مناظرة (١):فؤاد زكريا مع الشيخان الغزالي والقرضاوي
رجاءً الهدوء، يا أخي. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. عندما كنت طالبًا، كنت في الغالب أكون آخر من يمتحن؛ لأن حرف الياء - يوسف - دائمًا يلاحقني، فكثيرًا ما أكون في الختام. ونرجو أن يكون ختامًا طيبًا إن شاء الله.
حديثي لا بد أن أبدأه بنقاط ينبغي الاتفاق عليها: أولًا، ينبغي تحديد المفاهيم. ثانيًا، ينبغي تحرير موضع النزاع. ثالثًا، ينبغي تحديد المعايير التي يُحتكم إليها عند الخلاف.
أما الموضوع الأول، فما هو الإسلام؟ وما هي العلمانية؟ وقد يقول قائل إن قولنا "هو وهي" في مثل هذا المقام ليس صحيحًا لغويًّا. فما الإسلام وما العلمانية؟ أو أن الواو لمطلق الجمع، كما يقول اللغويون، ولا تفيد تضادًا ولا غير تضاد. الإسلام والعلمانية، قد نقول: الإسلام والعلم، الإسلام والفكر، الإسلام والاقتصاد. هذا العطف لا يقتضي إلا المغايرة، ولكنه لا يقتضي التضاد ولا التناقض.
الإسلام لا بد أن نعرف الأمرين اللذين دُعينا للحديث عنهما أو الحوار حولهما، وليس كما قال الدكتور فؤاد زكريا مبارزة. لا، بل هو نوع من التقارب والتفاهم. ونحن نرحب دائمًا بالحوار. وقد دعا الدكتور فؤاد زكريا إلى الحوار في جريدة الأهرام في العام الماضي، وقال إن الموضوع خطير ويستحق الحوار، ولم يحدث فيه حوار من قبل. ولكن اسمحوا لي، كان حوارًا من جانب واحد، لم يُسمح فيه بالحوار لكل الأطراف. فضيلة أستاذنا الشيخ محمد الغزالي كتب مقالتين إلى الأهرام وأرسلهما، ولم تُنشر. فالحوار إذا كان من جانب من يملكون الحديث في الصحف الكبرى دون الآخرين، لا يكون هذا إنصافًا ولا عدلًا. حوار من جانب واحد على غرار ما قيل عن الانتخابات والاستفتاءات في البلاد الاشتراكية، كما قال أحد الكتاب اليوغوسلافيين: إنه سباق يعدو فيه حصان واحد. نحن نريد أن يكون الحوار للجانبين، وهذا هو العدل.
لا نعتقد أننا على صواب في كل شيء؛ لأننا بشر، كما قال الدكتور فؤاد نفسه. حتى وإن تحدثنا عن الشريعة، فنحن نتحدث عنها بصفتنا بشرًا. فكلام الله كله صواب، ولكن كلامنا نحن البشر يشوبه الصواب والخطأ. هذه مسلَّمة.
الإسلام والعلمانية: الإسلام المعروف هو الدين الذي بعث الله به خاتم رسله، وأنزل به آخر كتبه، مما يصلح النفوس، ويسعد البيوت، وينظم المجتمعات، ويهدي البشرية إلى التي هي أقوم. مصدره كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهو الدين الذي امتن الله به على عباده حين قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. هذا هو الإسلام.
أما العلمانية - وأنا أفضلها بالكسر: العَلمانية، وليست العِلمانية؛ لأنني لا أعرف وجهًا للعِلم، ما في شيء اسمه العِلم، وإنما سُميت عَلمانية لأن العلم والدين في أوروبا، التي نُقل عنها هذا المفهوم، أمران متضادان. هناك الدين والعلم، أو اليقين والعقل، أو العقيدة والفكر، أو الحكمة والشريعة، أمران متضادان. فقالوا: العلمانية، بمعنى أن الأمر الذي يتصل بالعلم والعقل والتفكير الإنساني، ولا يستمد من الدين. فكان هذا في جانب، والدين والوحي في جانب آخر. هذا أصل كلمة العلمانية، والألف والنون زائدتان، كما يقولون: العقلانية، والشخصانية، وغيرها.
فما تعني العلمانية؟ لا بد من تحديد هذه الكلمة حتى ننتقل إلى الموضوع الآخر لنحرر موضع النزاع. العلمانية ليست هي الإلحاد، كما يظن بعض الناس. بعض الناس يقول لك: يا أخي، أنا مسلم، أتتهمني بالكفر؟ أنا أؤمن بالله وبرسوله وبالقرآن وبالدار الآخرة، وربما أصلي. وكما ذكر الدكتور عن النحاس باشا أو غيره، لا ينبغي أن نُحدد الموضوع. العلمانية هي فصل الدين عن الدولة: دين لا دولة له، أو دولة لا دين لها، كما عبر بعضهم. لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين. هذا معنى العلمانيين: أنها عقيدة بلا شريعة. هذا هو المفهوم.
يعني التدين مسموح به كتدين فردي: لك أن تصلي، وأن تصوم رمضان، والست من شوال، والإثنين والخميس، وصيام داود - أحب الصيام إلى الله - تصوم يومًا وتفطر يومًا. لا علاقة لنا بذلك. تحج وتعتمر كل سنة في رمضان، ما لها علاقة. بل على العكس، قد تشجع بعض الدول التي ترفض الشريعة مثل هذه الأمور، قد تشجع الطرق الصوفية، وقد تشجع أنواعًا معينة من الاحتفالات الدينية، وقد تشجع التدين الفردي. ولكن أن يخوض الدين معترك الحياة، أن يمسك بزمام المجتمع، أن يسود ويقود، أن يؤثر ويوجه وينظم، هنا تقف العلمانية وتقول: لا.
فالعلمانية ليست معناها الإلحاد، ولذلك لا نتهم العلمانيين بأنهم ملحدون. بل أقول، أيها الإخوة، بصراحة: مصر ليس فيها ملحدون. الأصل حتى الذين لا أتهمهم بأنهم ملحدون. هذا البلد بلد متدين بفطرته وتاريخه. الدين يسري في لحمه ودمه وعظمه وعصبه وعروقه. مصر بلد متدين، هي التي بنت الأهرام، وإلى اليوم لا يحركها شيء كما تحركها كلمة الدين. فليس هناك اتهام للإلحاد، ولا نتحدث عن الإلحاد. بل على العكس، لا أحد يأتي لي بأسئلة ولا شيء، يكفي، دعوني أقول ما في رأسي، وبعد ذلك الأسئلة.
مصر ليس فيها إلحاد، وأقول في هذا طرفة ذكرها المرحوم الأستاذ أحمد أمين: أن واحدًا جاء من أوروبا، تعلم في جامعات أوروبا، وجاء رجلًا متفرنجًا، وقال لهم: أنا ملحد. قالوا: الملحد إيه؟ ليس في هذه البلاد ملحد. قال لهم: أنا ملحد. قالوا: لست ملحدًا. قال لهم: والله العظيم أنا ملحد. [ضحك] أفرحكم شوية، لأنني خائف أن تكونوا نمتم، يعني صحّوا معايا. [موسيقى]
العلمانية هي رفض الشريعة. هذا هو، يعني قبول العقيدة ورفض الشريعة. هذه هي الخلاصة: نقبل الإسلام عقيدة، ونرفضه شريعة. هذا هو المدلول النهائي للعلمانية، أو نقطة الخلاف بيننا: هل الإسلام شريعة كما أنه عقيدة أم لا؟ يعني، لا خلاف على أصل العقيدة: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، متفقون عليه. لا ينكرها الأستاذ فؤاد زكريا، ولا الأستاذ فرج فودة، ولا أي واحد منا. كلهم يقولون: نشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، آمنا وصدقنا. فالكلام طيب، آمنتم بالشهادتين. هناك بعد الشهادتين أشياء أخرى جاء بها الإسلام: عقيدة، عبادات، أخلاق، تشريع ينظم شؤون الحياة. ما موقفكم من هذا كله؟
هنا أحيانًا يقبلون الإسلام عقيدة حقيقة، ولكنهم لا يقبلون أن تكون هذه العقيدة أساس الانتماء، أو أساس الولاء، أو أساس الترابط. فيرفضون أن يكون بين أصحاب العقيدة الواحدة ترابط بعضهم مع بعض. وقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}. يقبلون الأخلاق الإسلامية، ولكنهم يرفضون أيضًا أنواعًا معينة من الأخلاق. تعرفون أن الأخلاق نوعان: هناك أخلاق إنسانية عامة مثل الصدق والأمانة والتعاون والنظافة والنظام، هذه أخلاق كل الناس تحرص عليها. ولكن هناك أخلاق تتميز بها بعض الحضارات عن بعض. مثلًا، نحن هنا عندنا أخلاقيات تميزنا عن الحضارة الغربية، مثل الأخلاقيات المتعلقة بالجنس والمرأة وهذه الأشياء. هذه أخلاقيات منبثقة عن عقيدتنا وحضارتنا. وهنا يشتد الخلاف بيننا وبين العلمانيين. رغم أنهم يقولون: متفقون أخلاقيًا. لا، ولكن هنا هذه أخلاقيات تميز الحضارة الإسلامية، حضارة العفاف والإحصان. فهم في هذه الناحية للإنبهار بالحضارة الغربية، والوقوف موقف المقلد والتابع أحيانًا. وقد يكون هذا مقبولًا في وقت من الأوقات، يوم كنا في الحضيض، وكانت الحضارة الغربية في القمة، وكان تراثنا مجهولًا، وكان يُعرض عرضًا سيئًا. كان إخواننا العلمانيون ودعاة الفكر الغربي معذورين إلى حد كبير. اليوم، أعتقد أنه لم يعد لهم عذر. يجب أن يقرؤوا التراث، ويقرؤوا ما تكتبه الأقلام الإسلامية.
أنا قرأت فيما كتبه الأستاذ الدكتور فؤاد زكريا عيبًا على دعاة الإسلام أنهم لا ينفتحون على الثقافات المعاصرة، مع أنني أعرف أن من دعاة الإسلام من يقرؤون في الثقافات المعاصرة، وفي الفلسفات، وفي علوم النفس والاجتماع والاقتصاد وغيرها. ولكن أرى إخواننا المثقفين ثقافة غربية لا يقرؤون ما يكتبه المسلمون، مستعلين. من قرأ كتب الشيخ الغزالي؟ ومن قرأ كتب الإسلاميين الآخرين؟ أرى بعض الناس يكتب عن الزكاة، ويقول: المجتمع الحديث لا يقوم على الصدقات، ويعتبر أن الزكاة نوع من الإحسان الفردي التطوعي الاختياري. وأنا كتبت مجلدين عن الزكاة، من قرأ هذا من إخواننا المثقفين؟ لا، لنخفف التعبير، نقول: ثقافة مدنية، بدلًا من أن نقول ثقافة علمانية.
العلمانية تقبل العقيدة، ولكنها لا تقبلها أساسًا للانتماء، وتقبل الأخلاق، ولكنها ترفض الأخلاق التي تميز الحضارة الإسلامية، وتقبل العبادات، ولكن ليس كل العبادات أيضًا. ليس كل العبادات. نحن عندنا العبادات الكبرى في الإسلام أربع، كما نعلم: الصلاة والزكاة والصيام والحج. ثلاث مقبولة، وواحدة مرفوضة. الزكاة مرفوضة. لا زلت أذكر سنة 1949، وأنا معتقل في قسم ثانٍ طنطا، قسم البوليس قسم ثانٍ، وأنا طالب في السنة الخامسة الثانوية، ومع الأخ أحمد العسال. الحكومة كانت في ذلك الوقت، لعله من باب المزايدة، كما يحدث أحيانًا، أرادت أن تشرّع قانونًا للزكاة. فقام سياسي كبير من حزب معارض، وكتب في ذلك الوقت ملاحظتين على مشروع قانون الزكاة، وكانت إحدى الملاحظتين أن هذا يعيدنا إلى الوراء، ويعيدنا إلى عهد تحكم الدين في الدولة، أو صلة الدولة بالدين. فحتى الزكاة مرفوضة من وجهة نظر العلمانية. ولذلك، العبادات الشخصية مقبولة، أما عبادة مالية اجتماعية تُعتبر من أركان النظام الاقتصادي والاجتماعي الإسلامي، فهي مرفوضة.
هناك التشريع، طبعًا، هناك جانب من التشريع مقبول، وهو ما بقي من ناحية فقه الأسرة، وهو ما يُسمى عند القانونيين الأحوال الشخصية: فقه متعلق بالزواج والطلاق والرضاع وغيرها. هذا باقٍ، وإن كان بعض الناس، حتى هذا، يريدون أن يغيروا عليه البقية الباقية. وقد حدث في القوانين، هناك قوانين أخرى ترفض. الدكتور فؤاد زكريا ذكر عن القانون والشريعة، وأن هناك تداخلًا بين القانون الوضعي والشريعة الإلهية، وأن التشريع الإلهي لا يمكن أن يكون إلهيًّا بالمعنى الذي يمكن أن يُفهم؛ لأن الذي يفهمه هو الإنسان، والذي يطبقه هو الإنسان. فكيف يكون تشريعًا إلهيًّا؟ وقال فيما كتبه في الأهرام في العام الماضي: إنه لو كانت الشريعة من عند الله، كما يقول الدعاة الإسلاميون، لحسم الموضوع على الفور، ولكن الشريعة ليست بهذه الصورة.
وأنا أتساءل حقيقة: كيف لا تكون الشريعة من عند الله؟ ما معنى قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}؟ {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}. كيف أنزل الله كتابًا للناس، وهذا الكتاب إلهي، ومع هذا لا يمكن أن يكون إلهيًّا لأن البشر هم الذين يفهمونه والبشر هم الذين يطبقونه؟ هل معنى هذا أن هذا الكتاب ليس مبينًا، مع أن الله وصفه بأنه كتاب مبين؟ ألا يوجد فيه أساسيات وقطعيات، على الأقل، تمثل الأسس التي لا بد منها لتقوم الحياة عليها؟
الله أنزل القرآن: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}. المتشابهات تُرد إلى المحكمات، هن أم الكتاب، أي أصله ومعظمه. ففيه آيات محكمات واضحة الدلالة على المراد، وهناك متشابهات تختلف فيها الأفهام والعقول، وهذا مقصود من الله سبحانه وتعالى حتى يمكن أن تجتهد العقول، وأن تعمل، وأن يوجد المتشدد كابن عمر، والمترخص كابن عباس، ومدرسة الرأي، ومدرسة الحديث، ومدرسة الظاهر، ومن يقول بالمصلحة المرسلة، ومن يقول بالاستحسان، ومن لا يقول بذلك. هذا كله إثراء وليس إثقارًا. فمهما قيل إن البشر هم الذين يفهمون ويطبقون، ولكن هناك مستوى الأحكام القطعية التي يقول عنها العلماء: هي المعلوم من الدين بالضرورة.
وهذا هو موضع الخلاف في الحقيقة. موضع الخلاف بيننا وبين العلمانيين ليس هو الأشياء التي يمكن أن تحكم فيها لجنة علماء. لا، نحن نختلف في أشياء مهمة: إباحة الزنا، أو شرب الخمر، أو الحدود، أو إقامة الحياة الإسلامية، الحياة القائمة على الإيمان والخلق والاستقامة والطهارة، ومنع الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتحقيق العدل الإسلامي، والكفالة الإسلامية، والشورى الإسلامية، وغيرها. هناك أشياء لا ينبغي أن يكون فيها خلاف. يا ريت نتفق على القطعيات. فالقول بأن التشريع لا يمكن أن يكون إلهيًّا، هناك جانب من التشريع هو تشريع إلهي، وهو القطعيات المحكمات. وحتى المتشابهات، كيف يكون موقفنا من المتشابهات؟ المسلمون لم يدعوا هذا الأمر يعبث به العابثون. لقد وضع المسلمون علمًا يُعتبر مفخرة من مفاخر التراث الإسلامي، يضبط الاستدلال والاستنباط، ويضع القواعد، وهو العلم المعروف بعلم أصول الفقه: كيف نستنبط فيما لا نص فيه؟ وكيف نستدل بما فيه نص؟ هذه الأمور لم تُترك للأهواء. وما تُرك، هناك أشياء تُركت، وهذا أيضًا رحمة من الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الحديث: "إن الله حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها". موضع الخلاف هو الثلاثة الأولى: حدودًا فلا تعتدوها، وفرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها. أما منطقة العفو، ما سكت عنه فهو عفو، فهي منطقة واسعة، وهذا منطق بفضل الله، أنه ترك هذه المنطقة، لم يفصل في كل شيء، ولم يشرع في كل شيء. هذه المنطقة، منطقة الفراغ التشريعي، أو بتعبير الحديث: منطقة العفو، نملؤها بالقياس، بالاستحسان، بالمصلحة المرسلة، بمراعاة العرف، وغيرها.
فالتشريع، العلمانية ترفض التشريع بحجة منها ما قاله الدكتور: كيف يكون التشريع إلهيًّا والبشر هم الذين يفهمون؟ ولكن مهما كان النص، حتى النصوص البشرية، لا بد أن يؤخذ منها أشياء أساسية. الأستاذ الدكتور زكريا، وهو أستاذ من أساتذة الفلسفة المعدودين، ألا نستطيع أن نقول إن لأرسطو فلسفة وله أفكار أساسية معروفة عن الكون والسياسة والأخلاق وغيرها، مهما اختلف شراح أرسطو، من ابن رشد ومن بعده ومن قبله؟ الفارابي، الذي كان يُسمونه المعلم الثاني، حاول أن يوفق بين أرسطو وأفلاطون، الجمع بين آراء الحكيمين، وفسرها تفسيرات. مهما يكن من أخطاء المفسرين والشراح، هل ينكر أحد أن لأرسطو فلسفة ذات معالم معينة في تفسير الكون والحياة والنظر إلى الإنسان؟ وكذا، إذا كان هذا شأن البشر، أيعجز رب البشر أن ينزل على الناس كتابًا يحدد ما يرضيه منهم وما يسخطه منهم؟ هذا لا يمكن أن يقال. هناك شريعة إلهية معروفة في عدد من نواحي الحياة، هذه أمور قطعية. الأمور الخلافية ممكن تُرد إلى الأمور الاتفاقية، والمختلف فيه يُرد إلى المتفق عليه، والظني يُرد إلى القطعي، والمتشابه يُرد إلى المحكم، حسب أصول الاستدلال. هذا هو الذي نقوله بالنسبة لمسألة التشريع الإلهي.
