المختار الشنقيطي (١): شروق الشرق وغروب الغرب

**بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله**  

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،  
حياكم الله وبياكم، وشكر الله لأخينا الكريم محمد التميمي على هذه الدعوة الكريمة للقاء هذه الوجوه الطيبة، وشكر الله لكم جميعًا على حضوركم ومشاركتكم معنا الليلة.  

الموضوع الذي أريد مناقشته معكم الليلة بعنوان: **"شروق الشرق وغروب الغرب"**، وهو عنوان دراسة نشرتها منذ نحو سنتين أو ثلاث عن تحولات النظام الدولي التي نعيشها اليوم وآثارها على العالم الإسلامي. طبعًا، للاعتراف لأهل الفضل بفضلهم، العنوان ليس من ابتكاري، وإنما هو مقتبس من مقال كتبه منذ نحو تسعين عامًا الكاتب المصري العظيم أحمد حسن الزيات في مجلة "الرسالة" التي كان يصدرها. كتب مقالًا بعنوان "في سبيل فلسطين" حينما أحس أن الإنجليز بدأوا يعدون العدة لتسليم فلسطين لليهود، فقال: "وفلسطين كانت منذ أنشأها الله بلاءً على المعتدي، وشؤمًا على الظالم، وقد التقى عندها الغرب والشرق مرة في عهد عمر، ومرة في عهد صلاح الدين، فكانت العاقبة في كلتي المرتين غروب الغرب وشروق الشرق".  

هو يقصد أن فلسطين هي عقدة الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية، وأنها في كل الصراعات التاريخية الكبرى حول فلسطين انتهت العاقبة لشروق الشرق وغروب الغرب، يعني لنهضة الشرق الإسلامي وانحسار الغرب المسيحي. خلاصة ما نريد أن نتحدث فيه، أولًا، نشير إلى الأطراف الفاعلة والأطراف المنفعلة على مستوى المنظومة الدولية اليوم، وإلى انبعاث الثنائيات القديمة في العلاقات الدولية. لما نشير إلى العملاق الصاعد، الذي هو الهم الأهم لكل المفكرين الاستراتيجيين اليوم، وهو الصين، وأيضًا الصحوة الروسية—الصحوة الدينية والقومية—التي تعيشها روسيا اليوم. بعد ذلك، نتحدث عن بنية العالم الإسلامي من ناحية الجغرافيا السياسية، وإشكالية الهند باعتبارها دولة كبرى تنتمي إلى الشرق مكانًا وإلى الغرب وجدانًا. لما نرى، في الخلاصة، ما هي الخيارات الاستراتيجية الكبرى أو المسارات المنفتحة أمام العالم الإسلامي في ظل هذه التحولات الكبرى في النظام الدولي؟  

**أولًا: انبعاث الثنائيات القديمة**  
عالم الجغرافيا السياسية الكبير جمال حمدان يتحدث عن الصراع بين الفلاحين والملاحين—بلغته الجميلة التي يستعملها—يقصد الصراع بين القوة البرية الكبرى والقوة البحرية الكبرى. هذه الثنائية هي إحدى ثنائيات الجغرافيا السياسية. هناك دائمًا صراع بين القوة البرية والقوة البحرية. القوة البرية المقصود بها بالأساس الإمبراطوريات الآسيوية الكبرى، سواء الإمبراطورية المغولية، أو الإمبراطورية الصينية القديمة، أو حتى الاتحاد السوفيتي والصين المعاصرة. هذه تُسمى القوة البرية الكبرى. أما القوى البحرية الكبرى فهي تاريخيًا الإمبراطوريات الرومانية واليونانية، وفي العصر الحديث الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر، والأمريكية التي ورثتها في القرن العشرين. يعني، المجال الأطلسي—أوروبا والولايات المتحدة—هذه هي القوة البحرية الكبرى.  

هذه من الثنائيات القديمة التي بدأت تنبعث اليوم. هي تنبعث من وقت لآخر، صراع بين القوة البرية الكبرى والقوة البحرية الكبرى، ويبدو أننا ندخل اليوم مرحلة من مراحل هذا الصراع.  

الثنائية الثانية المهمة هي الصراع بين القوة الصاعدة والقوة السائدة. دائمًا في النظام الدولي توجد قوة صاعدة وقوة سائدة. فالقوة الصاعدة تريد أن تخترق السقف وتنتزع لنفسها مكانًا في النظام الدولي، والقوة السائدة لا تسمح بذلك، كأنها تضع سقفًا لهذا الصعود. هذا الصراع بين القوة السائدة والقوة الصاعدة هو فكرة ثنائية قديمة تحدث عنها المؤرخ اليوناني ثوسيديدس منذ 2500 عام في توصيفه للصراع بين أثينا وإسبرطة. قال إن الصراع المزمن بينهما سببه هو صراع بين قوة سائدة وقوة صاعدة. فأصبحت هذه الثنائية متناولة لدى علماء الجغرافيا السياسية والدراسات الاستراتيجية.  

اليوم، نحن نعيش صراعًا بين قوة صاعدة—وهي الصين على المستوى الدولي—وقوة سائدة—وهي الولايات المتحدة. طبعًا، الصين قال عنها نابليون منذ بداية القرن التاسع عشر: "دعوا الصين تغط في نومها، لأنها إذا استيقظت ستزلزل العالم". نابليون كان يدرك القوة الكامنة في هذا العملاق الصيني. وطبعًا، الصين في بداية القرن التاسع عشر لم تكن شيئًا مذكورًا. وبعد ذلك، احتلتها بريطانيا واليابان، وعذبها المستعمرون تعذيبًا. لكنها استيقظت في نهاية المطاف في بداية القرن الحادي والعشرين.  

أيضًا، ماكيندر—وهو من كبار منظري الجغرافيا السياسية البريطانيين—حذّر في بداية القرن العشرين مما دعاه "الخطر الأصفر" الصيني. وفي بداية القرن الحادي والعشرين، توجد أصوات كثيرة في الغرب تحذر من صعود الصين. يعني، لا يكاد أي كاتب من المنظرين الاستراتيجيين الأمريكيين يتحدث عن شيء أكثر مما يتحدث عن صعود الصين. رأينا كلمة "الصين" تتردد على ألسنتهم كل يوم. فنحن أمام ما سماه البروفيسور جون ميرشايمر—أحد كبار منظري العلاقات الدولية بجامعة شيكاغو الأمريكية—"العاصفة الصينية المتحفزة" (Chinese Driven Storm). إن الصين عبارة عن عاصفة تتحفز لكي تضرب.  

طبعًا، هذا الصعود الصيني نراه في التكنولوجيا، نراه في السلاح، نراه في الاقتصاد. خلال الأربعين سنة الماضية، منذ أن تولى دينغ شياو بينغ قيادة الصين منتصف الثمانينيات، بدأ بنهضة اقتصادية هائلة، ثم بدأت نهضة تكنولوجية، ثم بدأت تترجم هذه النهضة الاقتصادية والتكنولوجية إلى إرادة عسكرية وسياسية وبحث عن مكان في المنظومة الدولية.  

هناك قراءات متعددة لصعود الصين. الصينيون أنفسهم يقدمون صعودهم على أنه يعني خيرًا للجميع وليس فيه خطر على أحد، ويقولون: "يا ناس، نحن طيبون، وبالنسبة لصعودنا، سيكون مجرد إعادة توازن للنظام الدولي، وليس خطرًا لا على الأمريكيين ولا على الأوروبيين". يتحدثون بلغة لطيفة. لماذا؟ لأن عندهم من الدهاء السياسي ما يجعلهم يدركون خطورة أن تصطدم القوة الصاعدة قبل الأوان بالقوة السائدة. كثير من القوى الصاعدة في التاريخ اصطدمت بالقوى السائدة قبل الأوان، فتُدّ قوتها وتحطمت، تعاني مما أسميه "الانكسار في عنق الزجاجة". يعني، بعدما وصلت إلى عنق الزجاجة، كادت تخرج، تكسر الزجاجة وتنكسر هي فيها.  

وهذا حدث حتى في دولنا العربية المعاصرة، في دول العالم الإسلامي. مثلًا، دولة مثل العراق وصلت إلى شيء بعيد في التصنيع العسكري، ثم حُطمت. مصر وصلت إلى شيء لا بأس به قوي أيضًا في التصنيع العسكري في فترة معينة، سوريا كذلك. لكن هذا كله ذهب، لأن القوى الصاعدة تحتاج إلى عقل سياسي حذر، وأوله ألا تصطدم بالقوة السائدة قبل أن تستكمل بناء قوتها.  

على كل حال، الصينيون يتحدثون بهذه اللغة: "نحن ناس طيبون، وما عندنا مشكلة مع الأمريكيين والأوروبيين، ونتقاسم معكم المنافع والمصالح، ولسنا في صراع معكم كما كان الاتحاد السوفيتي". يفكرون بهذا العقل الصيني الذي فيه دهاء وذكاء سياسي، ولذلك يحاولون ألا يصطدموا بأي طرف حتى يكملوا الحصانة الاستراتيجية التي تمكنهم من متابعة الصعود.  

هناك قراءة أخرى لصعود الصين قدمها عالم السياسة الأمريكي غراهام أليسون في كتابه **"الحرب الحتمية"**، وهو يجادل بأنه لا مناص من صراع، صدام حتمي، بين القوة الصينية الصاعدة والقوة الأمريكية السائدة. ويقول إن هذه سنة التاريخ. ماذا فعل في كتابه؟ قام باستقراء لتاريخ ست عشرة قوة صاعدة في التاريخ منذ أيام اليونان والرومان، وقال إن هذه الست عشرة قوة صاعدة، اثنتا عشرة منها اصطدمت بالقوة السائدة، وأربع فقط هي التي لم تصطدم بالقوة السائدة. وبالتالي، هذا هو قانون التاريخ، والصين في النهاية ستصطدم بالولايات المتحدة. هذه نظرية أليسون.  

رد عليه رئيس وزراء أستراليا السابق، المفكر السياسي المتخصص في الشأن الصيني، كيفن راد، في كتابه **"الحرب غير الحتمية"** حول العلاقات الأمريكية الصينية. يقول كيفن راد إنه ليس بالضرورة أن تصطدم الصين والولايات المتحدة، ويمكن للدولتين أن تتعايشا وتتقاسما النفوذ الدولي. طبعًا، هو أسترالي، وأستراليا لها مصلحة خاصة في هذا الكلام. جغرافيًا، هي من آسيا، وثقافيًا، هي من الغرب. فهم يخافون أن يقعوا في تقاطع النيران بين أمريكا والصين. جغرافيًا، هم قريبون من الصين، لكنهم ثقافة وانتماءً وتربية دولة غربية. وأخشى ما يخشونه هو أن يقع الصدام بين الصين والولايات المتحدة، فيكونون ضحية من ضحايا المعركة بين الدولتين. فهو يقول هذا إما اقتناعًا وإما مصلحة لبلده. طبعًا، هو سياسي، كان رئيس وزراء، وهو الآن سفير أستراليا في الولايات المتحدة.  

وهناك نظرية جون ميرشايمر—الذي بدأنا به، صاحب تعبير "العاصفة الصينية المتحفزة". هذا عنده نظرية في العلاقات الدولية تُسمى **الواقعية الهجومية**. الواقعية الهجومية تقول إن أي قوة دولية صاعدة تبدأ أولًا بالهيمنة الإقليمية، ثم تتوسع دوليًا. يأتي بمثال من تاريخ الولايات المتحدة، يقول: الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر كان كل جهدها منصبًا على السيطرة على القارة الأمريكية، وليس التأثير في العالم في آسيا وأوروبا. فكانت تتبع ما يُسمى **عقيدة مونرو**. مونرو هو رئيس أمريكي في ذلك الزمان، عنده مبدأ أو عقيدة سياسية اشتهرت باسم عقيدة مونرو، يقول إن القارة الأمريكية يجب أن تكون حكرًا على النفوذ الأمريكي، ويجب على كل قوة دولية أن تخرج من القارة الأمريكية. فاستطاع أن يطرد كل الأوروبيين من القارة الأمريكية—البرتغاليين، والإسبان، والفرنسيين، والإنجليز طبعًا، وغيرهم.  

فالولايات المتحدة في القرن التاسع عشر ركزت على الهيمنة الإقليمية، يعني السيطرة على القارة الأمريكية، وفي القرن العشرين اندفعت للسيطرة على العالم. فجون ميرشايمر يقول إن أي قوة دولية تبدأ أولًا بالهيمنة الإقليمية، ثم تتوسع إلى الهيمنة العالمية. والصين الآن هي في طور الهيمنة الإقليمية. يقول: الصين الآن، مثلًا، تريد ضم تايوان، تريد أن تتوسع في آسيا الوسطى على حساب النفوذ التقليدي السوفيتي والروسي، تريد أن تتمدد في بحر الصين الجنوبي، تريد أن تتمدد في بحر الصين الشرقي، تريد أن تتمدد حتى في بحر الشمال، فكأنها تعانق الكرة الأرضية كلها، وعلى الأقل آسيا وإفريقيا وأوروبا للسيطرة عليها. وبعد ذلك، سيكون لها حساب مع الولايات المتحدة.  

المفكر السنغافوري كيشور محبوباني له أيضًا تفسير أو نظرية في موضوع صعود الصين. هو يقول إن صعود الصين أمر لا مفر منه، وينصح الأمريكيين والغربيين أن يتعايشوا مع واقع صعود الصين، وهذا أمر حتمي لا مناص منه. الأفضل لكم أن تكيفوا مصالحكم مع الواقع الجديد بدلاً من محاولة الوقوف في وجهه. فكأنه ينصحهم بقول المتنبي: "ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوًا له ما من صداقته بد". يقول: الصين عدو لكم، لكن ليس هناك بد من صداقتها، والأفضل أن تقبلوا، حتى وإن كان في ذلك نكد وتعب.  

محبوباني كتب عدة كتب عن صعود الصين، منها كتاب **"هل فازت الصين؟"**، وكتاب **"الغرب سيخسر"**، وكتاب **"القرن الحادي والعشرون الآسيوي"**، وعدة كتب أخرى. المهم أن صعود الصين هو الهم الأهم الآن عند الجميع، وكل يفهمه ويؤوله على طريقته، لكن الجميع متفقون أن صعود الصين واقع مطلق في النظام الدولي، وهذا ما نسميه هنا **شروق الشرق**.  

أنا لا أقصد بشروق الشرق هنا ما قصده الزيات عام 1936 و1938، كان يقصد الشرق الإسلامي. وأنا هنا أقصد الشرق الأوراسي، يعني الشرق الصيني الروسي، أو القوة البرية الكبرى.  

**دعونا ننظر إلى تقييم القوة الصينية**  
القوة الصينية من أوجه القوة فيها: أولًا، أنها حققت معجزة اقتصادية خلال الأربعين سنة الماضية. لديها طموح استراتيجي، لديها حصانة نووية—عندها سلاح نووي—، تملك حق النقض في مجلس الأمن الدولي. هذه أهم الأوراق التي تملكها الصين.  

أما نقاط الضعف للقوة الصينية فهي: الانطواء التاريخي. الثقافة الصينية ثقافة منغلقة، ليس لها إشعاع على الآخر. يعني، كم واحد منا هنا يتكلم اللغة الصينية؟ كم في المئة؟ صفر. كم منا يتكلم الإنجليزية أو يفهمها؟ غالبًا الأكثرية. فالصين ليس لديها إشعاع ثقافي، بخلاف دول الغرب، خصوصًا الأنجلوساكسون. حتى الفرنسيون والألمان أكثر إشعاعًا ثقافيًا. كم يتكلم الفرنسية هنا؟ يا جلال، أنا وأنت بس؟ شيخ مختار ممكن؟ أيوه، أربعة، ما شاء الله، أحسن من الصين. حتى الفرنسيون أقوى إشعاعًا ثقافيًا من الصين.  

الصين عندهم انطواء تاريخي، عندهم ضعف الجاذبية الثقافية، وعندهم انعدام الخبرة الاستعمارية. هذا طبعًا خبر طيب بالنسبة لنا، نحن الذين نخاف من الاستعمار. فهم لا يملكون الخبرة الاستعمارية التي عند الغربيين. هؤلاء عندهم خبرة خمسة قرون منذ أن جاء فاسكو دا غاما إلى الخليج وبحر العرب، لف حول جنوب إفريقيا في نهاية القرن الخامس عشر. يعني، أكثر من خمسة قرون، الغربيون يجوسون خلال الديار وبنوا خبرة هائلة في السيطرة واللعب بساحات الداخل وفي السيطرة على الشعوب.  

**طيب، انتهينا من الصين، ننتقل إلى روسيا**  
روسيا تعيش صحوة دينية قومية مرة أخرى. لما جعلنا العنوان "شروق الشرق وغروب الغرب"، نقصد بالشرق الشرق الأوراسي، يعني الشرق الذي يشمل روسيا والصين وما يدور في فلكهما. هذه المنطقة التي تُسمى أوراسيا. أوراسيا طبعًا كلمة مركبة: أوروبا وآسيا، يعني الجزء الشرقي من أوروبا زائد آسيا. ونقصد بالغرب المجال الأطلسي: ضفتي المحيط الأطلسي—أوروبا وأمريكا الشمالية.  

روسيا هي قلب أوراسيا، وروسيا حقيقة دولة ذات تركيب خاص من منطقة الجغرافيا. روسيا دولة ضخمة من ناحية المساحة. الاتحاد السوفيتي السابق كانت مساحته سدس اليابسة، سدس الكرة الأرضية. طبعًا، اليابسة، في دولة واحدة—الاتحاد السوفيتي. حتى بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، لا تزال روسيا ضخمة، أوسع دولة مساحة على وجه الأرض.  

لكن روسيا تعاني مما سماه جورج كينان—وهو المفكر والدبلوماسي الأمريكي—عدم الإحساس بالأمان في العقل الروسي. لماذا؟ لأن روسيا بلاد منبسطة، ليس لديها أي حصانة جغرافية، لا تحميها بحار ولا تحميها جبال، لا من الغرب ولا من الجنوب ولا من الجنوب الشرقي. يعني، الحماية الوحيدة عندها هي في المتجمد الشمالي. ولذلك، غزتها أمم أخرى كثيرًا. طبعًا، غزاها المغول من الجنوب الشرقي، غزاها نابليون في بداية القرن التاسع عشر، غزاها هتلر في منتصف القرن العشرين. فروسيا أصبح عندهم عقدة من هذا النوع من عدم الأمان: أنه ليس عندنا حدود طبيعية، ولذلك يجب أن نبني طوقًا من النفوذ حولنا لكي نحمي به أنفسنا، أو ما يُسمى الدفاع العميق.  

روسيا، بسبب انكشاف سهولها أمام الغزاة—التتار، ونابليون، وهتلر، وغيرهم—لا يحسون بالأمان. ولذلك، يتبنى الروس نظرية نسميها نظرية **النواة والغلاف الاستراتيجي**. قولوا: روسيا هي النواة، نحتاج إلى غلاف. من جهة الغرب، نحتاج إلى دول في أوروبا الشرقية تابعة لنا، وفي الجنوب، نحتاج إلى دول من آسيا الوسطى تابعة. وهذه هي فكرة الاتحاد السوفيتي. الاتحاد السوفيتي شكله ماذا؟ نواة روسيا، زائد دول من أوروبا الشرقية غربًا—غلاف—ودول من آسيا الوسطى جنوبًا—غلاف. يعني، الدول الشيوعية في أوروبا الشرقية كلها—ألمانيا الشرقية، وبولندا، وغيرها—التي كانت تابعة للروس، زائد طبعًا أوزبكستان، وكازاخستان، ودول آسيا الوسطى.  

لما انهار الاتحاد السوفيتي، كان قرب شوف يعيش حلمًا جميلًا ساذجًا. كان جورباتشوف يحلم أن روسيا ستقبل دولة أوروبية، تندمج في الحضارة الغربية. يعني، ما دام لا توجد شيوعية، فنحن شعب أوروبي مسيحي مثل الأوروبيين، وسنندمج. هكذا كان يفكر جورباتشوف، وتحدث عن هذا بشكل صريح في كتابه **"بيريسترويكا"** وفي كتاب سيرته الذاتية. لكن هذا كان مجرد سذاجة وأحلام من جورباتشوف، لأن الأمريكيين لا يقبلون أبدًا باندماج روسيا في أوروبا بسبب حجم روسيا. إذا اندمجت روسيا في أوروبا، تصبح الدولة المهيمنة في أوروبا، وهذا يعني أن أوروبا لم تعد تحتاج إلى المظلة الأمريكية. هذا يعني نهاية النفوذ الأمريكي وكل ما بناه الأمريكيون بعد الحرب العالمية الأولى والثانية.  

هنا جاء بوتين وقرر استعادة المجد الضائع. اعتبر أن عشر سنوات من التيه تحت حكم جورباتشوف وحكم يلتسن أضرت بمكانة روسيا وقوتها. فقرر بوتين أن يستعيد لروسيا مجد الإمبراطورية. ولذلك، في أحد تصريحاته، يقول بوتين إن أكبر مصيبة جيوبوليتيكية في القرن العشرين هي انهيار الاتحاد السوفيتي، إن هذه أكبر كارثة جيوبوليتيكية. في أحد خطاباته، طبعًا، أول شيء من أجل المحافظة على روسيا هو منع الناتو من التمدد شرقًا اتجاه روسيا.  

الأمريكيون استغلوا ضعف روسيا وسعوا حلف الناتو شرقًا، كل يوم يضمون دولة جديدة. الناتو لما تأسس عام 1949، كم كان عدد الدول؟ كان اثنتي عشرة دولة. اليوم 32 دولة، يعني انضمت له 20 دولة بعد ذلك، أغلبها في أيام انهيار الاتحاد السوفيتي وما بعده. يعني، الأمريكيون استغلوا لحظة الرخاوة في الإمبراطورية الروسية ودمجوا كثيرًا من الدول حتى أصبحوا يطوقون روسيا، إلى أن وصلوا إلى أوكرانيا، فتفجر الوضع في حرب طاحنة، لأن الروس لم يقبلوا أبدًا أن تكون أوكرانيا—لأهميتها لروسيا تاريخيًا ودينيًا وجيواستراتيجيًا—تنضم إلى الناتو. من أراد أن يفهم حرب أوكرانيا، فلينظر في توسع الناتو شرقًا. روسيا شعرت بالخطر من ذلك التوسع.  

لماذا أوكرانيا مهمة؟ لأن، كما قال بريجنسكي: "روسيا من غير أوكرانيا تصبح دولة عادية، وبأوكرانيا تصبح إمبراطورية". يعني، إذا كانت روسيا من غير أوكرانيا، هي مجرد دولة. إذا كانت روسيا مع أوكرانيا، إمبراطورية. أوكرانيا دولة كبيرة، والأوكرانيون والروس شعب واحد من الناحية التاريخية.  

**دعونا ننظر إلى تقييم القوة الروسية**  
أولًا، عندها قوة عسكرية ضاربة، عندها طموح استراتيجي، عندها حصانة نووية، عندها حق النقض في مجلس الأمن. ما هي أوجه الضعف في روسيا؟ اقتصاد مهلهل، هوية مشطّرة، لأن روسيا دائمًا هي على الحدود بين أوروبا وآسيا. الأوروبيون يعتبرون أن الروس ليسوا أوروبيين بما يكفي، يعني دماؤهم ليست أوروبية نقية. والآسيويون يقولون: الروس هؤلاء أوروبيون، ليسوا آسيويين. فالروس في مشكلة: لا هم أوروبيون ولا هم آسيويون. ولذلك، يعانون من هوية مشطّرة. بعضهم ينجذب إلى آسيا—هؤلاء يُسمون الأوراسيين—وبعضهم ينجذب إلى أوروبا. تاريخيًا، الهوية الروسية هوية مشطّرة.  

وأخيرًا، من نقاط ضعف روسيا أنها لم تعد تملك جاذبية إيديولوجية على مستوى العالم، كما كان الحال أيام الإيديولوجيا الشيوعية. يعني، كان عندها شيوعية، إيديولوجية عالمية، من خلالها تجمع أشتاتًا من الدول هنا وهناك، والحركات والأحزاب. ما عاد هناك شيء اسمه الجاذبية الإيديولوجية عند روسيا.  

**ننتقل إلى الهند**  
الهند دولة غريبة شوية، خصوصًا في علاقتها بالعالم الإسلامي. أولًا، الهند من ناحية الجغرافيا السياسية هي قوة بحرية وقوة برية في الوقت ذاته. هي آسيوية الهوية، غربية الهوى. الهنود يعتبرون أنفسهم غربيين. لماذا؟ لأنه قيل لهم من علماء الأنثروبولوجيا أيام زمان: "أنتم أصولكم من الشعوب الآرية، وبالتالي علاقتكم بآسيا علاقة سطحية". فقالوا: "نحن شعب أوروبي". وذلك هواهم، هواهم غربي دائمًا. لكن الجغرافيا في آسيا.  

من المفارقات في الهند أنها في الماضي كانت إمبراطورية إسلامية، وهي اليوم دولة قومية هندوسية. طبعًا، كانت إمبراطورية إسلامية على مدى قرون. أنا زرت مدينة لاهور في باكستان منذ سنة ونص تقريبًا، وزرت آثار الملوك المغول هناك. تشوف أذار المجد الآفل والملك الزائل، يعني أمجاد حقيقية تاريخية كان للمسلمين في الهند، لم تعد موجودة. ابن خلدون—عفوًا، ابن بطوطة—لما زار الهند في القرن الرابع عشر الميلادي، الثامن الهجري تقريبًا، جلس في الهند ثمانية أعوام، كان قاضيًا، وأصبح له شأن، واندمج تمامًا. وقال شيئًا عجيبًا عن ملوكهم—طبعًا، كان الملك مسلمًا في دلهي—فقال إن المسلمين الذين يفدون إليهم يسمونهم الأعزة، ويمنع رعيته أن يسموهم غرباء، لأن الإنسان إذا سُمي غريبًا انكسر خاطره. قال لهم: أي مسلم جاء هنا، لا تسموه غريبًا، لا تصفوه بأنه غريب، فيقول لهم: الأعزة، الأعزة—أقصد المسلمون الذين يأتون إلى الهند—يعني يكرمونهم.  

على كل حال، الهند مفارقة أخرى: تقع داخل جغرافيا العالم الإسلامي—كما سنرى—بين شقيه البري والبحري، لكنها لم تعد دولة إسلامية. والهند، المفارقة الرابعة، فيها ثالث أكبر كتلة بشرية من المسلمين بعد إندونيسيا وباكستان. أكبر كتلة من المسلمين في الهند، ولكن مسلموها أقلية. يعني، مسلمو الهند أكثر من 200 مليون، مع ذلك يعتبرون أقلية. فلا يمكن إدراج الهند ضمن العالم الإسلامي، ولا يمكن فصلها عن العالم الإسلامي جغرافيًا وبشريًا. فهي حالة من التناقضات في علاقتها بالعالم الإسلامي.  

**تقييم القوة الهندية**  
من حيث عناصر القوة: الكم البشري الضخم، القوة الناعمة الإقليمية، الحصانة النووية. أما من حيث أوجه الضعف: ضعيفة عسكريًا مقارنة بالصين وأمريكا، ليس عندها بوصلة استراتيجية واضحة، لا هي شرقية بشكل واضح ولا هي غربية بشكل واضح. وأيضًا، الهند تعيش في ظل الصين، يعني قوة الصين تخيّم على قوة الهند ولا تترك لها مجالًا واضحًا بالصعود.  

**الآن وصلنا إلى العالم الإسلامي**  

**بعد أن وصفنا القوى الكبرى الموجودة، دعوني أرجع إلى البدايات وأذكر النقطة الأولى التي نسيتها، وهي أن العالم اليوم يمكن أن نقسمه إلى ثماني كتل: أربع كتل فاعلة وأربع كتل منفعلة.**  

يعني، لو نظرنا إلى الكرة الأرضية بتقسيمات القوة، سنجد أن العالم اليوم يتكون من أربع كتل فاعلة وأربع كتل منفعلة. أما القوى الفاعلة فهي: أمريكا، أوروبا، روسيا، والصين. وأما القوى المنفعلة فهي: الهند، العالم الإسلامي، إفريقيا، وأمريكا اللاتينية. هذه الكتل الأربع ليست فاعلة، بينما الكتل الأخرى فاعلة، يعني هي المؤثرة في النظام الدولي. العالم الإسلامي هو واحد من القوى المنفعلة.  

**فكيف هي خريطة العالم الإسلامي؟**  
دعونا ننظر إلى الجغرافيا السياسية للعالم الإسلامي، ونستفيد هنا من جمال حمدان، لأنه الوحيد الذي قدم نظرية حول ما سماه "مورفولوجيا العالم الإسلامي". عنده كتاب صغير جميل بعنوان *العالم الإسلامي المعاصر*، قدم فيه نظرية جميلة حول الشكل الهيكلي للعالم الإسلامي. الإسلام ولد في شبه الجزيرة العربية عند تلاقي القارات الثلاث: آسيا، إفريقيا، وأوروبا. طبعًا، مكة في آسيا، لكنها تكاد تلامس إفريقيا. فقط اعبر البحر الأحمر—البحر الأحمر بحر قصير صغير، عرضه حوالي 300 كيلومتر تقريبًا—أو اعبر من جهة سيناء.  

حقيقة، سيناء من آسيا. تعرف، يا أستاذ، أن مصر جزء منها آسيوي؟ طبعًا، جزء من مصر آسيوي وهو سيناء، وجزء من اليمن إفريقي وهو سقطرى، وجزء من تركيا أوروبي وهو ما وراء البوسفور. نعم، هذه الدول الثلاث مقسمة بين قارتين. الإسلام ولد في منطقة على الحافة الغربية من آسيا، يكاد يلامس إفريقيا، وقريب أيضًا من أوروبا. اعبر بلاد الشام، تصل إلى أوروبا تقريبًا.  

بعد ذلك، انتشر الإسلام مشرقًا ومغربًا، فسيح في جنوب آسيا، وسيح في شمال إفريقيا، حتى انتهى إلى الهيكل الجغرافي الحالي للعالم الإسلامي. القارات الثلاث التي ولد الإسلام عند تلاقيها يسميها علماء الجغرافيا السياسية "الجزيرة العالمية" (Global Island). الجزيرة العالمية هي هذه الكتلة الأرضية الضخمة التي تشمل إفريقيا وأوروبا وآسيا. هذه كتلة متماسكة، ما وراءها من الكرة الأرضية عبارة عن جزر، وحتى أمريكا الشمالية صغيرة مقارنة بهذه الكتلة.  

طبعًا، لو قرأت رحلة ابن بطوطة ورسمتها على الخريطة، سترى خريطة العالم الإسلامي بشكل واضح. علماء الجغرافيا المسلمون كانوا يعبرون عن حدود العالم الإسلامي بتعبير لطيف ورد في *مقامات الحريري*: "من فرغانة إلى غانا". أين هي فرغانة اليوم، يا شباب؟ موريتانيا؟ لا، فرغانة في آسيا الوسطى، في أوزبكستان. وغانا، أين هي؟ في غرب إفريقيا. غانا التي كانوا يتحدثون عنها ليست جمهورية غانا الحالية، لكنها في غرب إفريقيا. كانت سلطنة غانا تشمل جنوب جمهورية مالي اليوم، شمال موريتانيا، وشمال السنغال. كانت تشمل المنطقة كلها، وعاصمتها صالح، لا تزال آثارها موجودة الآن في موريتانيا.  

فكانوا يقولون: "من فرغانة إلى غانا"، هذه كانت حدود العالم الإسلامي شرقًا وغربًا، ولا تزال إلى اليوم، لأن وادي فرغانة الآن قريب من حدود الصين، يعني من حدود الصين إلى المحيط الأطلسي تقريبًا، حدود العالم الإسلامي، على الأقل من ناحية الشرق والغرب. مالك بن نبي يقول عن حدود العالم الإسلامي بتعبير: "من طنجة إلى جاكرتا". طنجة في المغرب، وجاكرتا عاصمة إندونيسيا. طبعًا، هذا قريب من رحلة ابن بطوطة تمامًا. ابن بطوطة من طنجة، وسافر حتى وصل إلى جاوة—تحدث عن جاوة، جزيرة في إندونيسيا—بل تجاوزها إلى الصين.  

العالم الإسلامي اليوم يغطي 32 مليون كيلومتر مربع، وعدد سكانه المسلمين يشكلون خُمس سكان العالم تقريبًا. لكن مركز الثقل السكاني للعالم الإسلامي في آسيا.  

**انظروا هنا، العالم الإسلامي، يقول جمال حمدان إن شكله على شكل قوس أو هلال.**  
هكذا يرسم خريطة تشبه هذه في كتابه *العالم الإسلامي المعاصر*، قوس أو هلال، نجمته هي المحيط الهندي. طبعًا، هناك مشكلة بسيطة في هذا، وإن كان جمال حمدان له فضل السبق. المشكلة هنا أن الهند داخل هذه الكتلة الإسلامية الكبرى، وبين هذه الدول—دول جنوب شرق آسيا: ماليزيا، إندونيسيا، وبروناي.  

أنا، بالنسبة لي، أخذت فكرة حمدان، لكنني شطرتها قليلًا، وقلت إنه ربما الأدق أن نتحدث عن العالم الإسلامي البري والعالم الإسلامي البحري، أو الشق البري من العالم الإسلامي. الشق البري من العالم الإسلامي هو الذي نراه الآن على الخريطة، شكله شكل طير عملاق، ليس قوسًا ولا هلالًا، وإنما طير عملاق. هذا الطير هو العالم الإسلامي. إذا تركنا الدول البعيدة—دول جنوب شرق آسيا البعيدة المنفصلة تمامًا عن الجغرافيا الإسلامية—هذا العالم الإسلامي البري، رأسه في الأناضول، وقلبه في الجزيرة العربية، وله جناحان: جناح في آسيا—في جنوب ووسط آسيا—وجناح في شمال ووسط إفريقيا.  

هذا هو شكل العالم الإسلامي، هذا الطير العملاق، العالم الإسلامي البري. أما العالم الإسلامي البحري، فهو هذه الدول المنفصلة عن الكتلة الكبرى: عندنا هنا بنغلاديش، وعندنا هنا إندونيسيا، وماليزيا، وبروناي. هذه منطقة صغيرة جغرافيًا، لكنها ضخمة ديموغرافيًا وسكانيًا. تقريبًا ثلث السكان المسلمين في هذه المنطقة الضيقة.  

هذا هو شكل العالم الإسلامي، هذا الطير الضخم، من فرغانة—فرغانة هنا، على حدود الصين—إلى غانا. غانا هنا، سلطنة غانا. كانوا يقولون: "من فرغانة إلى غانا".  

**طيب، العالم الإسلامي البحري، لماذا هو منفصل؟**  
لأن الإسلام لم يصل إليه برًا. هذه الكتلة وصلها الإسلام برًا، لكن بعد الهند، لما وصل إلى الهند، لم يخترقها جنوبًا ولم يخترقها شرقًا في اتجاه الصين بسبب جبال الهيمالايا. هنا يقول جمال حمدان إن العالم الإسلامي البحري وصله الإسلام راكبًا البحر. العمانيون واليمنيون ركبوا البحر—بحر العرب والمحيط الهندي—ولفوا ووصلوا الإسلام إلى هذه الجزر، جزر ماليزيا.  

وهذا صحيح من الناحية التاريخية. مرة، صديقي أكاديمي من ماليزيا، كنت معه في كوريا، فقلت له: "يا أخي، توجد نظريتان لوصول الإسلام إليكم. النظرية الأولى تقول إنه وصلكم عبر التجار المسلمين القادمين من الهند، يعني وصلكم من الشمال. والنظرية الثانية تقول إنه وصلكم من البحر عن طريق اليمنيين والعمانيين. فأيهما الصحيح؟" قال لي: "الصحيح أنه جاءنا عن طريق اليمنيين، والدليل على ذلك أننا شافعيون. المسلمون في الهند حنفيون، لو كان الإسلام دخلنا من جهة الهند، كنا حنفيين. لكن لماذا أهل إندونيسيا وأهل ماليزيا شافعيون؟ لأنه جاءهم من جنوب اليمن. جاءنا الإسلام من جنوب اليمن". قال: "كنا شافعيين، دليل على أن الإسلام جاءنا عن طريق البحر".  

**طيب، العالم الإسلامي له ميزات استراتيجية هائلة.**  
أولًا: البحار الملونة موجودة في العالم الإسلامي. ما هي البحار الملونة؟ الأحمر، والأبيض، والأسود. طبعًا، هي ليست ملونة، ولكن أسماؤها أسماء ألوان. هذه البحار إما داخل العالم الإسلامي بشكل كامل مثل البحر الأحمر، أو جزئيًا مثل البحر الأبيض والبحر الأسود.  

ثانيًا: المضايق الاستراتيجية في العالم ثمانية، سبعة منها موجودة داخل العالم الإسلامي. سمّوها: هنا جبل طارق، وهنا البوسفور والدردنيل—اثنان يعني—وهنا قناة السويس، وهنا باب المندب، وهنا مضيق ملقا الذي يفصل بين ماليزيا وإندونيسيا. هذه المضايق السبعة هي سبعة من أصل أهم ثمانية مضايق على وجه الأرض. المضيق الوحيد خارج العالم الإسلامي هو قناة بنما. المضايق الاستراتيجية، يعني العالم الإسلامي يمتلك سبعة من أهم ثمانية مضايق على وجه الأرض لمرور التجارة الدولية والأساطيل العسكرية وكل شيء، فأهميتها هائلة.  

طبعًا، لو أضفنا إلى هذا الكتلة البشرية، الموقع الجغرافي، موارد الطاقة—تعرفون كم هو الإمكان الهائل الموجود، المعطل للأسف، في العالم الإسلامي؟ الشرق الأوسط منطقة الشرق الأوسط هي صورة مصغرة من العالم الإسلامي، وشكلها شكل طير أيضًا. منطقة الشرق الأوسط بالمعنى الضيق هي خمس عشرة دولة، منها ثلاث عشرة دولة عربية. هذه الموجودة هنا: دول الخليج الست، دول الجزيرة العربية سبعة—دول الخليج واليمن—ثم دول الشام الأربع: سوريا، لبنان، فلسطين، والأردن، ثم العراق، ثم مصر. هذه ثلاث عشرة دولة عربية من الشرق الأوسط، ودولتان مسلمتان غير عربيتين وهما تركيا وإيران.  

الشرق الأوسط هو أيضًا طير، كأنه صورة مصغرة من العالم الإسلامي، وهو قلب العالم الإسلامي حقيقة من الناحية الدينية—مكة والمدينة والقدس—ومن الناحية الجغرافية، لأن المضايق التي تحدثنا عنها والبحار توجد في منطقة الشرق الأوسط كلها، باستثناء مضيق ملقا.  

في تعريف أكبر للشرق الأوسط، وهو ما يُسمى *Greater Middle East*، يدخل فيه المغرب العربي، يعني نضيف خمس دول أخرى هي المغرب العربي، ودولتان من آسيا وهما باكستان وأفغانستان، فيصبح الشرق الأوسط اثنتين وعشرين دولة.  

**طيب، الآن، ما هو وضع العالم الإسلامي ضمن كل هذا؟**  
العالم الإسلامي اليوم لم يعد له دور على المستوى الدولي منذ أن فقد المسلمون آخر إمبراطوريتين قويتين، وهما الإمبراطورية المغولية في الهند والإمبراطورية العثمانية. لم يعد للمسلمين كتلة قوية على مستوى الدولة، أصبحوا قوة منفعلة ولم يعودوا قوة فاعلة. ولذلك، أصبح العالم الإسلامي ممزقًا داخليًا، ومنكشفًا خارجيًا، ولم يعد له وزن يُذكر على مستوى النظام الدولي.  

فيصدق على العالم الإسلامي تعبير عند علماء الجغرافيا السياسية، وهو تعبير **الحزام المتصدع** (Shatter Belt)، وتعبير آخر هو **منطقة الارتطام** (Crash Zone). الحزام المتصدع يُستعمل للمناطق التي تعاني تمزقًا داخليًا زائد تنافسًا دوليًا عليها. ويقولون: مثال على الحزام المتصدع: منطقة الشرق الأوسط، منطقة البلقان، منطقة أمريكا الوسطى، ومنطقة جنوب شرق آسيا، خصوصًا في الستينيات أيام الحرب الفيتنامية والكورية، كانت حزامًا متصدعًا.  

فالعالم الإسلامي حزام متصدع اليوم. وأما جيمس برجرين، البريطاني، فيستعمل مصطلحًا قريبًا من هذا، وهو **منطقة الارتطام**. نحن لسنا قوة برية كبرى، ولسنا قوة بحرية كبرى. العالم الإسلامي هو منطقة برمائية، يعني هو في الوسط بين القوة البرية الكبرى تاريخيًا والقوة البحرية الكبرى. فنحن في الوسط، فإذا ضعف العالم الإسلامي، تسحقه هذه القوى، لأنه في مجال التنافس والصراع بين القوتين البرية والبحرية، القوة الشرقية والقوة الغربية.  

العالم الإسلامي ليس شرقيًا ولا غربيًا. نحن أمة لا شرقية ولا غربية، نحن أمة وسط، حتى من ناحية الجغرافيا، أمة وسط. ولسنا قوة برية كبرى ولا قوة بحرية، وإنما قوة برمائية. إذا قويت، تمددت برًا وبحرًا، وإذا ضعفت، انسحقت واجتاحتها القوتان البرية والبحرية.  

فاليوم، أو منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، حقيقة، العالم الإسلامي يعيش على التمزق والضعف. واليوم، مع صعود القوى الدولية الجديدة، دور منطقتنا ليس واضحًا تمامًا، لأنها لا تزال منطقة منفعلة.  

**المشهد الذي نعيشه اليوم هو أن الغرب لا يزال متمترسًا داخل نسيج الجغرافيا السياسية الإسلامية منذ قرون.**  
منذ أن جاء فاسكو دا غاما، الغرب يجوس خلال الديار ويلعب بساحتنا الداخلية، ولا يريد أن يتنازل عن هذه الميزة وهذا النفوذ.  

الشرق—الصين—تتقدم بهدوء وبثبات داخل الجغرافيا الإسلامية، وتبني لنفسها رؤوس جسور في كل مكان. لكن هدوء الصينيين، دهاؤهم في السياسة، يجعلهم لا يستفزون، يسيطرون على الشعوب من غير أن يستفزوها.  

**فماذا يفعل الصينيون؟**  
أولًا: يتمددون في بحر الصين الجنوبي. بحر الصين الجنوبي تطل عليه دول، منها دول إسلامية مثل ماليزيا وإندونيسيا وبروناي.  
ثانيًا: يتمددون بريًا في آسيا الوسطى، يكادون الآن يسيطرون على البنية التحتية في آسيا الوسطى—الطرق، النفط، والغاز—وهذه جزء من العالم الإسلامي.  
أخذوا ميناء جوادر الباكستاني الموجود عند مدخل الخليج، أخذوا ميناء من إيران، عندهم اتفاقية استراتيجية—اتفاقية اشتراك استراتيجي—مع إيران. بما في ذلك، كما يقول الأمريكيون—والعهدة عليهم، لا نصدقهم ولا نكذبهم—يدعي الأمريكيون أن الاتفاقية الاستراتيجية بين إيران والصين فيها بند سري ينص على أن للصين الحق في أن تضع قوات عسكرية على جزر إيرانية. إذا كان هذا صحيحًا، ممكن نستيقظ غدًا فنجد قوات صينية هنا في جزر الخليج. فلذلك، الصين حقيقة تتمدد.  

ثالثًا: المنطقة أصبحت تتوثق علاقتها بالصين بشكل هائل على المستوى الاقتصادي. الصين تعتمد على نفط الخليج بنسبة 50% من وارداتها، بينما أمريكا تأخذ حوالي 4% من حاجتها من نفط الخليج. فالخليج أصبح أهم بكثير للصين منه لأمريكا.  

وهكذا، فإن روسيا تبحث عن حلفاء جدد ضد الغرب، لأن بوتين، كما قلنا، يريد أن تستعيد الأمجاد الروسية. لكن روسيا لا تملك المصداقية، لا تملك الجاذبية الإيديولوجية، وليس لديها القوة الاقتصادية التي لدى الصين.  

والهند هي جارة قريبة منا، قريبة في المكان، غريبة في الوجدان عن المسلمين. وهي تتوسط داخل الجغرافيا الإسلامية بين العالم الإسلامي البري والعالم الإسلامي البحري، فهي عقدة كبرى. وحال المسلمين فيها، يعني حال مؤسف على كثافة عددهم، ولذلك هي مشكلة.  

**فما هو الحل؟**  
نختم: في ظل هذا الانشطار الدولي، في ظل صعود القوى الشرقية وبداية انحسار القوى الغربية، والصراع الجديد بين قوى مقبلة وأخرى مدبرة، قوة صاعدة وأخرى سائدة، البوصلة الاستراتيجية للعالم الإسلامي لا تزال تائهة للأسف. لا يمكن للعالم الإسلامي أن ينجو من الصراع الجديد الذي سيبدأ—أو الذي بدأ بالفعل—في منطقتنا بين الشرق الصاعد والغرب السائد، إلا ببناء مناعة ذاتية. ولا مناعة ذاتية من غير روح وحدة، من غير تحقيق شيء من الوحدة.  

ولا أقصد الوحدة بمعنى بناء خلافة جديدة أو الاستثار للصورة التاريخية، وإنما أقصد وحدة الإرادة الاستراتيجية. الغرب ليس دولة واحدة، لكنه أمة واحدة. ولذلك، أنا دائمًا أقول إن الله عز وجل لم يوجب على المسلمين أن يكونوا دولة واحدة. النصوص الشرعية لم تنص على دولة واحدة، لكنها نصت على الأمة الواحدة. الدولة غير الأمة. يعني، الأمة هي إذا تحقق التناصر والتعاون بين المسلمين. هذا الذي نسميه بلغتنا الآن وحدة الإرادة الاستراتيجية. هذا يحقق المطلوب شرعًا، وليس مطلوبًا ولا ملزمًا أن يكون المسلمون دولة واحدة. هذا أمر انتهى منذ نهاية القرن الأول الهجري أصلًا.  

فنحن اليوم بحاجة إلى بناء وحدة استراتيجية في العالم الإسلامي. مستقبل هذه المنطقة، مستقبل الإسلام، مستقبل المسلمين، يتوقف على توحيد الإرادة الاستراتيجية. دول أوروبا اليوم هي أمة واحدة وليست دولة واحدة: حدود مفتوحة، تعاون اقتصادي، أحلاف عسكرية. هذا الذي نحتاجه.  

**الغرب، ما هو الغرب؟**  
الغرب هو دول لها دخل فيها مسيحية، وتراث يوناني روماني، وشعوب أوروبية. هذا هو الغرب، أينما كان. يعني، يجمع كندا ونيوزيلندا، يجمع بين أمريكا وأستراليا. المسافة بين أمريكا وأستراليا كم؟ 15,000 كيلومتر. المسافة بين بريطانيا وأستراليا—طبعًا، الأستراليون هم أولاد بريطانيا، هم إنجليز جاؤوا من بريطانيا—15,000 كيلومتر. مع ذلك، يعتبرونهم ضمن أمة واحدة، ويتعاونون عسكريًا واقتصاديًا، والحدود بينهم مفتوحة، وكل شيء.  

هذا الذي نحتاجه نحن. لا نحتاج إلى أن يفرض علينا أحد إرادته ويقول إنه خليفة المسلمين ولازم تُخضع بالسيف. لا، نحن نحتاج إلى ناس عقلاء يحققون معنى التواد والتناصر والتعاضد الذي ورد في الحديث النبوي بين المسلمين. يعني، نحتاج إلى حدود مفتوحة، تعاون اقتصادي بين المسلمين، شعوب متعاونة ثقافيًا، أحلاف عسكرية حيث يتعاونون في وقت الضيق، وهكذا.  

فالحل هو وحدة التعاضد الطوعي، وليست وحدة الإدماج القسري. والتعاضد الطوعي هو الذي نظر له، أعتقد، وعاظ الإسلام المعاصرين: محمد الكواكبي في كتاب *أم القرى*، والسنوسي في كتاب *الخلافة*، ومالك بن نبي في كتاب *وجهة العالم الإسلامي*. كلهم نظروا إلى الوحدة الإسلامية بطريقة عملية.  

أما التجربة التي عندنا الآن، منظمة التعاون الإسلامي، فهي حبر على ورق للأسف. ونحن بحاجة إلى تجربة مثل تجربة الاتحاد الأوروبي.  

**ما هي المسارات الاستراتيجية أمام العالم الإسلامي أخيرًا في التحولات الدولية الحالية؟**  
1. إما أن يتحالف المسلمون مع الصين. هذه نظرية صموئيل هنتنغتون، يقول إنه سيظهر محور إسلامي-كونفوشيوسي ضد الغرب. هو يتنبأ بهذا. هل سيكون مستقبلًا تحالف بين المسلمين والصين؟ أو الكتلة الكبرى من العالم الإسلامي مع الصين لمنع النفوذ الغربي؟ هذا مسار، وبعض الأمور تشير إلى هذا. يعني، الصين الآن لها علاقة استراتيجية مع باكستان، علاقة استراتيجية مع إيران، علاقتها طيبة مع إندونيسيا وماليزيا—ماليزيا ثلث شعبها صينيون أصلًا. الصين الآن هي التي تعيد بناء أفغانستان، تتمدد في آسيا الوسطى، تستورد كمية ضخمة من الطاقة من الخليج، تتمدد اقتصاديًا في دول إفريقيا المسلمة. الصين في كل مكان، يعني تتسرب في كل مكان. هذا واحد من المسارات.  

2. هل سيتصالح المسلمون بمصالح تاريخية مع الغرب بعد كل هذا العداء التاريخي خوفًا من النفوذ الصيني وتمدد الصين؟ هذا أيضًا خيار يروّج له بعض الليبراليين وغيرهم، يقولون إن مستقبلنا هو مع الغرب، وأن الغرب أقرب إلينا ثقافيًا وقيميًا من الصين. ثقافيًا، نحن أقرب إلى الغرب، لكن القربة الثقافية لا تعني القربة السياسية أو الاستراتيجية.  

3. هل سيتحالف المسلمون مع روسيا؟ الروس يقولون: نعم. يعني، مثلًا، ألكسندر دوغين، وهو منظّر بوتين وفيلسوفه، يقول: نعم، لابد من تحالف بين روسيا والعالم الإسلامي. المسلمون في روسيا كميتهم ضخمة، قد يصلون إلى 40 مليون اليوم، ووجودهم التاريخي قديم، وليسوا مهاجرين مثل مسلمي فرنسا أو أمريكا مثلًا. وروسيا قريبة من العالم الإسلامي جغرافيًا. لكن، هل توجد مستوى من الثقة لتحالف مع روسيا؟ أشك في ذلك.  

على كل حال، المسارات الاستراتيجية أمام الكتلة الإسلامية مفتوحة، ومهما يكن، مفتاح الأمر كله هو انتقال العالم الإسلامي من حالة الانفعال إلى حالة الفعل. إذا بنينا قوة ذاتية، بعد ذلك يمكن أن نتحدث مع هذا الطرف، أو نبني مساحة جزئية مع هذا الطرف ومساحة مع الطرف الآخر. المهم أن تكون الذاتية حاضرة.  

**وسامحوني على الإطالة، وبارك الله فيكم.**  
السلام عليكم.  

---

**السؤال أو المداخلة في سياق المحاور الاستراتيجية:**  
كان هناك عدة محاضرات للأستاذ وضاح خنفر، تحدث عن فكرة الجنوب العالمي، خاصة ما بعد طوفان الأقصى، وذكر أن المفروض أن يكون التوجه الاستراتيجي للمسلمين هو إقامة أحلاف مع الدول التي تمثل الجنوب العالمي، مثل جنوب إفريقيا أو الدول في أمريكا اللاتينية. فهل يمكن أن يتشكل محور جديد من هذه الدول؟ أم أن هذه الرؤية مجرد رؤية ثقافية حضارية؟ وهل يمكن بناء فعل استراتيجي سياسي مؤثر عليها؟  

**الجواب:**  
جزاكم الله خيرًا. السؤال عن الجنوب العالمي. طبعًا، الفكرة التي يطرحها الأستاذ وضاح فكرة مهمة، ووضاح هو مفكر عنده حس استراتيجي عميق ومحترم. هل الآن مصلحة المسلمين هي التحالف مع ما سماه الجنوب العالمي؟ أعتقد أن هذا له حظ من الواقعية، لكنه ليس واقعيًا تمامًا 100%. ربما لو كنا لا نزال نعيش في منتصف القرن العشرين، كان ذلك ممكنًا.  

في ذلك الوقت، كانت حركات التحرير الوطني قد تفجرت، وكان الجنوب مهمًا جدًا. مثلًا، الثورة الجزائرية تفجرت عام 1954 في لحظة انشطار أولًا بين الشرق والغرب—الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي—وثانيًا بين الشمال والجنوب. يعني، دول إفريقيا قريبة العهد بالاستقلال، ودول آسيا قريبة العهد بالاستقلال، كانت متعاطفة مع أي حركة تحرر وطني. فالثورة الجزائرية تفجرت في هذه اللحظة، استفادت كثيرًا من الانشطار داخل القوى العظمى. فدعمها الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية وغيرهما، كما دعمتها دول إفريقيا ودول آسيا القريبة. فهي استفادت من الشرق واستفادت من الجنوب. كان هذا في ذلك الزمان يترتب عليه نتائج عملية جدية: مثلًا، السلاح، التمويل، التصويت في الأمم المتحدة، إلى آخره.  

اليوم، ما يُسمى الجنوب العالمي ممكن أن يتعاطف معك معنويًا. أنا أعتقد أنه مفيد من الناحية المعنوية والدبلوماسية، ولكنه لا يصل إلى درجة أن يكون سندًا ومددًا فعليًا. يعني، لا تتوقع أن الصين، مثلًا، تسلح الفلسطينيين لقتال إسرائيل، كما كان الاتحاد السوفيتي يسلح الثوار الجزائريين. فالجنوب الجديد لم يعد ذلك الجنوب الثوري المتفجر الذي كان في منتصف القرن العشرين.  

فأعتقد أن فكرة الأستاذ وضاح صحيحة من حيث أنه يمكن أن نستفيد معنويًا ودبلوماسيًا من الجنوب، لكن لن تكون استفادة عملية جدية كما كان الحال في الماضي. ولذلك، أعتقد أن الأفضل أن نراهن على قوتنا الذاتية أولًا وقبل كل شيء. وقد يكون من حكمة الله تعالى أن هذه الأمة يجب أن تعتمد على نفسها، فلا يكون لأحد عليها منة، وأن تحقق استقلالها بتضحياتها الذاتية وجهدها الذاتي.  

**سؤال: ما هو دور باكستان في الصراع الأمريكي الصيني؟**  
باكستان هي حليفة للصين ضد الهند، يجمع بينهما العداء للهند. طبعًا، باكستان في عداء وجودي تاريخي مع الهند، والصين أيضًا في عداء تاريخي مع الهند، لأن بينهما صراعًا على الحدود في جبال الهيمالايا، ووقعت أكثر من حرب بينهما، إضافة إلى تنافسهما كقوتين كبيرتين. فباكستان دائمًا أقرب إلى الصين، لكنها أيضًا لديها علاقات تقليدية مع أمريكا من أيام الاتحاد السوفيتي. فهي كانت حليفة للصين ضد الهند، وحليفة لأمريكا ضد الاتحاد السوفيتي. فبقيت عندها هذه الثنائية، لا تزال إلى اليوم هذه الثنائية المتناقضة تعتمل داخل أحشاء القرار الاستراتيجي الباكستاني.  

ولذلك، أعتقد، حسب من يحكم في باكستان: مثلًا، لما كان عمران خان يحكم، رجعت أقرب إلى الصين. لما وقع الانقلاب عليه، رجعوا في اتجاه أمريكا. مع ذلك، يوجد مستوى من العلاقات الطيبة مع الصين، هذا ثابت من ثوابت الدولة الباكستانية بحكم العداء المشترك بينهما اتجاه الهند. عدو عدوي صديقي، تقريبًا من هذا الباب.  

**سؤال: الشرق الآسيوي والغرب الأمريكي الأوروبي، قارة إفريقيا؟**  
قارة إفريقيا، حقيقة، أولًا، شمال إفريقيا ووسطها داخل في كل ما تحدثنا عنه بالعالم الإسلامي. فنحن الليلة لا نتحدث عن إفريقيا منفصلة عن العالم الإسلامي، ولا عن آسيا منفصلة عن العالم الإسلامي، لأن شمال إفريقيا من العالم الإسلامي، وجنوب آسيا من العالم الإسلامي.  

أما إفريقيا، لو أخذناها ككتلة بمسلميها وغير مسلميها، فهي طبعًا من الكتل المنفعلة، ليست من الكتل الفاعلة. وإذا أخذناها كجزء من العالم الإسلامي، فهي أيضًا من الكتل المنفعلة وليست من الكتل الفاعلة حتى الآن. إفريقيا هي القارة الوحيدة التي غالبية سكانها مسلمون، رغم أن المسلمين الآسيويين أكثر عددًا. لكن القارة الوحيدة على وجه الأرض التي غالبية سكانها مسلمون هي القارة الإفريقية، فهي مهمة طبعًا في مصائر العالم الإسلامي. لكن، للأسف، تعاني مما يعاني منه العالم الإسلامي كله من استغلال خارجي وتمزق داخلي.  

**سؤال: ذكرت أننا بحاجة إلى ناس عقلاء يسيرون الأمور، كيف نحصل على هؤلاء ونضمن خضوعهم للقيود الدولية والأجندات؟**  
الناس العقلاء، هؤلاء يقولون: "وما بقيت من اللذات إلا مجالسة الرجال ذوي العقول، وقد كنا نعدهم قليلًا، فقد صاروا أقل من القليل". فطبعًا، العقلاء بالمعنى السياسي والاستراتيجي الذي نتحدث عنه الليلة هم قلة للأسف. والثقافة الاستراتيجية في العالم الإسلامي ضعيفة جدًا، ولذلك نحن نعاني من تضحيات جليلة مقابل ثمرات هزيلة.  

الفكر الاستراتيجي، ما هو الفكر الاستراتيجي؟ هو وضع الجهد في موضعه، كما كان العلماء يقولون: الحكمة هي وضع الشيء في موضعه. الفكر الاستراتيجي هو وضع الجهد في موضعه. إذا وضعت الجهد في موضعه، تحققت أقصى الثمرات بأقل الجهد. ما نعيشه في العالم الإسلامي هو أننا نبذل أقصى التضحيات ونحصل على أقل الثمرات، وهذا يعني أن ثقافتنا الاستراتيجية ضعيفة جدًا.  

ولذلك، أنا أنصحكم، يا شباب، أن تركزوا على هذه الثغرة. تعرفون، العلوم تتفاضل—وشيخنا مختار يسمح لي إذا تكلمت في هذا الباب—العلوم تتفاضل ليس في شرفها في ذاتها، يعني من حيث الوجوب على الناس، ليس لشرفها في ذاتها، وإنما لحاجة الناس إليها. نحن، إذا كان عندنا 100 أستاذ تفسير و50 أستاذ حديث، لكن ما عندنا طبيب، نكون قد أذنبنا هنا. يصبح الطب أوجب علينا من التفسير والحديث، ليس لأن التفسير والحديث أشرف—التفسير والحديث أشرف—لكن الحاجة جعلت هذا واجبًا متعينًا. والواجب المتعين أولى من غيره. والله عز وجل يحب أن يتقرب الناس إليه بما أوجب عليهم من واجبات.  

فنرى أن من أوجب الواجبات على الشباب ذوي الطموح والاهتمام بشأن الأمة أن يهتموا بعلمين ضائعين في ثقافتنا الإسلامية المعاصرة: الدراسات الاستراتيجية والجغرافيا السياسية. فعليهما يجب التركيز إذا أردنا أن نخرج الأمة من حالة ضياع الجهود والتضحيات الجليلة التي لا يترتب عليها من الثمار إلا القليل. الدراسات الاستراتيجية تخصص، والجغرافيا السياسية تخصص. نحتاج تركيزًا على هذا، على الأقل، من لم يدرسه متخصصًا فيه، فليهتم به قراءة. هي ليست علومًا معقدة.  

**سؤال: في حال التحالف الإسلامي مع قوة دولية، هل ستكون هي صاحبة الريادة أو القول الفصل؟**  
إذا فهمت السؤال، فربما المقصود به أنه إذا تحالفنا مع قوة دولية، ربما هذه القوة الدولية تصبح هي الرائدة والمتحكمة بالنظام الدولي. أكيد، ولكن نحن سنكون أيضًا مستفيدين من هذا. يعني، طبعًا، في نواميس التحالفات، علماء السياسة الذين يكتبون في علم التحالفات—مثل ستيفن والت، مثلًا، في كتابه عن التحالفات—يناقشون: هل الأفضل لك أن تتحالف مع الأقوى أم تتحالف مع الأضعف؟ كل له ميزانه. إذا تحالفت مع الأضعف، يكون نصيبك من مساحتك أكبر، لكن الأضعف قد لا تكون قوته تكفي للنصر. إذا تحالفت مع القوي، هذا قد يقود إلى النصر، لكنه سيجعل نصيبك أقل من الغنائم، وربما القوي الذي تحالفت معه ينقلب عليك، فيأكلك كما أكل العدو الذي كنت تقاتله معه. فهذه مشكلة. طبعًا، هذا كله يحتاج إلى كيمياء توازنات معينة.  

**سؤال: المسلمون في الغرب لا يزالون في مرحلة الدعوة وليس الدولة إلى حد كبير، ولم ينشطوا في الحياة العامة بما يكفي.**  
مثلًا، أنا كنت في أمريكا قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر وبعدها، يعني عشت سنوات مجموعة قبل وبعد. قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لم يكن المسلمون يهتمون بالسياسة أصلًا، ولا كان يوجد عضو في الكونغرس مسلم، وربما لا يوجد حتى عمدة بلدية مسلم. كانوا منعزلين تمامًا. لكن لما وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبدأوا يستهدفون ويحسون بالخطر، بدأوا يهتمون بالشأن العام مباشرة. بدأوا يترشحون للانتخابات وينشطون مع الأحزاب. والآن، أصبح تقريبًا يوجد ثمانية أو عشرة أعضاء مسلمين في الكونغرس الأمريكي، ويوجد كثير من المسلمين في برلمانات الولايات وعمد المدن. فأحسوا بالتحدي. قبل ذلك، كانوا مفرطين تمامًا في مجال الحياة العامة.  

المسلمون في أوروبا أضعف من المسلمين في أمريكا. في فرنسا، المسلمون حوالي 10% من السكان، عدد كبير، لكن سياسيًا لا وجود لهم تقريبًا. وفي ألمانيا، المسلمون بالملايين، لا وجود لهم تقريبًا، ضعفاء جدًا. فلا يزال المسلمون في الغرب يعيشون وكأنهم غرباء سيعودون إلى أوطانهم، رغم أن بعضهم الجيل الثاني والثالث والرابع، والأولاد والأحفاد لا يفكرون وليس عندهم وطن أصلًا إلا تلك البلاد.  

فلذلك، أعتقد أن المسلمين في الغرب أمر استراتيجي مهم، لكنه لم يُستثمر بما فيه الكفاية. وبقدر ما ينخرطون في الشأن العام ويصبح لهم تأثير في صناعة القرار، سيكون ذلك مفيدًا في حصاد ما يتوصل إليه العالم الإسلامي من مكانة على المستوى الدولي.  

والله أعلم، وبارك الله فيكم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة