بولس جورج (١): التفكير الزائد
باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
من النعم التي ميَّز الله بها الإنسان عن سائر مخلوقاته نعمة التفكير، وهي نعمة عظيمة تُسمى نعمة الإدراك والتفكير. ومهما بلغت بعض الحيوانات من ذكاء، كالكلاب التي تُدرَّب أو القرود التي يُقال إن لها معدل ذكاء مرتفع، فإنها لا تملك القدرة على التفكير كما يملكها الإنسان. فالتفكير لدى الحيوانات هو تفكير غريزي أو مبني على الخبرات. على سبيل المثال، عندما يطأ حيوان شوكة فيتألم، يكتسب خبرة تجعله يتجنب الشوك مرة أخرى. أو عندما يرى قردٌ أسدًا يهاجمه، يصبح خائفًا من الأسود، وهذا ما يُسمى تفكيرًا غريزيًّا. لكن تفكير الإنسان شيء مختلف تمامًا.
على سبيل المثال، الإنسان يدبر شؤون بيته. إذا كان دخله الشهري مئة ألف جنيه، والأسعار مرتفعة جدًّا، ف Ascالإنسان يفكر: ما الذي يمكنني شراؤه هذا الشهر؟ وما الذي يمكنني شراؤه الشهر القادم؟ وكيف يمكنني أن أجعل راتبي يكفي؟ هذا التدبير يتطلب تفكيرًا وتحليلًا. القدرة على التحليل تعني جمع البيانات من مصادر مختلفة للوصول إلى قرار أو نتيجة. هذه القدرة موجودة عند البشر وغير موجودة عند الحيوانات.
القدرة على حل المشكلات هي أيضًا ميزة بشرية. على سبيل المثال، لن تجد مجموعة من الشمبانزي تقطع الأشجار لتوسيع طريق ضيق إلى طريق واسع. لكن البشر فعلوا ذلك، حيث شقوا طرقًا عبر الجبال، وهذا نوع من التطوير وحل المشكلات. أما قرارات الحيوانات فهي غريزية: إذا شعر بالبرد، يذهب إلى مكان دافئ، وإذا شعر بالحر الشديد، يبحث عن مكان بارد أو مصدر للماء. لكن هل رأيتم قردًا، مهما بلغ ذكاؤه، يبني مبنى من طابق واحد؟ هذه نعمة وموهبة أعطانا إياها الله، لأننا خُلقنا على صورته ومثاله، فوهبنا نعمة التفكير.
التفكير مفيد في كل ما ذكرناه، لكنه قد يسبب مشكلات في بعض الأحيان. كيف يمكن للتفكير أن يسبب مشكلات؟ قد يصبح تفكير الإنسان سلبيًّا، مرهقًا، محزنًا، أو تفكيرًا بلا طائل لا يؤدي إلى نتيجة. هذه الأمور سنناقشها اليوم من خلال موضوع يتضمن جزءًا نفسيًّا وجزءًا آخر علاجيًّا روحيًّا.
لماذا اخترنا هذا الموضوع؟ لقد تحدثت عنه من قبل في مؤتمر، لكن جاءني سؤال، ثم سؤال آخر، فقلت إنه بما أن هناك أسئلة مختلفة، فقد يكون موضوع "التفكير المفرط" يستحق أن نتحدث عنه ونجد له علاجًا. ما هو التفكير المفرط؟ مرة، قال لي أحد الشباب: "يا أبونا، أنا لا أنام من كثرة التفكير، لا أستطيع إيقاف تفكيري". هذا هو التفكير المفرط. بل إنه قال لي: "يا أبونا، هل يمكنك أن تضع يدك على رأسي لترى كم هو ساخن؟" فوضعت يدي على رأسه فوجدته باردًا، أي أنه ليس ساخنًا، لكنه كان يشعر نفسيًّا أن رأسه ساخن من كثرة عمل "المحرك" في ذهنه. هذا شعور نفسي.