القانون، الدكتور قال إن القانون البشري الوضعي قانون يقنن عادات الناس وأعراف الناس، وهذا صحيح، خاصة بالنسبة للقانون الروماني. وقالوا: القانون الروماني كان يقنن الأعراف والعادات المعمول بها. وإن كان هناك خلاف جوهري وفرق أساسي بين الشريعة والقانون. القانون يقنن ما اعتاده الناس وتعارفوا عليه، خيرًا كان أم شرًّا، فضيلة أم رذيلة. الشريعة تحاول أن ترتقي بالناس: الخير تُقره، والشر ترفضه. ولذلك، النبي عليه الصلاة والسلام، لما جاء إلى المجتمع العربي، كان هناك أشياء في هذا المجتمع، لم يغير كل ما في المجتمع. لا، هناك أشياء أقرها، وأشياء رفضها. كان عندهم أنواع من الزواج: زواج الاستبضاع وغيره، ألغاها. وهناك الزواج الذي فيه خطبة ومهر وغيرها، أبقاه. هناك بعض البيوع: المضاربة، المال من جانب والعمل والخبرة من جانب، كانت موجودة في الجاهلية، أقرها. وهكذا.
فليس الشريعة جاءت لترتقي بالناس. إذا كان هناك شيء اعتاده الناس، العرب اعتادوا الخمر، ذكروا لها نحو مئة اسم، ومن يقرأ أشعار العرب يعرف كيف أولع العرب بالخمر. ولكن لو كانت الشريعة كالقوانين الوضعية، كانت ستقر العرب وتقنن شرب الخمر، وكيف تشرب، وكيف تبيع. ولكن لا، أرادت أن ترتقي بالمجتمع، ومن هنا حرم الخمر، حرمها بالتدريج. وهذا هو المنهج الإسلامي الحكيم في معاملة النفس البشرية، أنه يأخذها بالتدرج. وهذا ما ننادي به، نحن ننادي الآن بالشريعة الإسلامية، نقول: بالتدريج. لا مانع، يعني حتى لا نقول للتطبيق الفوري أن نصدر قانونًا: اهدموا البنوك الربوية من الصباح. لا، تعطى فترة انتقالية وهكذا.
أنا ذكرت فيما ذكرت، ما ذكره مؤرخ عمر بن عبد العزيز، وما ذكره الإمام الشاطبي في كتابه "الموافقات". عمر بن عبد العزيز، لما تولى الخلافة، كانت هناك مظالم كثيرة، وكان له ابن تقي ورع، مثل شباب الجماعات الإسلامية المتحمسين، فجاء وقال له: يا أبي، أراك تأخذ الأمور ببطء، مالك لا تُسارع في رد المظالم وإقامة كذا وكذا؟ فوالله ما أبالي لو غلت بي وبك القدور في سبيل الحق، لو ذُبحنا ووُضعنا في القدور وغلينا بها. فقال له: يا بني، لا تعجل، فإن الله ذم الخمر في آيتين وحرمها في الثالثة، وإنني لو حملنا الناس على الحق جملة لدفعوه جملة. قال: انتظر. الابن المتحمس يريد أن يجر طلم. نحن نقول بهذا، ما قاله الأستاذ خالد محمد خالد، نقول بهذا، لكن لا نقول التشريع استقر وأحل الحلال وحرم الحرام وفرض الفرائض، ولكن في التطبيق نقول بالتدرج في التطبيق. والتدرج سنة من سنن الله الكونية، وسنة من سنن الله البشرية، وسنة من سننه التشريعية. فنحن لا نمانع.
الفرق بين الشريعة والقانون، ومع هذا نقول: إن القانون الوضعي، القانون الوضعي الذي وُضع في بلادنا في مصر وفي البلاد الإسلامية، قانون للأسف لم يقنن ما اعتاده الناس وتعارفوه. المفروض أن يكون القانون صورة للمجتمع. القوانين التي تحكمنا ليست صورة لمجتمعنا؛ لأن هذه القوانين في الأصل قوانين مستوردة من مجتمع غير مجتمعنا، له عقائد غير عقائدنا، وقيم غير قيمنا، ومنطلقات غير منطلقاتنا، وموازين غير موازيننا. ولهذا، للأسف، كثيرًا ما يتعارض القانون الوضعي مع المسلمات الفكرية والأخلاقية والدينية لمجتمعاتنا؛ لأنه قانون غريب، قانون لقيط. فلو أنه فعلًا، كما يقول القانون، انبثق فعلًا من حاجة المجتمع، لا، هي قوانين جاءت إلينا بقرارات فوقية. حينما دخل الاستعمار بلاد المسلمين، فرض علينا قوانين من عنده، من دياره، وبعد ذلك حاولنا أن نطعمها بشيء من الفقه الإسلامي وغيره. فكيف نقول إن هذه القوانين قننت ما اعتاده المجتمع؟
القوانين، أذكر لك مثالًا، بس أنا كنت سأذكر مثالًا من غير ما تدخل. مثلًا، نحن في المجتمعات الإسلامية نؤمن بأن الزنا حرام ومنكر وجريمة. ولكن القوانين التي جاءت من بلاد الغرب تقول: إن الزنا، مادام بالتراضي، فليس جريمة. لا يُجرمون كل أنواع الزنا. الزنا يُجرم إذا كان بالاكراه، يُجرم إذا كان في بنت صغيرة دون البلوغ، يُجرم إذا كان وراءه نوع من الدعارة والاتجار بها. أما مجرد الزنا، هذا لا. ولذلك، يعني، في قصة يذكرونها: أن لو أن واحدًا جاء ووجد مع امرأته رجلًا أجنبيًّا، كان صعيديًّا بقى، شارب من بزمة، فجاء يريد أن، أزاي واحد مع امرأته؟ فأراد أن يقتله، فالزاني عاجله وقتله. ماذا تكون النتيجة بالنسبة للقانون الوضعي؟ أولًا، هناك جريمتان: جريمة الزنا وجريمة القتل. أما جريمة القتل فتعتبر دفاعًا عن النفس، وأما جريمة الزنا، طبعًا المرأة راشدة، يعني من ناحية التراضي: أنا راضية، وأبويا راضي، وأنت مالك؟ ولكن هناك اعتداء على بيت الزوجية، على بيت الرجل، فهناك حق للزوج، ولكن الزوج مات، فيسقط حقه. باقي مسألة القتل، دفاعًا عن النفس. لما يطلع واحد محامي شاطر، ما أخذناش إخواننا المحامين، يعني، يأخذ حكمًا مخففًا. هل هذا يعبر عن واقع مجتمعنا الإسلامي؟ لا يعبر عن واقع مجتمعنا الإسلامي. فالقانون الذي المفروض أن يقنن أخلاقيات الناس وما تعارفوا عليه، لا، هو قانون غريب، قانون دخيل.
ثم من ناحية أخرى، أنا أقول: حتى الأشياء التي يوافق فيها القانون الشريعة، هناك فرق بين أن يؤخذ القانون على أنه قانون وضعي جاء مع نابليون أو ما بعد نابليون، وبين أن يؤخذ على أنه شرع الله تبارك وتعالى. فرق كبير. المسؤولية الفردية، فرق بأن تقول: إن القانون الوضعي أقر المسألة الفردية، وأن كل واحد معلق من عقوبته، وأن كل إنسان مسؤول عن عمله ولا يتحمل عمل غيره. فرق بين أن تقول هذا، وبين أن تقول هذا انبثاقًا من قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}. فرق كبير بين أن تستمد الشريعة من الجذور الربانية، وبين أن تكون مجرد قوانين وضعية.
أمريكا حاولت في وقت من الأوقات أن تحرم الخمر، وأصدرت تشريعًا بتحريم الخمر، وجندت لذلك كل قواها: الأسطول في البحر، والجيش، والشرطة، وأجهزة الإعلام، وسودت ملايين الصفحات من أجل ذلك. ثم كانت النتيجة، ما يعرفه الذين اطلعوا لذلك، أن الأساطير فشلت، والشرطة فشلت، والإعلام فشل، ونجح المهربون، ونجح كذا، ولم تنجح. بينما الإسلام، حينما أخذهم بالتدرج، حتى وصل إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}. قالوا: قد انتهينا يا رب. كان الرجل يكون في يده الكأس، شرب بعضًا وبقي بعض، تكون النتيجة أنه يفرغ بقية الكأس: خلاص، انتهى، قد انتهينا يا رب.
ففرق، حتى لو القوانين الوضعية متفقة، وفعلًا القوانين الوضعية متفقة في أكثرها مع الإسلام. القانون المدني فيه بعض أشياء: الربا والغرر وبعض الأشياء التي فيها خلاف كبير. القانون الجنائي، كما نعلم. ولكن حتى ما يتفق فيه القانون مع الشريعة، نريد أن يكون المنطلق إسلاميًّا. نريد أن نقول للناس: هذه القوانين التي تحكم هي شريعة الله. هنا تجد الفرق في الانقياد والقبول. الضريبة ضريبة، والزكاة ضريبة. ولكن حينما تأخذ هذا على أنه من عند الله، يأتي الواحد ويقول: خذ، أريد أن أطهر نفسي، كما كان يفعل مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع الخلفاء: أريد أن أزكي نفسي وأطهر مالي. فهذا فرق بين الشريعة والقانون.
هذا هو موقف موضع الخلاف. يجب أن نحرر موضع النزاع، كما يقول علماء أدب البحث والمناظرة في تراثنا. موضع النزاع هو هذا. لسنا نختلف في مسألة التدين الفردي، ولا في أن العلمانيين ملحدون، لا نقول هذا، لا نتهمهم بالإلحاد. وإن كانت العلمانية قد تنتهي بصاحبها إلى إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، وهذا كفر والعياذ بالله. قد تنتهي به إذا عاند وأصر ورفض القطعيات من شرع الله، فهو ينتهي إلى هذا.
هنا الأمر الثالث الذي ينبغي أن نصل إليه: ما هو المعيار؟ المعيار الذي نحتكم إليه إذا اختلفنا؟ افرض الدكتور فؤاد زكريا قال: إن الإسلام هو الصلاة والصيام والتدين الفردي والعبادة لله سبحانه وتعالى فيما بينك وبين ربك، وقلنا له: لا، الإسلام أوسع من ذلك، مدى. هو ينكر شمول الإسلام، ونحن نقول بشمول الإسلام. إذا اختلفنا في هذه القضية أو في غيرها من القضايا التي تحدث عنها، لا بد أن يكون هناك مقياس نتفق عليه. إذا قلت: هذا طوله كذا، وقال: لا، طوله كذا، لا بد أن يكون هناك مقياس متري أو ذراع أو شيء نحتكم إليه. ما الذي نحتكم إليه في هذه الأمور؟
أول شيء، طبعًا، ما دمنا نتحدث عن الإسلام والعلمانية، وما دمنا نحن مسلمون، فلابد أن يكون معيارنا هو الإسلام. نحن لم ننكر هويتنا الإسلامية، وكل منا يقول: أنا مسلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ونؤمن بالقرآن ونؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم. إذا فالاحتكام ينبغي أن يكون إلى القرآن وصحيح السنة، وهذا ما يقوله الله تبارك وتعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.
فعندما نحتكم: هل الإسلام نظام شامل للحياة، أم هو دين بالمعنى الغربي لمفهوم الدين، أنه علاقة فقط في ضمير الفرد بينه وبين الله، فإن خرج من ضميره فيكون في المسجد؟ هذا هو الذي نختلف فيه حقيقة. نحن لا نقبل أن يكون للدين ركن. والذي انتهى إليه الوضع الحالي الآن أن هناك شيء اسمه ركن الدين: ركن الدين في الإذاعة، ركن الدين في التلفزيون، صفحة الدين يوم الجمعة، الأحوال الشخصية في القانون. لا، والإسلام لا يقبل أن يكون مجرد ركن أو زاوية. الإسلام هو الحياة، إنه رسالة، رسالة للإنسان كله، وللزمن كله، وللعالم كله. عبر عنها الشهيد حسن البنا في مقال من مقالاته بكلمة من أبلغ الكلمات، قال: إنها الرسالة التي امتدت طولًا حتى شملت آباء الزمن، وامتدت عرضًا حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقًا حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة.
فهذا هو الإسلام بشموله، وهذا هو القرآن: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}. الإسلام رسالة شاملة، بيشمل الإنسان من مهده إلى لحده، منذ أن يولد إلى أن يموت. منذ أن يولد، في أحكام تتعلق بالولادة. ابن القيم ألف كتابًا سماه "تحفة المودود في أحكام المولود". أول ما يولد الطفل، ماذا تصنع له؟ ما واجب أبويه نحوه؟ تؤذن، يسن لك أن تؤذن في أذنه، وغيرها. أحكام المولود والرضاعة، ومن يرضعه؟ {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}. وعندما يبلغ السابعة: مروا أولادكم بالصلاة لسابع، واضربوهم عليها لعشر. لا يمشي مع الإنسان منذ طفولته طفلًا ويافعًا وشابًا وكهلًا وشيخًا، وعلى فراش الموت إلى أن يحتضر. بل هناك أحكام وتوجيهات تتعلق بالحمل في بطن أمه، وتتعلق بالإنسان بعد أن يموت: أحكام الجنائز، الغسل والتكفين والدفن والصلاة عليه، وتنفيذ وصاياه، وقضاء ديونه. والإسلام يصحب الإنسان في رحلة حياته كلها، وينظم الحياة من أدب المائدة إلى بناء الدولة.
ليس معنى هذا أنه قيد الإنسان بتفصيلات في كل الأمور. لا، كما قلت، هناك منطقة العفو. ولكن هناك توجيهات أساسية تعلم المسلم حتى في أكله، يقول له: لا، هذا حرام، وهذا حلال. الخنزير لا تأكله، الخمر لا تشربها، سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك، افعل كذا، لا تشرب ولا تأكل في آنية الذهب والفضة. في كل الأمور، في آداب إسلامية وتقاليد إسلامية وتوجيهات وتشريعات. فحصر الإسلام في ضمير الفرد أو في المسجد، هذا ظلم للإسلام، هو الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
فالإسلام له صفة شمولية، وليس الإسلام وحده. الاشتراكيون أنفسهم يقولون: إن الاشتراكية يجب أن تشمل الحياة، ولا يقبلون من يقول: إن الاشتراكية مذهب اقتصادي. يقولون: هو مذهب اجتماعي شامل؛ لأن الحياة نهر واحد متصل بعضه ببعض، وهذا هو الواقع. لا يمكن أن تأخذ جانبًا وتترك جانبًا. ما معنى أن واحدًا يقول يحارب الخلاعة على المنبر، ولكن تأتي أجهزة الإعلام بما يغري بالخلاعة أو بالمجون؟ أو ما الفائدة؟ {مَتَى يَبْلُغُ الْبِنَاءُ يَوْمًا تَمَامَهُ إِذَا كُنْتَ تَبْنِيهِ وَغَيْرُكَ يَهْدِمُهُ}. لا بد من تكامل الحياة الإسلامية بعضها مع بعض، ولا يحدث التناقض.
العلمانية، أيها الإخوة، كان لها مبررها في أوروبا، وليس لها أي مبرر في بلادنا. وقد ذكر الأستاذ الدكتور فؤاد زكريا نفسه أن العقل الإنساني في أوروبا أراد أن ينفض عنه قيوده، وأن يتحرر من أسره، وأن يخرج من القيود التي وضعها رجال الكهنوت هناك. فكان لا بد أن يتحرر من الدين، دين الكنيسة، ومن إله الكنيسة نفسها، ومن تفكير الكنيسة، لينطلق إلى الآفاق. لا أريد أن أتحدث عما أشار إليه فضيلة الشيخ الغزالي، وما هو معروف تاريخيًّا من الأسباب التاريخية التي أدت إلى نشوء العلمانية في الغرب. هذه الأسباب ليست موجودة عندنا. هناك تسلط الكنيسة، وقوفها في وجه العلم والتحرر والتقدم، وقوفها مع الإقطاع ضد الفلاحين وضد الطبقات الكادحة، وقوفها مع الملوك ضد الشعوب، وقوفها مع الجمود ضد التفكر والتحرر. كان لا بد أن تكون هناك علمانية مقابل هذا. أما نحن، فمن الذي يدعونا إلى هذا؟ الإسلام يدعو إلى العلمية بكل معاني العلمية. وقد كتبت في مجلة "الشعب" مقالًا منذ أشهر قريبة بعنوان: "نعم للعلمية، ولا للعلمانية". العلمية نحن معها، وهي فريضة عندنا، علمية العقلية العلمانية التي توازن الأمور، وتحكم بالعقل، وتخضع للتجربة في الأمور التي تحتكم إلى البرهان، والأمور الحسية التي تحتكم إلى المشاهدة. هذه هي العقلية الإسلامية التي قامت عليها الحضارة الإسلامية بالفعل. هذه العقلية لم تكن موجودة عند الغرب، فاحتاجوا إلى العلمانية. أما نحن، فلسنا في حاجة إلى العلمانية.
ساعد على هذا أن التعاليم الدينية عندهم توافق على هذا في ظاهر منطوقها. في الإنجيل يقول: "ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". أي إن الإنجيل قبل بتقسيم الحياة بين قيصر وبين الله. هذا غير مقبول عندنا؛ لأن عندنا قيصر وما لقيصر لله الواحد الأحد. الإسلام لا يقبل الثنائية في الإنسان، ولا الازدواجية في الحياة، ولا الصراع بين سلطتين. الإنسان واحد، والحياة واحدة متكاملة. ولهذا، إذا كان هناك ما يبرر لهم أن يقسموا الحياة، فليس عندنا ما يبرر ذلك. لا يقبل عندنا قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}، وقوله: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}. هذا غير مقبول عندنا. فإذا قبل هذا عند المسيحي، فلن يقبل عند المسلم. إذا قلت للمسلم: أركن قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} على جانب، أو قوله: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} فأركنها على جانب، أو قوله: {أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} فأركنها على جانب، أو قوله: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} فأركنها، فكيف؟ هذا غير مقبول. لا يقبل المسلم هذا. حينما تقول هذا للمسلم، فكأنك تنتزع منه دينه، أو تنتزع دينه منه. إنك في هذه الحالة تقيم توترًا في النفسية الإسلامية، تناقضًا بين العقيدة وبين الواقع، بين ضمير الإنسان وبين ما ينبغي أن يكون في الحياة. وهذا لا يكون وراءه خير، لا للدين ولا للدنيا. لا يقبل دينًا، ولا يصلح للحياة. الإنسان الذي يعيش وهو يشعر أن ما يقع في مجتمعه ضد عقيدته التي فرضها الله عليه، لا يكون إنسانًا سويًّا، لا يكون صاحب النفس المطمئنة، لا يكون إنسانًا منتجًا اقتصاديًّا، لا يكون مواليًا لمجتمعه ووطنه. إنه يعيش غريبًا دخيلًا على هذا الوطن؛ لأن الوطن يضغط عليه بما لا يقبله في دين الله. ومن هنا أقول: إذا أجازت الكنيسة وأجاز الإنجيل هذا التقسيم، فالإسلام لا يقبل هذا.
بل حتى ليس مجرد تعليم الإنجيل، الفكر الغربي في حد ذاته يقبل هذا. الله عند الغربيين ليس مثل الله عندنا نحن المسلمين. الله عندهم خلق العالم وتركه، أي لم يعد له علاقة به. وهذا معروف في الفلسفة القديمة، والأستاذ الدكتور زكريا أعرف بهذا. الفيلسوف الذي يُلقب بالمعلم الأول، أرسطو، كيف ينظر إلى الألوهية؟ الإله لا علاقة له بهذا العالم، عالم الكون والفساد، لا يعرف فيه شيئًا، ولا يدبر فيه أمرًا، إنه لا يعلم إلا ذاته، ولا يعقل إلا ذاته. وهذه إحدى مواضع النزاع بين الفلاسفة الإسلاميين وبين المتكلمين، أو بين الغزالي والفلاسفة، كما هو معروف في "التهافت" و"تهافت التهافت" وغيرها. القضية، كما يقول مؤرخ الحضارة ومؤرخ الفلسفة ويل ديورانت في كتابه "مباهج الفلسفة"، يقول: يا لإله أرسطو من إله مسكين! إنه يملك ولا يحكم، مثل ملك إنجلترا. إذا كان إله أرسطو مسكينًا، فإله أفلوطين، صاحب الأفلاطونية الحديثة، أشد مسكنة منه؛ لأن إله أرسطو يعلم ذاته فقط، أما إله أفلوطين فحتى ذاته لا يعلمها. الفكر الغربي يقبل مثل هذا التفكير، أما فكرنا الإسلامي فلا يقبل هذا بأي وجه من الوجوه. ولذلك، فالعلمانية مقبولة عند الغربيين.
من ناحية أخرى، النصارى ليس عندهم تشريع يأمرهم به الإنجيل، بحيث إذا أخذوا تشريعًا آخر يكونون في حالة تناقض مع دينهم. معروف أن الإنجيل، من قرأ منكم الأناجيل الباقية من الأناجيل السبعين، أو الأناجيل الأربعة: حنا ومرقس ولوقا ومتى، ليست فيها تشريعات إلا تشريع الطلاق وبعض أمور بسيطة جدًّا. إنما هي مواعظ ووصايا وشيء من سيرة المسيح. ليس هناك تشريعات في الأناجيل تناقض أي قانون وضعي. ولذلك، فالنصراني إذا حُكم بقانون وضعي علماني، لا حرج عليه. أما المسلم، إذا حُكم بقانون يقول إن عقوبة السرقة السجن، بينما القرآن يقول: {فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ}، سيظل المسلم يشعر أن هذا ضد دينه، ضد قرآنه. قل لي، أعلمْني، أنا كمسلم، كيف تفرض عليَّ أن تحكمني بما لا يرضاه قلبي وعقلي وديني؟ أنا رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، وبمحمد رسولًا. فكيف تفرض عليَّ ما ترفضه عقيدتي؟ النصراني ليس عنده مثل هذا. هذا فرق.
الحقيقة أن مبررات العلمانية في الغرب لا وجود لها عندنا. ثم هناك شيء آخر أريد أن أذكره: حينما أخذ الغرب العلمانية، وفصل الدين عن الدولة، ماذا حدث؟ حُرمت الكنيسة من السلطة الظاهرة، ولكن بقيت للكنيسة سلطة باطنة تحرك السياسة من وراء ستار في أمور كثيرة. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، بقيت للكنيسة سلطتها المستقلة. نحن نعلم أن هناك بابوية، وهذه البابوية دولة داخل الدولة، لها أملاكها. سمعتم فضيلة الشيخ الغزالي في المحاضرة الماضية يقول إن أملاك الكنيسة الكاثوليكية تأتي في الدرجة الثالثة بعد أمريكا وروسيا من ناحية الغنى. لها جيش جرار من المبشرين في أنحاء العالم، ولها سلطة دولة فعلًا. أما الإسلام، فليس له مثل هذه السلطة. ليس عندنا سلطة بابوية، بل ليس عندنا رجال دين. الحقيقة أن في الإسلام ليس هناك رجال دين. هناك عالم دين، وكل واحد يمكن أن يكون عالم دين إذا درس وأصبح عالمًا. الأمر ليس بالوراثة، ولا بالزي، ولا بشيء. فمسألة العلماء هم أناس متخصصون في فقه الدين والدعوة إليه. {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}. فالإسلام ليس فيه مثل هذه الطبقة، طبقة لها سلطانها داخل المجتمع الإسلامي، تحكم في رقاب الناس وضمائرهم. ولذلك، إذا لم يكن للإسلام سلطة سياسية تتمثل في حكم إسلامي، وليس هناك سلطة دينية كما في المجتمع الغربي، فمعناه أن الإسلام أصبح بلا سلطة قط، لم يعد له شيء أبدًا.
ولذلك، كنت أنادي بمشروع لمواجهة تيارات التنصير وغيرها، مشروع الألف مليون دولار. وكنت أقول: طيب، كيف نأتي بهذا المبلغ؟ لو كان لنا خليفة، كان ينادي الناس: يا مسلمين، هبوا لنصرة دينكم. لو كان عندنا بابا، كان يقول للناس باسم الدين. أما نحن، فليس عندنا خلافة إسلامية ولا بابوية دينية. فالعلمانية عندنا معناها أنها تجرّد الإسلام من كل قوة. ما كان في المجتمع الغربي لا يجوز أن يُفرض في المجتمع الإسلامي. قياس المجتمع الإسلامي على المجتمع الغربي هو، كما يقول الأصوليون، قياس مع الفارق، بل مع الفوارق العديدة؛ لأن تاريخنا غير تاريخهم، وعقائدنا غير عق= عقائدهم، وتشريعاتنا غير تشريعاتهم، ومقاييسنا غير مقاييسهم. لم يحدث عندنا ما حدث عندهم من صراع بين العلم والدين. بل الدين عندنا علم، والعلم عندنا دين. فلماذا نحتاج إلى العلمانية؟ لا حاجة إلى العلمانية، أيها الإخوة، ليس هناك حاجة إلى العلمانية.
طبعًا، أريد أن أكون منصفًا. هناك بعض الأشياء التي تخيف الذين يدعون إلى العلمانية. من هذه الأشياء أنهم يخشون أن تقوم حكومة دينية، كما قامت في البلاد الأوروبية. والإسلام لم يعرف حكومة الكهنة. ليس في الإسلام حكومة كهنة أو دراويش. وإذا قامت حكومة إسلامية، فهل معناها أن الشيخ الغزالي يجب أن يكون رئيس الجمهورية؟ لا. إنها حكومة تضع كل إنسان في موضعه. قد تؤخر أبا هريرة وتقدم خالد بن الوليد. وهذا ما حدث فعلًا. خالد بن الوليد، منذ أسلم، أخذ موضعه وتصدر الصفوف، سيف سلّه الله على المشركين. عمرو بن العاص، منذ أسلم، تصدر الصفوف وقاد المعارك، وكان معه كبار الصحابة من السابقين الأولين. هذه قيادات مواهب قيادية أخذت موضعها. أبو ذر، على ما كان له من سبق وفضل ومنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما طلب الإمارة، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإنها أمانة، وإنها خزي وندامة يوم القيامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها". ليس معنى أن أبا ذر أصدق الناس لهجة أنه لا يصلح للإمارة. السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، تعلموا أن كلمة السياسة كلمة قديمة عندنا. السياسة الشرعية، ابن تيمية يقول في "السياسة الشرعية"، نقلاً عن الإمام أحمد بن حنبل، أنه لما سُئل: هناك أميران، أمير تقي ضعيف، وأمير فاجر قوي، مع أيهما أغزو؟ قال: أغزو مع القوي الفاجر. أما الفاجر، ففجوره على نفسه، وقوته للمسلمين. وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه، وضعفه على المسلمين. من يقول هذا؟ أحمد بن حنبل، إمام الورع، يقول هذا. [تصفيق]
مقياس تولي الأعمال في الإسلام هو القوة والأمانة. {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}. {جَعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}. العلم والقوة والكفاءة من ناحية، والأمانة والحفظ والصيانة والرعاية لحقوق الله وحقوق الناس من ناحية أخرى. هذا هو ما يريده الإسلام. ليس فيه حكومة دينية بهذا المعنى.
أقول إن المبررات التي عند الغرب لا يوجد فيها أي مبرر. والتخوفات التي عند إخواننا من الدعاة العلمانيين ومن أتباع الأديان الأخرى لا محل لها. تخوف، مثلًا، من قيام حكومة دينية؟ لا، لا يمكن. لم يكن في تاريخنا حكومة دينية. نحن ندعو إلى حكومة إسلامية تعطي كل ذي حق حقه، وتضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وإذا وصل الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة. فهي حكومة شورية تقوم على البيعة، وتعطي الأمر لأهله، وتحاسب الحاكم وتراقبه. "من رأى منكم فيَّ اعوجاجًا فليقوّمني". "أطيعوني ما أطعت الله فيكم"، إلى آخر ما تعلمون. فهي حكومة إسلامية، وليست حكومة دينية، كما أشار فضيلة الشيخ الغزالي.
يتخوفون من جمود بعض علماء الدين، وأن هناك من العلماء من يقف جامدًا. ولكن أعتقد أن هذه مرحلة قد انتهت، تجاوزها الزمن. لا أجد عالمًا الآن له اعتباره يقول بإغلاق باب الاجتهاد. هؤلاء مجموعة من العلماء. هل هناك أحد يقول إن باب الاجتهاد مغلق؟ نحن ننادي بفتح باب الاجتهاد، الاجتهاد الإنشائي الإبداعي، والاجتهاد الترجيحي الانتقائي، انتقاء من التراث، والاجتهاد في المسائل الجديدة. وهناك مجامع قامت على هذا، والأمور اجتهادية كثيرة. وإذا كان هناك من العلماء من يفعل هذا، فنحن ضده، نحن أول من يحاربه.
هناك أيضًا بعض فصائل الجماعات الدينية التي تتبنى مقولات متشددة، أو آراء متشنجة، أو تقف تحارب في غير معركة في مسائل جزئية. نحن لا ننكر هذا. ولكن ليس هذا هو السواد الأعظم لأبناء الجماعات الإسلامية. كان هذا منذ زمن، وقد عاصرت هذا وعايشته في أوائل السبعينيات، حينما جئت من قطر بعد غياب مدة من الزمن. جئت وواجهت الشباب يقول بأفكار غريبة جدًّا. قاومناها، وقاومها مثل الشيخ الغزالي وقوم، حتى اعتدل الشباب، وأصبح الغالب على الشباب هو الاعتدال والتوازن. بل أصبحت الكتب الإسلامية المعتدلة يطبعها الشباب ويوزعونها بعشرات الآلاف. فلا ينبغي أن يُتهم شباب الجماعات الإسلامية بالإطلاق بأنهم متطرفون. المتطرفون أجنحة يسيرة من هذه الجماعات، ومع هذا نستطيع أن نحاورهم ونقنعهم. ونحن أول من يحارب من يقرأ كتب الشيخ الغزالي الأخيرة، وهي عدة كتب، كلها تقاوم التطرف والتشنج والتزم. ولعل الفقير إلى الله تعالى قد ساهم بشيء من ذلك. هذا لا ينبغي أن يخيفنا.
هناك أيضًا التجارب التي أثارت بعض الناس، يرفعون شعار: تريدون أن تحكموا بإسلام النميري، أو إسلام ضياء الحق، أو إسلام الخميني؟ لا، نحن نريد أن نحكم بإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، إسلام مصدره القرآن والسنة، القائم على الاجتهاد بما يلائم عصرنا. هذه التجارب قد تكون فيها أخطاء في الفهم وفي التطبيق، هذا بلا شك. ولكن من يتبنى هذا، للأسف، بعض الإخوة الذين يتبنون العلمانية، نقلوا عن لساني كلمة فوجئت بها اليوم وأنا أقرأ بعض الكتب، نقلوا عن لساني كلمة لم أقلها قط. والذين حضروا المناسبة الأولى لتطبيق الشريعة الإسلامية يعرفون ماذا قلت. أنا لست من الذين يلقون الكلام على عواهنه. ما قلت كلمة في مدح النميري. بالعكس، أنا وقفت في معركة مع الذين قالوا إنها تجربة إسلامية. قلت: لا يقال عن الشريعة الإسلامية إنها تجربة. وقلت إن الأصل أن المسألة ليست قوانين. هناك خطأ كبير جدًّا. الخلاف ليس في القوانين، أيها الإخوة. وهذا ما قلته في السودان فعلًا. نحن لا نريد القوانين الإسلامية فقط، نحن نريد حياة إسلامية متكاملة، توجهها العقيدة الإسلامية، وتحكمها الشريعة الإسلامية، وتسودها المفاهيم الإسلامية، وتضبطها القيم والأخلاق الإسلامية. هذا ما نريده. القوانين جزء من هذا، والقوانين وحدها لا تصنع المجتمعات. هناك الفكر والتوجيه والتربية، هذا كله لا بد منه. والقوانين ليست هي الحدود فقط. من الظلم أن يقال إن القوانين الإسلامية هي الحدود فقط. ركز الأستاذ الدكتور فؤاد زكريا فيما كتبه في الأهرام أن دعاة الإسلام ليس عندهم إلا الحدود. من قال هذا؟ نحن طالما قلنا: يا جماعة، الآيات التي ذكرت الحدود في القرآن بضع آيات، ولكن الآيات التي ذكرت العقيدة والأخلاق والتكافل والعدل الاجتماعي وتطهير المجتمع وغيرها آلاف الآيات. فمن قال إن هذا هو الإسلام وحده؟ نحن لا نقول هذا، ولا يلزمنا مقولة غيرنا.
لا داعي للتخوف إذًا من الإسلام. التخوف على الحريات؟ بالعكس، نحن دعاة الحرية. نحن دعاة الحس، لم يُطعن ولم يُضرب إلا تحت مطارق الاستبداد السياسي. ويوم تتاح الحرية للإسلام ليتنفس وليقول كلمته وليوجه الشعوب، فإن الإسلام دائمًا هو المنتصر. ولذلك، نحن نرحب بالحرية، وندعو إلى الحرية: حرية الرأي، وحرية الاعتقاد، وحرية الكلمة، وحرية الاجتماع، وحرية تكوين الأحزاب. وأقولها بملء فيّ: إن الإسلام لا يمنع أن تكون هناك أحزاب، ما دامت في ظل الأصول الإسلامية القطعية. توجد أحزاب ومدارس متعددة وتتحاور، ونحتكم في النهاية إلى الناس.
لا داعي للتخوف. الذين يقولون إن هناك تخوفًا على غير المسلمين؟ غير المسلمين عاشوا في المجتمع الإسلامي أربعة عشر قرنًا، أو نقول ثلاثة عشر قرنًا، قبل أن يأتي الاستعمار. حينما كان يحكم الإسلام، لم يوجد دين حفظ لهؤلاء حرماتهم، وأحمى دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وقاتل عنها كما يقاتل عن المسلمين سواء بسواء، إلا الإسلام. وأنا كتبت في هذا كتابًا اسمه "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي". لهم حقوق لا يمكن أن نصادر حريتهم أو نلغي شخصيتهم. وهم جزء من الوطن، يحملون الجنسية السياسية الإسلامية، وهو ما يسميه الفقهاء: أهل دار الإسلام. بالتعبير الحديث: الذين يحملون الجنسية السياسية الإسلامية. فلهم ما لنا، وعليهم ما علينا، إلا فيما استُثني فيما له طابع ديني. لهم حق أن يكون لهم تمثيل ملائم في المجالس الشورية، في الحكومة، إنهم جزء من الوطن. ولكن لا ينبغي أن نجاملهم على حساب دين الله. إذا كان المسيحي يقبل القانون الوضعي، فلماذا لا يقبل القانون الإسلامي؟ أنا أخذه على أنه من عند الله، وهو يأخذه على أنه قانون الأغلبية. أليست الديمقراطية مقبولة؟ والديمقراطية هي حكم الأغلبية. لماذا لا يحكم رأي الأغلبية، بشرط ألا نظلم الأقلية، وأن نحفظ لها كيانها وحقوقها؟ ما الخوف إذًا؟ لماذا نخاف من الشريعة الإسلامية ومن الحياة الإسلامية؟ بالعكس، بدلًا من النفاق السياسي، نكون أصحاء. يا أخي، لكم دينكم ولي دين. أنا لا مانع عندي أن يكون المسيحي متدينًا بدينه، هذا أفضل من أن يكون ملحدًا. نحن مع التدين، ولكن لسنا مع الطائفية. التدين شيء، والطائفية شيء آخر. التدين أن يلتزم الإنسان بدينه، بأخلاقه، بقيمه. أما الطائفية فهي الحقد على الآخرين، التعصب ضد الآخرين. لا نقبل هذا لا عند المسلمين ولا عند غير المسلمين.
الأستاذ الدكتور فؤاد زكريا قال: العلمانية مطلوبة لأجل الطوائف الأخرى، وذكر أمثلة هي حجة عليه. احتج بالهند، والهند منذ نشأتها علمانية، ولم تنفع العلمانية في إخماد الطائفية. نحن نعرف فتنة السيخ، ونعرف عصبية الهندوس، ونعرف المجازر التي تحدث للمسلمين ما بين حين وآخر. هؤلاء الذين لا يجيزون قتل الفأر، ويأكلون القمح، ولا يجيزون استعمال المبيدات للرذاذ أو البخاخات في الفنادق؛ لأنهم يرحمون البعوض، قتل ذي روح لا يجوز، ولكن يجوز قتل المسلمين! ماذا صنعت العلمانية؟ أبقت الطائفية وزادتها اشتعالًا. لبنان، منذ خلقه الله علماني، أو منذ استقل، وهو علماني. ومع هذا، العلمانية لم تلغ الطائفية، وكانت الحرب الأخيرة في ظل العلمانية. لا، لبنان لا يحكم بالشريعة الإسلامية، ولا الهند تحكم بالشريعة الإسلامية. العلمانية هي أساس الحكم، ومع هذا لم يغن ذلك عنهم شيئًا.
أيها الإخوة، نحن نريد الشريعة الإسلامية، ونرفض العلمانية. نرفض العلمانية لأنها ضد عقيدتنا وشريعتنا، ونرفض العلمانية لأنها ضد مصلحتنا. نحن نريد أن نجند هذا الشعب تحت راية الإيمان، في جو من النظام، جو أحكام يتيح للإنسان أن يتطهر، وأن يتخلق، وأن يكون إنسانًا فعالًا. نريد أن نفجر طاقات هذا الشعب، ولن نفجر طاقاته إلا في ظل الإيمان. هذه الأمة لا تفجر طاقاتها إلا إذا قادتها بـ"الله أكبر". أما إذا قادتها بشيء آخر، فلا يمكن أن تصنع بها العجائب، أو تحل بها المشكلات المستعصية. نحن نرفض العلمانية لأنها ضد العقيدة والشريعة، ولأنها ضد المصلحة، ولأنها ضد الديمقراطية. أليست الديمقراطية أن تحكم الأغلبية؟ فلنستفت الأغلبية بيننا وبين العلمانيين، استفتاء حر، نزيه: شريعة إسلامية أم قوانين علمانية؟ وما يقوله الشعب نقف عنده. الشعب مع الإسلام، وهذا ما قاله الدكتور، وقال: أعترف أنه إذا كانت المسألة إسلام أو علمانية، فالإسلام هو الرابح من غير كلام. وذلك لأن هذه فطرة هذا الشعب، الشعب مسلم. فالعلمانية ضد الديمقراطية. العلمانية مبدأ مستورد من أرض غير أرضنا، لها تاريخ غير تاريخنا. ولذلك، إذا حكمنا منطق الدين، أو منطق المصلحة، أو منطق الديمقراطية، أو منطق الأصالة، فكلها ترفض العلمانية، ولا تقبل إلا الشريعة الإسلامية.
أما التقدم والعلم والتكنولوجيا وغيرها، فمرحبًا بها، هي فريضة إسلامية. مرحبًا بالاقتباس. الحكمة من أي وعاء خرجت نلتمسها، من الشرق والغرب. أي نظام شرقي أو غربي، نظام اقتصادي، نظام اجتماعي، نظام لمصلحة الناس، ما دام لا يتعارض مع قيمنا وشرائعنا وأخلاقياتنا، فنحن نقتبسه وندخله في الإسلام، ويصبح جزءًا من الإسلام، كما صنع عمر بنظام تدوين الدواوين وغير ذلك من الأنظمة الأخرى. ثم أسلمت هذه الأنظمة. أي نظام نأخذه من نظام آخر نؤسلمُه، يعني يفقد جنسيته الأولى، ويصبح جزءًا من النظام الإسلامي العام. هذا ما ننادي به، أيها الإخوة. ولسنا منغلقين، ولسنا ضد التقدم، ولسنا ضد التكنولوجيا، ولسنا ضد طائفة من الناس، ولا نكفر أحدًا، ولا نتهم أحدًا، بل نحسن الظن بكل مسلم، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجمعنا على الحق والهدى، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا، إنه سميع قريب. ومعذرة إذا أطلت، فالموضوع خطير، كما قال الدكتور فؤاد نفسه في مقالاته. الموضوع خطير ويستحق مثل هذا وأكثر من هذا. معذرة، أيها الإخوة، في النهاية، وشكر الله لكم، واستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله.
هناك تعقيب لا بد منه لأستاذنا الدكتور فؤاد زكريا، وإذا لم يوفِّ بطلب الأخت، فإن لها حق الكلام إن شاء الله. تفضل هنا، يا دكتور. [موسيقى]
أردت فقط أن أعقب على بعض النقاط التي وردت في الحديث المستفيض الذي سمعناه من الأخ الشيخ يوسف القرضاوي. أريد أولًا أن أقول إنني لا أجيد البلاغة ولا الفصاحة، وقد قلت ذلك من قبل، وأكرره مرة أخرى، وأخاطب عقول الناس. الشيخ القرضاوي، الحقيقة، أدخلنا في ميدان آخر، من حقه بطبيعة الحال، ولكنه من خلال صوته ومن خلال إلقائه ومن خلال كلامه خاطب عواطفكم كثيرًا وأثر فيها. اتفقنا أن نكون هادئين إن شاء الله، وأن نستمع وننصت. أنا أعذره، رجاء، رجاء، أعلن من هنا أنني أتفق مع ما قاله الأستاذ الدكتور فؤاد زكريا، الدكتور القرضاوي خاطب عواطفنا، ولكني أختلف معه في نقطة بسيطة، وهي أننا نخاطب عقولنا أيضًا. ولكن هذه قضية يجب ألا تكون مسار هذا الجدل كله. لماذا هذا الصياح؟ رجاء، يا إخوانا، رجاء، نرجو أن نعطي الفرصة الكاملة للتعبير. وصيحة الاحتجاج التي حدثت هي أكبر دليل على صحة كلامي أن العواطف لعبت دورًا في الموضوع. لأنه لو كانت مناقشتنا عقلية بحتة، لقبلتم كلمتي هذه بصورة أهدأ. مرة أخرى أقول إن هذا ليس الميدان الذي أجيده. أنا لدي حدود معينة، وجئت هنا على أساس أن ألتزم هذه الحدود.
الأخ الدكتور القرضاوي تحدث عن دعوته إلى الحوار في الأهرام، وقال إن هذه الدعوة قد استُجيبت بالنسبة إلي فقط، ولم تُستجب بالنسبة إلى الشيخ الغزالي. طبعًا، إذا كان هذا قد حدث، فقد حدث رغمًا عني. ولعلكم جميعًا تعلمون أنني أول من دعا إلى أن يخرج الحوار مع جميع الجماعات الإسلامية عن إطار وزارات الداخلية. أنا أول من قال هذا المعنى في جريدة من جرائد الحكومة، وقلت إنه من الخطأ الكبير أن تُترك المسألة في يد الداخلية لكي تحلها بعقلية ضابط المباحث. وأنا جاد جدًّا في مسألة الحوار هذه. ولكن، طبعًا، نوع الحوار الذي أستطيع أن أشارك فيه هو الحوار الذي يخاطب العقول وحدها. فأي شيء حدث لمقالات الشيخ الغزالي، أرجو أن تتأكدوا تمامًا أنه شيء لا أرضى عنه ولا أقبل به. ولم أسمع هذه القصة إلا الآن، وإذا كانت قد حدثت، فهذا شيء يؤسف له.
في تحديد العلمانية، وردت عبارة منصفة في كلام الأخ الدكتور القرضاوي، وهي إزالة الوهم الذي أصبح من الكليشيهات الشائعة في الجرائد، يقولون: العلمانية والإلحاد وكذا، يعني أصبح الاثنان معًا كأنهما شيء واحد. فهو في هذه الناحية كان منصفًا إلى حد بعيد. لكنه عندما يقول إن معناها أن يكون هناك دين لا دولة له، ودولة لا دين لها، أنا فاهم هو قصده إيه بدولة لا دين لها، لكن أظن أن هذا التعبير له إيحاءات أخرى قد تُفهم مباشرة أنه يشجع على فكرة الإلحاد. هو يقصد أن الدين لا يكون هو السياسة الرسمية الوحيدة، أو الأساس الوحيد لسلوك الدولة في هذه الحالة. لكن التعبير بشكله هذا مؤكد أنه يشجع على الربط بين العلمانية وبين الإلحاد.
أرسطو اُتُّهم ظلمًا مرتين في كلام الشيخ القرضاوي، وأنا مش هادخل في التفاصيل. [ضحك] يا إخوانا، رجاء الصمت. إما أن تصمت، وإما أن تنصرف. إما أن تصمت، وإما أن تنصرف. [موسيقى] تفضلوا، يا إخوانا، رجاء الهدوء، رجاء الهدوء، وعدم الانفعال. إذا تكررت هذه الانفعالات، سنضطر، آسفين، لختام الندوة. إما أن نستمع إلى النهاية، وإما أن ننصرف. وعلى وفاء. [موسيقى] أرجو ألا يغضب مني الأخ، لأن الذي أثار هذه المشكلة لم يكن أنا. وكل ما في الأمر أن الحكاية كان لها صلة وثيقة بأساس هذه الندوة. عندما قال لنا الشيخ القرضاوي إن الغرب يقبل مثل هذه الازدواجية بين العلمانية والدنيا، بدليل أن أرسطو قال كذا، فأنا أقول إن هذا ضرب من العرض ينقصه قدر كبير من الدقة. اسمحوا لي، لأننا لا نستطيع أن نستشهد على حالة العرب أو المسلمين بما كانوا عليه في أثناء عهد الوثنية أو الأصنام. وكذلك الكلام عن الغرب من خلال أن أرسطو قال كذا عن الله. الغرب ترك أطروحات أرسطو، وأنا مؤيد تمامًا للأخ الذي احتج على كلام أرسطو، لأن الغرب ترك كل قضايا أرسطو وكل نظراته إلى العالم منذ وقت طويل. فيجيء الشيخ القرضاوي اليوم ويستشهد بموقف أرسطو لكي يستدل منه على رأي الغربيين في الازدواجية بين الله وبين العالم.
أريد أن أتحدث عن مسألة شمول النظام الإسلامي التي استفاض فيها الشيخ القرضاوي. أنا أقول إن فكرة الشمول الكامل هذه عمليًّا مستحيلة، مستحيلة للسبب الذي قاله الأستاذ عادل حسين نفسه، وهو أن أمامنا ميادين هائلة، مشكلات هائلة، من ضمنها المشكلة، الكلمة البليغة جدًّا التي قالها الأخ المحتج لما قال: "عايزين ناكل عيش، عايزين ناكل عيش". أنا أحترم جدًّا هذه الكلمة. ليه؟ لأنها تدخلنا في صميم المشكلات التي نواجهها. طيب، إزاي هنأكل عيش؟ خدوا بالكم معايا شوية. في موقف زي اللي إحنا فيه، إزاي هنأكل عيش؟ [موسيقى] تفضل، كمل، تفضل. إزاي هنأكل عيش في مواجهة، مثلًا، البنك الدولي، والقروض الموجودة قدامنا، وقروض التسلح، ونسبة الفوائد، وفترات السماح التي نطلبها، أو الإقلال من الفوائد، أو كذا أو كذا؟ هذه مشكلات، عندما نواجهها، لا مفر لنا من أن يكون اجتهادنا فيها إنسانيًّا. بمعنى إيه؟ بمعنى أننا سنأخذ من الدين قضيته العامة جدًّا، لكن كل ما ندخل في التفاصيل، سنتصرف فيها كما يتصرف أي إنسان في هذا العالم المحيط بنا. وهذه هي الطريقة التي نستطيع بها أن نحقق أمنية هذا الشاب في أنه يأكل عيش. أن نفكر في مشكلاتنا بروح العالم الذي نعيش فيه، بروح العصر الذي نعيش فيه. طيب، لما ندور، هنواجه البنك الدولي إزاي؟ مش هنلاقي إيه؟ ولا نص ينفعنا في هذا الموضوع. معلش، معلش، الأخ اللي بيتكلم، رجاء الصمت. في واحد لسه اتشال بره الندوة لأنه خرج على النظام، وهناك لجنة نظام قادرة على أن تشيل نص الموجودين إذا لم يحترموا النظام. رجاء أن نستمع بعقل، رجاء أن نستمع بعقل وبلا تشنج. رجاء، يا إخوانا، أن نسمع بهدوء. أي حد يخرج على النظام، لو سمحت، بيفسد على الحاضرين جميعًا استمتاعهم بالندوة. رجاء أن الناس تقعد بهدوء.
أنا لم أفهم سببًا لهذا الاحتجاج في الواقع، لأني لا أعتقد أنني قلت شيئًا يسيء إلى مشاعر أي شخص. كل ما أشرت إليه هو حالة من الحالات التي يواجهنا بها المجتمع المعاصر، وهي حالة غير مسبوقة، لم تكن لها نماذج، ولا نستطيع فيها أن نستشهد بالآيات المقدسة؛ لأنها بعيدة عنها. هذه حالة جديدة من الحالات التي تمر علينا. وأقول إن اجتهاداتنا في العالم المعاصر ستزداد فيها مساحة التفكير البشري، وتقل فيها مساحة الاستشهادات بالنصوص، غصب عنا. العالم كده اللي إحنا عايشين فيه. وإذا لم نستطع أن نساير هذا العالم، سوف يدوسنا بالأقدام، لا مفر. فأرجو أن تُنظر إلى المسألة في هذا الضوء، ولا تُنظر إليها على أنها مهاجمة للدين أو للإسلام أو غيره. هذا منظور خطأ من أصله.
الشيخ القرضاوي يقول لنا إن العلمانية لم يعد لها مبرر في العالم الإسلامي؛ لأننا مختلفون عن الغرب، والغرب كانت تواجهه أخطار كذا وكذا. وأنا أسعدني أن الأستاذ عادل حسين قال إن هذه الأخطار واردة، وأنا أؤكد مرة أخرى أنها واردة، واردة، واردة. يعني، هو يقول، مثلًا، لا يوجد تحالف بين رجال الدين وبين الإقطاع، أو بين رجال الدين وبين الملوك، كما حدث في أوروبا. هل يقول الشيخ القرضاوي هذا وضميره مطمئن إلى أنه لم يحدث مثل هذا التحالف في العالم العربي المعاصر في حالات كثيرة؟ هل ضميره مطمئن إلى أنه ما فيش ناس من الأقطاب، من بعض الأقطاب، لا كلهم طبعًا، الذين يدعون إلى الحركة الإسلامية المعاصرة، لم تصدر عنهم كلمة نقد واحدة على ما يحدث في السعودية، مثلًا؟ هل يطمئن إلى أنه فعلًا التحالف بين رجال الدين والملوك لم يكن قائمًا ولا هو وارد على الإطلاق؟ أنا أشك في ذلك.
الشيخ القرضاوي يقول إن جمود علماء الدين لا معنى له ولا محل له في عالمه، وضده، وضده، وضده. كويس، كلنا مع هذا، وكلنا مع أن يصبح الإسلام مواكبًا للعلم. هذه أمنية عند الجميع. ولكن، ألم تحدث معارك كثيرة على صفحات الجرائد وغيرها بسبب أن بعض المشاهير الكبار جدًّا من علماء الإسلام نادوا بشعارات معادية للعلم؟ وقصة الكلينكس معروفة، ورقة الكلينكس التي قال فيها إن الرجل الذي اخترع ورقة الكلينكس أفيد لنا من اللي طلع القمر. يعني، هذه مخاوف لها كل ما يبررها. أنا ضربت مرة مثلًا من الأمثلة، وأرجو أن تستعيدوا مرة أخرى رؤية هلال رمضان ورؤية هلال العيد. لم نستطع حتى الآن أن نتفق على أن كلمة الرؤية يمكن أن تكون بالأجهزة، التي هي أدق مليون مرة من العين البشرية. ولا زالت المهزلة تحدث في كل سنة، لما يتحدد بداية شهر رمضان بثلاث أو أربع طرق مختلفة، وفي بعض الأحيان حصل بأثر رجعي أن قالوا: كنا غلطانين، وأعيدت التواريخ الهجرية مرة أخرى، ولخبطة في كل العالم الإسلامي. هل حدث أن هيئة دينية واحدة وقفت بشكل قاطع وواضح وقالت: إحنا رأينا أن الرؤية تكون رؤية الأجهزة، وليس رؤية العيون البشرية الضعيفة الكليلة، ونقطع المسألة دي وننتهي منها؟ لم يحدث. طيب، إحنا لما نلاقي هذا الكلام، أليس على الأقل يكون لنا بعض المبرر في التخوف من فكرة الجمود هذه؟ لما تشوف مثلًا واضحًا وبيتكرر كل سنة، وبعدين ده مجرد مثل لحالة من الممكن جدًّا أن تتكرر مرارًا في حالات أخرى. لهذا السبب، أقول إن فكرة الجمود وفكرة الوق 그는 против علم، على الأقل، واردة، على الأقل، واردة. ولا يجب أن نكتفي بالاستشهاد بما كان عليه علماء المسلمين؛ لأن بعض علماء المسلمين كفّروا في وقتهم. هتقولوا لي إن التكفير ده كان تصرفًا غلط؟ صح، كان تصرفًا غلط، لكن حصل، لكن حصل.
الشيء الأخير الذي أود أن أقوله هو أن الشيخ القرضاوي في الواقع يتحدث عن الإسلام في مثاليته، وفي هذه الزاوية لن يختلف معه فيها أحد. ولكن، هنرجع تاني ونقول: التطبيق والمثل الأعلى يقول إن إحنا ما يهمناش إسلام النميري، ما يهمناش إسلام فلان. إحنا يهمنا الإسلام في ذاته. طب، عظيم. لكن كيف يحدث أن كل الناس اللي بيحاولوا يجيبوا الإسلام في ذاته بيتصرفوا تصرفات زي النميري، أو زي الخميني، أو زي ضياء الحق، أو زي كذا، أو زي كذا؟ كيف يحدث هذا؟ كيف يحدث أن كل واحد يحدد ماهية الإسلام في ذاته في دور فهمه هو، ثم يقسم أن هذا هو الإسلام في ذاته؟ هو إنتم فاكرين إن النميري ساعة ما قدم تشريعاته كان بيقول إن دي اجتهادنا الخاص؟ لا، طبعًا، كان بيقول إن هذا هو الإسلام في ذاته، وكان بيجد في بلده وفي خارج بلده من يؤكده له أن هذا هو الإسلام في ذاته. وضياء الحق بيعمل نفس الشيء، وغيره وغيره بيعملوا نفس الشيء، وهكذا. طيب، كيف نحل هذه المشكلة؟ أنا لا أقدم لها حلًّا، ولكن على الأقل، كما بدأت خطابي، أنا أخاطب عقولكم، ولذلك أرجو أن عقولكم تفكر في هذه المشكلة تفكيرًا جديًّا. أنه قد ينبري لنا البعض ممن لهم مصالح خاصة، ويفسروا الإسلام تفسيرًا خاصًّا يتماشى مع مصالحهم، أو مع البنوك اللي أصحاب رأس مالها مليونيرات، أو غيره، أو غيره، ويقولوا لنا إن هذا هو الإسلام. فكيف؟ ما هي الوسائل التي ستكون في يدنا عندئذ لكي نتصدى لهم، ولكي ندافع عن حقوق المواطن العادي البسيط ضد مثل هذه المهازل؟
شكرًا. بس لحظة واحدة. وندعوكم جميعًا بكلام الإمام الشيخ حسن البنا: "الجموا نزوات العواطف بنظرات العقل". نستجيب جميعًا إلى دعوة إعمال العقل، ونستجيب جميعًا إلى دعوة الحوار. ونرجو أن تكون هذه الندوة بداية هذا الحوار الذي غاب وافتقد. شكرًا لكم جميعًا، ونشكر الله تبارك وتعالى. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك. إن شاء الله ننصرف بهدوء، ننصرف بهدوء وبنظام. بسم الله الرحمن الرحيم: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تعليقات
إرسال تعليق