علي عبد الله (١): عقيدة الصدمة

 
**ندوة: بصمة الصدمة - رحلة عبر التاريخ والاقتصاد والسياسة**

**السلام عليكم ورحمة الله وبركاته**  
أهلاً وسهلاً بكم في هذه الندوة التي نستعرض فيها قصصاً تاريخية وسياسية واقتصادية تكشف عن بصمة الصدمة التي تركت أثرها في العديد من الدول، مستلهمين كتاب "عقيدة الصدمة" لنعومي كلاين. سنتناول قضايا تتقاطع مع علم النفس، الاجتماع، السياسة الدولية، التاريخ، والاقتصاد، لنفهم معاً ما يدور حولنا بعمق أكبر.

---

### **الجريمة التي غيّرت مسار التحقيقات الجنائية**

في يونيو 1892، شهدت قرية نيكوتشيا في الأرجنتين حادثة مروعة هزت أرجاء المجتمع. فرانشيسكا روهاس، أم شابة، أبلغت الشرطة عن جريمة قتل بشعة وقعت في منزلها. وفق روايتها، عادت إلى البيت لتجد رجلاً يخرج منه، وعند دخولها اكتشفت مقتل طفليها. أكدت فرانشيسكا أنها لم تمس شيئاً وغادرت المكان فوراً، مشيرة إلى أن الجاني هو بدرو فيلاسكو، صديقها الذي كان يهددها بقتل أطفالها إن لم تتزوجه، مدعية أنه نفّذ تهديده للانتقام منها.

تحركت الشرطة بسرعة وقبضت على فيلاسكو، وخضع للتعذيب - وهي الطريقة السائدة آنذاك في التحقيقات الجنائية عالمياً - لانتزاع اعترافه. لمدة ثلاثة أيام، تعرض فيلاسكو لتعذيب قاسٍ، بما في ذلك غمر رأسه في الماء، لكنه رفض الاعتراف بالتهمة. هذا الصمود أثار دهشة المحقق إدواردو ألفاريز، الذي بدأ يشك في فعالية هذه الطريقة التقليدية، معتبراً أنها لا تؤدي دائماً إلى الحقيقة.

قرر ألفاريز العودة إلى مسرح الجريمة بحثاً عن أدلة جديدة. قلب المنزل رأساً على عقب، لكنه لم يجد شيئاً حتى لفت انتباهه باب الشقة، حيث رصد بقع دم تبدو حديثة. هنا، خطرت له فكرة ثورية: هل يمكن أن تكشف هذه البقعة عن هوية القاتل؟ في ذلك الوقت، لم تكن هناك تقنيات لتصوير البصمات أو تحليلها، فقرر ألفاريز أخذ الباب بأكمله إلى صديقه خوان فيسيتش، ضابط شرطة وعالم أنثروبولوجيا، يمتلك معرفة واسعة في القانون.

عمل فيسيتش بجد لتطوير طريقة مبتكرة لتحليل بقعة الدم، وكانت المفاجأة مذهلة: أثبتت النتائج أن فيلاسكو لا يمكن أن يكون القاتل. هنا، واجهت الشرطة لغزاً محيراً: إذا لم يكن فيلاسكو الجاني، فمن هو؟ عادت الشرطة إلى فرانشيسكا لاستجوابها مجدداً، لكن هذه المرة بلا تعذيب أو عنف. وكانت الصدمة الكبرى: اعترفت فرانشيسكا بأنها هي من قتلت طفليها. تأكد ذلك بما لا يدع مجالاً للشك، إذ تطابقت بصمة إصبعها مع تلك الموجودة في بقعة الدم على الباب.

من هنا، انطلقت ثورة في عالم التحقيقات الجنائية، حيث أصبحت البصمات أداة حاسمة لكشف المجرمين، ممهدة الطريق لتطوير تقنيات حديثة في تتبع الجرائم.

---

### **الصدمة السياسية في مصر 2013**

في 30 يونيو 2013، وبعد أقل من عام على حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، خرجت أعداد هائلة من الشعب المصري تطالب بعزل الرئيس محمد مرسي. هذه التحركات غذتها عوامل عدة، منها فشل الإخوان في مواجهة تحديات الثورة المضادة، إلى جانب أصابع خفية سعت لإجهاض التجربة الديمقراطية الأولى في مصر لأسباب كشفت عن نفسها لاحقاً.

في 3 يوليو 2013، ظهر وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، برفقة رموز الدولة، ليعلن الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، معلناً عزله واحتجازه في مكان مجهول، وتعليق العمل بالدستور، وتكليف المستشار عدلي منصور بإدارة شؤون البلاد مؤقتاً حتى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة. أكد السيسي أن هذا الإجراء جاء استجابة لمطالب الجماهير، مشدداً على أن القوات المسلحة لا تطمع في الحكم أو الانخراط في السياسة، وأنها قدمت النصح لمرسي حول المخاطر الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجه البلاد.

لكن سرعان ما خرجت مظاهرات مناهضة للانقلاب، بينما احتفل مؤيدوه تحت حماية الشرطة والجيش. بدأت السلطات الجديدة بإغلاق قنوات إعلامية موالية لمرسي، وشنت حملات اعتقالات طالت رموز التيار الإسلامي. اعتصم المعارضون للانقلاب في ميداني رابعة العدوية بالقاهرة والنهضة بالجيزة، وتضخمت أعداد المعتصمين حتى وصلت، وفق تقديرات منظمة هيومن رايتس ووتش، إلى أكثر من 85,000 معتصم.

في 14 أغسطس 2013، استيقظت مصر على صدمة مروعة: فض اعتصامي رابعة والنهضة بعنف، أسفر عن مقتل أكثر من 6,318 مدنياً في أقل من أربع ساعات، وسط مشاهد مروعة بثت على الهواء مباشرة، حيث استخدمت الجرافات لنقل الجثث، وأُحرقت جثث أخرى، وهاجمت طائرات الهليكوبتر المدنيين. هذه الأحداث لم تكن مجرد محاولة للقضاء على الإخوان أو الإسلام السياسي، بل كانت رسالة واضحة للجميع بأن البلاد دخلت مرحلة الحديد والنار، حيث لا مجال للمعارضة، وكل من يعارض يواجه الموت، السجن، أو الاختفاء.

خلال أقل من عام، ترشح السيسي للانتخابات الرئاسية، ليصبح رئيساً، مخالفاً وعود الجيش بعدم الانخراط في السياسة. شهدت البلاد قرارات مثيرة للجدل، مثل التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وفشل إدارة ملف سد النهضة مع إثيوبيا، والتخلي عن بعض حقول الغاز في البحر المتوسط لليونان، إلى جانب صفقات أسلحة باهظة مع إيطاليا وفرنسا. في الوقت نفسه، بنى السيسي مشاريع ضخمة، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، التي تضم أطول مائدة إفطار، أكبر سارية علم، وأطول برج في إفريقيا، لكنها لم تخفف من وطأة الأزمة الاقتصادية.

سجلت مصر أرقاماً قياسية سلبية: أقل قيمة للجنيه المصري في تاريخه، معدل تضخم بلغ 36.8%، دين خارجي وصل إلى 165.36 مليار دولار، ودين داخلي مرتفع، مع ارتفاع معدلات الفقر ونقص حاد في احتياطي النقد الأجنبي. واجه الشعب صدمة اقتصادية غير مسبوقة، بينما يطالب صندوق النقد الدولي بمزيد من تعويم الجنيه وخصخصة أصول الدولة، مهدداً بقطع القروض إن لم تُنفذ هذه الإصلاحات. وصلت نسبة الفقر إلى 33.6% من المصريين، مما يعكس عمق الأزمة.

---

### **صدمة العراق 2003**

في فبراير 2003، طالب وزير الخارجية الأمريكي كولين باول مجلس الأمن بالموافقة على تدخل عسكري في العراق، بدعوى امتلاكه أسلحة دمار شامل، مخالفاً قرارات مجلس الأمن. لكن المجلس رفض الطلب لعدم وجود أدلة، إذ لم تجد بعثات التفتيش الدولية أي دليل على هذه الأسلحة. رغم ذلك، أعلنت الولايات المتحدة تشكيل "تحالف الراغبين" ضد العراق، وادّعت أن صدام حسين يخزن ويصنع أسلحة دمار شامل، واصفة العراق بأنه جزء من "محور الشر".

في مارس 2003، شنت الولايات المتحدة وحلفاؤها هجوماً مدمراً على العراق بـ295,000 جندي، أدى إلى انهيار الجيش العراقي وسقوط النظام في مايو 2003. أُعدم صدام حسين علناً، في صدمة هزت العالم العربي. خلّفت الحرب أكثر من مليون قتيل عراقي، ودماراً هائلاً في البنية التحتية، مع انقطاع الكهرباء والمياه، وتعذيب وتنكيل، كما في سجن أبو غريب. تحول العراق إلى ساحة للعنف الطائفي، مما أدى إلى حرب أهلية بين السنة والشيعة.

بعد أسبوعين من بدء الحرب، أعلن بول بريمر، ممثل السلطة الأمريكية في العراق، أن البلاد مفتوحة للأعمال والاستثمارات الأجنبية. بدأت الشركات الأمريكية توقّع عقوداً بملايين الدولارات: شركة "كرييتف أسوسيايشن" حصلت على 100 مليون دولار لتصميم المناهج وطباعة الكتب، و"بيرين بوينت" وقّعت عقوداً بـ240 مليون دولار لبناء سوق موجه، و"آر تي آي" حصلت على 466 مليون دولار لتقديم استشارات ديمقراطية، بينما أشرفت "بارسونز" على بناء 142 عيادة طبية بـ186 مليون دولار، أُكمل منها ست عيادات فقط. سيطرت الشركات الأجنبية على الطاقة، المعادن، والآثار، بقيمة مليارات الدولارات.

بدلاً من تحسّن الأوضاع، تفاقم الفقر، الانفلات الأمني، والأمراض في العراق، بينما طبّقت قوانين رأسمالية نيوليبرالية فتحت الأسواق للشركات الأجنبية. العراق، صاحب خامس أكبر احتياطي نفطي عالمياً، أصبح أكثر من ربع سكانه تحت خط الفقر.

---

### **البصمة النفسية والاقتصادية للصدمة**

في خمسينيات القرن العشرين، أجرى أطباء نفسيون أبحاثاً لمحو مكونات الشخصية البشرية بالكامل، بهدف علاج الأمراض النفسية عبر محو الذاكرة وإعادة بناء شخصية جديدة خالية من آثار الماضي. ركزت هذه الأبحاث على الذاكرة والحواس كمكونات أساسية للشخصية، مستخدمين الصدمات الكهربائية والعزل الحسي في غرف معزولة عن الصوت والضوء. لكن هذه التجارب كانت كارثية، فتسببت في أضرار جسيمة للمرضى، مما دفع معظم الأطباء لوقفها، باستثناء الطبيب دونالد كاميرون، الذي واصل تجاربه بطرق أكثر قسوة، مستخدماً الصدمات الكهربائية، الأدوية المخدرة، والعزل التام، في عمليات أقرب إلى التعذيب منها إلى العلاج.

تعاونت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) مع كاميرون، وموّلت مشروعه "إم كيه ألترا" لتطوير تقنيات غسيل الدماغ. بالتوازي، شهد العالم تحولاً اقتصادياً بقيادة الولايات المتحدة عبر إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اللذين زُعم أنهما يدعمان الدول الفقيرة، بينما اعتبرهما البعض أدوات للسيطرة على الدول النامية من خلال فرض سياسات رأسمالية.

في الستينيات، ظهر الاقتصادي ميلتون فريدمان، الذي عارض النظرية الكينزية السائدة، وروّج للأسواق الحرة وأسعار الصرف المرنة. بحسب نعومي كلاين في كتابها "عقيدة الصدمة"، استلهم فريدمان فكرة الصدمة من تجارب كاميرون النفسية، لكنه طبقها اقتصادياً. دعا فريدمان إلى إزالة جميع القيود عن الاقتصاد فجأة، وانسحاب الدولة من حماية الصناعات المحلية، العملة، أو الفقراء، وخصخصة كل شيء، حتى الجيش والشرطة، تاركاً كل شيء لقوانين السوق أو "قوانين الغابة". زعم أن هذه الإجراءات، رغم ألمها الأولي، ستؤدي إلى ازدهار اقتصادي بفضل "يد السوق الخفية".

لكن كلاين تؤكد أن صدمة السوق لا تحدث إلا بعد صدمة عنيفة - كانقلاب عسكري، حرب، أو كارثة بيئية - تسلب الشعوب إرادتها، مما يجعلها تقبل السياسات النيوليبرالية رغماً عنها. وتثبت أن وعود فريدمان بالازدهار لم تتحقق، بل أدت الصدمات إلى فساد، استبداد، وفجوة طبقية واسعة بين أقلية مستفيدة وأغلبية فقيرة.

---

### **جولة في دول الصدمة**

بعد الحرب العالمية الثانية، قدمت الولايات المتحدة خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا، بنظام رأسمالي يتضمن دولة الرفاهية التي تضمن التعليم، الصحة، والمواصلات للجميع، لمنافسة الاتحاد السوفيتي. لكن مع تراجع الاتحاد السوفيتي وصعود الشركات متعددة الجنسيات، تبنت الولايات المتحدة مبادئ النيوليبرالية وصدمة فريدمان كبديل لخطة مارشال.

**1. الانقلابات والمذابح:**  
في إندونيسيا، البرازيل، وتشيلي، دعمت الولايات المتحدة انقلابات عسكرية ضد رؤساء ذوي ميول يسارية. في إندونيسيا (1965)، أطاح سوهارتو بسوكارنو بدعم أمريكي، وأطلق حملات قمع ضد الشيوعيين. في البرازيل (1964)، أطاح انقلاب عسكري بجولار، وفي تشيلي (1973)، قاد بينوشيه انقلاباً ضد أليندي، تلاه قمع دموي. هذه الانقلابات، الموثقة بوثائق أمريكية، مهدت لتطبيق سياسات نيوليبرالية أدت إلى فقاعات اقتصادية، تضخم هائل (3000% في إندونيسيا)، ديون خارجية ضخمة (93 مليار دولار في البرازيل)، وبطالة مرتفعة (31% في تشيلي).

**2. استغلال الصدمات القائمة:**  
في روسيا، استغلت الولايات المتحدة انهيار الاتحاد السوفيتي (1991) لتطبيق النيوليبرالية. باعت أصول الدولة بأسعار زهيدة لمجموعة صغيرة من الأوليغارشية، بينما عانى الشعب من الفقر والمجاعات. هجرة ملايين الروس، بمن فيهم يهود، إلى الكيان الصهيوني، غيرت ديموغرافيته واقتصاده، مما أغناه عن العمالة الفلسطينية والأسواق العربية، ففقد حافز السلام. في جنوب إفريقيا، استغل الأمريكيون والبريطانيون صدمة نظام الفصل العنصري لفرض النيوليبرالية، حيث سُلمت المناصب السياسية للسود بينما بقي الاقتصاد بيد البيض، مما أدى إلى فقر واسع وانهيار البنية التحتية.

---

### **الكيان الصهيوني وصدمة الاقتصاد الأمني**

في الثمانينيات وأوائل التسعينيات، استلهم الكيان الصهيوني نموذج "النمور الآسيوية"، طامحاً ليصبح مركزاً مالياً وتجارياً في الشرق الأوسط. لكن هذا الهدف تطلب تطبيعاً مع دول المنطقة، مما دفع الكيان للتفاوض في أوسلو ومدريد. لكن هذه المفاوضات فشلت، ليس فقط بسبب عدم التزام الكيان بالاتفاقيات، بل لأن حافز السلام الاقتصادي تلاشى.

كانت الحوافز الاقتصادية للسلام تشمل: أولاً، الحاجة إلى مئات الآلاف من العمال الفلسطينيين يومياً للعمل في وظائف يرفضها اليهود أو لا تكفي أعدادهم لها؛ ثانياً، طموح إنشاء مركز تجاري دولي في المنطقة. لكن انهيار الاتحاد السوفيتي وهجرة مئات الآلاف من اليهود، بما فيهم علماء وخبراء تكنولوجيا، إلى الكيان، ألغى الحاجة إلى العمالة الفلسطينية. كما أدت هجرة هؤلاء الخبراء إلى طفرة في صناعة التكنولوجيا، مما جعل اقتصاد الكيان يعتمد على تصدير التكنولوجيا بدلاً من المنتجات الزراعية أو الاستهلاكية، فلم يعد بحاجة إلى أسواق عربية.