ما هو التفكير المفرط؟ إنه تفكير مستمر بلا راحة، أو شرود دائم. ومن خطورته أنه غير مريح، مرهق للجسم والعقل. إذا زاد التفكير المفرط، فقد يؤدي إلى ما يُسمى "الاحتراق النفسي" أو الانهيار العصبي. قد يصل الإنسان، من كثرة التفكير وقلة النوم، إلى فقدان صوابه، فيحدث انهيار. فقد يستيقظ في الصباح وفجأة يصفع والدته قائلًا: "لا أحد يشIشعر بها: "لا أحد يشعر بي". قد يكون ذلك بسبب التفكير المفرط أو أسباب أخرى، لكننا نتحدث اليوم عن التفكير المفرط. التفكير المفرط قد يؤدي إلى القلق أو التوتر، والتوتر يولد المزيد من التوتر. فالذي يدخل في دائرة التفكير المفرط يصبح في حالة توتر لا يستطيع الخروج منها.
ما هي أشكال التفكير المفرط التي يعاني منها الناس؟ على سبيل المثال، قد يكون الإنسان حزينًا على الماضي. يجلس ويفكر: "كنا نعيش في شقة بست غرف، أما الآن فنعيش في شقة غرفتين. كانت لدينا شرفة كبيرة، ومطبخ به ثلاث طاولات وغرفة طعام، أما الآن فمطبخنا متر في متر، إذا دخل أحدهم يجب أن يخرج الآخر". هذه الأفكار المؤلمة تجلده وتتعبه.
صورة أخرى: إنسان مسجون في أفكار لا حل لها. على سبيل المثال، زوجة تقول بعد خمس عشرة سنة زواج: "لماذا تزوجته؟ لم أكن راضية عن هذا الزواج". هذا الندم والسجن النفسي لا يفيد، لكنه يتعبها. تقول: "يا أبونا، لو كنت أعرف كيف أتخلص من هذه الأفكار، لما بعثت إليك بالسؤال".
صورة أخرى: إنسان خائف من المستقبل. يفكر: "كم سأحصل من عملي؟ كم سعر البيت الآن؟ الأسعار مرتفعة جدًّا". يبدأ بحساب راتبه بعد الخصومات: "سيتبقى لي خمسة آلاف جنيه. إذا طرحت تكاليف المواصلات، واشتريت معطفًا للشتاء وقميصًا للصيف، ماذا سيتبقى مع هذه الأسعار؟" عندما يستمر في التفكير هكذا، تصبح الخمسة آلاف صفرًا.
أحيانًا يستسلم الإنسان لفكرة تتعبه ولا يستطيع الخروج منها. على سبيل المثال، فتاة تقول: "أنا كبرت في السن، لم أعد في سن الزواج، فهل سأتزوج أم لا؟" هذه مشكلة، لكن الدماغ تظل مشغولة بها باستمرار، مما يتعبها ويجعلها عصبية.
صورة أخرى: أفكار اللوم المستمرة. شخص يجلس ويفكر: "كنت بين خمس فتيات، وواحدة منهن قالت لي كلمة، ومنذ ثلاثة أيام لم أنم". لماذا؟ لأنه يفكر: "لماذا لم أرد عليها؟ الكلمة كانت على لساني ولم أقلها". هذا يحرق أعصابه. يقول: "دمي محروق". لكنه هو من يزيد النكد على نكده. لا يمكننا صنع آلة زمن لنعود ثلاثة أيام ونرد عليها. لكنها تظل تلوم نفسها: "نظرت إلي بنظرة، وكان يجب ألا أسكت". هذا التفكير المفرط يمنعها من النوم، وتسير في البيت بالشبشب فتصحي الجميع. تقول: "لا أستطيع، إنها نار".
نوع آخر من التفكير المفرط هو الخوف من الغد، أو القلق من المستقبل. وقد يتحول هذا التفكير إلى سوء الظن. على سبيل المثال: "هل كان يقصد شيئًا بكلامه أم لا؟" يفكر: "قال كذا، هل يرمي كلمة أم يقصد شيئًا؟ إذا لم يكن يقصد، أخاف أن أظلمه. وإذا كان يقصد، فأنا لست ساذجًا". يستمر في التفكير: "هل قصد أم لم يقصد؟" يتذكر الجملة التي قالها قبله وبعده، ويظل يفكر دون أن يصل إلى نتيجة، مما يتعبه ويجعله يشعر دائمًا بوجود مؤامرة. يقول: "جاءت وجلست هنا، هل حدث شيء؟ هي متغيرة". ويستمر في التفكير: "ما الذي غيرها؟ هل رانيا هي التي أثرت عليها؟" يظل يفكر: "هي رانيا، هي رانيا"، حتى يضيع القداس ولا يشعر بالمناولة لأنه رأى رانيا.
هناك أيضًا أفكار عقيمة، أي أفكار لا طائل منها. على سبيل المثال، امرأة قالت لي ذات مرة: "لماذا لم يخلقني الله ولدًا؟" هذه الفكرة تسيطر عليها لدرجة أنها لا تستطيع التخلص منها. كلما حدث شيء في البيت، تفكر: "الولد يعود الساعة الحادية عشرة، فيقولون له: تعود بالسلامة. أما أنا فعلي أن أعود قبل العاشرة والنصف. لماذا لم يخلقني الله ولدًا؟" تظل تسرح، ترسم أولادًا وتشخبطهم، وترسم بنات وتحرقهم. هذا السؤال العقيم لا حل له، لكنه يسيطر عليها ويفتح دائرة جديدة من التفكير المفرط.
التفكير المفرط قد يظهر في أمور أخرى، مثل التفكير في العمل أو الترقيات. أو حتى في كرة القدم، حيث يفكر شخص: "إذا خسر فريقي المباراة القادمة، من الفريق التالي؟" يحسب النقاط: "خسرنا نقطتين هنا، وكسبنا نقطة هناك. ما هي فرصتنا في الفوز بالدوري؟" يضيع ساعتين في التفكير، بينما لا أحد يعلم إن كان الدوري سيستمر أم لا.
كل هذه أمثلة على التفكير المفرط لتدركوا أن هذه الحالة قد تصيبنا من حين لآخر. لكن السؤال هو: كيف نتعامل معها بطريقة روحية، وليس فقط نفسية؟ سنأخذ بعض المعلومات النفسية، لكننا سنركز على العلاج الروحي.
### العلاج
إليكم خمسة علاجات في عشر دقائق:
1. **فكر، ادرس، اسأل، اقفل**
من حقك أن تفكر، فالتفكير نعمة، كما قلنا. على سبيل المثال، إذا كنت سأسافر وأريد تذكرة رخيصة ومريحة، أفكر: التذكرة هنا خمسة عشر ألف جنيه، وهناك عشرين ألفًا لكن بدون توقف. أدرس: كم ساعة التوقف؟ أبحث عن شركة ثالثة. التفكير ليس خطأ. لكن بعد أن أفكر، أدرس، أسأل (مثلًا، أسأل شخصًا في شركة سياحة: هل هذه الشركة جيدة؟ هل يقدمون طعامًا صياميًا؟)، وبعد أن آخذ قرارًا وأشتري التذكرة، أقفل. أقفل يعني أغلق دفتر التفكير. لا أفكر في الأمر مرة أخرى. لماذا؟ لأن بعض الناس يعانون من التردد أو الندم: "هل اشتريت تذكرة خاطئة؟ الكل يقول إنها جيدة، لكنها غير قابلة للاسترداد". إذا فتحت الدفتر من جديد، سأبدأ أفكر وأسأل الناس: "هل كنت محقًّا؟ هل ندمت؟ هل تسرعت؟" القاعدة الأولى: فكر، ادرس، اسأل، اقفل. بمجرد اتخاذ القرار، انتهى الأمر. لا تردد، سواء في قرار صغير مثل ماذا نطبخ اليوم، أو كبير مثل شراء سيارة. بعد القرار، أقفل وقل: "ربنا يرشدني"، ولا تفكر في الموضوع مرة أخرى.
2. **ثبت عينيك على صورة المسيح**
هناك حقيقة علمية تقول إن أفكارك تستمر طالما عينيك تتحركان. لكن إذا ثبتت عينيك على شيء واحد لمدة طويلة ومنعت عينيك من الدوران، فإن التفكير المفرط يتوقف. لم أجرب هذا بنفسي لضيق الوقت، لكن الناس يقولون ذلك. لدي اقتراح أجمل: لدينا جميعًا صورة لرب المجد يسوع في البيت، إما تحت زجاج المكتب أو على الحائط. ركز عينيك على المسيح. إذا ثبتت عينيك عليه دون أن تتحركا، سيتوقف التفكير المفرط. جرب ذلك، فهو حقيقة علمية نستخدمها بطريقة روحية.
3. **صلاة يسوع**
إذا كانت الأفكار تسيطر عليك ولا تجد حلًّا، خذ سبحة (30 أو 33 أو 50 حبة، لا يهم العدد)، وقل بهدوء: "يا رب يسوع المسيح، ابن الله الحي، ارحمني أنا الخاطئ"، أو "يا رب يسوع المسيح، أحبك يا رب قوتي". نطق الكلمات بحسٍّ وشعور. ستجد أن أي فكر باطل أمام اسم المسيح، الذي يهز السماوات والأرض وترتعد منه الشياطين، يحترق. حتى لو كان فكر شهوة، لا تستحِ أن تقول صلاة يسوع وسط الشهوة. الشيطان قد يقول: "يا نجاستك، أنت تفكر في الشهوة وتقول يا رب يسوع؟" أجب: "نعم، لأنه ملجأي وقوتي". صلاة يسوع، إذا قلناها باستمرار، تتحكم في العقل. قل: "يا رب يسوع المسيح، ارحمني بعظيم رحمتك"، وابتسم وأنت تنظر إلى صورة المسيح. تخيلها في صلاة يسوع. ستمتلئ نفسك بالمسيح، وأي فكر مقلق سيخرج. مشكلتنا أننا لا نفعل هذا عندما نواجه موقفًا صعبًا لأنه لا يخطر ببالنا. لكن الحل الوحيد هو أن تجرب ما أقوله.
4. **تسليم المشكلة لله**
لسنا قادرين على كل شيء. نتمنى الخير للجميع، ونصلي: "نجنا من الشرير". لكن هناك مشكلات خارجة عن إرادتنا. قد تأتي مضايقات رغم أننا أناس محبة وسلام. قد يغار البعض أو يبلغون عنا. بدلًا من أن أقلق وأفكر: "هل هي مريان أم راندا؟"، أقف وأقول: "يا رب، المشكلة من أولها إلى آخرها أضعها تحت قدميك. أعلم أنك بحكمتك وبقدرتك ستتصرف". الشباب أحيانًا يدمرون بعضهم نفسيًّا بالتفكير: "ماذا ستفعل؟ الدنيا سوداء، لا فائدة". لكن عندي إيمان أن الله لديه كل الحلول. قال: "لا تهتموا بالغد، دع الغد يهتم بنفسه. يكفي اليوم شره". قال إن سليمان بكل مجده لم يكن يلبس كزهرة واحدة في الحقل، وإن خمسة عصافير تباع بفلسين ولا يُنسى أحدها أمام الله. إذن، كل شيء عليك، يا رب.
5. **العمل الشاق**
### السادس: التأمل في كلمة الله
إحدى الطرق القوية لإيقاف التفكير المفرط هي أن نملأ عقولنا بكلمة الله. الكتاب المقدس هو كلام الله الحي، وهو كالسيف ذي الحدين يخترق أعماق النفس ويُهدئ العقل. عندما تأتيك أفكار متعبة، افتح الكتاب المقدس واقرأ بقلب منفتح. على سبيل المثال، إذا كنت قلقًا من المستقبل، اقرأ ما قاله الرب يسوع في إنجيل متى: "فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلغَدِ، لأَنَّ الغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لَهُ. يَكْفِي كُلَّ يَوْمٍ شَرُّهُ" (متى 6: 34). هذه الكلمات ليست مجرد حروف، بل هي وعد إلهي يُطمئن القلب.
خذ مزمورًا، مثل المزمور 23: "الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ". كرر هذه الكلمات، تأمل فيها، دعها تتغلغل في قلبك. عندما تملأ عقلك بكلام الله، لا يبقى مكان للأفكار السلبية. جرب أن تأخذ آية واحدة كل يوم، اكتبها، احفظها، رددها. ستجد أن هذه الكلمات تصبح درعًا يحميك من الأفكار المرهقة. التأمل في كلمة الله يُعيد ترتيب أولوياتنا، ويذكرنا أن الله هو المتحكم في كل شيء.
### السابع: الشكر والتسبيح
التفكير المفرط غالبًا يأتي لأننا نركز على ما ينقصنا أو ما نخاف منه. لكن الشكر يُغير منظورنا. قال الرسول بولس: "افْرَحُوا فِي الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، وَأَقُولُ أَيْضًا: افْرَحُوا... لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالطِّلْبَةِ مَعَ الشُّكْرِ لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ" (فيلبي 4: 4-6). عندما نشكر الله على نعمه، حتى في وسط الضيق، نكسر قوة الأفكار السلبية.
جرب هذا: خذ ورقة وقلمًا، واكتب خمس نعم من الله في حياتك اليوم. قد تكون نعمة الصحة، الأسرة، الطعام، أو حتى لحظة هدوء. ثم ارفع صوتك بالتسبيح: "سبحوا الرب لأنه صالح، لأن إلى الأبد رحمته". التسبيح يفتح أبواب السماء، ويُدخل النور إلى القلب. عندما تسبح الله، أنت تعلن إيمانك بأن الله أكبر من مشاكلك، وأن رحمته تحيط بك. هذا يُضعف التفكير المفرط ويمنحك سلامًا داخليًّا.
### الثامن: خدمة الآخرين
التفكير المفرط يجعلنا نركز على أنفسنا: مشاكلنا، همومنا، مخاوفنا. لكن عندما نخدم الآخرين، نخرج من هذه الدائرة. الخدمة تُحررنا من الأنانية وتُذكرنا بأننا جزء من جسد المسيح. قال الرب يسوع: "مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا" (متى 20: 26). ابحث عن شخص محتاج: قد تكون زيارة لمريض، مساعدة جار، أو حتى كلمة تشجيع لصديق. عندما تُعطي من وقتك وحبك، تجد أن أفكارك المرهقة تتلاشى، لأنك تنشغل بما هو أسمى.
فكر في القديسة تريزا الأفيلية، التي قالت إن الصلاة الحقيقية تؤدي إلى العمل. عندما تخدم، أنت تمارس محبة المسيح، وهذا يملأ قلبك فرحًا وسلامًا. جرب أن تخصص وقتًا أسبوعيًّا للخدمة، سواء في الكنيسة أو في مجتمعك. ستجد أن التفكير المفرط يقل، لأنك تنظر إلى الخارج بدلًا من الداخل.
### التاسع: الصوم والتقشف
الصوم ليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو تدريب روحي يُقوي الإرادة ويُهذب النفس. عندما نصوم، نُعلن أننا لسنا عبيدًا لشهواتنا أو أفكارنا، بل أن الله هو سيد حياتنا. الصوم يُساعد على تهدئة العقل، لأنه يُقلل من الطاقة التي تُغذي الأفكار المتسارعة. كما أن التقشف في الحياة – مثل تقليل الوقت أمام الشاشات، أو تجنب الرفاهية الزائدة – يُعيد التوازن إلى النفس.
جرب أن تصوم يومًا في الأسبوع، مع الصلاة والتأمل. لا تُكثر من الطعام أو الترفيه، بل اجعل حياتك بسيطة. القديس يوحنا الذهبي الفم قال: "الصوم يُجنح النفس للسماء". عندما تُمارس الصوم بنية روحية، تجد أن عقلك يصير أكثر صفاءً، والأفكار المزعجة تفقد قوتها.
### العاشر: الاعتراف والإرشاد الروحي
أحيانًا، التفكير المفرط يكون كالسجن، لا نستطيع الخروج منه بمفردنا. هنا يأتي دور سر الاعتراف والإرشاد الروحي. عندما تذهب إلى أب الاعتراف وتفتح قلبك، أنت لا تتحدث إلى إنسان عادي، بل إلى من يحمل نعمة الروح القدس ليوجهك ويُعينك. قال الكتاب: "اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا" (يعقوب 5: 16).
شارك أب الاعتراف بأفكارك المرهقة، حتى لو كانت تبدو تافهة. هو لن يحكم عليك، بل سيساعدك على فهم جذور هذه الأفكار وكيفية مواجهتها. أحيانًا، مجرد قول الأفكار بصوت عالٍ يُضعف قوتها. كما أن أب الاعتراف قد يعطيك توجيهات عملية، مثل صلاة معينة أو عمل خيري، لتُحول طاقتك من التفكير إلى العمل الروحي.
### مراجعة العلاجات
لنراجع العشرة علاجات باختصار:
1. **فكر، ادرس، اسأل، اقفل**: خذ قرارك وأغلق باب التردد.
2. **ثبت عينيك على صورة المسيح**: ركز على جمال المسيح لتهدأ أفكارك.
3. **صلاة يسوع**: كررها بالسبحة لتُحرق الأفكار الباطلة.
4. **تسليم المشكلة لله**: ضع همومك تحت قدمي المسيح.
5. **العمل الشاق**: أرهق جسدك لتريح عقلك.
6. **التأمل في كلمة الله**: املأ عقلك بوعود الله.
7. **الشكر والتسبيح**: اشكر الله لتغير منظورك.
8. **خدمة الآخرين**: انشغل بالمحبة لتنسَ همومك.
9. **الصوم والتقشف**: درب نفسك على ضبط النفس.
10. **الاعتراف والإرشاد**: افتح قلبك لتتلقى النعمة.
### خاتمة
يا إخوتي، التفكير المفرط هو معركة، لكنه ليس أقوى من نعمة الله. كل واحد منا يمر بلحظات ضعف، لكن لدينا مخلّص قال: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ" (متى 11: 28). ثق أن الله يراك، يعرف همومك، ويريد أن يمنحك سلامه. جرب هذه العلاجات، ليس مرة واحدة، بل بانتظام. اجعلها جزءًا من حياتك الروحية. وتذكر دائمًا: أنت لست وحدك، فالمسيح معك، والكنيسة تدعمك، وروح الله يعمل فيك.
فلنصلِّ معًا: "يا رب يسوع المسيح، ابن الله الحي، ارحمنا واهدئ عقولنا. امنحنا سلامك الذي يفوق كل عقل، وعلمنا أن نثق بك في كل شيء. لك المجد والكرامة، الآن وإلى الأبد، آمين."
ربنا يديكم نعمة، ولإلهنا كل مجد وكرامة، الآن وإلى الأبد، آمين.
تعليقات
إرسال تعليق