمكنك أن تعطيه علمًا ثم تقول له إن المسيح مشى على الماء، أو موسى شق البحر بعصاه. هذه أشياء للروحانيات، يتبارك بها الإنسان، لكن في عالم المعرفة لا مكان للمعجزات. لا يمكن أن أبني مجتمعًا وأسلوب تعليم واقتصاد قائم على المعجزة. اليوم، لدينا أزمة طاقة، لا أستطيع أن أقول: ربما يرسل الله من يضرب البحر بعصاه فيولد لنا الطاقة. إذا استخدمنا هذا المنطق، سنصبح مثل لبنان وسوريا، عتمة ليس فقط في البيوت، بل...
كثيرون يقولون إن الشعوب لا تتنور بالكتب فقط، بل تحتاج إلى صدمة معينة أو تجربة تعيشها. إذا عدنا إلى ما يسمى بالربيع العربي، هل تعتقد أنه كان لحظة تنويرية أم لحظة فشل أعادت إنتاج التجهيل؟ كانت تجربة في سلسلة طويلة من التجارب يمر بها العالم الناطق بالعربية. مررنا بصدمات كثيرة، لكن الصدمة بحد ذاتها لا تغير المجتمعات، بل البنية العقلية التي تتكون بعد الصدمة. مثال بسيط: في القرن الثامن عشر، حدث زلزال مهول في لشبونة بالبرتغال، دمر بيوتًا وكنائس، فأحدث صدمة عند الإنسان المسيحي. رجال الدين كانوا يقولون: نحن نحمي المدينة لأننا أتباع المسيح. فقالوا: أين كنتم؟ أين كان المسيح عندما قُتل الأطفال؟ هذا الزلزال كان نقطة انطلاق لإعادة التفكير في النص الديني ومن يحمينا. حدثت موجة كبيرة من الإلحاد وحركات تنويرية انطلقت من هذا الحدث المفصلي. نحن، ما شاء الله، كارثة وراء أخرى، وكل كارثة تعمق التخلف الديني أكثر. لماذا لا نتعظ؟ لأننا "خير أمة أخرجت للناس"، ولأن "مهما ابتغينا العزة في غير الإسلام سيذلنا الله." هذه العقلية الدينية تعيد تفسير كل حدث لمصلحة التخلف الديني. إذا أرسلت دولة إسلامية رائد فضاء إلى كوكب ما، سيقولون: الإسلام هو الذي صنع هذا الحدث، وليس العلم أو المجهود. لو سقط الصاروخ، سيقولون: كان يتحدى الله. دائمًا هناك مخرج ديني. إذا حدث شيء جيد، يقولون: هذا انتصار للدين. إذا حدث شيء سيء، يقولون: هذا ابتلاء للمؤمنين.
لقد مررنا بكوارث كثيرة، حروب أهلية، مجازر. اعتقدنا بلحظة معينة أن ثورات الربيع العربي ستكون نقطة فاصلة في التاريخ، ستغير ليس فقط الأنظمة، بل طريقة التفكير والعقل الجمعي. لكن لم يحدث تغيير. بدأت حديثي ببنية التنوير على خمسة مبادئ. هذه المبادئ كانت موجودة في أوروبا في القرن الثامن عشر قبل الثورة الفرنسية. كان هناك تنظير فكري وسياسي وقانوني، وكان هناك ناس مؤمنون بهذه الأفكار ومستعدون للدفاع عنها. لذلك، انبثقت عن الثورة الفرنسية، بعد فترة، فكرة الجمهورية، الديمقراطية، حقوق الإنسان، حقوق المرأة، دولة القانون. لكن ثورات الربيع العربي كانت تريد القضاء على ديكتاتور معين، ولم تكن واعية بطبقات بصلة الديكتاتورية. الديكتاتور هو القشرة الأولى، تحته ديكتاتورية عسكرية، ثم ديكتاتورية اجتماعية، ثم ديكتاتورية دينية، وفي اللب البنية العقلية القبلية الدينية الذكورية السلطوية. ثورات الربيع العربي كانت تزيل قشرة فتكتشف قشرة أسمك، فتبكي وتيأس، والثمن غالٍ جدًا، والشعوب تصبح مرهقة. كثيرون من المشاركين في هذه الثورات لم يكن لديهم الشجاعة للوصول إلى النواة، لأنها مقدسة، ولا يريدون الاشتباك مع المقدس.
لا يوجد تنوير بدون الاشتباك مع المقدس ودوره في المجتمع. التنوير ليس هدفه تدمير المقدس أو تنحيته، بل وضعه في مكانه الذي يليق به في قلوب الناس، في الصلوات، لكن لا علاقة له بالتشريعات المتغيرة. المقدس ثابت، والتشريعات متغيرة حسب احتياجات الناس وظروف كل بلد. لا علاقة للمقدس بزي المرأة، أو شعرها. هذه أمور يجب أن تقررها المرأة نفسها ككائن مستقل. إذا أردتِ لربيع عربي أن ينجح، وفي وسط المظاهرات يلومون المرأة التي لا ترتدي الحجاب، أو يأتي الربيع العربي بحكومة تريد فرض الحجاب، فهذا سوء فهم للتغيير والحرية. يأخذون قشرة الحرية ولا يريدون الوصول إلى لبها. الحرية لا تتجزأ. لا نريد ديكتاتوريات، متفقون؟ لكن الديكتاتورية ليست فقط شخصًا أو نظامًا سياسيًا، بل نظام فكري. الأب الذي يرفض الديكتاتورية السياسية، أليس ديكتاتورًا مع ابنته في البيت؟ يؤمم أجساد أبنائه وأفكارهم، يغسل أدمغتهم ليكونوا نسخة منه. هذا يعيد استنساخ الديكتاتور. تريد حرية العقيدة؟ عظيم، لكن حرية العقيدة ليست اتجاهًا واحدًا. تعني أن لك الحق في ممارسة طقوسك الدينية دون إزعاج، وأنا كشخص لا ديني أؤيد هذا الحق وأدافع عنه. لو تم التضييق على المسلمين في أوروبا في بناء المساجد أو العبادة، سأكون أول من يقول: أنا مسلم، وهذا لا يليق. لكن في الطريق الآخر، من حقي أن أنتقد معتقداتك الدينية مهما كانت مقدسة. المعتقدات الدينية لا تسمو فوق أي أفكار أخرى. كل الأفكار توضع على طاولة النقاش، ونقدي يُنتقد، فيصير حوارًا مثمرًا قد نخرج منه بفكرة هجينة تفيد الدين والتنوير. لكن أن أقول: أنا ابن البطة البيضاء وأنتم أولاد البطة السوداء، أنا خير أمة أخرجت للناس، أو كما يقول اليهود: نحن شعب الله المختار، أو المسيحيون: نحن أبناء الله، عندما تعطي لنفسك هذا الامتياز، تكون قد تخليت عن فكرة الحرية. سيأتي من يقول لك: لا حرية عقيدة، نحن بلد مسيحي، اخرج. أنت كمسلم في أوروبا تستفيد من حرية العقيدة، لكن حرية العقيدة جزء من منظومة أكبر اسمها الحرية: حرية عقيدتك، حرية ابنتك أن ترتدي بكيني وتسبح في البحر دون إزعاج، وحرية ابنتك الأخرى أن ترتدي الحجاب وتمشي في الشارع دون إزعاج. هي منظومة واحدة. الانتقائية في الحريات تجعل التنوير والحرية والديكتاتورية غير نافعة. مشكلتك عويصة.
الاتهامات كثيرة للتنوير بإلغاء المقدس. لقد حاولتَ أن تشرح لنا أن الفكرة ليست إلغاء المقدس. من شوه هذا التصوير بأن التنوير هو إلغاء المقدس بكل أشكاله وألوانه؟ ولماذا دائمًا من يتجه نحو التنوير يواجه اتهامات بالخيانة والانسلاخ عن الهوية، ويدفع ثمنًا باهظًا؟ أرى أن فكرة أن التنوير قادر على إلغاء المقدس هي ازدراء للإله. لو كان المقدس ضعيفًا لدرجة أن شخصًا مثل حامد عبد الصمد قادر على إلغائه، فلا حاجة له. أنا لا أستطيع إلغاء فكرة الإله من عقول الناس. من أنا؟ إذا كنت قادرًا على إلغاء المقدس والإله من المجتمع، فأنا شخص خارق يستحق مكانه. الناس الذين يحاولون حماية الله من أفكار حامد عبد الصمد يرتكبون أكبر ازدراء. المفروض أن الله هو الذي خلقني وخلقك، يحميني ويحميك، يدافع عني وعنك. عندما تنصب نفسك محاميًا لله وتقتل باسم الدفاع عنه، فأنت تزدري إلهك، تجعله شيئًا رخيصًا لا يستحق الاعتبار. لا يوجد مخلوق يقدر على إلغاء المقدس. هناك شيء داخل وجدان البشر يحتاج إلى هذا التواصل، سواء كنت مؤمنًا به أو غير مؤمن. أعترف بحق الإنسان في البحث عن هذا الشيء، لأن هناك فجوات معرفية ووجدانية. الإنسان كائن هش، يحتاج إلى كيان يتكئ عليه، يعود إليه، يؤمن أنه سينجده في وقت الضيق، يحتاج إلى قيم روحية واجتماعية. لا مشكلة لدي مع هذا. لكن عندما يأتي شخص باسم المقدس، الذي هو في خياله ولا يستطيع إثبات وجوده، وأنا لا أستطيع إثبات نفيه، ويريد بناء قوانين وعلاقات اجتماعية وسياسة، وتحديد دين رئيس الدولة أو وزير العدل بناءً على أفكار قديمة لا سبيل لإثبات وجودها أو نفيها، لا يمكن أن نتفق عليها في مجتمع متعدد الديانات. خذي سوريا على سبيل المثال، مرت بفترة ديكتاتورية مقيتة لأكثر من 55 عامًا، تم تفريغ العقل السوري من محتواه وبث أفكار شوهته، جعلت السوريين غير قادرين على التواصل مع بعضهم بطريقة صحية. أرى السوريين، الذين كانوا أصدقاء، ينهشون لحم بعضهم بسبب أفكار. لماذا؟ لأنهم لم يجدوا صيغة مشتركة. كل صيغة تأتي تفرض عليهم شيئًا: العروبة، القومية البعثية، بينما هناك غير عرب، أكراد وعرقيات أخرى. فُرض عليهم هذا الكيان السياسي بالقوة والقهر. الآن، بعد أن تخلص السوريون من ذلك، سيحكي لنا التاريخ كيف حدثت هذه المعجزة. لا يزال هناك ملفات ستُفتح. كل شيء يحدث في الخفاء، ثم تُنشأ قصة تليق بما حدث، سردية مقدسة نقول: هذا هو التاريخ. تاريخنا دائمًا مقدس. فعلنا ذلك مع صلاح الدين الأيوبي، مع الخلفاء الراشدين، مع فترة حكم النبي في المدينة، مع الدولة العباسية والعثمانية. ثم يأتي التاريخ ويفكك ذلك، فنكتشف أن لا شيء منه حقيقي.
نعود إلى التنوير. ما هو التنوير؟ هو مراجعة الماضي كي لا نقع في أخطائه في المستقبل، وليس لمحاكمة أحد. لا أحاكم الرسول أو الصحابة أو الخلفاء. تصرفوا وفق معايير عصرهم. لكن أفهم الأخطاء التي وقعوا فيها حتى لا أقع فيها. هم وجدوا صيغة لعصرهم ومجتمعهم المحدود، ربما كانت ملائمة. الآن، لا يمكننا العودة إلى نفس المرجعية. مجتمعنا معقد أكثر، لديه مشاكل مختلفة. هل يمكنني أن أسأل الرسول كيف نتعامل مع الذكاء الصناعي؟ سيقول لي: تحدثني عن حليب الماعز وتقبير النخل والحروب والاستنجاء. لا يعرف عن الذكاء الصناعي أو السوشيال ميديا. في سوريا الآن، بعد كل هذه الحمامات من الدم والثمن الغالي للتخلص من الديكتاتورية، لا تزال مستمرة. الحكومة الجديدة لا تزال تستخدم نفس الأساليب: التشبيح، القهر ضد الأقليات، حتى البراميل. المثقفون الذين كانوا يمجدون بشار الأسد قبل سنوات، يبررون الآن جرائم الإدارة الجديدة بنفس الصيغة، وينتقدون من ينتقد الممارسات العنيفة ضد العلويين، الدروز، العلمانيين. سوريا ليست تقسيمة طائفية. كان هناك علويون معارضون لبشار الأسد، وهناك سنة معارضون لأحمد الشرع. لماذا؟ لأن البنية العقلية مبنية على التفكير القبلي: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا." أنا انتمي إلى هذه الجماعة، فأنتمي إلى أفكارها وأفعالها بغض النظر عما هي.
من أكبر منجزات التنوير أنه خلق مسافة بين الفرد ومجتمعه، تاريخه، ثقافته، وأيديولوجياته، لينظر إليها بنظرة نقدية، ليس لتدميرها، بل لتصويبها وتصحيح مسارها. هذه النظرة النقدية تحمينا من الديكتاتورية. الديكتاتور ليس مجرد شخص قوي يفرض آراءه. الديكتاتورية هي عقد غير مكتوب بين جماهير تواقة للانصياع والطاعة والامتثال، وشخص ديكتاتوري يقرأ هذه الجماهير جيدًا، يشعرها بالخطر: سوريا في خطر، مصر في خطر. فيخرس كل صوت نقدي، يُستبعد، وأحيانًا يُقتل المعارضون، والشعب ينصاع مختارًا. لا يوجد شعب تُفرض عليه الديكتاتورية بدون لذة الانصياع. هذا موجود في مجتمعاتنا بسبب الطبيعة القبلية والدينية. في لبنان يقولون: "بي الكل"، أبو الكل. أنا لست أبي، ماذا يعنيني بهذا؟ في سوريا: "الله، سوريا، الأسد وبس." الآن: "الله، سوريا، الشرع وبس." أين كنا وأين أصبحنا؟
قبل أن نختتم، أريد أن أسأل عن لغة التنويريين اليوم. هناك اتهامات للحركة التنويرية بأنها وقعت في فخ التعالي، ولم تنزل إلى الشارع بما فيه الكفاية، واقتربت من النخبوية على حساب الشعبوية. كيف نقدم التنوير للأجيال الجديدة، خاصة في عصر السوشيال ميديا وجيل Z الذي يمسك بزمام الأمور في أماكن كثيرة؟ هذا اتهام قديم إلى حد ما. هناك أطياف من التنويريين. التنويري الأكاديمي لا يستطيع إلا أن يكون متعاليًا في لغته، لأن لغة البحث العلمي كذلك. لو أخذنا محمد أركون أو نصر حامد أبو زيد، نجد لغتهم صعبة، لكن وظيفتهم ليست الذهاب إلى المقاهي والمدارس لتبسيط الأفكار. هناك درجات: الباحث الأكاديمي النخبوي، ثم المضاعف (multiplier) الذي يأخذ هذه الأفكار ويوزعها على المدارس، الإعلام، الأندية الثقافية. ثم يأتي المعلمون والصحفيون ويوصلونها للشعب. حتى اليوتيوبرز يبسطون العلوم. لغة العلم نخبوية، لكن تأتي برامج مثل "الدحيح" تأخذ الأفكار العلمية وتبسطها، فيقول الناس: فهمت نظرية التطور، فهمت دور رأس المال. أنا لا أحب الألقاب، يطلقون عليّ تنويري، وآخرون يطلقون عليّ كافر وملحد. أنا رجل أفكر وأحاول التواصل مع الناس على مستويات متعددة. عندما أكتب كتابًا، أكتبه بلغة مثقف يخاطب مثقفين. عندما أتوجه للجماهير عبر اليوتيوب، أحاول التحدث باللهجة المصرية، أستخدم الفكاهة أحيانًا. هذا أحد أسرار نجاح برنامج "صندوق الإسلام" الذي وصل لعشرات الملايين. لم أكن أتخيل ذلك. فهذا اتهام غير صحيح. إذا وصلتُ لعشرات الملايين عبر اليوتيوب، فأنا لست نخبويًا، وأفكار التنوير ليست نخبوية. يجب أن نقتنع أن التنوير ليس ناديًا سريًا ولا فريقًا واحدًا له منتسبون معينون. بعضهم يحاول جعل التنوير دينًا. استخدمتُ بنية التنوير على خمسة كسخرية. كل واحد يدلي بدلوه، ما دمنا اتفقنا على مبدأ الحرية للجميع، المتدين وغير المتدين، مبدأ الفردانية، أن كل فرد مسؤول عن نفسه وليس عضوًا في قبيلة يُحكم عليه بسبب انتمائه، وأن نظرية المعرفة والعلم هي الأساس الذي نعمل عليه لنقرر ما هو حقيقي وما هو مزيف. هناك أفكار كثيرة، مثل التسامح، وهو من أهم مبادئ التنوير. التسامح ليس أن يتسامح أحد من الأعلى مع من هو أسفل. التسامح يعني أنني أحتاج تسامحك معي، وأنتِ تحتاجين تسامحي معك. نختلف في الأديان والأفكار، لكن نسير في مركب واحد هو مركب المواطنة. لا أرى تعاليًا، بل تشويهًا لمفهوم التنوير والعلمانية في المجتمع، وتصميمًا على أن كل شيء نتبناه كأسلوب تفكير يجب أن يكون نتاج ثقافتنا. ثقافتنا هي التمر والشاي بالنعناع، لكن الشاي من سريلانكا. ماذا أنتجنا لهذه الحضارة؟ منتجاتنا الفكرية الإسلامية في العصر الحديث هي محاولة تدوير أفكار من ألف سنة، تجميلها وإضفاء طابع فلسفي أو علمي عليها، والدفاع عن رموزها. التنوير لا يعرف رموزًا. ينتقد أفكار إيمانويل كانط، نيتشه، فولتير، عادي. التنوير يعني إعادة طرح الأسئلة. حتى داخل حركة التنوير، كانت هناك مراجعة. هوركهايمر وأدورنو كتبا كتاب "ديالكتيك التنوير"، ينتقدان تحويل التنوير إلى دين مقدس برسالة مثل المسيحية. نقدوا ذلك، وقالوا إن هناك مشاكل داخل الأفكار التنويرية تسببت في ظهور العنصرية، تبرير الاستعمار، وحتى الهولوكوست. هذا هو الفكر الحقيقي الذي ينتقد ذاته. لا توجد منظومة مقدسة، حتى التنوير نفسه يجب إعادة تعريفه وتطويره للوصول إلى أفضل نسخة منه. نفس الشيء بالنسبة للأديان. المسيحية في الغرب تخلصت إلى حد ما من شوائب سياسية وقانونية، فأصبحت جزءًا من مجموعات مصالح في المجتمع، لا تسيطر على كل شيء، لا تمتلك الأراضي، لا تشرع، لا تحدد من هو الملك أو الرئيس. هذا حل جميل، أن تكون في مكانها المناسب. عندما أرادوا إقامة ديمقراطية، لم يقل أحد إنها يجب أن تكون بمرجعية مسيحية. المسيحية جزء من المجتمع، يتم استيعابها عبر حرية العقيدة واحترام معتقدات الناس. لكن احترام المعتقدات لا يعني ألا أنتقدها. بالعكس، حين أحترم معتقدك، أنتقده أكثر، لأنني أخذك على محمل الجد، موقن أنك سترد ردًا عقلانيًا، ونخطئ بعضنا، وقد نقتنع أو لا، وإذا لم نقتنع، نشرب قهوة ونظل أصدقاء.
تعليقات
إرسال تعليق