بعد أزمة "دوت كوم" عام 2001، التي شلت الاقتصاد الصهيوني، تزامنت أحداث 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب مع حاجة عالمية متزايدة للتكنولوجيا الأمنية. تحول الكيان إلى مركز لإنتاج تكنولوجيا المراقبة والأمن، مستفيداً من بيئة حاضنة في جيشه، حيث يطور الشباب أفكارهم الأمنية أثناء الخدمة العسكرية، ثم يصدرونها بدعم الجيش. هذا النموذج جعل الحرب أكثر ربحية من السلام، مما أدى إلى اختلال مقياس "المسدسات والبطارخ" عام 2003، حيث ارتفعت مبيعات الطائرات الحربية والخاصة معاً، مفندة فكرة أن النيوليبرالية تدعم السلام.

لكن هذا الازدهار اقتصر على فئة صغيرة، بينما عانى معظم الشعب الصهيوني من البطالة والفقر. للحفاظ على هذا النموذج، بنى الكيان سياجاً أمنياً، مثل الجدار الفاصل، لحماية المنتفعين من غضب المصدومين. هذا النموذج ألهم العالم، لكنه أظهر هشاشته عندما نجح ستة فلسطينيين - محمود عبد الله عرضة، يعقوب محمود أحمد قدري، زكريا الزبيدي، مناضل يعقوب عبد الجبار نفيعات، أيهم فؤاد نايف كممجي، ومحمد قاسم أحمد عرضة - في الهروب من سجن جلبوع عام 2021، مما كشف ضعف الكيان الأمني وسمعته.

---

### **الخاتمة: أمل في زيادة الوعي**

هذه الندوة ليست دعوة لليأس، بل محاولة لفهم الواقع بعمق. الصدمات التي ضربت دولنا العربية، من مصر إلى العراق وسوريا، ساهمت في تفاقم أزمات مثل قضية فلسطين. زيادة الوعي هي الخطوة الأولى للخروج من هذه الحفرة. نؤمن أن فهم هذه البصمات سيمكننا من مواجهة التحديات واستعادة الأمل.

شكراً لمتابعتكم، ونتطلع للقائكم قريباً في رحلة جديدة مع كتاب "عقيدة الصدمة".  
**السلام عليكم ورحمة الله وبركاته**.

**ندوة: بصمة الصدمة - الصدمة الروسية وانهيار الاتحاد السوفيتي**

**السلام عليكم ورحمة الله وبركاته**  
أهلاً وسهلاً بكم مرة أخرى في حلقة جديدة من رحلتنا مع كتاب "عقيدة الصدمة" لنعومي كلاين. اليوم، نغوص في واحدة من أكبر الصدمات التي غيّرت وجه العالم: **صدمة انهيار الاتحاد السوفيتي**. صدمة لم تُغيّر التاريخ والجغرافيا فحسب، بل هزت الفلسفات، الاقتصاد، وحتى الأخلاق والإيديولوجيات على مستوى الكوكب. هذه القصة ليست مجرد حدث تاريخي، بل درس عميق في كيفية استغلال الصدمات لإعادة تشكيل الشعوب والدول. فلنبدأ!

---

### **من القيصرية إلى الاتحاد السوفيتي: جذور الصدمة**

بدأت القصة مع **الإمبراطورية الروسية** تحت حكم آل **رومانوف**، الذين حكموا لثلاثة قرون حتى عام 1917. في أواخر أيامهم، تورطت الإمبراطورية في مغامرات عسكرية كارثية، مثل **الحرب الروسية-اليابانية (1904-1905)** و**الحرب العالمية الأولى**، حيث وقفت إلى جانب الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) ضد ألمانيا والنمسا والدولة العثمانية. هذه الحروب كشفت عن **التخلف الشديد** للجيش الروسي وعجزه أمام الآلة العسكرية الألمانية، مما أثار سخط الشعب.

هذا السخط أشعل **حراكاً ثورياً** أطاح بالقيصرية عام 1917، وأسس **روسيا البلشفية** التي تحولت لاحقاً إلى **الاتحاد السوفيتي**. بحلول أوج قوته، ضم الاتحاد 15 جمهورية فيدرالية، من روسيا إلى أوكرانيا، أرمينيا، وأوزبكستان، وكان يُفترض أن تتمتع هذه الجمهوريات باستقلالية نسبية. لكن في الواقع، كانت **الشيوعية** تعني مركزية مطلقة: الدولة هي البنك، الوصي على الوعي عبر التعليم والإعلام، وصاحبة كل شيء. بدلاً من وعد الشيوعية بـ"استقلال إرادة الشعوب"، أصبحت تجبر الأفراد على التخلي عن ملكياتهم لصالح الدولة، مما خلق نظاماً شمولياً.

على الرغم من أن رفض الحرب العالمية الأولى كان أحد أسباب تأسيس الاتحاد السوفيتي، إلا أنه في **الحرب العالمية الثانية**، كان الشريك الأكبر والمضحي الأعظم، حيث خسر حوالي **20 مليون مواطن**. خرج الاتحاد من الحرب كقطب عالمي، لكنه كان منهكاً، بينما خرجت أوروبا مدمرة بالكامل، سواء المهزومة (ألمانيا) أو المنتصرة (بريطانيا وفرنسا).

---

### **القطبية الثنائية: خطة مارشال مقابل الزحف الأحمر**

بعد الحرب العالمية الثانية، انقسم العالم بين قطبين: **الولايات المتحدة** و**الاتحاد السوفيتي**. كل منهما بدأ في إعادة تأهيل الكوكب بطريقته. الاتحاد السوفيتي وسّع نفوذه عبر ضم دول شرق أوروبا إلى نظامه الشيوعي، مكوناً الـ15 جمهورية التي شكلت الاتحاد. أما الولايات المتحدة، فأطلقت **خطة مارشال**، التي وضعها وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال، لإعادة إعمار أوروبا الغربية بنظام رأسمالي.

استثمرت أمريكا حوالي **13 مليار دولار** (تعادل 115 مليار دولار اليوم بعد التضخم) في 15 دولة أوروبية، منها النمسا، بلجيكا، فرنسا، بريطانيا، وألمانيا الغربية، التي حصلت على 1.5 مليار دولار. الهدف لم يكن فقط إعادة الإعمار، بل ربط هذه الدول بالسوق الحر، إيقاف الزحف الشيوعي، وجعل أوروبا سوقاً مزدهرة للمنتجات الأمريكية. هذه الخطة أسست لشكل أوروبا الحديثة، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

لكن نجاح خطة مارشال لم يكن فقط بسبب الأموال. كانت تعتمد على **الرأسمالية الكينزية** أو **دولة الرفاهية**، التي تضمن التعليم، الصحة، والمواصلات للجميع. في هذا النموذج، يدفع الأغنياء ضرائب مرتفعة لتوفير حياة كريمة للفقراء، وتكون هناك **ديمقراطية اقتصادية**، حيث لا ديمقراطية حقيقية دون شعب شبعان قادر على الاختيار بحرية. هذا النموذج جعل أوروبا الغربية جذابة، خاصة مع وجود منافس قوي: الاتحاد السوفيتي.

في المقابل، كانت الرأسمالية الكينزية مشروطة بوجود هذا المنافس. سياسة أمريكا الخارجية كانت تتبع مبدأ **"أوروبا أولاً"**، لأن أوروبا كانت الحاجز بين الولايات المتحدة والزحف الشيوعي. لكن ماذا سيحدث إذا انهار الاتحاد السوفيتي؟

---

### **انهيار الاتحاد السوفيتي: الصدمة الأولى**

في الثمانينيات، بدأت علامات ضعف الاتحاد السوفيتي تظهر. عوامل عدة ساهمت في ذلك:
- **تصنيع قسري** حوّل الفلاحين إلى عمال مصانع، مما أفقد الريف حيويته.
- **سباق الفضاء** استنزف مليارات الروبلات.
- **انهيار أسعار النفط**، الذي كان مصدر دخل رئيسي.
- **حرب أفغانستان (1979-1989)**، التي كلفت الاتحاد **18 مليار روبل**، فضلاً عن الخسائر البيئية والصحية.

تحت قيادة **ليونيد بريجنيف**، حاول الاتحاد الهروب من أزماته الداخلية عبر الحرب في أفغانستان، لكنها كانت "مقبرة الغزاة"، وفاقمت الأزمة. بحلول منتصف الثمانينيات، كانت الدولة على وشك الانهيار.

في 1985، تولى **ميخائيل غورباتشوف** الحكم، وسعى إلى إصلاحات تدريجية عبر سياستي **البريسترويكا** (إعادة الهيكلة) و**الغلاسنوست** (الانفتاح). سمح بحريات محدودة، تعدد حزبي، وانفتاح ثقافي، آملاً أن يحول الاتحاد إلى دولة رفاهية على الطراز الغربي. كان يحلم بـ"مارشال سوفيتية" تدعم اقتصاده كما دعمت خطة مارشال أوروبا. لكنه نسي أن خطة مارشال وُجدت لمواجهة الاتحاد السوفيتي، وليس لإنقاذه.

في يوليو 1991، حضر غورباتشوف قمة مجموعة السبع في لندن، طامحاً في الحصول على دعم اقتصادي. لكنه تلقى **صدمة قاسية**: قادة الدول السبع طالبوه بتطبيق **العلاج بالصدمة الاقتصادية** فوراً، مهددين بقطع أي دعم إذا لم يمتثل. تعرض غورباتشوف لهجوم إعلامي غربي شرس، وصُوّر كـ"شحاذ" يطالب بأموال الغرب ليعود ويهددهم لاحقاً. عاد إلى موسكو محبطاً ومصدوماً.

---

### **الانقلاب والصدمة الثانية: صعود يلتسن**

في أغسطس 1991، واجه غورباتشوف **انقلاباً عسكرياً** قادته مجموعة من القادة العسكريين والمدنيين المتشبثين بالاشتراكية، رافضين إصلاحاته "اليمينية". احتجزته المخابرات السوفيتية، لكن هنا ظهر بطل جديد: **بوريس يلتسن**، رئيس جمهورية روسيا آنذاك. قاد يلتسن مقاومة مدنية، وتصدى للانقلاب في يومين، حيث صعد على الدبابات للدفاع عن "الديمقراطية".

لكن الحقيقة كانت أعمق. يلتسن لم يكن يدافع عن غورباتشوف، بل كان يمهد لإنهاء الاتحاد السوفيتي وغورباتشوف معاً. على عكس غورباتشوف، الذي أراد تحولاً تدريجياً إلى دولة رفاهية، كان يلتسن يؤمن بنموذج **ميلتون فريدمان** النيوليبرالي: اقتصاد سوق حر، خصخصة شاملة، وصدمات اقتصادية سريعة.

في ديسمبر 1991، بعد أربعة أشهر فقط من هزيمة الانقلاب، صعّد يلتسن الصدمة. تحالف مع جمهوريتين سوفيتيتين، وأجبر غورباتشوف على الاستقالة، معلناً **حل الاتحاد السوفيتي**. استيقظ الشعب السوفيتي ليجد نفسه مواطنين في دول لم تُعترف بها بعد، بعد أن كانوا جزءاً من دولة عظمى. كانت هذه **الصدمة الثانية**.

---

### **العلاج بالصدمة: نهب روسيا**

ورث يلتسن الجزء الأكبر من ميراث الاتحاد السوفيتي: **جمهورية روسيا**، دولة عظمى مليئة بالثروات، لكنها تُدار مركزياً من موسكو. كان أمامه خياران: إما توزيع الثروات على الشعب بالتساوي، أو تخصيص الأجزاء الكبرى لنخبة صغيرة. اختار يلتسن الخيار الثاني.

طلب يلتسن من البرلمان الروسي تفويضاً لمدة عام للتشريع دون رقابة، ووافق البرلمان بحماس، معتبراً يلتسن "بطل الديمقراطية" الذي أنقذ البلاد من الانقلاب. لكن هذا التفويض كان **الخطأ الأكبر**. تحت قيادة يلتسن، بدأ **العلاج بالصدمة الاقتصادية**:
1. **تحرير الأسعار**: أُلغيت تسعيرة الدولة للسلع، وتُركت الأسعار للعرض والطلب.
2. **تحرير سعر الصرف**: انهارت قيمة الروبل، وفقدت مدخرات الناس قيمتها.
3. **الخصخصة السريعة**: بيعت الشركات الحكومية بأسعار زهيدة.
4. **تسريح العمالة**: ارتفعت البطالة إلى مستويات مرعبة.

لتنفيذ هذا البرنامج، استدعى يلتسن مجموعة من الاقتصاديين الروس المتأثرين بأفكار ميلتون فريدمان، وأطلقت عليهم الصحافة الروسية اسم **"صبيان شيكاغو"**، نسبة إلى جامعة شيكاغو، معقل النيوليبرالية. هؤلاء أصبحوا وزراء ومستشارين، وتحت حماية أجهزة الأمن، نفذوا خطة **بينوشيه روسيا**.

---

### **النهب الكبير: كيف سُرقت ثروات روسيا؟**

عملية الخصخصة كانت **سرقة منظمة**. لم تُفتح الأسواق مباشرة للشركات الأجنبية كما في نموذج النيوليبرالية التقليدي. بدلاً من ذلك، تم تصميم نظام خاص:
- أُنشئت **بنوك خاصة** يملكها **الأوليغارشية** (النخبة الحاكمة الجديدة).
- حُوّلت أموال البنك المركزي (أموال الشعب) إلى هذه البنوك.
- أُوكلت إدارة بيع أصول الدولة لهذه البنوك، التي نظمت مزادات صورية.
- بما أن أحداً لم يملك المال سوى هذه البنوك، اشترت الأصول بأسعار زهيدة.

على سبيل المثال:
- شركة بترول روسية بحجم شركة **توتال** الفرنسية بيعت 40% من أسهمها بـ**88 مليون دولار**، بينما كانت مبيعات توتال (وليس أصولها) 193 مليار دولار في 2006.
- شركة **النيكل الروسية**، التي تنتج 20% من النيكل العالمي، بيعت بـ**170 مليون دولار**، ووصلت أرباحها لاحقاً إلى 1.5 مليار دولار.
- شركة **يوكوس** للبترول، التي تسيطر على بترول أكثر من الكويت، بيعت بـ**109 ملايين دولار**، وكانت عوائدها 3 مليارات دولار سنوياً.
- شركة سلاح عملاقة بيعت بـ**3 ملايين دولار** فقط.

هذه الأصول لم تبقَ في أيدي الأوليغارشية طويلاً. بيع جزء كبير منها لشركات أجنبية بأسعار زهيدة، وتم تحويل مليارات الدولارات إلى بنوك أوروبية وأمريكية، بمعدل **2 مليار دولار شهرياً**. الغرب، الذي كان يحلم بدخول هذه الأسواق، استثمر بكثافة، حيث كان العائد في روسيا يصل إلى **2000% في ثلاث سنوات**.

قبل الصدمة، لم يكن هناك مليونير واحد في روسيا. بعدها، ظهر **17 مليارديراً**، هم الأوليغارشية، الذين شملوا حواري يلتسن، قيادات الحزب الشيوعي السابقين، مستثمرين أجانب، وقادة عسكريين.

---

### **البرلمان يقاوم: صدام يلتسن**

بحلول 1992، نفد صبر الشعب الروسي. وصل **ثلث الشعب** تحت خط الفقر، وطالب البرلمان بسحب صلاحيات يلتسن المطلقة. في ديسمبر 1992، وافق البرلمان على سحب الثقة من الحكومة، وفي مارس 1993، صوّت لإنهاء التفويض. أعلن يلتسن **حالة الطوارئ**، واستعاد صلاحياته، لكن المحكمة الدستورية حكمت ببطلان إجراءاته.

في 1993، وافق البرلمان على موازنة تتضمن دعماً للسلع الأساسية، مخالفاً توجيهات **صندوق النقد الدولي**. استغل يلتسن الفرصة، وهاجم البرلمان، متهماً إياه بتعريض الدعم الغربي للخطر. أجرى استفتاءً شعبياً لإجراء انتخابات مبكرة وحل البرلمان، وبالرغم من محدودية التصويت، أعلن النصر، مدعياً أن الشعب منحه التفويض.

تسرّب إلى الصحافة أن **1.5 مليار دولار** من المساعدات الغربية لروسيا عُلقت بسبب "عدم جدية" الروس في التحول إلى الرأسمالية. استغل يلتسن التسريب، وأعلن **حل البرلمان** وتعليق الدستور. رد البرلمان بسحب الثقة من يلتسن بأغلبية ساحقة، وحكمت المحكمة الدستورية بعدم دستورية إجراءاته. أصبحت المواجهة مباشرة بين يلتسن والبرلمان.

دعمت الولايات المتحدة يلتسن بـ**2.5 مليار دولار** إضافية، وأعلن الرئيس بيل كلينتون دعمه في "حربه ضد الرجعيين". قطع يلتسن الكهرباء، الماء، والتدفئة عن البرلمان، وحاصره بالجيش لأسبوعين. في هذه الأثناء، وصلت أخبار من **بولندا**، حيث أطاح الشعب بحكومة مماثلة ليلسن في انتخابات مبكرة. خشي يلتسن من سيناريو مشابه، فألغى فكرة الانتخابات المبكرة، وزاد القوات المسلحة حول البرلمان.

---

### **المذبحة: بينوشيه روسيا**

في 4 أكتوبر 1993، أمر يلتسن الجيش باقتحام البرلمان وحرقه. أُطلقت النيران على نواب اعتصموا داخله، وعلى متظاهرين خرجوا لدعمهم، بينهم نساء وأطفال. قُتل **500 شخص** وجُرح الآلاف، في مذبحة لم تشهدها روسيا منذ الثورة البلشفية. هكذا حصل يلتسن على لقب **بينوشيه روسيا**، بعد 20 عاماً من انقلاب بينوشيه في تشيلي.

كما تقول نعومي كلاين، انهار الاتحاد السوفيتي دون رصاصة، لكن **رأسمالية الكوارث** احتاجت دماراً وقتلاً لتفرض نفسها ضد إرادة الشعب. مع غياب البرلمان، وشعب مصدوم، وجيش موالٍ ليلسن، أصبحت روسيا ساحة مفتوحة للنيوليبرالية.

---

### **حصاد الصدمة: شعب تحت خط الفقر**

**الاقتصاد:**
- بحلول 1998، أفلس **80% من المزارع الروسية**، وأغلقت **7000 شركة**.
- ارتفعت البطالة كالوباء.
- في 1989، كان **2 مليون روسي** تحت خط الفقر. بحلول 1998، أصبحوا **74 مليوناً**، أي فقرت الصدمة **72 مليون إنسان** في 8 سنوات.

**المجتمع:**
- انهارت الضمانات الاجتماعية التي كانت الدولة توفرها (الطعام، العلاج، التعليم، السكن).
- في 2006، رصدت اليونيسيف **1.5 مليون طفل شوارع** في روسيا (الدولة ادعت أنهم 750,000 فقط).
- اتسعت الفجوة بين الأوليغارشية وعموم الشعب.

**الصحة والجريمة:**
- زاد إدمان الكحول والمخدرات. ارتفع استخدام المخدرات بنسبة **900%** بحلول 2004، مع **4 ملايين مدمن**، أغلبهم على الهيروين.
- وصلت إصابات الإيدز إلى **مليون مصاب**.
- تضاعفت معدلات الانتحار.
- زادت جرائم العنف **أربعة أضعاف**.

**الحصيلة:** حصدت الصدمة أرواح **10% من الشعب الروسي**، مباشرة أو غير مباشرة.

---

### **النيوليبرالية تحتاج ديكتاتورية**

عندما يُواجه دعاة النيوليبرالية بالفشل، يلقون باللوم على "الفساد في التطبيق". لكن الحقيقة، كما تكشف كلاين، أن **التدمير متعمد**. النيوليبرالية تحتاج إلى **صدمات كهربائية** لكسر إرادة الشعوب، ثم إعادة بنائها وفق قواعد السوق. مستشارو يلتسن، بما فيهم الأمريكيون، احتفلوا بحرق البرلمان. **تشارلز بليتزر**، كبير اقتصاديي صندوق النقد الدولي، قال إن الانقلاب العسكري كان "أكثر لحظة مبهجة في حياته". مستشار آخر صرّح أن "الديمقراطية كانت عائقاً"، وأن إزالة البرلمان فتحت الباب للسوق.

**جيفري ساكس**، الاقتصادي الأمريكي، اقترح خطة شبيهة بمارشال لدعم روسيا بـ15 مليار دولار، لكن اقتراحه رُفض. لماذا؟ لأن الرأسمالية الكينزية الجذابة انتهت بانتهاء الاتحاد السوفيتي. لم يعد هناك منافس يجبر الرأسمالية على أن تكون "سكسي" أو إنسانية.

---

### **من يلتسن إلى بوتين: استمرار الصدمة**

بحلول 1994، حاول يلتسن وأوليغارشيته استعادة شعبيته عبر حروب مثل **حرب الشيشان الأولى**، أو استغلال صدمات جديدة مثل **تفجيرات 1999**، التي اتهم فيها الشيشان، وأدت إلى **حرب الشيشان الثانية**. هنا برز نجم **فلاديمير بوتين**، رئيس الوزراء ذو الخلفية المخابراتية، الذي شن حرباً وحشية على المدنيين في الشيشان.

في ديسمبر 1999، سُلّمت السلطة لبوتين دون انتخابات. أول قرار اتخذه كان **ضمان خروج آمن ليلسن** دون محاسبة على القتل أو الفساد. بوتين، الذي يحكم روسيا حتى اليوم، ورث بلداً مدمراً، لكنه استمر في تعزيز قبضة الأوليغارشية والنظام النيوليبرالي.

---

### **الخاتمة: دروس الصدمة الروسية**

الصدمة الروسية ليست قصة معزولة. إنها نموذج لكيفية استغلال الأزمات لفرض النيوليبرالية، سواء في روسيا، تشيلي، أو حتى بلادنا العربية. النيوليبرالية لا تأتي مع الديمقراطية، بل مع **الديكتاتورية والصدمات**. لكن هذه القصة ليست دعوة لليأس، بل دعوة للوعي. فهم هذه البصمات هو الخطوة الأولى لمقاومة الصدمات المستقبلية.

في الحلقة القادمة، سننتقل إلى **جنوب إفريقيا**، لنرى كيف استُغلت صدمة نهاية الفصل العنصري لفرض النيوليبرالية. شكراً لمتابعتكم، ونراكم قريباً إن شاء الله.  
**السلام عليكم ورحمة الله وبركاته**.

**ندوة: عقيدة الصدمة - صدمة بافانا بافانا وجنوب إفريقيا**

**السلام عليكم ورحمة الله وبركاته**  
أهلاً وسهلاً بكم مرة أخرى في حلقة جديدة من سلسلة **عقيدة الصدمة**، مستلهمين من كتاب نعومي كلاين الرائع. اليوم، نتحدث عن **صدمة جنوب إفريقيا**، أو كما أُطلق عليها "بافانا بافانا"، صدمة كشفت كيف يمكن للنيوليبرالية أن تُفرّغ انتصار شعب من مضمونه، وتحول أحلامه إلى أغلال اقتصادية. قصة جنوب إفريقيا ليست مجرد تاريخ بعيد، بل مرآة تعكس واقعنا في مصر والمنطقة العربية. فلنربط النقاط معاً، ونفهم كيف تُشكل الصدمات مصير الشعوب!

---

### **النيوليبرالية: النظام الذي لا يُفلت**

النيوليبرالية ليست مجرد نظام اقتصادي، بل آلة مخرطة تطحن اقتصاديات الدول وتُحشرها في قالب السوق الحر، لتصبح لبنة في النظام العالمي. إذا رفع الشعب رأسه، تُفرَم دولته بالصدمات. وإذا بقي مطيعاً، تُفرَم على مهل، بشكل ممنهج. في مصر، بدأت هذه الرحلة مع **السادات** و**الانفتاح الاقتصادي**، وتوحشت في عصر **مبارك**، واستمرت مع **الإخوان** و**السيسي**. حتى اليوم، نحن نحصد نتائجها: ديون، خصخصة، وفقر متزايد.

كتاب **عقيدة الصدمة** يكشف كيف تُستغل الأزمات لفرض هذا النظام. تحدثنا سابقاً عن **تشيلي** و**روسيا**، واليوم ننتقل إلى **جنوب إفريقيا**، لنرى كيف سُرقت ثورة شعب من تحت يديه. قد يجد البعض صعوبة في ربط هذه القصص بواقعنا، لكن التشابه بين ماضي هذه الدول وحاضرنا مذهل. إذا فهمنا كيف غرقت جنوب إفريقيا في "الوحل النيوليبرالي"، ربما نستطيع استشراف مستقبلنا وتجنب مصيرها.

---

### **جنوب إفريقيا: من الأبارتايد إلى الحلم المسروق**

قبل ثماني سنوات، تحدثنا في حلقة "**سلميتنا بطعم الرصاص**" عن نضال **نيلسون مانديلا** ضد نظام **الأبارتايد**، نظام الفصل العنصري الذي ساد جنوب إفريقيا. بدأ مانديلا نضاله سلمياً عبر **حزب المؤتمر الوطني الإفريقي**، ثم أسس **رمح الأمة**، الجناح العسكري للحزب، بعد فشل السياسة. أُلقي القبض عليه عام 1964، وسُجن لـ27 عاماً. استمر الحزب في مقاومته داخلياً وخارجياً عبر المنفيين، حتى أُجبر نظام الأبارتايد عام 1990 على إطلاق سراح مانديلا لتهدئة الأوضاع وتجنب العقوبات الدولية.

قاد مانديلا مفاوضات أنهت الأبارتايد، وأصبح أول رئيس أسود لجنوب إفريقيا عام 1994. لكن تلك الحلقة أُسيء فهمها. البعض ظن أننا ندعو إلى العنف العشوائي كحل، مستلهمين تجربة رمح الأمة. لكن الحقيقة أن قصة جنوب إفريقيا لها بعد آخر، **بائس وحزين**، لم نتحدث عنه وقتها. إنها قصة كيف سُرق حلم شعب تحت شعارات الحرية.

---

### **ميثاق الحرية: حلم الشعب**

في 1955، أطلق حزب المؤتمر الوطني الإفريقي حملة شعبية ضخمة، حيث جاب 50,000 متطوع شوارع جنوب إفريقيا لجمع مطالب الشعب. تُوّجت هذه المطالب بـ**ميثاق الحرية**، وهو وثيقة واضحة تضمنت:
- **حكم الشعب**: حقوق متساوية لكل المجموعات العرقية.
- **توزيع عادل** للثروات والأراضي.
- **مساواة أمام القانون** وحقوق إنسانية متساوية.
- **واجب الحكومة**: توفير العمل، الأمن، التعليم، المسكن، والخدمات للجميع.
- **سلام وصداقة** مع دول العالم.

اتفق على هذا الميثاق قادة من كل الأعراق، باستثناء **الحزب الوطني** العنصري الذي كان يمثل البيض. كان الميثاق رؤية واضحة لـ"وبعدين"، على عكس ثورات الربيع العربي التي افتقرت لمثل هذه الرؤية. لكن لماذا لم يتحقق الحلم؟

---

### **الميثاق: أحلام بلا منهج**

برأيي الشخصي، الذي لا يُعتد به محلياً أو دولياً، كان الميثاق محاولة ساذجة لرسم المستقبل **شكلاً لا مضموناً**. كان مليئاً بالأحلام الجميلة، لكنه افتقر إلى **منهج** أو إيديولوجية واضحة لتحقيقها. بينما كان حزب المؤتمر الوطني يناضل للوصول إلى السلطة، كان البيض يفرّغون النظام من أي فعالية، بحيث يصبح الكرسي الذي سيجلس عليه السود مجرد رمز بلا قوة.

قبل إطلاق سراح مانديلا، ظهرت شخصية محورية: **تابو مبيكي**، نائب مانديلا لاحقاً. على عكس والده **جافان مبيكي**، المناضل الاشتراكي، درس تابو الاقتصاد في لندن، وتشرب أفكار **مارغريت تاتشر** و**صبيان شيكاغو** النيوليبراليين. بينما كان شباب جنوب إفريقيا يواجهون الغاز المسيل للدموع في المظاهرات، كان مبيكي يتنفس هواء النيوليبرالية.

---

### **تابو مبيكي: الخنجر النيوليبرالي**

قبل إطلاق سراح مانديلا، بدأ مبيكي بجولات عالمية لإقناع رجال الأعمال والمجتمع الدولي بأن حكومة السود ستكون "لطيفة" ولن تُصادر الأراضي أو الشركات. أخبرهم أن ينسوا "الرومانسية الساذجة" لميثاق الحرية، وأن الحكومة السوداء ستكون محدودة الدور، تاركة التعليم، السكن، والخدمات لاقتصاد السوق. عرض البيض على مانديلا الإفراج عنه مقابل الالتزام بهذه الوعود، لكنه رفض، متمسكاً بالميثاق.

لكن مبيكي كان له دور آخر. كان يطمئن البيض بثقتهم في **المفرمة النيوليبرالية العالمية**، التي كانوا يرونها الحل الوحيد لـ"العدل". مع انهيار الاتحاد السوفيتي، ومقتل **تشي غيفارا**، وتصفية اليسار العالمي، لم يكن لجنوب إفريقيا أي منافس إيديولوجي. خرج مانديلا من السجن عام 1990 بعد 27 عاماً، ليواجه واقعاً جديداً. كان كمن خرج من كهف زمني، لا يميز بين الميكروفون والبندقية، مشابهاً لقادة سياسيين مصريين خرجوا من سجون مبارك بعد الثورة، غير قادرين على استيعاب الحاضر.

---

### **مانديلا: القديس المستغَل**

خرج مانديلا كأيقونة حية للحرية، قديساً في عيون العالم. لكن بدلاً من استغلال هذا الوضع لتنفيذ مطالب شعبه، استُغل **توهانه** وعدم إدراكه للواقع النيوليبرالي. هدده البيض بأن محاسبة المنتفعين من الأبارتايد ستؤدي إلى انهيار الاقتصاد، لأنهم يسيطرون عليه. كما حذروه من أن عدم الالتزام باتفاقيات الأبارتايد مع **البنك الدولي** سيؤدي إلى عقوبات دولية. أكد مبيكي، ابن تاتشر، هذه التهديدات.

في الخلفية، كان شبح **موزمبيق** يطارد المفاوضات. عندما غادر البرتغاليون موزمبيق، دمروا كل شيء، تاركين البلاد على البلاط. لكن في جنوب إفريقيا، كما تقول نعومي كلاين، بقي البيض يمتصون دم البلاد، مواصلين تدميرها بشكل ممنهج. هذا يشبه ما حدث في مصر بعد ثورة 2011: طالبنا بمحاكمات ثورية ومصادرة أموال الفاسدين، لكن قيل لنا إن ذلك سيغضب المجتمع الدولي، ويجب احترام "القانون" الفاسد الذي حمى فسادهم. فخرج الفاسدون من السجون، وعادوا يصولون ويجولون.

---

### **المفاوضات: النصر السياسي والخسارة الاقتصادية**

نجح السود في مفاوضاتهم السياسية مع البيض، محققين كل مطالبهم السياسية: حق التصويت، المساواة القانونية، وإنهاء الفصل العنصري. كانت هذه المفاوضات تحت الأضواء، يتابعها الشعب بحماس. لكن في الخفاء، قاد مبيكي مفاوضات اقتصادية، وصّفها للسود بأنها "إجرائية" وهامشية. لكن هذه الاتفاقيات هي التي شكلت مصير جنوب إفريقيا الحقيقي.

أخطر هذه الاتفاقيات كان **فصل البنك المركزي** عن سلطة الدولة. أصبح رئيس البنك المركزي غير خاضع لتعيين أو عزل الحكومة، في منصب "تكنوقراطي" يُفترض أنه يعتمد على "علم الاقتصاد" لا السياسة. هذه الفكرة، التي ابتكرها **صبيان شيكاغو** في تشيلي، تُسمى "الديمقراطية التكنوقراطية" أو "المحمية". لكنها في الحقيقة آلية لفصل القرارات الاقتصادية (طباعة النقود، إصدار السندات، بيع الأصول، سعر الفائدة) عن إرادة الشعب ورقابته.

حاول اقتصاديون سود منع هذا، لكن المفاوضين استسلموا، معتقدين أنهم سيستعيدون الخسائر لاحقاً عبر السياسة. لكنهم لم يدركوا أنهم يدخلون في **شبكة عنكبوت** نيوليبرالية، تغير طبيعة الديمقراطية نفسها. بقي البنك المركزي تحت إدارة نفس الشخصية التي كانت تديره في زمن الأبارتايد، وأُقرت كل اتفاقيات السوق الحر التي وقّعها نظام الأبارتايد، من **جات** إلى **البنك الدولي**.

---

### **شبح موزمبيق واغتيال كريس هاني**

كان السود معذورين إلى حد ما. شبح موزمبيق، والخوف من حرب أهلية، كانا يطاردان المفاوضات. كلا الطرفين، السود والبيض، كانا يسلحان نفسيهما في الشوارع. لكن ما مهّد الطريق لمبيكي كان **اغتيال كريس هاني** عام 1993. كان هاني، المناضل الاشتراكي المنفي، ثاني أهم رمز للتحرر بعد مانديلا. اغتياله أزال صوتاً معارضاً قوياً، وسلس الطريق لمبيكي.

مانديلا طالب الغرب بخطة مارشال، مثل تلك التي أنقذت أوروبا (كما تحدثنا في حلقة روسيا)، لتحقيق دولة الرفاهية والديمقراطية الاقتصادية. لكنه لم يدرك أن مارشال انتهت مع انهيار الاتحاد السوفيتي، وأن السوق المفتوح والعولمة هما النظام الجديد. سلم مبيكي جنوب إفريقيا لهذا النظام.

---

### **الجزرة النيوليبرالية: أحلام تحت السقف**

كيف سكت السود على هذا؟ لم يسكتوا، لكنهم كانوا يركزون على المعركة السياسية. أقنعهم مبيكي بأن المفاوضات الاقتصادية "تقنية" وهامشية. لكن بعد سنوات، اكتشفوا أن هذه الاتفاقيات هي التي وجهت السياسة، وليس العكس. كل محاولة لتنفيذ الميثاق واجهتها **عملية تأديبية** من السوق:
- **فرص عمل؟** البطالة زادت لأن اتفاقية **جات** فتحت السوق للواردات الرخيصة، فأغرقت الصناعات المحلية وأغلقت المصانع.
- **بيوت وكهرباء للفقراء؟** الميزانية مُرهقة بسداد ديون ومعاشات الأبارتايد.
- **طباعة نقود لخطة إنقاذ؟** البنك المركزي، المستقل عن الدولة، يمنع ذلك.
- **مياه وكهرباء مجانية؟** وصلت الخدمات، لكن مع فواتير لا يستطيع الفقراء دفعها، فتُقطع عنهم.
- **تثبيت سعر الصرف؟** يخالف التعهدات للبنك الدولي، ويعرض **850 مليون دولار** من المساعدات للخطر.
- **تأميم المناجم؟** سيغضب البنك الدولي ويوقف الدعم.
- **تعويضات من شركات الأبارتايد؟** سيطرد الشركات ويدمر الاقتصاد.

في كوميديا سوداء، دفعت الحكومة السوداء **تعويضات للسود** المتضررين من الأبارتايد، و**معاشات للبيض** الذين خسروا مناصبهم بعد الحرية، بما استهلك **40% من ميزانية سداد الديون**. وكيف تم تمويل هذا؟ بـ**خصخصة أصول الدولة**، بدلاً من تأميمها كما وعد الميثاق.

كلما حاولت الحكومة تطبيق الميثاق، هددها السوق بوقف المساعدات، انهيار العملة، وفرار الاستثمارات. حتى عندما سخر مسؤول أسود من رياضة الرجبي كـ"رياضة بيضاء"، انهار سعر العملة في اليوم التالي!

---

### **بديل البنك الدولي: شقلباظات للمستثمرين**

بدلاً من إعادة توزيع الثروات المنهوبة، اقترح البنك الدولي حلاً: **انسَ المسروقات**، واجذب مستثمرين أجانب بـ"شقلباظات" لإدخال أموال جديدة. الوعد كان أن هذه الأموال ستتسرب يوماً إلى الفقراء، بعد أن تملأ جيوب النخبة. لكن هذه **الجزرة النيوليبرالية** جاءت بشروط: طموحاتك وأحلامك لها **سقف**. يجب أن تكون موالياً للسوق، منحازاً للمستثمرين، وخاضعاً للمجتمع الدولي.

وصل الأمر إلى أن مانديلا ومبيكي كانا يراجعان رموز الأبارتايد قبل إعلان برامجهما الاقتصادية، ويعدلانها بناءً على نصائحهم، بينما يخفيان هذه البرامج عن قواعد حزبهما خوفاً من غضبهم. وصفت الصحافة البريطانية أفكار مانديلا بأنها أقرب إلى **تاتشر** من المناضل اليساري الذي كان يوماً. لهذا، اعتبر الغرب **لجنة الحقيقة والمصالحة** نموذجاً مثالياً للتحول إلى الحرية، ومنحوا مانديلا جائزة نوبل للسلام عام 1993، بالمشاركة مع رئيس جنوب إفريقيا الأبيض **فريدريك دي كليرك**.

---

### **المرآة المصرية: نفس التكتيف**

هذه القصة ليست غريبة عنا. في مصر، بعد ثورة 2011، كُتّفنا بنفس التكتيكات:
- **ديون مبارك**، التي نهبها هو وأعوانه، أُجبرنا على خدمتها.
- طالبنا بمحاكمات ثورية للفاسدين، لكن قيل إن ذلك سيغضب المجتمع الدولي، ويجب احترام القانون الفاسد الذي حماهم.
- كُتّفنا باتفاقيات وقّعها الفاسدون، من **جات** إلى البنك الدولي، أفقرتنا أكثر.
- **السيسي**، كما تحدثنا مراراً، كتّفنا بديون واتفاقيات باعت ثرواتنا الطبيعية (غاز، بترول)، وضيّعت حقوق مصر.

نفس النمط رأيناه في تركيا مع **أردوغان**، الذي يُروّج كبطل أسطوري، لكنه معلق من نفس العرقوب النيوليبرالي. لهذا نقول: مشكلتنا أكبر من انقلاب أو حاكم. نحتاج إلى **تصور حقيقي لـ"وبعدين"**، نستعيد به بلدنا ونقف على أقدامنا في هذا العالم الخرب.

---

### **حصاد الصدمة: جنوب إفريقيا اليوم**

منذ تلك الصدمة، غرقت جنوب إفريقيا، بيضاً وسوداً، في الفقر. لم يعد هناك فرق كبير بينهما: نقص المياه، التلوث، انهيار البنية التحتية، وغياب الأمن أصاب الجميع. نعم، النخب البيضاء، ومعهم طبقة جديدة من النخب السوداء، يحمون أنفسهم. لكن عامة الشعب، ملح الأرض، بيضاً وسوداً، يصطفون على التراب.

---

### **خاتمة: درس لنا جميعاً**

قصة جنوب إفريقيا ليست نهاية، بل دعوة للتفكير. النيوليبرالية لا تأتي بالحرية، بل بالتكتيف والصدمات. فهم هذه الآلية هو الخطوة الأولى لمقاومتها. علينا أن نسأل أنفسنا: **وبعدين؟** ما الشكل الذي نريده لبلادنا؟ بدون إجابة واضحة، سنظل ندور في شبكة العنكبوت النيوليبرالية.

**ملاحظة شخصية**: هذه ربما تكون آخر حلقة من هذا المكان. بنهاية ديسمبر، سأبدأ فصلًا جديدًا في حياتي، ربما من مكان آخر، وربما عبر قناة الفلوقات. الحلقة القادمة ستكون من مكان جديد، وربما بلد جديد. شكراً لمتابعتكم، ونراكم قريباً إن شاء الله، من مكان ما!  
**السلام عليكم ورحمة الله وبركاته**.

**ندوة: عقيدة الصدمة - صدمة إندونيسيا وتوم يام كونج**

**السلام عليكم ورحمة الله وبركاته**  
أهلاً وسهلاً بكم مرة أخرى في حلقة جديدة من سلسلة **عقيدة الصدمة**، مستلهمين من كتاب نعومي كلاين. اليوم، نغوص في **صدمة إندونيسيا**، أو كما سُميت لاحقاً **توم يام كونج**، مثل تلك الشوربة التايلندية الملخبطة، مزيج من مكونات لا علاقة لها ببعض، لكن الطعم في النهاية واحد: شعوب تائهة، تجري وراء لقمة العيش، بلا ماضٍ يُذكر أو مستقبل يُطمح إليه. قصة إندونيسيا، بجزرها الـ13,000 وخيراتها الوفيرة، هي قصة شعب نهبت ثرواته، وتحول نضاله إلى مذبحة، ثم إلى فقاعة اقتصادية انفجرت في وجهه. لكنها، كالعادة، مرآة لواقعنا. فلنبدأ!

---

### **إندونيسيا: خيرها لغيرها**

إندونيسيا، جزر مبعثرة عند بوابة المحيط الهادي، مليئة بالمطاط، القصدير، البترول، الزراعة، والصيد. شعبها معروف بالطيبة والنظام، كما يشهد طلاب الأزهر الإندونيسيون. لكن هذا الخير كان دائماً للغير. لثلاثة قرون، استعمرت هولندا البلاد، نهبت مواردها، وهيمنت على شركاتها ومدارسها. حتى جاءت **الحرب العالمية الثانية**، وأعطت اليابان الهولنديين علقة ساخنة، معلنة شعار "آسيا للآسيويين". لكن اليابانيين لم يكونوا أفضل: قمع، عنف، واستغلال أسوأ من سابقه.

انتهت الحرب، ورفض الشعب أي استعمار جديد. في 1945، أعلن **سوكارنو** الاستقلال، لكن هولندا حاولت استعادة سيطرتها. لأربع سنوات، خاض الإندونيسيون معركة دبلوماسية وعسكرية، مستلهمين انتصار اليابانيين على "الرجل الأبيض". أخيراً، عام 1949، رفعت هولندا الراية البيضاء، وأصبح سوكارنو بطل التحرير ورئيساً للبلاد.

---

### **سوكارنو: الحلم الذي بدأ مشوهاً**

بدأ سوكارنو حكمه وسط تفاؤل شعبي. كان زعيماً من الشعب، سُجن ونُفي في سبيل استقلاله. أُعد دستور مؤقت بنظام ديمقراطي برلماني، حيث الحكومة ورئيس الوزراء يملكون السلطة الفعلية، والرئيس دوره رمزي لحل الخلافات. لكن التحديات كانت ضخمة: كتابة دستور دائم، بناء تعليم وصحة وصناعة، وتحرير ماليزيا وبورنيو من الاحتلال البريطاني، إذ كان سوكارنو يراهما جزءاً من إندونيسيا.

ظهرت ثلاث قوى داخلية بأفكار متضاربة:
1. **الإسلاميون** (حزب نهضة العلماء وماسومي): الإسلام هو الحل، فهو يوحد الشعب بمختلف لغاته وثقافاته.
2. **الشيوعيون** (حزب PKI): رفضوا الإسلام كحل، وطالبوا بامتلاك الشعب لوسائل الإنتاج لنهضة اقتصادية تنافس الغرب. كان الحزب ثالث أكبر حزب شيوعي عالمياً بعد روسيا والصين.
3. **الوطنيون** (الجيش): رؤية قومية لجيش قوي يوحد الإندونيسيين تحت علم واحد.

حاول سوكارنو الموازنة بين هذه القوى، لكن إندونيسيا لم تكن مجرد ساحة داخلية. كانت ساحة لـ**الحرب الباردة** بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا.

---

### **الحرب الباردة: الديمقراطية تفرقع**

بين 1949 و1959، فشلت إندونيسيا في كتابة دستور دائم، وتغيرت تسع حكومات. معدل النمو كان ضعيفاً (3%)، والروبية انهارت من 4 مقابل الدولار عام 1951 إلى 45 عام 1960. الانقسامات تفاقمت: الإسلاميون ضد الشيوعيين حول طبيعة الدولة (إسلامية أم علمانية)، وسكان الجزر الصغيرة (حيث البترول والمطاط) ضد جزيرة جاوا، التي تضم نصف السكان لكنها فقيرة الموارد. شعروا أن جاوا تستعمرهم بدلاً من الهولنديين، فاندلعت تمردات انفصالية.

نما نفوذ الحزب الشيوعي في الجزر الصغيرة، مستغلاً غضب الأقليات. الغرب، خاصة أمريكا، استغل الفوضى لدعم التمردات ضد سوكارنو. في 1959، سئم سوكارنو من الفشل الديمقراطي، وأعلن نظام **الديمقراطية الموجهة**: حل البرلمان، حظر حزب ماسومي (20% من أصوات 1955)، وتعيين الوزراء مباشرة. كما خصص مقاعد برلمانية للجيش والشرطة، مما عزز نفوذ العسكر. لكن هذا النظام السلطوي لم يجلب الاستقرار، بل زاد التوترات.

---

### **سوكارنو في الحرب الباردة**

سوكارنو، مثل عبد الناصر، تبنى خطاباً اشتراكياً مناهضاً للإمبريالية، مع خطب عنترية عن الوحدة الإندونيسية. أمّم الشركات الأجنبية (مطاط، قصدير، جوز الهند)، وروج للاكتفاء الذاتي، مما أكسبه دعم الصين والاتحاد السوفيتي. لكنه زاد نفوذ الشيوعيين محلياً، وأثار تهميش الإسلاميين. أمريكا لم تتسامح: إندونيسيا (90 مليون نسمة، جزر وغابات) لو سقطت للشيوعية، ستكون كارثة تفوق كوريا (35 مليون) أو فيتنام (30 مليون).

في أوائل الستينات، اقترب سوكارنو من الصين، وعيّن شيوعيين في الحكومة، مما أفسد توازنه الداخلي. دعمت أمريكا والغرب تمردات وانقلابات ضد سوكارنو، وسخّنت الجماعات الإسلامية ضد الشيوعيين. الشعب انقسم: "نحن شعب، وهم شعب". قمع الجنرال **عبد الحارث ناسوتيون**، حليف سوكارنو، المعارضة بعنف، لكن العنف أصبح لعنة تطارد الجميع.

---

### **1965: المذبحة الكبرى**

في 30 سبتمبر 1965، قاد المقدم **أون تونغ** محاولة انقلاب فاشلة، قُتل فيها ستة جنرالات كبار. كاد الشيوعيون يسيطرون، لكن ظهر **سوهارتو**، جنرال مغمور، جمع الوطنيين والإسلاميين، وسحق الانقلاب. وثائق أمريكية لاحقة كشفت أن الاستخبارات الأمريكية لفّقت تهمة الانقلاب للحزب الشيوعي، لتبرير تصفيته.

شن سوهارتو انقلاباً مضاداً، بدعم أمريكا وبريطانيا، وأزاح سوكارنو، تاركاً إياه رئيساً على الورق. بدأت حملة تحريض إعلامية: "الشيوعيون الكفار سيذبحونكم ويغتصبون نساءكم!" استجابت ميليشيات إسلامية، وبدأت واحدة من **أبشع المذابح في التاريخ**. بين 500,000 ومليون إندونيسي قُتلوا، بحسب التقديرات. الحزب الشيوعي، المتغلغل في كل قرية، استُؤصل بالكامل. الجيش ذبح بنفسه، أو مهّد للميليشيات لتقتل. أي مشتبه به شيوعي، أو حتى من مرّ بجوار مقر الحزب، اعتُقل، عُذب، أو قُتل.

كتاب **موسم القتل** لجيفري روبنسون يروي الفظائع: قتل بالرصاص، قطع رؤوس، خنق، ضرب حتى الموت، طعن برماح البامبو، تقطيع بالسكاكين والمناجل. النساء اغتُصبن قبل قتلهن. ضابط جيش وصف الشيوعيين بـ"أقل من الحيوانات". الإسلاميون، بحماس، شاركوا في "حرب مقدسة" ضد "الملحدين"، لكن الطرف الثالث، الغرب، كان له أجندة أخرى.

---

### **الغرب: الضوء الأخضر**

في أبريل 1965، قبل الانقلاب بخمسة أشهر، كتب السفير الأمريكي في جاكرتا إلى الرئيس **ليندون جونسون** أن على واشنطن تهيئة الظروف للجيش والمعارضة لمواجهة سوكارنو. خلال المذابح، أعطى الأمريكيون والبريطانيون ضمانات للجيش بعدم التدخل، أي الضوء الأخضر للتصفية. في نوفمبر 1965، أعرب نائب البعثة الأمريكية عن تعاطف إدارة جونسون مع الجيش. بريطانيا نشرت "دعاية سوداء" للقضاء على "السرطان الشيوعي"، بحسب صحيفة الغارديان.

روبنسون وصف المذبحة بأنها واحدة من أكبر عمليات القتل الجماعي في القرن العشرين، لكنها الأقل دراسة. حتى اليوم، لا توجد أرقام مؤكدة للقتلى، والشعب الإندونيسي دفن ماضيه بالإنكار، مع محاولات قليلة لفتح الملف.

---

### **بعد الصدمة: بي تي إس دي جماعي**

إندونيسيا دخلت في **اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)** جماعي. الضحايا عاشوا مع ذكريات التعذيب، والجناة مع جرائمهم. سوهارتو، بعد توليه الحكم عام 1966، وصف المذابح بـ"انتفاضة شعبية" ضد الشيوعيين، مدعياً تفويضاً شعبياً. حوّل إندونيسيا إلى دكتاتورية عسكرية، خصص 200 مقعد برلماني للجيش، وسلّم المناصب الحيوية لجنرالاته.

محو الحزب الشيوعي جلب استقراراً سياسياً مؤقتاً، وأعاد العلاقات مع الغرب. لكن ماذا عن الإسلاميين؟ استُخدموا كـ"جوانتي" للقتل، ثم أُلقوا جانباً. سوهارتو لم يمنحهم البرلمان، بل أسس حزب **غولكار**، وطني وسطي خالٍ من الإيديولوجيا، ليكون الحزب الرسمي. استخدام المدنيين جعل المذبحة تبدو "شعبية"، وورّط نصف الشعب في الجريمة، بينما الجيش كان مجرد "مساعد".

---

### **مافيا بيركلي: الاقتصاد الوهمي**

سوهارتو، على عكس مبارك، لم يكن "طبيب فلاسفة". عرف أنه لا يملك خبرة اقتصادية، فاستعان بـ**مافيا بيركلي**، وهي مجموعة اقتصاديين إندونيسيين درسوا بمنحة مؤسسة فورد في جامعة بيركلي، كاليفورنيا. كانوا مؤيدين لسوهارتو ومناهضين للشيوعية. في البداية، واجهوا تياراً قومياً يدعو لسيطرة الدولة على الموارد. لكن بحلول منتصف الثمانينات، سلم سوهارتو الاقتصاد بالكامل لمافيا بيركلي.

على عكس **صبيان شيكاغو** النيوليبراليين (راجع حلقة تشيلي)، تبنت مافيا بيركلي رأسمالية تقليدية. قادها **علي وردانا**، وزير المالية (1968-1983) ثم وزير التنمية (1983-1988). حرروا السوق، طوروا الزراعة والبنية التحتية، وركزوا على تصدير البترول والغاز. استفادت إندونيسيا من أزمة البترول 1973، عندما قفز سعر البرميل من 2.5 دولار إلى 34 دولاراً عام 1981. خفض التضخم من 650% عام 1966 إلى 13% عام 1969، ونمت الصناعات (من الكاوتش إلى السيارات).

في التسعينات، شهدت شرق آسيا (**النمور الآسيوية**: كوريا، تايلاند، ماليزيا، سنغافورة) نمواً اقتصادياً هائلاً. استفادت إندونيسيا من هذا الزخم. القمع السياسي والمذابح جلبا استقراراً ظاهرياً، لكن تحت القشرة كانت **فقاعة**.

---

### **توم يام كونج: انفجار الفقاعة**

في 1997، ضربت **أزمة توم يام كونج** شرق آسيا. بدأت في تايلاند بنقص الغطاء المالي الأجنبي، مما دفع المستثمرين لسحب أموالهم. انتشر الذعر إلى كوريا، سنغافورة، ماليزيا، والفلبين. في إندونيسيا، أنفق البنك المركزي مليارات الدولارات لدعم الروبية، لكنها انهارت بنسبة 83%، الأعلى بين الدول المتضررة. التضخم قفز إلى 55% عام 1998 (مقارنة بـ10% في كوريا وماليزيا)، والدخل الحقيقي انخفض بنسبة 30% (مقارنة بـ15% في كوريا).

الشعب، الذي سكت منذ المذبحة، استيقظ. نزلت مظاهرات ضد سوهارتو، وتصاعدت بعد مقتل أربعة طلاب جامعيين. تحولت إلى فوضى: نهب، سرقة، وانهيار اقتصادي. في مايو 1998، تنحى سوهارتو، وكلف نائبه **حبيبي** بإدارة البلاد.

---

### **فساد سوهارتو: الجبل يلد فأراً**

هل كانت الأزمة مجرد سوء حظ؟ لا. صدمة 1966 كتمت أنفاس الشعب، وسمحت لفساد سوهارتو بالاستشراء. تقرير **منظمة الشفافية الدولية** 2004 صنّفه كأكثر قائد فاسد في التاريخ الحديث، اختلس بين 15 و35 مليار دولار. ثروة عائلته بلغت 73 مليار دولار، وامتلاكهم 3.6 مليار هكتار (بحجم بلجيكا). ابنته حصلت على 75% من أرباح الطرق السريعة، وأبناؤه احتكروا مشاريع السيارات الوطنية.

النمو الاقتصادي كان **وهمياً**، معتمداً على **النقود الساخنة** (استثمارات سريعة الدخول والخروج) وقروض البنك الدولي. تراكمت الديون، وعندما هربت الأموال في 1997، انهار الكيان الهش. النمور الآسيوية تعثرت، لكن إندونيسيا سُحلت.

---

### **صندوق النقد: العلاج بالصدمة**

رفض **صندوق النقد الدولي** وتلاميذ **ميلتون فريدمان** مساعدة النمور الآسيوية، معتبرين الأزمة فرصة لدفعها نحو **النيوليبرالية**. استغل الغرب الوضع لشراء الشركات المحلية بأسعار زهيدة، وفرض سياسات السوق الحر. إندونيسيا، بفسادها الهائل، كانت الأكثر تضرراً.

---

### **الخروج من الحفرة**

حبيبي بدأ إصلاحات محدودة، ألغى بعض امتيازات عائلة سوهارتو، لكنه تجنب مواجهتهم. في 1999، انتخب **عبد الرحمن واحد**، زعيم نهضة العلماء، أول رئيس ديمقراطي، واختار **ميغاواتي** (ابنة سوكارنو) نائبة. لكن العنف الطائفي (خاصة في تيمور الشرقية) وتبعات الأزمة استمرت. في 2002، بدأ انحسار نفوذ الجيش، وأُلغيت مقاعدهم البرلمانية عام 2004. تحسنت الأوضاع تدريجياً، وفي أزمة 2008 العالمية، صمدت إندونيسيا بنمو 4.5%، مثل الصين والهند.

---

### **تشيلي ومصر: ديجافو جماعي**

في 28 مايو 2014، شعر الكاتب التشيلي **أرييل دورفمان**، مستشار الرئيس المخلوع **سلفادور أليندي**، بحالة **ديجافو** وهو يرى المصريين ينتخبون الجنرال **السيسي**. في لقاء مع **CBC News**، قارن صعود السيسي بانقلاب **بينوشيه** في تشيلي 1973. التشابهات مذهلة: انقلاب عسكري، نظارات شمسية، فساد، وانتخابات مُطبخة. وثائق تشيلي، التي رُفعت عنها السرية، تكشف كواليس الطبخة. لماذا ننتظر 40 عاماً لنعرف كواليس مصر؟

إندونيسيا علمتنا أن الصدمات، سواء متتالية (تشيلي) أو متباعدة (إندونيسيا)، تؤدي لنفس النتيجة: شعوب تائهة، وفساد مستشرٍ. الديكتاتور قد يورّط شعبه في الدم، لكن الفساد والنقود الساخنة هما من يهدمان الكيان.

---

### **خاتمة: وصفتنا للنجاة**

إندونيسيا، مثل مصر، عاشت **ديجافو** الصدمات. لكن خروجها من الحفرة بدأ بتقليص نفوذ العسكر وإصلاحات ديمقراطية. علينا أن نتعلم: بدون عمود فقري اقتصادي حقيقي، وبدون تصور لـ"وبعدين"، سنظل ندور في حلقة الصدمات.

**ملاحظة**: الأسبوع المقبل، حلقتان: **الصدمة البرازيلية** و**فناكيش القطارات المصرية**. تابعونا على القناة، وشاهدوا آخر ثلاث حلقات إن فاتتكم. شكراً لمتابعتكم، ونراكم قريباً إن شاء الله!  
**السلام عليكم ورحمة الله وبركاته**.

  **ندوة: عقيدة الصدمة - صدمة تشيلي**

بسم الله الرحمن الرحيم  
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً بحضراتكم من جديد في حلقة جديدة من سلسلة **عقيدة الصدمة**. في الحلقتين السابقتين، تحدثنا عن الصدمة بمراحلها المختلفة، وتناولنا تطبيقاتها في الاتحاد السوفيتي، وجنوب إفريقيا، والكيان الصهيوني. لكن الحقيقة أن صدمة تشيلي كانت مميزة للغاية، فهي الأولى من حيث التطبيق، إذ كانت التجربة الأولى لتطبيق كامل للنيوليبرالية الصدمية على أرض الواقع، بعد أن كانت مجرد نظرية على الورق. 

ولكي تكونوا معنا في سياق الأحداث وطريقة السرد، سنروي قصتين تسيران في خطين زمنيين ومكانيين مختلفين، حتى نصل إلى نقطة معينة يلتقيان فيها. فلنبدأ!

---

### **القصة الأولى: ميلتون فريدمان ونشأة النيوليبرالية**

تبدأ القصة الأولى برجل يهودي يمتلك دكانًا، يشغّل فيه عمالاً يعملون بجهدٍ شاق، بأجورٍ هي الحد الأدنى، في ظروف غير إنسانية، كأنهم دواب في ساقية. يركضون ويعملون بلا توقف، ولا يحصلون إلا على لقيمات قليلة. وإذا تعثر أحدهم أو سقط من الإرهاق، يُداس بالحذاء. هذا الرجل أنجب أربعة أبناء أشقياء، وكان أصغرهم، آخر العنقود، يُدعى **ميلتون**. كان ميلتون طالبًا مجتهدًا، شغوفًا بالدراسة، فالتحق بالجامعة ودرس الاقتصاد. 

ورغم أن نموذج دكان والده أصبح جزءًا من التاريخ الأسود الذي يستحي الناس منه، كان ميلتون يرى فيه نموذجًا مصغرًا لعالمٍ رائع، يبقى فيه الأقوى، أو بالأحرى صاحب الدكان، بل الأدق: الدكان نفسه. من هنا، بدأ في صياغة نظرية اقتصادية جديدة، أُطلق عليها لاحقًا اسم **النيوليبرالية**. 

كان ذلك في منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، وكانت السياسات الاقتصادية السائدة في الولايات المتحدة هي **الكينزية**، وهي مدرسة رأسمالية أيضًا، لكنها تختلف عن الرأسمالية الكلاسيكية. فالكينزية ترى أن الرأسمالية تفتقر إلى الأدوات الكافية للحفاظ على حالة توظيف كاملة، أي ألا تكون هناك بطالة في المجتمع، وأن يعمل الجميع ويكسبون أموالاً. هذا يمنع التضخم المفرط والكساد الاقتصادي، كما حدث في الكساد الكبير في الاقتصادات الأوروبية خلال الثلاثينيات. 

بمعنى آخر، لا يمكن ترك الاقتصاد والناس للسوق وحده يتحكم بهما. الكينزية تؤكد على ضرورة تدخل الدولة في الاقتصاد من خلال السياسات المالية والإنفاق العام، سواء كان ذلك إنفاقًا عسكريًا، أو على البنية التحتية، أو حتى بناء سورٍ في الصحراء بلا قيمة عملية، لكن فكرة هذا السور أنه سيوظّف الناس، يشغلهم، ويضع المال في أيديهم، خاصة في أوقات الأزمات. هذا يضمن حالة توظيف كاملة وتوازنًا في الاقتصاد. 

كانت النظرية الكينزية هي السائدة في العالم الرأسمالي في منتصف الخمسينيات، في معظم دول أوروبا الغربية، وأستراليا، وغيرها. لنصوّر المشهد بمثال: كأن أبًا يرى أبناءه يلعبون ويتعاركون بضربات خفيفة لا تؤذي، لكنه بمجرد أن يبدأ أحدهم بالتعدي أو تهديد الآخرين، يتدخل ليفض النزاع. لكن يأتي **ميلتون فريدمان** ليقول: "لا، دعونا نزيل يد الحكومة تمامًا من الموضوع. لا حاجة لجدران في الصحراء، ولا وظائف، ولا كلام فارغ. دع الأطفال يتصارعون، وسيذهب من يُضرب اليوم ليتمرن أو يستعين بغيره ليضرب غدًا، وفي النهاية سيتحقق توازن بينهم". 

بمعنى آخر، يجب على الدولة أن تسحب يدها كليًا، لا مشاريع بنية تحتية، ولا عسكرية، ولا أي شيء. يُترك السوق حرًا بلا تدخل، بلا تمويل للبرامج الاجتماعية، ولا دعم. كل فرد يريد شيئًا يدفع ثمنه، سواء كان طعامًا، شرابًا، كهرباء، أو حتى لو استطعنا تعبئة الهواء في زجاجات وبيعه! وبالتالي، ستُخفَّض الضرائب بشكل كبير، فلمَ تدفع ضرائب وأنت تشتري كل شيء بنفسك؟ إذا دفعت، سترى ما لم ترَ عينيك من قبل، أما المجاني، فلا وجود له هنا. 

هذا الكلام كان يُسيل لعاب أصحاب الشركات وأرباب رؤوس الأموال، لكنه ظل مجرد نظرية على الورق، لم تُجرَّب. كان من المستحيل تطبيقها أو تجربتها على الشعب الأمريكي، لأنه شعبٌ له رأي نسبيًا، وقادر على تغيير الحكومة إذا ضيّقت عليه بحركات **العم ميلتون** العجيبة هذه. ونظراً لشعبية الكينزية بين الأمريكيين، خاصة أنهم يرونها حامية حقوقهم الأصيلة في الوظائف والخدمات العامة، لم يستطع فريدمان، ولا كان بمقدوره حينها، أن يقترب من الولايات المتحدة بنظريته "الملعونة" هذه.

---

### **القصة الثانية: تشيلي وسيطرة الحديقة الخلفية**

لننتقل إلى القصة الثانية. **تشيلي**، دولة تقع في أقصى غرب قارة أمريكا الجنوبية، كانت، كمعظم دول العالم الثالث، محتلة، لكنها نالت استقلالها مبكرًا مقارنة بمعظم الدول العربية، وذلك عام 1818. كان اقتصادها قائمًا على تصدير المواد الخام، مثل النحاس. لكن قبل أن نكمل سرد تاريخ تشيلي، دعونا نذكّركم أن الولايات المتحدة كانت، ولا تزال، تعتبر قارة أمريكا الجنوبية **حديقتها الخلفية**، أي منطقة نفوذها الحصرية. 

في تلك الفترة، كانت الأمور تميل "لليسار" قليلاً، مع انتشار الشيوعية والاشتراكية وشعارات تمكين الشعوب. بدأت شعوب أمريكا اللاتينية تطمح لأحلام "مشبوهة" من وجهة نظر أمريكا، التي كانت تقول: "هذه منطقتي، ولن تذهب يسارًا، ولو كلفني ذلك دمارها". فكانت تستنزف مواردها، تعطيهم مقابل ذلك ما يسد الرمق، وتنظم لهم انتخابات "معلبة" لطيفة. 

كانت لدى الولايات المتحدة أربعة عروض لدول أمريكا اللاتينية آنذاك، ولاحقًا طبقتهم على العالم أجمع. العرض الأول: **الانقلاب الناعم**، وهو إعلام مدعوم رسميًا من أمريكا، مع سياسيين تتحكم بهم أمريكا بطريقة ودية، إلى جانب نقابات وجمعيات ومؤسسات مجتمع مدني نبتت وترعرعت في أروقة المخابرات والخارجية الأمريكية. هؤلاء يعملون لضمان أنك، كمواطن أمريكي لاتيني، تختار الخيار الذي تريده الولايات المتحدة، براحة وذوق. 

إذا فشل هذا التدخل الناعم، تنتقل إلى **التدخل الناعم القذر**، وهو رشاوى مباشرة للسياسيين وصناع القرار، يأخذون المال مقابل تصويت معين، رأي معين، أو فعل معين. مع هذا الباكج، تأتي خطط جاهزة ومجرّبة لتزوير إرادة الشعب وتغيير نتائج الانتخابات، بدءًا من تقسيم الدوائر الانتخابية بما يسهل السيطرة، إلى رشاوى وابتزاز المرشحين والمعارضين، وتلفيق التهم، حتى تغيير صناديق الاقتراع ذاتها. 

إذا لم ينجح ذلك أيضًا، فأنت مؤهل للفوز بـ**التدخل الخشن المحلي**، وهو جيش مسلح ومدرب، يتلقى معونات من الولايات المتحدة، ينزل إلى الشارع، يقول: "يلا، كل واحد على زنزانته"، يهدم الدور القديم، ويبدأ دورًا جديدًا بقواعد وأدوات جديدة. 

وإذا فشل كل ما سبق في ردع الشعوب، فستواجه **الوحش** بنفسه، في **التدخل الخشن الخارجي**، حيث يأتي الأمريكيون بقواتهم ليجتاحوا بلدك في حرب غير متكافئة، بين شعب منهك، يُعبث بمقدراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية منذ سنين، وبين وحش يمتلك كل أسباب القوة. 

هذا النمط ليس تكهّنات أو نظريات مؤامرة، بل هو مثبت في وثائق أمريكية تم الكشف عنها بين عامي 1969 و1973، كما سنرى.

---

### **تشيلي: الديمقراطية المطبوخة**

نعود إلى تشيلي. منذ نهاية حرب الاستقلال عام 1818 وحتى عام 1973، أي لأكثر من 150 عامًا، كانت تشيلي تُحكم بنظام ديمقراطي يعتمد على الانتخابات. لكن شكل هذه الانتخابات ومن يتحكم بها ليس مهماً، المهم أنها كانت موجودة. لم يصعد أحد على دبابة ويقول: "تشيلي ملكي". 

كان المشهد السياسي في تشيلي يضم ثلاث كتل رئيسية:  
1. **الجيش**، دوره كان محدودًا جدًا في السياسة قبل 1973، وتدخلاته نادرة.  
2. **اليمين والوسط**، موجودون منذ القرن التاسع عشر، وهم التيار المحافظ، وأبرز أحزابهم **الحزب الديمقراطي المسيحي**، الذي كان الابن المدلل للولايات المتحدة، يُطبخ له الانتخابات، ويُقدم له كل الدعم والحب.  
3. **التيار اليساري**، بدأ يشتد عوده في العشرينيات من القرن العشرين، مع زيادة المصانع وأعمال التعدين، وبالتالي زيادة أعداد العمال. العمال، بطبيعة الحال، طالبوا بحقوقهم من الخيرات التي يستخرجونها أو ينتجونها، ومن يتكلم باسم العمال عادة؟ اليسار والاشتراكيون. فزيادة أعداد العمال عززت قوة اليسار سياسيًا. 

تأسس أول حزب يساري، **الحزب الشيوعي التشيلي**، عام 1921، وحقق انتصارات سياسية، أبرزها **دستور 1925**، الذي كفل حقوق العمال والضمان الاجتماعي وغيرها من الأمور "اللطيفة". 

في عام 1964، انتخب الشعب التشيلي **إدواردو فراي مونتالفا** رئيسًا للبلاد، لكن هذه الانتخابات لم تكن نزيهة، كما قلنا، بل كانت "مطبوخة" بأيدي المخابرات الأمريكية. تفاصيل تدخل الأمريكيين في انتخابات تشيلي موثقة في وثائق الإدارة الأمريكية التي أُفرج عنها، والتي تروي بالوثائق والمراسلات الرسمية كيف تدخلوا بكل الوسائل في الحياة السياسية التشيلية. 

هناك كتاب يضم أكثر من 360 وثيقة تتحدث عن تدخل الأمريكيين في تشيلي بين عامي 1969 و1973. الوثيقة رقم 3 في الكتاب هي تقرير كُتب عام 1969، يوضح طرق تدخل أمريكا في الانتخابات الرئاسية عام 1964، والانتخابات البرلمانية في 1965 و1969، واستعداداتهم للتدخل في الانتخابات الرئاسية لعام 1970. 

هناك قناة لطيفة تُدعى **رؤية**، سأضع رابطها في وصف الفيديو، أعدت دراسة دقيقة عن تشيلي وانقلاب 1973، فيمكنكم الاطلاع على التفاصيل هناك. المهم أن إدواردو فراي، من الحزب الديمقراطي المسيحي، جاء بدعم التدخل الناعم. بدأ برنامجًا محدودًا للإصلاح الزراعي، وبنى مشاريع ومساكن عامة للعمال، وحسّن الخدمات التعليمية والصحية، وأقنع الشركات الأمريكية التي تمتلك مناجم النحاس في تشيلي بزيادة نصيب تشيلي من أرباح النحاس، مع منحها سلطات أكبر للتحكم في الأسعار والإنتاج وتسويق المعدن. 

كانت البلاد تسير في مسار رأسمالي قريب من الكينزية، مع بعض الفساد السياسي والتبعية الكاملة للولايات المتحدة، لكن الدولة كانت تقوم بدور ما لتحسين الأوضاع.

---

### **سلفادور أيندي: الطبيب الماركسي**

فجأة، ظهر على الساحة طبيب ماركسي يُدعى **سلفادور أيندي**، يقود **تحالف الشعب** اليساري. خاض الانتخابات ثلاث مرات، وفشل فيها جميعًا، ما شاء الله، في أعوام 1952، 1958، و1964. كان من المفترض أن يفشل في 1970 أيضًا، لولا ظروف معينة. ما هي هذه الظروف؟ 

ظهر وزير دفاع يُدعى **رينيه شنايدر**، قرر الدفاع عن الديمقراطية وحق الشعب في اختيار رئيسه، بدلاً من أن تُطبخ الانتخابات لصالح الشركات الأمريكية في كل مرة. أعلن دعمه لأيندي، وقال إنه سيراقب العملية الانتخابية لتكون نزيهة. لا أحد يعرف سر هذه الصحوة، لكن سبحان الله، فجأة، اغتيل شنايدر بعد أشهر من توليه وزارة الدفاع. وطبعًا، لا حاجة لنسأل من فعلها! 

تخيلت أمريكا أنها حلت المشكلة باغتيال شنايدر، لكن الأمر جاء بنتيجة عكسية. فهم الجميع "الطبخة"، وتكاتفوا مع أيندي، فنال الانتخابات بشكل ثوري، ليصبح أول رئيس تشيلي يُنتخب بانتخابات نزيهة. 

هنا سؤال يطرح نفسه، وهو مفارقة تحتاج إلى آرائكم في التعليقات: هل تدخل رينيه شنايدر كان فعلاً في مصلحة التغيير، لأنه أثار حراكًا شعبيًا وجعل الناس تتكاتف حول أيندي؟ أم أن تدخله خلق سابقة لتدخل الجيش في السياسة، وأعطى لاحقًا ذريعة لأي جنرال أن يفرض رأيه، سواء بدعم شعبي أو حتى بغطاء زجاجة كوكاكولا؟ يعني: "ما دمتم رحبتم بشنايدر، رحبوا بي أنا أيضًا"، وهكذا!

---

### **أيندي تحت الحصار**

وثائق أمريكية تقول إن الرئيس **نيكسون** تحدث إلى **هنري كيسنجر** بشأن تشيلي، وقال له: "اجعل اقتصادهم يصرخ: يا للهول!" (بالإنجليزية بالطبع). أعلنت مجموعة الشركات الأمريكية الأعضاء في اللجنة الخاصة بتشيلي الحرب على سياسات أيندي. كان هدف اللجنة إفشال خطة أيندي لتأميم شركاتهم، فجمّدوا القروض الممنوحة لتشيلي، وأخّروا شراء النحاس منها لستة أشهر، وجمّدوا أموال النحاس التي اشتروها، واستخدموا مخزون النحاس الأمريكي بدلاً من شراء النحاس التشيلي، وقللوا تداول الدولار في البلاد. 

قدمت اللجنة 18 اقتراحًا لنيكسون للإطاحة بأيندي، من بينها الدعوة إلى الانقلاب. أنفقوا في هذه "الحفلة" حوالي 8 ملايين دولار لإفشال أيندي. 

في المقابل، ماذا كان يفعل أيندي؟ حاول السيطرة على الجيش، لكنه كان طيبًا وحنونًا مع قيادات الجيش الفاسدين ومع "الهليبة" من أصحاب رؤوس الأموال. هذا أغضب الحراك الشعبي الذي انتخبه أصلاً لينتقم من ناهبي البلاد. والعجيب أنه، رغم توجهه الاشتراكي، لم يكن الاتحاد السوفيتي يدعمه بمساعدات تُذكر، لأنهم رأوه رئيسًا "ديمقراطيًا زيادة عن اللزوم"، غير قادر على "فرم" الناهبين والمسيطرين على البلاد. 

مع غضب الحراك الشعبي الذي كان يسانده، وضغوط أصحاب الشركات ورجال الأعمال، بدأت حملات لتعجيزه وتفريغ إصلاحاته من محتواها. تشكلت طوابير بالمئات للحصول على أنابيب الغاز والوقود، وتدهورت الأحوال. الآلة الإعلامية، الممولة من أصحاب الشركات، شوهت سمعته تمامًا، وروّجت لعجزه، وأخفت أي إصلاح يُذكر قام به. 

مع تصاعد هذه الضغوط، تستمر القصة في الحلقة القادمة، حيث نكشف عن النهاية المأساوية لأيندي، وكيف تلاقت القصتان في نقطة الصدمة الكبرى. 

**ندوة: عقيدة الصدمة - صدمة تشيلي والبرازيل (الجزء الثاني)**

بسم الله الرحمن الرحيم  
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً بحضراتكم من جديد في حلقة جديدة من سلسلة **عقيدة الصدمة**. نكمل اليوم قصة تشيلي، ثم ننتقل إلى البرازيل، لنرى كيف تلاقت القصتان في نقطة الصدمة الكبرى، وكيف حاولت البرازيل الخروج من حفرتها. فلنبدأ!

---

### **تشيلي: سقوط أيندي وصعود بينوشيه**

في يوم الثلاثاء، 22 أغسطس 1973، صوّتت المعارضة في البرلمان التشيلي على إصدار بيان تاريخي بأغلبية 81 صوتًا مقابل 47 صوتًا. خلاصة البيان أن حكومة الرئيس **سلفادور أيندي** خالفت القانون وانتهكت الدستور، وطالبوا الجيش بالتدخل لإنهاء هذه المخالفات. استقال حينها الجنرال **كارلوس براتس**، وزير الDefense، وانسحب تمامًا من المشهد السياسي. تذكروا اسم كارلوس براتس، سنعود إليه لاحقًا.

عيّن أيندي مكانه الجنرال **أوغستو بينوشيه** وزيرًا للدفاع. كان بينوشيه قد لمع نجمه في بدايات حكم أيندي كداعم قوي له، يؤدي له التحية، ويجلس أمامه باحترام، وساعده في قمع مظاهرات وفرض حظر التجوال، وقمع الاضطرابات في بداية حكمه. كان يُظهر تأثره بخطب **جيفارا**، وتدرج بسرعة في المناصب خلال سنتي حكم أيندي، حتى أصبح وزير الدفاع. 

لكن فجأة، قام الجنرال بينوشيه، ذو النكهة الاشتراكية ظاهريًا، الذي عيّنه أيندي ليكون سندًا له، بانقلاب في 11 سبتمبر 1973. أعلن أنه يفعل ذلك بتفويض من "الشعب التشيلي العظيم" لحماية البلاد من الاشتراكية و"التجربة المريرة" التي يعيشها الشعب تحت حكم أيندي. لكن لو كان صادقًا، لقال إنه يفعل ذلك بتفويض من الإدارة الأمريكية وأوامر من **نيكسون** و**هنري كيسنجر**، لتبقى تشيلي خاضعة للولايات المتحدة. 

قصف بينوشيه القصر الرئاسي بالطائرات والدبابات، ومات أيندي. يُقال إنه انتحر قبل أن يظهر أمام الشعب في صورة مهينة بين يدي مجرم مغتصب للسلطة. بسرعة، أصدر بينوشيه تشريعات جديدة، وحل البرلمان، وشن حملات اعتقالات وتصفيات واسعة بأرقام مرعبة، على مرأى ومسمع ومباركة من الحكومة الأمريكية، التي قدّمت للشعب التشيلي "الباكج الثالث" للتدخل المحلي الخشن.

من أوائل ضحايا الاغتيالات كان **كارلوس براتس**، وزير الدفاع السابق الذي استقال وهرب إلى الأرجنتين. اغتيل هو وزوجته، ليؤكد بينوشيه أنه لا مكان لأي شخصية عسكرية قد تنافسه في شعبيته داخل الجيش أو خارجه. اعتقل النظام 13,500 فرد ووضعهم في سجون مختلفة. من أبرز الحوادث المروعة، كما روت **نعومي كلاين**، ملء الاستاد الوطني لكرة القدم بالمعتقلين وإطلاق النار عليهم. حتى اليوم، لا يُعرف العدد الحقيقي للقتلى في هذه الحادثة بدقة.

المدهش، أو بالأحرى المثير للاشمئزاز، أن من بين المعتقلين كان سياسيون مدنيون معروفون كانوا معارضين لأيندي ومؤيدين لبينوشيه والانقلاب، بل وطالبوا بتدخل الجيش منذ البداية. لكن لا مكان لهم في معادلة بينوشيه، فالسلم الذي صعد به إلى الحكم يجب أن يأخذه معه. حتى **الحزب الديمقراطي المسيحي**، الذي كان أول من دعم تدخل الجيش للإطاحة بأيندي، تم "فرمه". في مارس 1977، أصدر بينوشيه قرارًا بحل جميع الأحزاب، بما في ذلك الحزب الديمقراطي المسيحي. 

الإذاعة **راديو بالماسيدو**، التي كانت تصدح ليل نهار بنداءات الاستغاثة ضد أيندي وسياساته، وتصفه بتدمير البلاد، أُغلقت بالضبة والمفتاح. أسس بينوشيه جهازًا أمنيًا جديدًا باسم لطيف: **دينا**، هدفه تصفية المعارضين داخل البلاد وخارجها. انتهاكات مرعبة لحقوق الإنسان، قتل، تقطيع جثث بالمناشير، إذابتها بالحمض، واعتقالات بالجملة دون أي سند قانوني.

في المقابل، نشرت صحيفة **نيويورك تايمز** خبرًا في 22 يناير 1976 عن موافقة البنك الدولي على قرض لتشيلي، رغم الانتقادات بشأن انتهاكات حقوق الإنسان. وفي 1986، خبر آخر عن موافقة البنك الدولي على قرض آخر لتشيلي، رغم استمرار الانتهاكات. نفس المؤسسات المالية التي دعمت بينوشيه رغم جرائمه، كانت قد رفضت التعامل مع أيندي بسبب سياساته. هذه سياسة الولايات المتحدة التاريخية: "هو ابن ناس مش كويسين، لكنه ابن الناس مش الكويسين بتاعنا"، كما قال **ترامب** عن السيسي: "إنه ديكتاتوري المفضل".

سجّل النشطاء في تشيلي، بعد رحيل بينوشيه، 4,175 ضحية لنظامه، بين قتلى، معتقلين، مختفين قسريًا، ومعذبين. 3,000 قتيل، جثثهم أكلتها الأسماك في المحيط الهادي بعد إلقائها من الطائرات، وجثث أخرى تُركت لتتحلل في الصحراء. صدمة مرعبة لشعب لم يرَ مثل هذا العنف من قبل. أصبح الناس كمن ضُرب بمطرقة على رؤوسهم، أو صُعقوا بالكهرباء، منسيين أسماءهم، يعيشون بمشاعر مخدرة، هائمين على وجوههم، مستسلمين لقدرهم، لا يدرون ولا يبالون بما يُفعل بهم.

---

### **فريدمان وصبيان شيكاغو: حقل التجارب**

قلنا إن **ميلتون فريدمان** لم يجد دولة يختبر فيها نظريته النيوليبرالية. لكن سياسيين أمريكيين، مثل وزير الخارجية **جون فوستر دالس**، وأصحاب الشركات الكبرى، رأوا أن أفكار فريدمان تحتاج إلى حقل تجارب. إذا نُفذت على أرض الواقع، ستحول الكوكب إلى جنة للشركات عابرة القارات، وتغلق الباب أمام توسع الاتحاد السوفيتي وأفكاره الاشتراكية. 

كان المرشح الأول لهذا الحقل هو **الفناء الخلفي** للولايات المتحدة: دول أمريكا اللاتينية، التي بدأت تتمرد وتؤمم مصانعها وتسترد ثرواتها. اجتمع **بيان باترسون**، مدير الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي في تشيلي، مع **ثيودور شولتز**، رئيس قسم الاقتصاد في جامعة شيكاغو، لوضع خطة تنفيذ في أول حقل تجارب: تشيلي. 

اتفقوا على تقديم منح تبادلية للطلاب التشيليين للدراسة في أمريكا، يتشبعون بمبادئ فريدمان في **مدرسة شيكاغو**. اختيروا 100 طالب، أُطلق عليهم **صبيان شيكاغو**، درسوا مجانًا في جامعة شيكاغو، التي يحلم الأمريكيون أنفسهم بالالتحاق بها، بتمويل من شركات تبيع أباها من أجل المال. 

هذا استثمار طويل الأجل، لكنه ليس رسالة تعليمية سامية، ولا لأن الطالب التشيلي هو الأذكى في العالم. بل هو عملية غسيل مخ وإعادة تشكيل وعي وثقافة على المقاس الأمريكي، ليعودوا إلى بلادهم مبرمجين لدعم وتنفيذ أجندات الدول المانحة دون توجيه مباشر. يغيرون النظام الاقتصادي، يؤسسون هيئات ترفيه أو جمعيات تدعم أي شيء ضد ثقافة ودين بلادهم، إلى آخره.

عندما عادت الدفعة الأولى من هؤلاء الطلاب إلى تشيلي، حولوا كلية الاقتصاد في **جامعة تشيلي الكاثوليكية** إلى نسخة طبق الأصل من مدرسة شيكاغو، بدعم من الحكومة الأمريكية وشركة **فورد**. عُيّن **سيرخيو دي كاسترو**، أحد المتخرجين الأوائل، رئيسًا لمجلس إدارة الجامعة. في البداية، لم يكن لهم تأثير يُذكر، لا فكريًا ولا عمليًا، بل كانوا منبوذين من الشعب التشيلي، لا أكاديميًا ولا شعبيًا. 

لكن مع انتخاب أيندي، بدأ دورهم يظهر في تهييج الجماهير ضد ميوله الشيوعية. هنا تلتحم القصتان، وتأتي الفرصة الذهبية لتنفيذ **عقيدة الصدمة**: شعب مخدر، تائه، مرعوب من صدمة الدم، تحت سيطرة ديكتاتور مكتف بالسلاح، ومجموعة من الاقتصاديين مغسولي الأدمغة جاهزين لتنفيذ الصدمة الاقتصادية.

---

### **الصدمة الاقتصادية في تشيلي**

عيّن بينوشيه **سيرخيو دي كاسترو**، كبير صبيان شيكاغو، مستشارًا اقتصاديًا لوزير الاقتصاد. بدأ دي كاسترو بالضغط على كل الأزرار في آن واحد: أوقف التدخل الحكومي في كل المجالات، خصخص العديد من الشركات الحكومية، فتح أبواب الاستيراد للسلع الأجنبية، خفض الإنفاق الحكومي بنسبة 10%، وألغى مراقبة الدولة للأسعار، فأصبح كل بائع حرًا في تحديد السعر الذي يريده.

بعد سنة ونصف من هذه السياسات، ماذا كانت النتيجة؟ في 1974، وصل التضخم إلى أكثر من 375%، طُردت أعداد هائلة من وظائفهم، وأغلقت شركات محلية كثيرة. عاد بينوشيه إلى صبيان شيكاغو متسائلاً: "إيه يا ولاد، ما نفعش ولا إيه؟ هنعمل إيه دلوقتي؟" أجابوه: "أصلك ما طبّقت العلاج بالصدمة بالصرامة الكافية. زود شوية خصخصة، قلّل شوية إنفاق حكومي، وقلّب شوية، وتغلغل بيها رجال الأعمال التشيليين".

لكن نتائج النيوليبرالية والانفتاح السداح مداح جاءت عكسية. وجد رجال الأعمال التشيليون أن الأمور ضاقت بهم، فبدأوا يتمردون، وخرج من يقول: "سآخذ أموالي وأهاجر من البلد". بسرعة، سافر **فريدمان** بنفسه إلى تشيلي، والتقى بينوشيه، وقال له: "زوّد شوية خصخصة، قلّل الإنفاق الحكومي، وقلّب شوية. وافتح عليها بعد ستة أشهر وتغلغل بيها. مستني إيه؟ عندك تلميذي النجيب دي كاسترو، مستشار وزير الاقتصاد بتاعك!" 

أقال بينوشيه وزير الاقتصاد، وعيّن **سيرخيو دي كاسترو** وزيرًا للاقتصاد، ثم وزيرًا للمالية، قائلاً: "ما تقعدش مستشار وتقول لي اعمل وما تعملش. تعالَ نفّذ بنفسك!" خفضوا الإنفاق الحكومي بأكثر من 27%، خصخصوا 500 مصرف وشركة حكومية، ألغوا التدخل الحكومي في التعليم والصحة، حتى خصخصوا نظام الضمان الاجتماعي. 

كل هذه الصدمات أدت إلى هبوط حاد في الاقتصاد، وانكماش بنسبة 15%. وصلت البطالة إلى 31%، بعد أن كانت أقل من 5% قبل الانقلاب. يعني كل ثلاثة أشخاص تقاملهم، واحد منهم عاطل. خسر 177,000 موظف وظائفهم بين 1973 و1983. بعد عشر سنوات من العلاج بالصدمة، انهار اقتصاد تشيلي تمامًا في 1982. وصلت الديون إلى 17 مليار دولار، بعد أن كانت 3.5 مليار قبل الانقلاب. 

الدولة، التي كانت تمتلك 594 كيانًا اقتصاديًا يدر عليها دخلاً لتلبية احتياجات الشعب، أصبحت تمتلك 48 هيئة فقط. عمليات بيع أصول الدولة أثارت علامات استفهام كبيرة، خاصة أن معظمها تم لخمس شركات خاصة فقط. 

فما الحل يا بينوشيه؟ عاد بينوشيه وأمّم بعض الشركات، وتم التحقيق مع عدد كبير من صبيان شيكاغو بتهم الفساد والاحتيال بعد خسارتهم مناصبهم في 1988. استقر الاقتصاد نسبيًا، لكن 45% من الشعب تجاوزوا خط الفقر، بينما ازدادت ثروة الـ10% الأغنياء بنسبة 83%. في 2007، احتلت تشيلي المركز 116 من أصل 123 دولة في مؤشر التساوي الاقتصادي.

---

### **كيف خرجت تشيلي من الحفرة؟**

للتوضيح، خرجت تشيلي من حفرة بينوشيه تحديدًا، لكن لا يمكن القول إنها خرجت من تحت الأرض تمامًا. المعادلة بسيطة، كما ذكرنا سابقًا: **تعليم منفتح + نزعة وطنية + بعض الحريات = طموح**. في التسعينيات، عندما شعر بينوشيه أنه سيطر على تشيلي، خفف قبضته قليلاً، كما فعل مبارك في أواخر أيامه. سمح بعودة الأحزاب والديمقراطية، ومنح بعض الحريات. 

الأمية في تشيلي كانت دائمًا أقل من 6%، وفي الشباب أقل من 1%. هذا التعليم الجيد، مع عودة الأحزاب والديمقراطية، جعل الناس تشعر أن البلد أصبحت ملكهم ولو قليلاً. هذه الخلطة ولّدت الطموح للأفضل. عندما يقابل هذا الطموح نظامًا عجوزًا، غبيًا، لكنه مرتاح ومطمئن، يحدث التغيير. 

قاد التغيير جناحان مهمان: أحزاب ونخب متحدة، بدعم من الكنيسة والنخب الدينية، التي رعت الحراك الشعبي. انتهى هذا الحراك باستفتاء لخلع بينوشيه، ثم عزله، ومحاكمته، وإدانته بأحكام تصل إلى 500 سنة. ظل بينوشيه مختبئًا في بيته، كما فعل بعض المسؤولين في مصر، حتى مات في 10 ديسمبر 2006، عن عمر 91 سنة.

---

### **البرازيل: كرة القدم والصدمة**

لننتقل إلى البرازيل، لكن دعونا نبدأ بقصة رجل يُدعى **جواو سالدانا**، صحفي برازيلي بدأ حياته الكروية في منتصف القرن العشرين كلاعب في فريق **بوتافوغو**، فريق متواضع، وكان هو لاعبًا متواضعًا. لم ينجح كلاعب، فاتجه إلى النقد الرياضي، وأصبح من أشهر النقاد. كان فيلسوفًا رياضيًا، ينتقد الفرق والمدربين. 

في يوم من الأيام، واجهه الناس: "تعالَ ورينا إنت لو مدرب هتعمل إيه؟" تعرض **بوتافوغو** لأزمة مالية، ولم يجد أموالاً لجلب مدرب متمرس، فاستدعى لاعبه القديم، الفيلسوف سالدانا. فجأة، صنع سالدانا لبوتافوغو شكلاً وطعمًا في الملعب، وحقق معهم لقب الولاية. بعد نجاحه في التحدي، استقال، وعاد إلى الصحافة. 

بعد سنوات طويلة، فوجئ بدعوته لتدريب **المنتخب البرازيلي** في 1969. تولى المنصب، وابتكر خطة 4-4-2، فأصبح المنتخب يأكل الأخضر واليابس. يُقال إنه كان أفضل منتخب في تاريخ كرة القدم، بقيادة نجوم مثل **جارزينيو**، **كارلوس ألبرتو**، **تريز**، و**بيليه**، الجوهرة السوداء. حققوا ستة انتصارات متتالية، وفازوا بكأس العالم 1970، ليُخلّد اسم سالدانا في التاريخ البرازيلي.

لكن سالدانا كان لديه مشكلة صغيرة: لم يكن مجرد رجل كرة. كان عضوًا في **الحزب الشيوعي** المحظور، وصاحب أفكار معارضة للحكومة العسكرية التي كانت تحكم البرازيل. في بلد مثل البرازيل، حيث الجميع يفهم في الكرة ولكل فرد رأي في تشكيلة الفريق، من سيكون الأكثر فهمًا؟ بالطبع، فخامة الرئيس **إيميليو غاراستازو ميديسي**!

كانت البرازيل تحت حكم ديكتاتورية عسكرية لا ترحم. الرئيس ميديسي كان يحب اختيار اللاعبين للمنتخب بنفسه. لكن سالدانا، رجل مبادئ ومعارض، لم يتقبل تدخل الرئيس. عندما أرسل ميديسي رسالة يقول فيها إنه سيكون سعيدًا برؤية اللاعب **داريو** في المنتخب، رد سالدانا: "أنا لا أتدخل في اختيار وزراء حكومتك، فلا تتدخل في اختيار تشكيلتي". 

بالطبع، لم يستمر سالدانا بعد هذا الرد. كانت هذه القشة التي أنهت مسيرته مع المنتخب. جاء ميديسي بمدرب جديد لم يتعود بعد على اللاعبين. لكن، والحق يُقال، فازت البرازيل بكأس العالم بقوة، وضرب ميديسي بقوة. ألقى خطابًا جعلك تحس أن البلد انتصرت على الفقر والجهل والظلم، وأصبحت دولة عظمى. ليس هذا فحسب، بل أُعلنت إجازة وطنية، وأصبحت أغنية المنتخب النشيد الرسمي للدولة.

لن نبالغ إذا قلنا إن شعوب شمال إفريقيا تتنفس كرة القدم، ولن نبالغ إذا قلنا إن البرازيل هي الكرة نفسها. عندما تملك مخدرًا كهذا، حرام ألا تستخدمه. استخدم العسكر في البرازيل كرة القدم لتخدير الشعب. في 1983، وسط فشل التجربة الاقتصادية للجيش، بينما كانوا قد وعدوا برفع الحد الأدنى للأجور، أعلن مكتب وزارة العمل عن توزيع 15,000 تذكرة مجانية لمباراة **فلامينغو** و**فلومينينسي** في ريو دي جانيرو.

العسكر يستغلون الكرة في السياسة، لكن اللاعب ممنوع من الحديث عن السياسة التي يُستغل فيها. قالوا: "سيبوا الكرة بعيدة عن السياسة!" في يوم من الأيام، سمع الناس الرئيس **إرنستو غيزيل** يوبّخ المهاجم **رينالدو** لتحدثه عن السياسة مع الصحافة. كان رينالدو يشتكي من سيطرة النظام على الفريق، وليس المدرب. رد غيزيل: "أنت تلعب كرة، لا تتحدث عن السياسة. اترك السياسة لنا".

حتى **بيليه**، الجوهرة السوداء، لم يسلم. راقبوا أمواله، من أين تأتي وإلى أين تذهب، إلى جانب التحقيقات السياسية ضده. منتخب البرازيل، الذي ننتظره كل أربع سنوات في كأس العالم، باحتفالاته ورقصاته التي نعرفها جميعًا، ويقلدها اللاعبون حتى اليوم، خلف فرحته قصص مرعبة لدولة عانت الويل على أيدي العسكر، سقطت وقامت مرات عديدة. فلنحكِ حكايتها من البداية.

---

### **البرازيل: من الاستعمار إلى الصدمة**

البرازيل هي الأكبر مساحة في أمريكا الجنوبية، والخامسة عالميًا، بمساحة 8.5 مليون كيلومتر مربع، وعدد سكانها اليوم 216 مليون نسمة. بدأت حكايتها عندما "اكتشف" **كريستوفر كولومبوس** العالم الجديد عام 1492. الصورة الذهنية لدى الكثيرين أن كولومبوس أضاء كشافًا على القارتين، لكن الحقيقة أن الاكتشافات تمت تدريجيًا، كخريطة ألعاب استراتيجية، كل رحلة أو مستكشف تائه يكتشف مكانًا جديدًا ويسميه.

اندلعت معركة بين إسبانيا والبرتغال حول تقاسم العالم الجديد. بعد صراخ وشتائم، كادت أن تنتهي بحرب، تدخل بابا الفاتيكان وقال: "أي أرض لا يحكمها ملك مسيحي تكون لمن يكتشفها". وعدٌ من لا يملك لمن لا يستحق، فالسكان الأصليون كانوا أصحاب الأرض. لكن هذا لم يحل المشكلة، فقرروا في معاهدة **تورديسياس** عام 1494 رسم خط في المحيط الأطلسي: ما يُكتشف يمينه للبرتغال، وشماله لإسبانيا، ومُنعت أي سفينة أخرى من العبور دون إذن البلدين.

ظلت البرتغال تتفاوض لتحريك الخط غربًا، حتى عام 1500، عندما جنحت سفينة المستكشف **بيدرو ألفاريس كابرال**، الذي كان يحاول الوصول إلى الهند عبر المحيط الأطلسي. وجد نفسه على أرض جميلة مليئة بشجر **براز** أحمر يُستخرج منه صبغة. حسب الموقع، ووجد أنها تقع يمين خط المعاهدة، فأصبحت برتغالية. قالت البرتغال: "كفى، لن نزيح الخط بعد الآن، نحن راضون".

بدأ البرتغاليون بقطع الأشجار مع السكان الأصليين، وتصديرها، حتى نفدت. لما وجد السكان الأصليون أن قطع الأشجار لم يعد مربحًا، اتجهوا للزراعة. لكن البرتغاليين، بدلاً من الزراعة، استعبدوا السكان الأصليين ليزرعوا، ويتاجر البرتغاليون بالمحاصيل. بدأ السكان الأصليون يهربون أو يموتون من ظروف الاستعباد القاسية أو الأمراض التي جلبها الأوروبيون. قرر البرتغاليون جلب العبيد من إفريقيا للعمل في الزراعة.

قُسمت البرازيل إلى 15 إقطاعية، كل واحدة تحت سيطرة نبيل من العائلة المالكة البرتغالية، يفعل بها ما يشاء، ويرسل جزءًا من الأرباح للملك. استمر هذا ثلاثة قرون، حتى غزو **نابليون** للبرتغال عام 1807. اضطرت العائلة المالكة، بقيادة الملكة **ماريا الأولى** وابنها **خواو السادس**، للهروب إلى البرازيل، واستقروا في **ريو دي جانيرو**، التي أصبحت مقرًا غير رسمي للإمبراطورية البرتغالية.

في 1815، أسس خواو **المملكة المتحدة للبرتغال والبرازيل والغرب**، رافعًا اسم البرازيل من مستعمرة إلى مملكة. بعد عام، توفيت ماريا، وتولى خواو العرش. في 1821، عاد خواو إلى البرتغال، تاركًا ابنه ووارثه **بيدرو**. هنا، قام بيدرو، الذي وصل البرازيل طفلاً، بخدمة عظيمة للبرازيليين، وأعلن استقلالها عن البرتغال عام 1822. في 1827، أُعلنت **إمبراطورية البرازيل المستقلة**، بداية حلم قديم بالاستقلال وأمل جديد بالنهوض.

لكن الحقيقة، خرج الاستعمار تاركًا شعبًا مدمرًا، جائعًا، مضطهدًا، ومستعدًا للاستغلال، مع طبقة أرستقراطية تملك العباد والبلاد. الفترة من الاستقلال حتى 1889، المسماة **الفترة الإمبراطورية**، كانت إمبراطورية بالاسم فقط، دون أي توسع إمبراطوري، بل غرقت في نزاعاتها الداخلية. قلة تملك الأموال تتحكم بالشعب، الأغنياء ازدادوا غنى، والفقراء ازدادوا فقرًا. 

اندلعت تمردات محلية في عدة أماكن: **ثورة الأكواخ** في غروبي، **ثورة الماريز** في سلفادور، **ثورة باديا** في مارانهاو، **ثورة سابينا** في بايا، و**ثورة بريرا** في برنامبوكو. استمرت الاضطرابات في محافظات كثيرة، احتجاجًا على سياسات السلطة المركزية التي لا تصب إلا في مصلحة الأغنياء.

في 1841، مع تتويج **بيدرو الثاني**، بدأ نقاش سياسي حول إلغاء العبودية وتجارة الرقيق. استمرت المناقشات حتى 1888، عندما أُلغيت العبودية نهائيًا. استقرت الأمور نسبيًا، ودخلت البرازيل ثلاث حروب مع الأرجنتين، أوروغواي، وباراغواي، وانتصرت فيها جميعًا. 

لكن على الرغم من الاستقرار، وأن غالبية البرازيليين لم يرغبوا في تغيير شكل الحكم، تضخم طموح الجيش. قمع الثورات وانتصارات الحروب جعلتهم يرون أنفسهم أصحاب الحق في الحكم. كيف يسمحون للمدنيين من الأسرة المالكة بالتحكم؟ ألغوا العبودية دون استشارتهم، وهم في نظرهم "ماسونيون" لا يسمعون كلام البابا، ويمنعون الجيش من إبداء آرائه السياسية. 

فجأة، في 1889، نفّذ الجيش انقلابًا أنهى النظام الملكي، وأعلن البرازيل **جمهورية**. من 1889 إلى 1930، عاشت البرازيل تحت نظام ديمقراطي دستوري، لكن هذه الديمقراطية كانت وهمية، كالإمبراطورية قبله. حكم العسكر مباشرة في دورتين رئاسيتين فقط، لكن الحكم الفعلي كان بيد **أوليغاركية القهوة والحليب**، مافيا تجار البن والألبان. 

كانت الانتخابات مزورة، والفلاحون الفقراء يتعرضون لضغوط للتصويت لأشخاص معينين. رشاوى بكرتونة هنا، خمسينية هناك، أو شريط ترامادول. حتى لو لم يشارك الناس، كانت الحكومة تتولى تعديل النتائج عبر لجنة تُسمى **لجنة التحقق من السلطات** التابعة للكونغرس. بالطبع، السلطات المسؤولة عن الانتخابات لم تكن مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، اللتين كانتا تحت سيطرة أوليغاركية القهوة والحليب. 

الأمل الكبير الذي رافق الاستقلال انكمش تمامًا على يد الإمبراطور المدني، ثم سطوة القهوة والحليب. في 1930، كانت آخر انتخابات مزورة للأوليغاركية، فتدخل الجيش بانقلاب جديد، وسلم البلاد في نوفمبر 1930 إلى **جيتوليو فارجاس**، الذي لُقّب لاحقًا بـ**أبو الفقراء**.

---

### **فارجاس وكوبيتشيك: أمل وديون**

حكم فارجاس ثلاث فترات: 1930-1937، 1937-1945، و1951-1954. قد تتساءلون عن الفترة بين 1945 و1951. في 1945، انقلب العسكر، الذين جاءوا به، عليه قبل أيام من نهاية ولايته، رغم إعلانه أنه لا ينوي الترشح لفترة ثالثة. لكن عندما عيّن شقيقه رئيسًا للشرطة، شكوا أنه ينوي البقاء، فانقلبوا عليه. 

وقد تتساءلون لماذا الفترة الثالثة ثلاث سنوات فقط؟ لأنها انتهت بانقلاب عسكري أيضًا من نفس العسكر. عندما اكتشفوا تورطه في اغتيال ضابط في القوات الجوية، وقّع 27 جنرالاً بيانًا يطالبونه بالاستقالة. صُدم فارجاس وانتحر. 

إذا تصفحت قائمة رؤساء البرازيل في تلك الفترة، لن تجد من أكمل ولايته. بعضهم حكم أسبوعًا أو أسبوعين، ومنهم من لم يدخل القصر الرئاسي أصلاً. حتى عام 1956، وصل **جوسيلينو كوبيتشيك**، رئيس سيظل اسمه في ذاكرة البرازيل طويلاً. جاء بخطة طموحة: **50 سنة في 5 سنين**، أي سيحقق في خمس سنوات ما لا يُحقق في نصف قرن.

حوّل البرازيل إلى دولة صناعية ذات وزن، ركّز على صناعة السيارات، السفن، والصناعات الثقيلة، واستغل المساحات المائية لإنشاء محطات كهرومائية. بنى طرقًا سريعة تربط أطراف البرازيل، وقرر إنشاء عاصمة إدارية جديدة، فنقل العاصمة من **ريو دي جانيرو** الساحلية إلى **برازيليا** في قلب البلاد، لنقل التنمية إلى الداخل الفقير. صُممت برازيليا على شكل طائرة، لتُعطي البرازيليين أمل الانطلاق.

إنجازات ضخمة في وقت قصير: نمو سنوي 7.9%، زيادة في الإنتاج الصناعي 80%، وأرباح الصناعات 76%. أصبحت الحياة وردية. لكن من أين جاءت أموال هذه الإنجازات؟ **ديون**. قفز الدين من 87 مليون دولار إلى 297 مليون في خمس سنوات. التضخم وصل إلى 81%. تكلفة بناء برازيليا كانت باهظة، والسلع المنتجة كانت غالية، فلم يستطع الناس شراءها. 

انفجرت الفقاعة، واتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وانتشرت الفوضى. ظهر **صندوق النقد الدولي** معبّرًا عن قلقه من بطء الحد من التضخم، وإنفاق الحكومة على العاصمة الجديدة، واستمرار دعم السلع الأساسية كالقمح والبترول. بدا كوبيتشيك مستعدًا لقبول شروط الصندوق، فانتقده القوميون والشيوعيون لاستعداده التخلي عن سيادة البرازيل. حزب **المحافظين** وحده رحّب بالتوصل إلى اتفاق مع الصندوق. لكن في النهاية، رفض كوبيتشيك شروط الصندوق قبل نهاية ولايته في 1961.

---

### **جولارت: الشعبوية والصدمة**

في 1961، وصل **خواو جولارت** إلى الرئاسة وسط ضجة وقلق بشأن ميوله الشيوعية. لتهدئة الأوضاع، غيّروا نظام الحكم من رئاسي إلى برلماني، ليكون الرئيس مجرد واجهة بصلاحيات محدودة. لكن جولارت لم يكذب خبرًا، فانحاز للعمال، دعم النقابات، واتجه لسياسات اقتصادية جديدة لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتدهور. ركّز على الطبقات الدنيا، محاولاً تقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فأُطلق على عهده **عهد الشعبوية السياسية**.

في استفتاء شعبي على الدستور الجديد، الذي كان يهدف لتهميشه، رفض الشعب النظام البرلماني بأغلبية 77%، وأيّدوا بقاء النظام الرئاسي. تحررت يد جولارت، فبدأ بتأميم صناعات غذائية كاللحوم، وصناعات الأدوية. أُعلن في عهده تأسيس **الحزب الشيوعي البرازيلي**، وأوقف مفاوضات صندوق النقد الدولي تمامًا.

كل هذا حدث في فترة حرجة: **الحرب الباردة**. كشفت وثائق أمريكية لاحقًا أن الرئيس **جون كينيدي**، في 1962، اجتمع مع مستشاريه، معبّرًا عن قلقه من جولارت. اتفقوا على دعم الجيش لتحريض الشعب ضده، وأرسلوا خبراء يتحدثون البرتغالية لهذا الغرض. في نهاية العام، عرضت اللجنة المركزية لمجلس الأمن القومي ثلاثة سيناريوهات:  
1. ترك جولارت يسقط وحده، فمشاكل البلاد أكبر منه.  
2. دعم انقلاب ضده.  
3. تجنيده بالحسنى.  

اختاروا مواصلة دعم العسكر للانقلاب. استمر القلق بأشكال مختلفة. دعا اليمين المتطرف إلى مظاهرات مدعومة من المؤسسة العسكرية، سُميت **مسيرات العائلة مع الله من أجل الحرية**، وانضمت إليها أعداد كبيرة من الشعب، ليس اعتراضًا على سياسات جولارت، بل بسبب التضخم الذي بدأ يأكل كل شيء.

في 13 مارس 1964، وعد جولارت بخطاب يحل كل المشاكل. أعلن تأميم محطات تكرير النفط وبعض الإصلاحات الاقتصادية. أشعلت تصريحاته المظاهرات أكثر، واستمرت ستة أيام دون تدخله لفضها. كانت القوات المسلحة تؤجج المظاهرات سرًا، بمساعدة رشاوى ومغريات. في المقابل، نزلت مظاهرات كبيرة تدعم جولارت، ترفع الأعلام الحمراء رمز الشيوعية. 

سخنت الأمور، خاصة بعد تدخلات علنية من الجيش. لم تمر أيام كثيرة، وجاءت الصدمة المتوقعة، لكن هذه المرة لم تكن كسابقاتها. في 31 مارس 1964، نفّذ الجيش انقلابًا بقيادة الجنرال **كاستيلو برانكو**، انقلاب **ناعم**، أو كما سماه **نعومي كلاين** **الجنتلمان**. لكنه كان بداية 21 عامًا من القمع.

---

### **الانقلاب العسكري: صدمة الحديد والنار**

أعلن العسكر أنهم جاءوا لتخليص البلاد من الفساد والشيوعية، وتحقيق مبادئ الديمقراطية. لكنهم بدأوا فورًا بتغييرات في مؤسسات الدولة، مستخدمين أحكامًا شبه عرفية، برروها بضرورة "تطهير" المؤسسات. ألغوا الحصانة البرلمانية لنواب الكونغرس، استهدفوا الطلاب الذين كانوا بارزين في عهد جولارت، واقتحموا مقرات **الاتحاد الوطني للطلاب** في ريو دي جانيرو وحرقوها. لم تسلم الجامعات، فاقتُحمت **جامعة برازيليا** بعد يوم واحد من الانقلاب.

العنف ضد الفلاحين في الأرياف كان أمرًا آخر. استهدفوا أعضاء اتحادات الفلاحين، سيطروا على مقرات النقابات، وسجنوا قياداتها. عزلوا 49 قاضيًا و50 عضوًا في الكونغرس، كثيرون منهم من **حزب العمال**. استبعدوا 14,400 موظف مدني و1,200 عسكري. أسس النظام جهازًا أمنيًا سُمي **المكتب الوطني للمعلومات**، زُعم أنه للأمن القومي ومكافحة التجسس، لكنه كان لقمع المعارضة.

قبل الانقلاب، كان الاقتصاد البرازيلي يتأرجح بين الصعود والهبوط. لكن مع الانقلاب المدعوم أمريكيًا، أطلق الجيش يد خريجي **مدرسة شيكاغو** ببرامج اقتصادية أدت إلى تدهور الأوضاع وزيادة الفقر. ركّزت هذه البرامج على الـ10% الأغنياء، وأهملت الباقين. رغم نمو اقتصادي وصل إلى 10%، ذهب معظمه إلى جيوب الأغنياء.

في 1968، اندلعت مظاهرات ضخمة، أبرزها احتجاجات الطلاب، هددت النظام العسكري. هنا تحول الانقلاب الناعم إلى **خشن**. تدخل الجيش مباشرة، بتعذيب وحشي: جلد بالحبال، صعق بالكهرباء، وإيهام بالغرق. قبل ذلك، كانوا يفصلون بين الجنائيين والسياسيين، لكن بعد الانقلاب الخشن، أصبح الجنائي أفضل حالاً من السياسي.

استقر الحكم العسكري، وأصبحت البلاد محكومة بالحديد والنار. لكن الاقتصاد لم يكن في أسوأ حالاته، وكانت هناك محاولات لتحسينه. حتى بداية الثمانينيات، عندما ضربت **أزمة الديون العالمية** الاقتصاد البرازيلي. وصل التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، تضخمت الديون، توقف النمو، وانتشر الفقر بشكل مخيف.

اندلعت احتجاجات ضخمة، أدت إلى سقوط الحكم العسكري في 1985، بعد 21 عامًا من القمع.

---

### **ما بعد الصدمة: المحافظون الجدد**

خرجت البرازيل من الحكم العسكري بجيوش من الجياع، وقلة نهبت خيرات البلاد. شعب دايخ، يبحث عن قشة أمل. لكن بدلاً من الخروج من الحفرة، وقعت في حضن **المحافظين الجدد** في التسعينيات. تبنوا النيوليبرالية بقوة: خصخصة الاقتصاد، إلغاء دعم الفقراء، والتسليم لصندوق النقد الدولي. 

أدت هذه السياسات إلى كارثة اقتصادية في 1993، وتضخم وصل إلى 3000% في 1995. وصل **فرناندو هنريك كاردوسو** بخطة طموحة، قلّص التضخم إلى 2%، لكن استمرار النيوليبرالية لم يصمد طويلاً. عندما ترك الحكم في 2002، كانت البرازيل مدينة بـ93 مليار دولار، أكبر مدين لصندوق النقد في العالم. بلد على حافة الإفلاس، نمو صفر، عجز عن سداد الديون، قلة فاحشة الغنى، وأغلبية تصارع الفقر.

---

### **التعافي: مفاجأة في الوقت الضائع**

لكن البرازيل ستفجر مفاجأة في الوقت الضائع. في 2003، وصل **لولا دا سيلفا**، رئيس من الطبقة العاملة، ركّز على الفقراء، قلّص الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وسدد ديون صندوق النقد. تحولت البرازيل إلى قوة اقتصادية. رغم التحديات، الشعب البرازيلي، مثل كرته، عندما يمسك الخط، يصنع المستحيل.

سنحكي عن هذه المفاجأة بالتفصيل في حلقة التعافي قريبًا إن شاء الله. وسنعقد حلقة ملحمية نلخص فيها النمط، لنفهم معًا كيف حدث ما حدث فينا، ولماذا، وما ينتظرنا في المستقبل، وكيف خرج من خرج من الحفرة.

شكرًا جزيلًا لحضراتكم، ونراكم قريبًا إن شاء الله.  
**السلام عليكم ورحمة الله وبركاته**.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة