ندوة الإسلام السياسي والتهديد الفكري

**بسم الله الرحمن الرحيم**

أصحاب السعادة، السادة الأساتذة الأفاضل، طلبتنا الأعزاء، الحضور الكريم،  
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.  

يسعدني ويشرفني أن أرحب بكم في هذه الندوة العلمية الهامة التي نناقش خلالها أحد أبرز الموضوعات التي تمس الأمن الفكري والاستقرار المجتمعي في عالمنا المعاصر، تحت عنوان: **تنظيم الإخوان المسلمين: خطاب التطرف والتضليل**.  
نلتقي اليوم لنفتح حوارًا عقلانيًا وتحليليًا حول الأثر الذي تركه هذا التنظيم على مفاهيم الدين، وبنية الدولة الوطنية، والسلم الأهلي والتعايش في المجتمعات.  
إن هذه الندوة لا تسعى إلى إصدار أحكام سياسية أو دينية، بل تهدف إلى تقديم قراءة معرفية علمية مبنية على التحليل والنقد الموضوعي، بغية الوصول إلى فهم أعمق للخطابات التي تتستر بالدين لترويج التطرف وتضعيف ركائز الدولة الوطنية.  

سنستمع اليوم إلى خمس مداخلات من نخبة من الباحثين والخبراء المتخصصين في الفكر الديني والسياسي، كل منهم سيقدم رؤية تحليلية مدعومة بالشواهد والتجارب لتفكيك خطاب الإخوان، وتحليل أدواته ومآلاته. أرجو من المتحدثين الالتزام بالوقت المحدد، وهو خمس عشرة دقيقة لكل مداخلة.  

والآن، نبدأ بالمحور الأول، والذي يلقيه سعادة الدكتور خليفة مبارك الظاهري، مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، بعنوان: **الإخوان المسلمون وتحريف المفاهيم الدينية**. فليتفضل مشكورًا.  

---

**بسم الله الرحمن الرحيم**  
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.  
أصحاب السعادة، الحضور الكريم،  
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.  

نجتمع اليوم في رحاب جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، بمشاركة عدد من المفكرين والأساتذة البارزين، لنشخّص أحد الأمراض الفكرية المعضلة في عصرنا: تنظيم الإخوان الإرهابي وخطاب التطرف والتضليل.  

أيها الحضور الكريم،  
منذ أن رفع حسن البنا شعاره الشهير "الإسلام هو الحل"، لم يكن يقصد الإسلام الذي نعرفه جميعًا، إسلام الرحمة والعقل والسلام، بل كان يدعو إلى إسلام مصنّع معلب، مشحون بأوهام السلطة والكرسي، مشبع بنزعة الهيمنة، مرهون بأقامة الخلافة على أنقاض الدولة الوطنية، وبتفكيك المجتمعات لإعادة تشكيلها وفق نسق حزبي ضيق لا يتسع إلا لأتباع جماعته.  
لقد جاء بعده تقي الدين النبهاني، وسيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، فتوسعت المدرسة وغُذّيت بخطاب أيديولوجي مغلق يدّعي امتلاك الحقيقة، يقصي الآخر والمجتمع. وهكذا وُلدت "الأخونة" بوصفها مشروعًا إرهابيًا له أدواته ومراجعه التنظيمية والمالية والعسكرية، وله امتداداته العابرة للحدود.  

هكذا تحولت فكرة الخلافة الإسلامية من فكرة هامشية فرعية في التاريخ إلى هوى سياسي وعقيدة إخوانية، ومن أداة إلى غاية وجودية. فتقاطع الخطاب الديني مع النزعة الإخوانية، وتشكلت بذلك نواة خطاب التطرف والتضليل.  

أيها الحضور الكريم،  
إن أصل الفكر المتطرف لتنظيم الإخوان يكمن في اقتراحهم لمسائل لم يعرفها تاريخ المسلمين، لا في ماضيهم ولا في حاضرهم:  
- ادعاء أن إقامة الدولة الإسلامية فريضة توحيدية لا يكتمل الدين إلا بها.  
- تحويل الدين إلى أداة للتعبئة السياسية والحشد الحزبي.  
- اعتماد العنف وسيلة مشروعة لتحقيق الغاية، حتى ولو أُهدر الدم، وضاع العمر، وتفككت الأوطان.  
- العمل على أسلمة المعرفة، وتشويه العلوم والمعارف والفلسفة.  

فمنذ التأسيس، نشأ التنظيم متأثرًا بالحركات العنيفة، مقتبسًا من النازية والسرية، فأسس كتائب ومنظمات سرية، ونظر لفرض التغيير بالقوة تحت شعار "تغيير المنكر". ومنذ ذلك الوقت، لم يتوقف عن ممارسة العنف بشتى أنواعه:  
- عنف فكري يقصي.  
- عنف مؤسسي يخرّب.  
- عنف اجتماعي يقسّم.  
- عنف مسلح يفجّر ويغتال.  

لقد توّج سيد قطب هذا النهج بتأصيل لا مثيل له للعنف، حيث جعل "الجاهلية" وصفًا عامًا لكل المجتمعات الإسلامية، وجعل العنف عقيدة. فخرجت من تحت عباءته التنظيمات الإرهابية كالقاعدة وداعش وغيرهما، وكلها سارت على الدرب ذاته: قتل باسم الإسلام، وهدم باسم الشريعة، وفوضى باسم الخلافة.  

أما خطابهم، فيرتكز إلى الوصاية الدينية، حيث يحتكرون النص، ويشيطنون من يخالفهم، ويبنون سردية استبعادية مفادها: "إن لم تكن إخوانيًا، فلست بمسلم". وهذا، لعمري، افتراء على الدين، وتشويه لرسالته، ومكر مفضوح.  

تقوم هذه الجماعة الإرهابية بالتلاعب بالمشاعر والعقول، قولًا مزجت بين العاطفة والحنين إلى الماضي، وحرّفت النصوص والمفاهيم، تحرف الكلم عن مواضعه. في حين أن مشاريعها، في حقيقتها، مشاريع فكر مأزوم، ورؤية أحادية إقصائية، لا تنتج إلا عنفًا وتدميرًا.  

إن الإخوان شبكة أيديولوجية ممتدة، تتلون وتتشكل، تتخفى حينًا وتظهر حينًا آخر، لكنها تحتفظ بثوابت التخريب والانقضاض على الدولة، مستغلة أزمات الشعوب، ومروجة لخطاب الضحية، تارة باسم المظلومية، وتارة باسم الربيع. والحقيقة أن خطابهم الفكري ليس إلا أخونة الوعي، وتزييف الوقائع، وبث شعور العداء لذات الإنسان والآخر، وهي حالة مرضية فكرًا وسلوكًا.  

أيها الحضور الكريم،  
إن جوهر أزمة تيارات الإخوان يكمن في نظرتها المغلقة للتاريخ، فهي لا ترى فيه مسارًا حضاريًا وثقافيًا واجتماعيًا متنوعًا، بل تسجنه داخل إطار عقائدي صارم، وتلبسه ثوبًا دينيًا محض. فكل تأويل يخالف تصورها يعد انحرافًا عن الملة، وخروجًا عن الدين. لقد خلطت هذه التيارات بين ما هو ديني وما هو سياسي، وما هو عقدي وما هو تاريخي، فقرأت التاريخ بعيون أيديولوجية، ووجّهت فهمه لخدمة أهدافها، متوهمة أن ما عاشته الأجيال الأولى من المسلمين هو النموذج الأوحد الذي يجب استنساخه.  

ومن هنا جاء ادعاؤهم بضرورة الاقتداء بالسلف، وظهرت شعاراتهم مثل: دولة الشريعة، الخلافة، والمجتمع الإسلامي، ووصل حلمهم الكبير: الدولة الإسلامية.  

الإسلام ليس نظرية سياسية كما ترسمه جماعة الإخوان الإرهابية، ولا مشروع حاكمية، ولا منظومة حزبية تسعى للسيطرة والحكم، ولا "إسلام دين ودولة" كما يزعمون.  
الإسلام الذي نؤمن به هو دين محبة ورحمة وأخلاق، جاء لتكريم الإنسان، ونشر قيم البناء والحضارة والسلام والوفاء. يقول الله تعالى: **﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾** [المائدة: 15-16]. ويقول تعالى: **﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾** [الأنبياء: 107].  

لم يأتِ الإسلام بنظرية سياسية ملزمة، ولا دعا إلى احتكار السلطة باسم الدين، بل ترك للناس أمر تنظيم شؤونهم وفق مصالحهم وأعرافهم. فلا توجد في القرآن الكريم آية واحدة قطعية تفرض شكلاً معينًا من السياسة، بل ترك ذلك للمجتمع وفق ظروفه وزمانه ومكانه. وإنما جاء القرآن بقيم أساسية يخاطب بها الإنسان والمجتمع، كالرحمة والسلام والأخوة الإنسانية وحفظ الأنفس، ولم يتطرق إلى آليات أو شكل الحكم كما تزعم جماعات الإخوان الإرهابية.  

أما "الحاكمية" التي اخترعها سيد قطب وأسس عليها الإخوان فكرهم، فهي تحريف لمعنى الدين وخيانة لروحه. لقد حولوا الإسلام من دين أخلاقي إنساني إلى مشروع سلطوي مغلق، يوزع صكوك الإيمان، ويفصل الناس إلى مؤمنين وكفار وفق انتماءاتهم الحزبية، لا أعمالهم وأخلاقهم.  

وأما قوله تعالى: **﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾** [يوسف: 40]، فلم تُطرح في كتب التفسير على أنها من باب السياسة، ولم نجد في كتب العلماء ما يسمى بـ"توحيد الحاكمية"، وإنما هو تلفيق إخواني. إذ المقصود هو حكم الله في مسائله الشرعية ومبادئه القيمية. وإنما إقحام السياسة في تفسير هذه الآية ما هو إلا تحريف للإخوان. وكما قال سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "كلمة حق أريد بها باطل".  

وقوله تعالى: **﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾** [المائدة: 44]، نزلت، ولكنها لم تنزل على المسلمين، ويقصد منها أتباع التوراة من أهل الكتاب، كما ذكر ذلك أهل التفسير.  

وليس غريبًا عليهم هذا التحريف، فهم خوارج العصر، يحملون راية التضليل، ويجددون الفتنة. ولم يرَ العالم جماعة أشد ضلالًا من هذه الجماعة، لماذا؟ لأنهم اتخذوا من الكذب وسيلة، ومن النفاق لباسًا، صيغتهم الفتنة، والإرهاب عندهم منهج وعقيدة.  

لقد ناصبت جماعة الإخوان المسلمين الدولة الوطنية العربية العداء منذ نشأتها، ورأتها عائقًا أمام مشروعها السلطوي، وحجر عثرة في طريق استئثارها بالحكم. ولم تعترف بأسس هذه الدولة ولا بمبادئها الحداثية، بل حاربتها وعدّتها نقيضًا لتدينها المؤدلج.  

ولا ينبغي أن ننخدع بأي تبدّل في خطابها، أو ما يظهر مرونة ظاهرية توحي بأنها تصالحت مع الدولة الوطنية أو قبلت بأساسها الحديث، فذلك ليس إلا مظهرًا من مظاهر الخداع السياسي والمخاتلة الأيديولوجية، غايته كسب التعاطف واختراق المجتمعات وتهيئة الطريق للوصول إلى السلطة. فالرؤية المؤسسة لفكر الإخوان تجاه الدولة هي رؤية تصادمية، تعارض كل توجهات العقلانية والتنوير والحداثة، وتناصب العداء لفكرة الدولة الوطنية ذات السيادة.  

وحين يقال لنا: "لا وطن في الإسلام، فالأرض لله، والولاء للجماعة"، نرد بكل يقين: كذبوا! فالوطن من الإيمان، وحب الوطن فطرة، والدفاع عنه واجب وعبادة. نقول لهم: الوطن هو مجدنا وأماننا، وذاكرة الأجداد، وإرث الآباء، وموطن الشهداء الذين ضحوا بدمائهم وأموالهم وأنفسهم للدفاع عنه. فيه مستقبل الأبناء وطموحهم، فيه قيمنا وأخلاقنا، نعتز باسمه، ونحتمي بظله. هو الدفء الذي يحفظنا من تيه الشتات، وهو الملاذ إذا ما هاجت رياح الفوضى، وهو النعمة التي من فقدها فقد خسر الملاذ والأمان.  

لقد علّمتنا التجارب القاسية، من خلال ما نراه في عالمنا المعاصر، أن الولاء للوطن هو الحصن المنيع ضد الانزلاق إلى الهاوية. لقد رأينا كيف انهدمت البيوت، وسُفكت الدماء، واندثرت مدن، وضاعت أجيال، كل ذلك لأن الإخوان رفعوا شعارات على الأوطان، وقدّموا الأوهام على الاستقرار.  

إن الإسلام الذي نؤمن به، لا الذي تحرّفه الجماعات، هو دين يعظّم الوطن، ويحمي الديار، ويأمر بالوفاء بالعهود، ويحرم الغدر والعدوان. دين يكرم الإنسان، ويقدس الأمن. أين الرحمة في فكر يبيح الكذب، ويشرّع القتل، ويفرّق الصفوف، ويهدم بنيان الدولة باسم خلافة ضائعة؟  

نقول لهم: إن ديننا دين بناء لا هدم، دين وفاء لا خيانة. هو دين يعلمنا أن نعمر الأرض لا أن نهدمها، أن نغرس الأشجار لا أن نغرس الحقد والكراهية والفتن، أن نحفظ حرمة الدم والجار والدار.  

الوطن ليس خصمًا للعقيدة، بل هو الحاضن للدين. على أرضه تقام الشعائر، ونعلّم أبناءنا الخير والأخلاق والقيم، وتحفظ فيه الدين والأنفس والأسرة والمال والعقول.  

واجبنا اليوم، أعظم من أي وقت مضى، أن نغرس في أبنائنا أن الوطن هو الهوية والانتماء والذاكرة والأهل والأحباب. نعلمهم أن الإسلام يعلمنا حب الوطن. فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم، حين خرج من مكة وودّعها بكلمات الوفاء والمحبة، حيث قال: **"ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك"**.  

أيها الحضور الكريم،  
تعد دولة الإمارات العربية المتحدة من أبرز الدول التي نجحت بجدارة في مجابهة جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، من خلال تفكيك بنيتها التنظيمية، وضرب الأسس الفكرية التي تسللت عبرها إلى العديد من العواصم العربية وغير العربية. وقد كانت رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان واضحة وحاسمة في هذا المسار، إذ تبنّى مشروعًا فكريًا مستنيرًا يهدف إلى استعادة التأويلات العقلانية للنصوص الدينية، وتحصين الوعي من لوثة الخطابات المتطرفة، في إطار نهج حضاري يعيد للدين صورته المشرقة القائمة على الرحمة والعقل والأخوة الإنسانية والانتماء والولاء.  

واليوم، تقف دولة الإمارات العربية المتحدة بثبات ووضوح في وجه كل محاولات تسييس الدين، وترفض العبث بتأويل آيات القرآن تأويلًا سياسيًا يُسخّر لخدمة أجندات حزبية ضيقة. لقد أدركت الإمارات أن الدين رسالة سلام ورحمة، لا وسيلة هيمنة، ولا مطية للوصول إلى السلطة. وقد تجلّى هذا الموقف في سلسلة من المبادرات والمواقف الحازمة، منها:  
- سن تشريعات وطنية تحفظ المجتمع من هذه اللوثات.  
- إنشاء المؤسسات الدينية مثل مجلس حكماء المسلمين ومنتدى تعزيز السلم.  
- تأسيس جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، التي جاءت كصرح فكري وأكاديمي رائد، يعيد قراءة التراث الديني بمعايير علمية ومنهجية عقلانية، تعزز قيم التسامح والانفتاح والاعتدال.  
- إطلاق وثيقة الأخوة الإنسانية من أبوظبي، في حدث تاريخي جمع بين شيخ الأزهر وقداسة البابا الفاتيكان.  

أيها الطلاب والطالبات،  
من واجبكم تجاه وطنكم ودينكم أن تتحصنوا بالعلوم الشرعية والإنسانية، فإنها الحصن المنيع في وجه الفهم السقيم، والسلاح الأقوم في مواجهة الجهل المقدس. ففي ضوء العلم، يفتح الله أبواب المعرفة والفهم، وبه تسلم العقول من الزلل، وتنجو الأرواح من زيف الشعارات وجهل التحريف.  

عليكم برسالة الإسلام السمحة، إسلام الرحمة والمحبة، دين يجمع ولا يفرق، يبني ولا يهدم، يسمو بالإنسان ويكرمه، ويغرس في النفوس مكارم الأخلاق، لا فوضى الشعار وفتنة الادعاء.  

من واجبكم تجاه وطنكم ودينكم أن تحملوا أمانة هذا الوطن، كما حملها الآباء والأجداد، فهي أمانة عظيمة لا ينهض بها إلا الأوفياء، أصحاب الفطرة النقية والضمير الحي. فحب الوطن فطرة مغروسة، وسكينة في النفس، ووفاء لا يخون. هو المكان الذي نستريح في أحضانه، ونشتاق إليه في حلنا وترحالنا، وندافع عنه في جميع الأحوال.  

فكونوا للوطن درعًا، وللدين نورًا، وللأخلاق رقيًا. واذكروا دومًا أن من حافظ على وطنه ودينه وعقله، فقد نال خير الدنيا والآخرة.  

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.  

---

شكرًا لكم، سعادة الدكتور خليفة الظاهري، على هذا الطرح الذي كشفت من خلاله كيف استغلت هذه الجماعة المفاهيم الدينية للوصول بها إلى مآرب سياسية. وإن فهمنا لهذه المنهجية يعد نقطة أولى ومرحلة أولية لاستعادة الخطاب الديني السليم. شكرًا لكم، دكتور.  

والآن، ننتقل إلى المحور الثاني: **الدولة الوطنية ومواجهة التآمر الإخواني**، يلقيها الأستاذ الدكتور رضوان نايف السيد، عميد كلية الدراسات العليا بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.  

**بسم الله الرحمن الرحيم**  
أيها الحضور الكريم،  
منذ زمن بعيد، يتآمر تنظيم الإخوان على الدولة الوطنية. منذ نشأته عام 1928 في مصر، سمّوا أنفسهم "جماعة الإخوان" وليس "جمعية الإخوان"، مما يعني أنهم ليسوا مؤسسة خيرية. استخدموا تعبير "جماعة"، وهو تعبير عريق يحيل إلى الإجماع، كأنهم ولاة أمر الشرعية التي لا تمثلها الدولة الوطنية الناشئة في مصر آنذاك.  

أرادوا استعادتها، ادعوا انحصار الشرعية في تنظيمهم، وواجهوا الدولة الوطنية باعتبارها فاقدة للشرعية بسبب التغريب. وقالوا إنهم يريدون استعادة الخلافة التي ألغاها قبل ذلك بأربع سنوات مصطفى كمال في تركيا. وأنشؤوا عام 1937 "التنظيم الخاص"، لممارسة العنف في مواجهة السلطات. كانوا يحسبون منذ البداية أنه يمكن أن يلجؤوا إلى القوة لإسقاط الدولة الوطنية.  

بعد شعار الخلافة، جاء شعار "تطبيق الشريعة" في ظل رؤية "الحاكمية الشاملة". وكل ذلك، من وجهة نظرهم، سعي إلى دولة الأمة التي يريدون إقامتها على أنقاض الدولة الوطنية التي بقيت خصمهم الرئيسي منذ قيام تنظيمهم.  

هؤلاء، من الأصل، تنظيم سياسي عقائدي، مثل التنظيمات التي كانت تظهر وقتها، كالتنظيمات اليسارية والشيوعية والفاشية في تلك الفترة العقدية. لكنهم، في جوهرهم، تنظيم سياسي ضد الدولة القائمة.  

في العقود الأخيرة، انكشفت نشاطات جديدة لهم عبر "التنظيم الدولي". فقد أنشأت حركات الإخوان تنظيمًا دوليًا مقره بريطانيا. كانت لهم، من جهة، أذرع في العقود الأخيرة مع التنظيمات الإرهابية التي انتشرت ونشأت الاضطرابات والعنف في البلدان العربية والإفريقية. في حين، استفاد التنظيم الدولي مما سُمي بحركات "الربيع العربي" وشعاراتها في الحرية والعدالة، وتحت شعار "الإسلام هو الحل"، حققوا مكاسب أولية في عدد من البلدان.  

وظل هدفهم هو ضرب بنية الدول، باعتبارها متغربة وجاهلية، كما اعتبرها سيد قطب. وحظي بدعم جهات أجنبية. لكن "التمكين" الذي تحدثوا عنه كان ضد مصالح الناس، وضد بناء الدول ومؤسساتها. ولذلك انهار في مصر وتونس، وتضاءل نفوذه في المغرب، وحُظِر أخيرًا في الأردن، لكنه ما زال يحاول الامتداد في سوريا والعراق وليبيا والسودان، أو يبقى حليفًا لتنظيمات إرهابية في عدة جهات.  

ما هي المشكلة بين الإخوان والدولة الوطنية؟  
يتستر الإخوان بغطاء ديني أيديولوجي، لكنهم في الحقيقة تنظيمات سياسية معارضة وعنيفة، مثل تنظيمات اليسار المتطرف السابق. ظهروا في فترة كانت العقائديات سائدة، يمينًا أو يسارًا، وهي تنتشر في كل مكان ترى فيه إمكانية استغلال، مثل التنظيمات الشيوعية سابقًا، لمشكلات اجتماعية أو اقتصادية. وعندما تحقق بعض النجاحات، يكون همهم هو "التمكين"، أي الاستقرار في السلطة.  

لكنها، في كل مكان، ورغم دعاياتها الكثيرة، تتوقف، وهي في الحد، عن شعار تطبيق الشريعة، فينتهي طموحها إلى التمركز في السلطة. هم تنظيم عقائدي لا يقول بالدولة الوطنية، بل بدولة الأمة الوهمية التي تبرر وحشيب الاستيلاء على السلطة. والمطمح الذي يتحدثون عنه كثيرًا، "استعادة الشرعية"، هو هذا.  

هكذا نرى أن حركات الإخوان لا تتقدم ولا تنجح إلا في البلدان التي تكون فيها السلطة ضعيفة، والبلاد تعاني من مشكلات صعبة. وفي كل مرة حقق هؤلاء بعض النجاحات، ازدادت الأوضاع سوءًا، لأنهم لا يملكون الخبرة ولا الطموح لإقامة دولة للاستقرار والازدهار، بل هي الشعارات الأصولية وحسب.  

دائمًا، في العقود الأخيرة، يجد الإخوان مشكلة يتسلقون عليها. وقد فشلوا ويفشلون، لكن الأعذار التي يريدونها لفشلهم تذكر فيها عمل النظام الدولي وتآمرُه. وإنما في العقود الأخيرة، كانت الدول الكبرى، أو بعضها، دائمًا معهم، فهم منتشرون في أوروبا وأمريكا، ويسيطرون على بعض المراكز الإسلامية والمساجد، وتتعاون معهم السلطات القائمة في كثير من الأحيان لثلاثة أسباب:  
- كسب الأصوات في الانتخابات.  
- ضبط خطب المساجد والمراكز.  
- التعاون الأمني.  

ولذلك، فإن الواقع أن الفشل السريع سببه انكشاف فحكمهم، وذهاب الأوهام بشأن نواياهم وخططهم. ينجحون في البلاد غير المستقرة، كما قلنا، بسبب إيهامهم للناس بحل مشكلاتهم، وهم لم يفعلوا شيئًا من ذلك. بدليل أنهم حكموا السودان ثلاثين عامًا، فأين هي إنجازاتهم العظيمة؟ ويسيطرون في غرب ليبيا منذ عام 2011، حيث تتحكم ميليشيات مسلحة في طرابلس حتى اليوم، وتنتشر بينها، بالإضافة إلى الفساد الشديد، الاشتباكات التي تشتد، مثلما تشتد في السودان.  

يسيطرون منذ عام 2011 في غرب ليبيا، فأين هو النجاح، وأين هو رضا الناس؟ وما معنى استعادة الشرعية؟ وكيف تكون الدولة التي يقولون إنها متغربة أنجح منهم بكثير في نشر الاستقرار، وفي التنمية المستدامة، وفي سلامة الناس والدين؟  

الإخوان يكرهون أكثر ما يكرهون الدول الوطنية الناجحة التي تتمتع بالاستقرار والازدهار، مثل دولة الإمارات. وهذه الحملة على دولة الإمارات الآن إنما هي بسبب النجاح، والذي يجعل من المستحيل عليهم أن تكون لهم شعبية، أو أن تنجح لهم مؤامرة في حالة مثل الحالة التي نتحدث عنها.  

لا يستطيعون استغلال المشاكل، ولذلك يلجؤون إلى العقائديات والاستراتيجيات، فينشرون الانشقاقات في الدين، أو يشككون في الهوية الوطنية أو العناصر الدينية فيها.  

 **بسم الله الرحمن الرحيم**

أصحاب السعادة، السادة الأساتذة الأفاضل، طلبتنا الأعزاء، الحضور الكريم،  
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

إننا نجتمع اليوم في هذه الندوة العلمية لنؤكد على حقيقة جوهرية: الدين ليس حكرًا على جماعة أو تنظيم، ولا يحتاج إلى وصاية من أحد لتطبيقه. الدين في جوهره عقائد وعبادات وأخلاق ومعاملات، متجذر في مجتمعاتنا، مزدهر في دولنا، يعزز قيم المواطنة والهوية الوطنية والعيش المشترك. إنه قوة ناعمة تحفظ الاستقرار وتنشر السلام، لا أداة للتمرد أو التخريب.

**أيها الحضور الكريم**  
إن استغلال الدين للتشكيك في شرعية الدولة الوطنية أو لإثارة الفتن يُعد خيانة للدين قبل الدولة. إن الإخوان المسلمين، ومن خلال خطابهم المغشوش، حولوا الدين إلى أداة سياسية لتحقيق أطماع سلطوية، فأنتجوا انشقاقًا وفوضى في مجتمعاتنا. لقد رأينا كيف تسببوا في تشرذم المجتمعات في ليبيا وسوريا والسودان، وكيف عملوا على تفكيك الوحدة الوطنية باسم الدين.

الدين ليس شعارًا للثورة على العالم، ولا دعوة للعداء ضد الآخر. إنه دعوة للسكينة والتعايش والأمن. إن الإخوان، سواء في بلداننا أو في المهجر، يتسترون بأقنعة الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكنهم في الحقيقة يسعون إلى هدم الدول الوطنية وتهديد استقرارها. تقرير فرنسي حديث كشف عن تهديدهم للأمن الفرنسي، والأردن منعت تنظيمهم بعد ثبوت تحريضهم على العنف. هذه ليست دعوة دينية، بل مؤامرة سياسية عقائدية.

**إخوتي وأخواتي**  
إن الحفاظ على الوطن والمواطنة والاستقرار هو حرص على ديننا من التشويه. واجبنا كمؤسسات دينية وجامعات ومثقفين وعاملين في المجال المدني والتربوي أن نصنع البدائل. علينا أن نقدم خيارات فكرية وثقافية تجتذب شبابنا، تحصنهم من التطرف، وتفتح أمامهم آفاق الحاضر والمستقبل. الدين قوة ناعمة، ويجب أن يظل كذلك، يجمع ولا يفرق، يبني ولا يهدم.

إن دولة الإمارات العربية المتحدة تقدم نموذجًا رائدًا في مواجهة التطرف والإرهاب، من خلال تعزيز الخطاب الديني المعتدل، وإنشاء مؤسسات مثل جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، التي تعمل على استعادة الفهم السليم للدين، وتحصين الوعي الوطني، ونشر قيم التسامح والأخوة الإنسانية.

**أيها الطلاب والطالبات**  
أنتم أمل الأمة ومستقبلها. تحصنوا بالعلم والمعرفة، تمسكوا بهويتكم الوطنية، وحافظوا على دينكم من الاستغلال. كونوا درعًا للوطن، ونورًا للدين، ورافعين لقيم الأخلاق والتعايش. إن الوطن أمانة، والدين رسالة سلام، فاحملوا هذه الأمانة بصدق ووفاء.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

---

**شكرًا لكم**، أيها الحضور الكريم، على هذا النقاش العميق. ننتقل الآن إلى المحور التالي: **الإخوان المسلمون وتحديات الأمن الفكري**، يلقيه الدكتور عدنان إبراهيم، مستشار مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية. فليتفضل مشكورًا.

**بسم الله الرحمن الرحيم**  
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.  
سعادة مدير الجامعة الموقر، حضرات الأستاذات والأساتذة، إخوتي الطالبات والطلاب،  
أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

لن تكون هذه الكلمة القصيرة أكثر من إلماعات وإيقاظات تشير ولا تبلغ، تمثل ولا تستقصي. أبدأ بالإشارة إلى أن هذه الجماعات الإسلامية السياسية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، لم تنخرط عبر تاريخها الطويل -الذي قارب الآن مئة سنة- مع مرجعيات المسلمين العلمية في جدل علمي حقيقي. بل كان موقفها يتمثل في اختزال الحكم على هذه المرجعيات، أزهرية كانت أم غير أزهرية، بأنها "علماء سلطان". 

تلك شكاية ظاهر عنك عارها! ليست المسألة أن يكون العالم عالم سلطان أو غير سلطان، بل المسألة هي: ما هو هذا السلطان؟ البحث في ماهيته هو الأساس. ففي حالات غير نادرة، ينبغي على العالم أن يكون عالم سلطان بالفعل، بمعنى أن يقف مع قيادته، مع السلطة الحاكمة، مع حكومته ودولته، ليعزز الأمن والاستقرار. 

إن معظم انخراط هذه الجماعات كان ولا يزال مع من يدعونهم أعداء المشروع الإسلامي: العلمانيين، الليبراليين، الاشتراكيين، اليساريين، وغيرهم. هذه مسألة مهمة. لذا، علينا كمسلمين أن نتحمل المسؤولية مباشرة، وأن نعمد إلى واجبنا غير مترددين، فننخرط معهم مباشرة لنفكك خطابهم المضلل والضال في الوقت ذاته، لنفتك الجماهير، الشباب والشواب، الذين ينخدعون بحسن نية وقصد، ثم يكون مصيرهم أن يصبحوا قرابين تُحرق وتُذبح على مذبح الهوس السلطوي وإرادة الهيمنة التي أخذت بتلابيب منظري وقادة هذه الجماعات.

إن البداية تكون بضرب الأسس والأركان. اضرب الأسس والأركان يتداعى البنيان. لا بد أن نذهب مباشرة إلى الأسس والأركان، لا إلى اللوازم والتوالي. فهذه الجماعات حاذقة جدًا وماهرة في المراوغة الفكرية والعلمية، يقولون: "هذا لا يلزمنا"، "هذا تصرف غير مسؤول"، "هذا يخالف أصول الجماعة". إذا لم تستطع مواجهتهم رأسًا برأس، فاذهب إلى الأركان مباشرة، وكن جريئًا وواضحًا.

الركن الأول: الخلافة. تعلمون كم يدندنون حول هذه المسألة، بل هي الأساس والركن الركين في مشروعهم المهووس بالسلطة. حسن البنا، في رسالة المؤتمر الخامس، يصرح دون تردد أو تأثم أو تحرج أن الحكومة -أي الخلافة أو السلطة أو الشأن العام- من أركان الإسلام. وكما أقول دائمًا، يتفق مع الشيعة الإمامية في هذا، ويفترق عن جمهور أهل السنة والجماعة عبر أعصارهم كلها.

القرآن الكريم عبر عن هذا بلفظ "الأمر". ومن العجب أن الله تبارك وتعالى يخاطب حبيبه ونجيبه بقوله: **"فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر"**. لو كان الأمر يعني الخلافة أو الدولة أو الحكومة أو السلطة السياسية، فما معنى المشاورة فيه؟ أليس كذلك؟ لا مشاورة! حسن البنا كان يفهم أن الأمر لا مشاورة فيه. والعجيب أنه تنزل أكثر من هذا، فجعل أمره -سلطته على أتباعه وجماعته- أمرًا لا يقبل النقاش. 

إذا قرأتم بعض ما كتب في رسائله، لأخذ منكم العجب! يطلب طاعة مطلقة دون أدنى تردد، يقول: "لي عليكم حق الأب على ابنه، وحق الأستاذ على المتعلم، وحق الشيخ على المريد، وحق القائد العسكري على المجند". كل هذه الحقوق! عجيب غريب! حسن البنا شخصية استحواذية، إقصائية، مرعبة، عكس ما يُصور تمامًا. 

أنا رعبت حين أعدت قراءة أدبيات هذا الرجل، والله مما وقفت عليه! لكن حين تقرأها بعين الرضا أو الانخداع، لن ترى هذه الأشياء، ستمر عليها وكأنها غير موجودة. وثّق جمال البنا، أخوه الأصغر، أن حسن البنا كتب لأخيه عبد الرحمن -الذي كان يصغره ببضع سنوات وكان موهوبًا، كاتبًا مسرحيًا وشاعرًا- يقول: "عليك أن تثق برأيي أكثر مما تثق برأيك". والأعجب: "وعليك أن تثق بعملي أكثر مما تثق بعملك". كيف أثق بعملك أكثر مما أثق بعملي؟ هذا يتعدى إلى النية والضمائر! 

هذا فاشية! حسن البنا، شأنه شأن أبي الأعلى المودودي، كانا يحبذان الفاشية ويتأثران بها في الأدبيات، في الزي العسكري، حتى في الكلمات. المودودي كان يحبذ مصطلح "الشمولية" (Totalitarianism)، شيء غير طبيعي! كان يعتبره من ممادح الفكر الإسلامي الذي يصوغه، بحيث يصبح هذا الفكر سجنًا حديديًا لا يخرج عنه صغير ولا كبير، لا هنات ولا فواحش. 

هذه الطاعة المطلقة جعلت هؤلاء مستعدين لسفك الدماء المعصومة، وانتهاك الحرمات، ومن أعظم الحرمات حرمات الأوطان، دون تردد أو تحرج. لماذا؟ لأن وراءهم الطاعة المطلقة. الإمام أمر، المرشد أصدر أمره، فينهدون تمامًا على طريقة الحشاشين. 

سيد قطب، المراوغ الأكبر، وصف حسن البنا قبل انضمامه إلى الجماعة بأنه "حسن الصباح". لكن مصطفى النحاس باشا، زعيم حزب الوفد، وصفه وصفًا لا يبعد عن حقيقته، قائلًا: "يا شيخ حسن، اترك هذه المسائل السياسية التي لا تحسنها، وإلا بطلت تكون الشيخ حسن البنا، وهتصير الشاطر حسن". 

والسلام عليكم ورحمة الله.

---

**شكرًا لك**، دكتور عدنان إبراهيم، على هذه الكلمة الرائعة. ننتقل الآن إلى المحور الثالث: **الإخوان المسلمون والتهديد الفكري**، يلقيه الدكتور خالد ميار الإدريسي، عضو الهيئة التدريسية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية. فليتفضل مشكورًا.

**بسم الله الرحمن الرحيم**  
والصلاة والسلام على أشرف خلق الله.  
أيها السادة الكرام،  
إن تناول هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل وتمعن، وسأكتفي هنا بإيراد بعض المعالم. أبدأ بمفهوم العقيدة السياسية للجماعة، التي استنبطتها من تحليل الخطاب وتشريح البنية الذهنية. 

أولًا: الجماعة تسمي نفسها "جماعة المسلمين"، وتحتكر هذا التمثيل.  
ثانيًا: تدعي الاصطفائية والعناية الإلهية، وهذا موجود في نصوصها.  
هذه المرتكزات تبني ما نسميه بالدغمائية السياسية الدينية، التي هي في الحقيقة دغمائية سياسية صرفة، تلتقي مع تنظيمات أخرى خرجت من عباءتها أو تشابهت معها، مثل: إدارة التوحش بالعنف الفائق، مخالفة ضوابط التدبير الأخلاقي للشأن العام، ممارسة الارتزاق الحربي الديني، والسعي إلى ما تسميه "التمكين العالمي"، الذي يقابل مفهوم "مواجهة الأمم" في الاصطلاح الداعشي، مع التركيز على مواجهة العدو القريب -أي الأنظمة القائمة- وتأجيل المواجهة مع العدو البعيد، وهو الأنظمة والقوى الدولية.  
رابعًا: مبدأ علانية العمل وسرية التنظيم، وهو مبدأ موثق في كتاباتهم، مثل كتاب "فتحي يكن".

أشير هنا إلى مسألة أكاديمية: تم إهمال الجانب الجيوسياسي للجماعة لصالح التركيز على أنماط تحليل أخرى. هناك مجالات جديدة تستحق الاهتمام، مثل التهديدات الهجينة، التي أصبحت معتمدة في مؤشر نورماندي السنوي، والمقاربة الجيوثقافية التي تتحدث عن تشكيل الصمود الجيوثقافي وتغيير البنى الجيوثقافية من خلال نسف مشروعية الدولة الوطنية.

أتحدث عن استراتيجيتين: الاختراق من فوق والاختراق من الأسفل.  
**الاختراق من فوق**: يتمثل في النفاذ إلى دوائر القرار السياسي، ممارسة "الهمس الاستشاري"، إعاقة مشاريع التنمية، خلق احتقان سياسي، تبخيس نجاحات الدولة، عقد تحالفات سياسية داخلية وخارجية، الابتزاز السياسي، وتصميم العلاقات الخارجية لإعاقة مكاسب الدولة.  
**الاختراق من الأسفل**: يشمل التسرب إلى قنوات التعليم، الاستيلاء على جمعيات المقررات الدراسية، استقطاب الأطر الإخوانية، فرض مساقات تخدم أجندتهم، ممارسة الرقابة على المعرفة النقدية، اختطاف مفهومي الاعتدال والتطرف، واستغلال العمل الخيري.

التقرير الفرنسي الأخير يتحدث عن هذا النموذج للاختراق، مع تدابير لمراقبة التحويلات المالية، والتدقيق في المدارس والأندية الرياضية. أحيلكم إلى كتب مثل "Le Projet" لألكسندر ديفالي، و"Mosque in Munich"، التي تكشف التاريخ السري لهذه الأجندات.

إن نقد هذه الجماعات يندرج ضمن الحفاظ على بصمة الدولة الحضارية، وبناء مناعة جيوثقافية ودينية، والانتقال من جيوسياسة الرعب إلى جيوسياسة التعارف الإنساني.

والسلام عليكم ورحمة الله.

---

**شكرًا لك**، دكتور خالد ميار الإدريسي، على هذا التحليل العميق. ننتقل الآن إلى المحور الختامي: **الحاكمية عند الإخوان وخطاب التضليل**، يلقيه الدكتور يوسف حميتو، عضو الهيئة التدريسية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية. فليتفضل مشكورًا.

**بسم الله الرحمن الرحيم**  
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه.  
بداية، أتقدم بالشكر الجزيل لدولة الإمارات العربية المتحدة على إقامتها هذا الصرح العظيم، جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، التي -باعتراف أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين في لقاءات جمعتني بهم- تمثل حائط صد ضد مشروعهم وأفكارهم. أشكر أيضًا جامعتنا وسعادة مديرها الدكتور خليفة مبارك الظاهري على هذه الندوة القيمة.

يمثل مفهوم الحاكمية حجر الزاوية في الخطاب السياسي للإخوان المسلمين، وقد تحول من فكرة إلى أيديولوجيا متكاملة تؤسس لرؤية سياسية تدعي الاستناد إلى التراث. لكن التحليل النقدي يكشف فجوة عميقة بين المفهوم كما طُرح وبين أصوله في التراث السياسي الإسلامي، خاصة عند الماوردي والجويني. تهدف هذه المداخلة إلى تفكيك مفهوم الحاكمية، وكشف أساليب التضليل المنهجي والمعرفي في توظيفه، من خلال محاكمته إلى التراث السياسي الإسلامي الأصيل، عبر ثلاثة محاور:  
1. جينالوجيا مفهوم الحاكمية.  
2. مظاهر الانحراف المنهجي في مفهوم الحاكمية الإخواني.  
3. استراتيجيات التضليل الخطابي الإخواني.

عند مراجعة التراث السياسي الإسلامي، نجد غياب مصطلح الحاكمية بصيغته المعاصرة في أدبيات القرون الوسطى وما بعدها. هذا الغياب يعكس تحولًا جذريًا في المنهجية والدلالة والمقاصد، والنظرة إلى العلاقة بين الدين والسياسة، النص والواقع، الإنسان والسلطة. الماوردي في "الأحكام السلطانية" يستخدم مصطلح الإمامة، ويعرفها بأنها "موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا". والجويني في "غياث الأمم" يستخدم مصطلحات الإمامة والولاية والسلطان، ويتحدث عن نصب الإمام، لكنه لا يتحدث عن تحكيم الشريعة.

إن مقارنة بسيطة تفضي إلى نتيجة: الحاكمية تخرج الدين من كونه مرجعية أخلاقية وتشريعية مرنة إلى كونه مشروعًا سياسيًا كليانيًا لا يقبل التعدد أو التدرج، وتجعل الدولة سلطة تنفيذية مطلقة باسم الإله، وتحول الحكم المدني إلى أصل من أصول التوحيد، وهو ما لم يقل به أحد من أئمة أهل السنة. 

سيد قطب يقول في "معالم في الطريق": "قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده هو ذاته الإسلام، وليس للإسلام مدلول سواه". هذا الخلط له آثار معرفية وعملية. معرفيًا، يجر إلى تديين السياسة وتأليه السلطة، فيصبح الحاكم ممثلًا للإله، ومعارضته نقدًا للإيمان. عمليًا، يؤدي إلى تكفير المجتمعات، وتحويل الخلاف السياسي إلى صراع ديني لا يقبل الحوار.

الانحراف المنهجي يتجلى في الخلط بين المجالين الديني والسياسي. الماوردي يوضح الفرق بين الوظائف الدينية والسياسية للإمام، قائلًا: "إذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة، فقد أدى حق الله تعالى، ووجب له حقان: الطاعة والنصرة". هذا يؤكد الطابع التعاقدي للإمامة، بينما سيد قطب يخلط بين المجالين، جاعلًا قبول الحاكمية شرطًا للإسلام.

من مظاهر الانحراف: غياب العلماء في قيادة الجماعة، الجمود النظري عند كتابات البنا وقطب، وكبرياء المراجعة. كذلك، فصل المقاصد عن أصول الفقه، واعتماد المقاصد بدل الضبط الأصولي، مما يفتح الباب لتسييس الفتاوى وتبرير السلوكات السياسية.

استراتيجيات التضليل تشمل: الثنائيات المتعارضة (حاكمية الله مقابل حاكمية البشر، دار الإسلام مقابل دار الكفر)، الانتقائية في الاستدلال، وقلب العلاقات الاستدلالية، حيث تنتقى النصوص أولًا ثم تستدعى المقاصد لتبرير الاختيارات الحركية.

ختامًا، العودة إلى التراث السياسي الإسلامي تكشف خيانة الفكر الإخواني للدين والتراث والمجتمعات، وإنتاجه خطابًا سياسيًا تدميريًا يقدم مصلحة التنظيم على مصلحة الوطن.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

---

**شكرًا لكم**، دكتور يوسف حميتو، على هذا التفكيك النقدي. وإلى هنا نصل إلى ختام هذه الندوة الرائعة والمهمة جدًا في بيان خطر هذه التنظيمات على أمن واستقرار المجتمعات والدول. نشكر جميع المساهمين والأساتذة الأفاضل الذين أثروا هذه الندوة بطروحاتهم العميقة، وبينوا أن هذه الجماعة تستغل الدين وتتلبس بلباسه للوصول إلى مآرب سياسية، فهمهم ليس دينيًا بل سياسي يستهدف السلطة.  
شكرًا لكم، حضورنا الكريم ومشاهدينا الكرام، على حضوركم ومتابعتكم. إلى لقاء قادم بعون الله.  

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة