طارق حجي (١): قيم الغيريّة "Otherness"

**نص الحوار المُصحح باللغة العربية الفصحى مع مراعاة علامات الترقيم:**

**المقدم**: في هذا الزمن، نحتاج إلى التنوير وإلى الفكر الرشيد. لذلك، وباختصار، هناك أسماء لا تحتاج إلى تعريف. ننظر إلى مصر مع ضيفي المفكر الكبير الدكتور طارق حجي. دكتور طارق، شكرًا جزيلًا على تلبية الدعوة. أنا في غاية السعادة لوجودي معك. أتعلم منك دائمًا، وكثير من جمهورنا يطالب باستمرار هذه الفقرة. أرجو أن تُعطي وعدًا على الهواء باستمرارها. أقول لك: شكرًا جزيلًا. دعنا نبدأ سريعًا بالشأن الخارجي، ثم نعود إلى الداخل. أعلم أن هناك علاقات خاصة تربطك برئيس وزراء الهند. كيف رأيت المشهد بين الهند وباكستان؟

**د. طارق**: لا أستغرب المشهد، فقد قرأت كثيرًا عن نشأة باكستان عام 1947. في عالم مثالي، لم يكن يُفترض أن يحدث هذا الانقسام. كان يُفترض أن يبقى المسلمون ضمن دولة واحدة دون إنشاء بنغلاديش أو باكستان. لكن ما حدث هو أن المندوب السامي البريطاني شجّع على هذا الانقسام. هذه هي طريقة الإنجليز: بدلاً من وجود دولة كبيرة تُسمى الهند، أصبح لدينا ثلاث دول: الهند، باكستان، وبنغلاديش. بمعرفتي بكيفية تصعيد التوترات، لم أستغرب كثيرًا. بل أنا سعيد لأن حجم التخريب والتدمير تم احتواؤه، إذ كان من الممكن أن يكون أضعاف ذلك. هذه دول تملك أعدادًا هائلة من الجنود. إذا أخبرت الناس بعدد الجنود في الصين والهند وباكستان، سيذهلون. لا نتحدث عن آلاف، بل عن ملايين. للأسف، هذا أمر متوقع، وأعتقد أنه سيتم احتواؤه، لأن البشرية لا تتحمل حربًا واسعة النطاق بين الهند وباكستان. فمن يُهزم قد يستخدم السلاح النووي، وكلا البلدين يمتلك هذا السلاح. أنا حزين لما حدث، لكنني سعيد بتوقفه. لست متأكدًا من استمرار هذا التوقف، لكن المشكلة الأساسية هي: هل المجتمع الدولي يعمل على حلها، أم أننا نكتفي بوقف الاشتباكات؟

**المقدم**: أنت كما تعلم، سبق أن استضافتك وأعرف طريقة تفكيرك الأكاديمي. كل الأسباب التي تُطرح ليست هي الأسباب الحقيقية. السبب الحقيقي هو أن أحدًا لا يعمل على معالجة الكراهية، أي مخزون الكراهية في الطرفين. ليس كل الهنود ولا كل الباكستانيين، لكن هناك ما يكفي لإحداث تخريب. لا أحد يعمل على هذا الأمر، وبالتالي يُجبرون على وقف إطلاق النار. لكن هذا النوع من وقف إطلاق النار يكون محدود المدة، لأنه، كما قلتَ، لا يُعالج جذور القضية. جذور القضية هي كراهية هائلة. الكراهية شيء مرعب، ليس فقط عندهم، بل في منطقتنا أيضًا. لديك صورة مع رئيس وزراء الهند، أخبرنا عن طبيعة هذا اللقاء.

**د. طارق**: اللقاء كان قبل سنتين. عندما زار مصر، أخبروني أنه يرغب في لقائي. لقد اندهشت حقًا. السفير أخبرني أن رئيس الوزراء يريد مقابلتي. كانت تلك بداية العلاقة، واستمرت بعدها بالمراسلات والتواصل. لكن حتى الآن، لا أعرف من الذي أوصى له بمقابلتي. قابلته وقضيت معه وقتًا طويلًا. تحدثت معه عن أن الهند وباكستان، إذا لم يُخففا من دور الدين في السياسة، فإن العالم سيدمر. هذا ما قلته منذ سنتين. إذا أصبح الدين محركًا للحياة السياسية، فالنتائج ستكون كارثية. رأينا تجارب في أوروبا وفي مصر. هناك قوانين دولية، مثل قانون العلمانية في فرنسا. الدين يجب أن يكون شأنًا شخصيًا.

**المقدم**: أود أن أقول شيئًا قد لا يركز عليه الإعلام المصري. جنوب مصر، السودان ممزق. غرب مصر، ليبيا ممزقة. الفلسطينيون غير متفقين، رام الله وغزة منقسمون. سوريا، أتمنى لها الخير، لكن أبواب الصدام موجودة. العراق، هناك جيش غير تابع للدولة. اليمن أيضًا. ما أريد قوله هو: لماذا نحن مختلفون؟ أعتقد أن جزءًا من السبب يعود إلى الشعب، وبصراحة، جزء آخر يعود إلى الجيش المصري. لماذا لم نقع كما وقع الآخرون؟ أعلم أن البعض قد يرى كلامي رياءً، لكن والله ليس فيه ذرة رياء. من يقرأ كتاباتي يعرف أن مصر مدينة لجيشها، ومدينة لأن شعبها ليس مقاتلًا في الداخل. السبب الأول هو قواتنا المسلحة. الجيش المصري مختلف. كنت أزور سوريا كثيرًا، وكنت عضوًا في مجلس إدارة شركة الفرات للبترول. هناك، الجيوش تحمل طابعًا قبليًا وطائفيًا. جيشنا ليس كذلك. هذا ما أعطاه تميزًا. أرجو ألا يظن الناس أنني أتحيز. من يعرفني يعرف شخصيتي. السبب في أننا لسنا تحت سيطرة الإخوان هو الجيش. السبب في أننا دولة مدنية في 2013 و2014 هو الجيش. هذا رصيد كبير لمصر. جيش غير طائفي، جيش يمتلك نظرية "هدم تلال الرمال"، ويتعامل مع الجميع على قدم المساواة. لا نعرف من هو الضابط المسيحي أو المسلم، لأن هذه ليست قضية بالنسبة لنا. هذا الجيش المنتمي لمصر فقط هو من أنقذها من الإخوان ومن حرب أهلية. لو كان رئيس الإخوان في 2012 هو خيرت الشاطر وليس مرسي، لكان هناك احتمال لحرب أهلية، لأنه مقاتل. نحن مدينون لهذا الجيش لأنه حافظ على التراب الوطني. هل يمكن أن نختلف معه لاحقًا في آراء؟ ممكن، لكن في ظل وجودنا معًا في وطن واحد له فكرة الحماية. أقول للناس: انظروا إلى من حولنا.

**المقدم**: بعض الناس يقولون إن السياسة أحيانًا تستخدم هذه اللغة لدغدغة مشاعر الناس. لكنك لك آراء مختلفة في أمور كثيرة، وتصر على أن الفضل يعود أولًا للجيش، ثم للشعب. لا أستطيع أن أتخيل أنه لو كان هناك جيش آخر غير جيشنا، لكان الإخوان قد رحلوا بعد 365 يومًا من حكمهم القصير. كيف ترى ذلك؟ لماذا اخترتَ خيرت الشاطر؟ كان هناك رئيس يُدعى مرسي.

**د. طارق**: مرسي جاء بديلًا لخيرت الشاطر. كانوا قد رشحوا خيرت الشاطر، لكن تم استبعاده مع عمر سليمان في قرار واحد. أرى أن خيرت الشاطر كان الأكثر دموية والأقدر على الحرب. الحقيقة، كان حظنا جيدًا. كانت لدينا مشكلة في سيناء، وتم حلها. يجب أن يعرف الناس أنه بعد التخلص من الإخوان داخل الوطن، لم ننتهِ نهائيًا من المشكلات في سيناء. كنا نسمع كل يومين أو ثلاثة عن اعتداءات على الضباط. متى بدأتَ تقلق؟ هل عندما تولى الإخوان الحكم أم قبل ذلك؟

**المقدم**: الحقيقة، لم أكن أتخيل أنهم سيصلون إلى الحكم. أعترف أمام الناس أنني توقعت فشل مرسي في الانتخابات، وكان توقعي عكس ذلك. لكن يجب أن نقول إن لهم رصيدًا فقدوه بأنفسهم. رصيدهم كان فكرة الانتساب إلى الدين. لو عرضتَ أنتَ أينشتاين، وأنا عرضتُ نظرية دينية، سيسمع الناس مني. هذا هو الواقع، وهو واقع سوريا أيضًا. عندما كنت في لندن وسمعنا أن مرسي فاز، أصبتُ بالذهول. لكن يجب أن أقول إنهم ليسوا شيئًا يُمكن تجاهله في المجتمع المصري. هم شيء يجب التعامل معه ثقافيًا حتى الآن. أؤمن أن الجيش المصري حمى مصر من عضلاتهم، لكن حماية مصر من أفكارهم هي مهمتنا. الحماية من الأفكار لا تقل أهمية عن الحماية من العضلات. أليس كذلك؟

**د. طارق**: هذا صحيح 100%. سآخذ استراحة قصيرة، ثم أواصل حواري مع الدكتور طارق حجي. نحاول أن نستمع بهدوء لنفهم وجهة نظر متجردة. من يقرأ مقالات وكتابات الدكتور طارق يعرف أنه شخص موضوعي جدًا، ليس له أغراض سياسية أو أي غرض آخر. بل على العكس، تستعين به دول أخرى ليفكر لها. خلال الحلقة، سأخبركم عن الدعوات التي يتلقاها الدكتور طارق حجي في دول أخرى. بعد الفاصل.

**[فاصل]**

**المقدم**: نعود إليكم مرة أخرى، وأستكمل حواري مع ضيفي الدكتور طارق حجي. في عام 2017، كنتَ في موسكو، وألقيتَ محاضرة أمام بوتين بعنوان "كيف نقضي على الإرهاب". أريد أن أعرف كيف تمت دعوتك لهذه المحاضرة، وكيف يمكننا القضاء على الإرهاب الفكري بعد أن تحدثنا عن الإرهاب العضلي وقدرة الجيش على مواجهته؟

**د. طارق**: لديه جمهوريات في آسيا بها جماعات مشابهة للإخوان، تشبه طبيعة أفغانستان وباكستان أكثر من روسيا. لديه هذا التحدي. يمتلك مؤسسة بحثية، وتمت دعوتي لها عام 2012. أصبحتُ عضوًا في هذه المؤسسة، وبدأت أتحدث عن القضايا المشتركة. أحب روسيا بسبب تأثير الثقافة الروسية في جيلي في مصر، من خلال مكتبات الاتحاد السوفيتي والأدب الروسي. ألقيتُ محاضرة أمامه أعجبته. قلتُ له ما قلته لك في حديثنا الخاص: إن معظم الناس ينشغلون بمحاربة عضلات الإرهاب، وليس أفكاره. أعجبته الفكرة، وتحدثنا عنها، وشكّل لجنة لها. قلتُ له إن محاربة الأفكار أصعب بكثير من القبض على الناس وحبسهم. الأصعب هو تغيير عقيدتهم، وجعلهم يفهمون أن أفكارهم لا تجلب الخير لمجتمعاتهم. نشأت مودة شخصية، وفي المؤتمرات اللاحقة، كان يتحدث معي كثيرًا. لب الموضوع: الإرهاب العضلي انتهينا منه، لكن هل ما زال هناك فكر إرهابي أو جذور له في مصر؟

**المقدم**: لا، أعتقد أنه لو أتيح لي الجلوس مع كبار المسؤولين، سأقول لهم بقلب مليء بالمحبة للوطن وتأييد لهم: الانشغال بمحاربة عضلات الإرهاب ضروري، لكنه غير كافٍ على الإطلاق. سيسألونني: ما الجزء الثاني؟ سأقول: الفكر. كيف أترك كتبًا خاطئة أو برامج تعليمية خاطئة؟ يجب أن نعمل بنفس الجهد الذي نبذله لوقف إرهابهم القاتل. لو بذلنا نفس الجهد لوقف أفكارهم، لكنا في وضع أفضل. نُبذل بعض الجهد، لكنه ليس كافيًا. الموضوع يحتاج إلى رؤية. تعلمتُ في فرنسا أن كل شيء يبدأ بكلمة "رؤية" (Vision). يجب أن تكون لدينا رؤية مكتوبة في صفحة أو اثنتين: ماذا نريد؟ نريد مواطنًا مصريًا يشبه المواطن في الأربعينيات والخمسينيات، مسلمًا كان أو مسيحيًا، لكنه ليس عدوًا للعصر. هذا لا يحدث بالصدفة. لا أعتقد أننا نعمل بجدية كافية عليه. أعرف أنك درستَ في مدارس الراهبات، وهذا ينطبق على كثيرين من عائلتي ومعارفي. في مدرستك، ربما كان عدد المسلمين أكبر. كان لدينا مسجد داخل المدرسة. لو افترضنا أن فصلك يضم 40 تلميذًا، قد يكون 25 منهم مسلمين. رأيتُ هذا في مدارس كثيرة للبنات. طالما أن هذا يحدث، يجب أن نستوعب جميع المصريين في كل المدارس، بما فيها الأزهرية، ونعلمهم الأخلاق، لكن لا نقول إن هذه المدارس حصرية للمسلمين. الأجانب لم يفعلوا ذلك معنا عندما ذهبوا إلى أسيوط وسوهاج. قبل 200 أو 225 عامًا، كانت مصر بنسبة 99% من مسيحييها أقباط أرثوذكس. من جاء بالكاثوليك؟ المدارس الفرنسية. من جاء بالبروتستانت؟ المدارس الإنجليزية. لدينا في مصر 24 مليون تلميذ وطالب، حوالي 4.5 إلى 5 ملايين منهم في المدارس الأزهرية. أتمنى بصدق أن تستوعب المدارس الأزهرية في المستقبل كل المصريين، لأن هذا سيكون علامة إيجابية جدًا.

**المقدم**: أعرف أنك تنتقل بين أفكار كثيرة، وأعرف جيدًا ما يدور في ذهنك وأنت تتحدث معي. بعد الفاصل، سأنتقل إلى كتابك "قيم التقدم". هذا الكتاب تُرجم إلى لغات عديدة. هل هناك قيم للتقدم؟ أفهم أن هناك خطوات للتقدم، يمكن أن نضع خطة وما إلى ذلك، لكن قيم التقدم تسبق الخطوات. سأسألك عنها بعد الفاصل.

**[فاصل]**

**المقدم**: نعود إليكم مرة أخرى، وأجدد الترحيب بضيفي الدكتور طارق حجي. كتاب "قيم التقدم"، كما علمت، هو الأقرب إليك، وقد تُرجم إلى ست لغات. هناك قيم للتقدم، والتقدم يشمل الجزء المادي والفكري. دعني أوضح للناس: لتحقيق تقدم في المجتمع، نحتاج إلى ترسيخ مجموعة قيم. عما تحدث الكتاب؟ ما هي هذه القيم؟

**د. طارق**: أول هذه القيم هي التعددية. باللغات الأوروبية، تكون قريبة جدًا من كلمة "Plurality". بالإنجليزية أو الفرنسية، قد يختلف حرف أو اثنان. يجب أن نرسخ التعددية في ذهن التلميذ: التعددية الفكرية، التعددية بكل أنواعها. سنقول له إن أهم أساس في الحياة هو التعددية. ثم نأخذه إلى فكرة أخرى: أن يؤمن بتعددية الأفكار. من هنا، ننتقل إلى خطوة ثانية تُسمى "الغيرية" (Otherness بالإنجليزية). بمجرد أن آمنتَ بالتعددية، تصبح مسالمًا تجاه الآخر. الآخر الذي يختلف معك لم يعد جانيًا أو مجنيًا عليه، ليس سلبيًا أو إيجابيًا. هو مختلف، وأنا مختلف بالنسبة للآخرين. نعلم التلميذ أن الحياة قائمة على التعددية، ثم نقول له إنها قائمة على الغيرية. هناك آخر في كل شيء: في الذوق، في المذاق. قصيدة شعر قد تعجبك ولا تعجب شخصًا آخر. لاحظ أن الأصوليين لديهم عكس ذلك: الأحادية، عدم قبول الآخر. قالوا في القرون الوسطى: "نحن أهل نقل، لسنا أهل عقل". هذه كلمة مرعبة. عندما نرسخ في أذهان التلاميذ فكرة التعددية، ونشرحها، ونزرعها، ثم نزرع فكرة الغيرية، نصل إلى قبول الآخر. أشك أن ثقافتنا تحتوي على قبول عميق للآخر. أحيانًا أرى على فيسبوك أن الآخر يُصوَّر كشيء سيئ، كعدو. لكنني عشت مع أشخاص كثيرين لم أرَ منهم عاطفة سلبية بسبب اختلافي معهم. لدينا ارتباط كبير بين "الأنا" والآراء. نريد أن نعالج هذا في التعليم. يجب أن نفهم الناس أن الآراء ليست هي "الأنا". رأيي مكتسب، وقد أغيره، وغالبًا سأغيره. هذه ظاهرة صحية جدًا. رأيك في سن العشرين ليس كرأيك في الثلاثين أو الأربعين. إذا بقي رأيك كما هو، فهذه ظاهرة سلبية. إذن، أول قيم التقدم هي التعددية، ثم الغيرية، ثم قبول الآخر. أقبل الآخر، سواء كان مسيحيًا أو يهوديًا. هذا ما يخصه. إذا قال لي أحد إن لدينا قبولًا للآخر، سأقول له: إنه يحتاج إلى تنمية، يحتاج إلى عمل كثير. هذا يقودنا إلى حقوق الآخر وحقوق المرأة. السلسلة التي نسير فيها تؤدي إلى حقوق المرأة. المرأة ليست كائنًا ثانويًا. المرأة هي نصف البشرية، لها ما لنا وعليها ما علينا. هذه السلسلة من القيم تتيح لنا تحقيق التقدم. بدونها، لن نتقدم. من هنا جاء تعريف "قيم التقدم".

**المقدم**: رائع جدًا. لا يمكن أن تكون معي دون أن أسألك عن الوضع الاقتصادي لمصر. كيف تراه من الخارج؟ كيف ينظرون إلى الوضع الاقتصادي في مصر؟

**د. طارق**: ينظرون إليه بكثير من الإيجابية وقليل من السلبية. هذا حقيقي. المؤسسات العالمية ترى إيجابيات وسلبيات، وربما تكون الإيجابيات أكثر. لكن مهمتنا هي التركيز على السلبيات. على سبيل المثال: هل هناك حرية كاملة حقيقية للقطاع الخاص؟ لا أعرف، لكن الموضوع يحتاج إلى بحث. أؤمن أن القطاع الخاص المصري يجب أن يكون رأس الحربة. في كتاباتي، قد يظن البعض أنني ضد ذلك، لكنني لست ضد القطاع الخاص. لا أريد أن يحكم رجل الأعمال. أريده أن يعمل، لكن إذا انتقل إلى الحكم، ستكون هناك مشكلات، لأن دوافعه مختلفة. لا أؤيد أن يكون رجل الأعمال سياسيًا. ظاهرة ترامب توضح ذلك. يجب أن يبقى رجل الأعمال في مجاله. مخزونك الثقافي والمعرفي، وتاريخ مصر والأدب، لا تشغله. ما يشغله هو تحقيق الربح. من حقك ذلك، لكن لا تأتِ إليّ وأنت لست مليئًا بالحس الاجتماعي والثقافي. هذا أهم عندي من المال. مصريتك ومصريتي شعور ثقافي، أليس كذلك؟ إذن، لا نريد عالمًا مليئًا بترامب آخرين. يجب أن يبقى كل شخص في مكانه. رجل الأعمال يحميه المشرّع ليمارس عمله بأفضل طريقة، لكن فكرة أن ينتقل إلى الحكم أو يؤثر فيه، أنا ضدها تمامًا، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

**المقدم**: أحتاج إلى نسخة من كتاب "قيم التقدم". أعرف أنك تتحدث الإنجليزية والفرنسية والعربية. هل سيأتي الكتاب باللغات الثلاث؟ العنوان يعجبني جدًا. هل هناك كتابات قادمة؟

**د. طارق**: أكتب الآن شيئًا لا علاقة له بما كتبته سابقًا. أكتب كتابًا عن أهم شاعرين معاصرين أحببتهما: أحدهما بالفصحى، نزار قباني، والآخر بالعامية، أحمد فؤاد نجم. أنا حافظ لمعظم شعرهما. أحمد فؤاد نجم كان يبكي عندما أردد شعره، ويقول لي: "لم أكن أتخيل أنك في مصر الجديدة تحفظ شعري". قلت له: "ماذا أفعل؟ لا أستطيع أن أنسى". يقول في إحدى قصائده:  
"يعيش المثقف على مقهى ريش  
بحفلة لط مظفلط  
كتير الكلام بكم كلمة فاضية  
وكم اصطلاح يفبرك حلول المشاكل أوام".  
تصور، هذا الرجل لم يذهب إلى المدرسة، لكنه يملك موهبة عظيمة. أما نزار قباني، فله قصيدة تقول:  
"إذا خسرنا الحرب لا غرابة  
لأننا ندخلها بكل ما يملكه الشرق من مواهب الخطابة  
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة  
لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة".  
هل رأيتَ من لخص الصراع العربي الإسرائيلي في سطرين؟ يقول:  
"ما دخل اليهود من حدودنا  
وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا".  
هل انتهى الموضوع؟ لقد قال كل شيء. أكتب هذا الكتاب لأقول للذين يختارون النصوص الأدبية في المدارس: أنتم تُنفرون الناس. تجلبون شعرًا يجعل الطلاب لا يعودون إليه أبدًا. لو جئتُ بنصوص للبياتي، نزار، صلاح عبد الصابور، أو أحمد عبد المعطي حجازي، سيحبون الشعر. أنتم مسؤولون عن كرههم للشعر.

**المقدم**: كرر لنا، بناءً على طلب زملائي، بيت نزار: "ما دخل اليهود..."، وأيضًا قصيدة أحمد فؤاد نجم.

**د. طارق**: بالنسبة لنزار:  
"ما دخل اليهود من حدودنا  
وإنما تسربوا كالنمل من عيوبنا".  
أما أحمد فؤاد نجم، فله قصيدة يقول فيها:  
"يعيش المثقف على مقهى ريش  
بحفلة لط مظفلط  
كتير الكلام بكم كلمة فاضية  
وكم اصطلاح يفبرك حلول المشاكل أوام  
تعيش كل طايفة من الثانية خايفة  
وتنزل ستاير بداير وشيش".  
تصوروا، هذا الرجل لم يدخل المدرسة، لم يحصل على الابتدائية، لكنه يستحق كتابًا. قانون المصادفة أقوى من تفكيرنا. في عام 1929، وُلد في نفس القرية في الزقازيق عبد الحليم حافظ وأحمد فؤاد نجم. دخلا نفس الكُتاب ونفس الملجأ. أحدهما أصبح كالملوك، والآخر ظل شعبيًا حقيقيًا.

**المقدم**: دكتور طارق، الحديث معك لا يُمل أبدًا. السبب هو أنت. شكرًا لتلبية الدعوة مرة أخرى. دائمًا نتعلم منك، وتُنير لنا أشياء كثيرة. سنواصل هذه الحلقات وفقًا لجدول أعمالك. هي دعوة للتنوير. زملائي في الكنترول والاستوديو يريدون استمرار الحلقة، لكن ضيق الوقت يحكمنا. أشكرك مرة أخرى.

**د. طارق**: أنا جئت وأنا مليء بالاستمتاع بما سأقوم به. سبق أن تحدثت معك، وأعرف أسلوبك. شكرًا جزيلًا.

--

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة