نصر حامد أبو زيد (١): د سامي سليمان يتحدث عن مشروعه

مرحبًا بكم، أنا عمرو عبد الحميد، وهذه حلقة جديدة من بودكاست "جدليات" الذي يُقدَّم بالتعاون مع مؤسسة "تكوين". اليوم، سنتناول أحد أبرز المفكرين والمجددين العرب، الدكتور نصر حامد أبو زيد. وُلد أبو زيد في مصر عام 1943 وتوفي عام 2010، تاركًا إرثًا فكريًا غنيًا أثار الكثير من الجدل والنقاش في العالمين العربي والإسلامي. عُرف أبو زيد بمشروعه الفكري الجريء في قراءة النص القرآني والتراث الإسلامي، حيث دعا إلى تطبيق المناهج الحديثة في دراسة النصوص الدينية، وخاصة المنهج الويلي والهرمينوطيقي. كان هدفه الأساسي فتح آفاق جديدة لفهم الإسلام بما يتناسب مع العصر الحديث، مع الحفاظ على جوهر الرسالة الإسلامية.

من أبرز مؤلفاته التي أثارت جدلًا واسعًا: "مفهوم النص"، "نقد الخطاب الديني"، "الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية"، "النص، السلطة، الحقيقة"، و"دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة". في هذه الكتب وغيرها، طرح أبو زيد أفكارًا جديدة حول طبيعة النص القرآني وعلاقته بالواقع الاجتماعي والثقافي، ودور التأويل في فهم النصوص الدينية. كما ناقش قضايا مثل حرية الفكر، وحقوق المرأة، والعلاقة بين الدين والسياسة. واجه أبو زيد تحديات كبيرة بسبب أفكاره، وصلت إلى حد تكفيره والحكم بتفريقه عن زوجته، مما اضطره إلى الهجرة إلى هولندا. ومع ذلك، ظل مصرًّا على مواصلة مشروعه الفكري حتى آخر أيامه.

في حلقة اليوم، سنستعرض أفكار نصر حامد أبو زيد ومشروعه الفكري، ويسعدني أن أستضيف أحد تلامذته، الأستاذ الدكتور سامي سليمان، أستاذ النقد الأدبي الحديث بكلية الآداب، جامعة القاهرة. كان ضيفنا أستاذًا زائرًا في عدد من الجامعات في اليابان والسودان وألمانيا. من مؤلفاته: "الخطاب النقدي والإيديولوجيا"، "السيرة النبوية عند رفاعة الطهطاوي"، و"الذات وحلم تغيير الواقع"، بالإضافة إلى عشرات الإصدارات والمقالات الأخرى. أهلًا وسهلًا، دكتور سامي.

**عمرو**: أهلًا، أستاذ عمرو. بداية، دكتور، ما هي الأسس التي بنى عليها الدكتور نصر حامد أبو زيد مشروعه الفكري؟ وهل يمكن القول إن هذا المشروع وصاحبه أسهما في تجديد الخطاب الديني حتى قبل أن يُثار هذا المصطلح وينتشر؟

**دكتور سامي**: أظن أن نصر أبو زيد كان مفكرًا رائدًا وتجديديًا. لماذا؟ لأن لنصر أبو زيد مشروعًا في قراءة النص القرآني وقراءة التراث العربي الإسلامي. هذا المشروع يُعدّ في الحقيقة امتدادًا لمشروع، أو أكثر من مشروع، تأسس في قسم اللغة العربية. اسمح لي أن أعود في البداية إلى إضاءة تاريخية بالغة الإيجاز. نحن نعرف أن هناك علاقة بين دراسة اللغة العربية والأدب العربي من جهة، ودراسة العلوم الدينية من جهة أخرى. في إطار قسم اللغة العربية، الذي نشأ مع تأسيس الجامعة المصرية، أو تحوّل الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية عام 1925، كان يُدرَّس فيه علوم اللغة، وعلوم الأدب، وعلوم الدراسات الإسلامية أيضًا. كان المدخل، أو الموضع الذي وُضعت فيه الدراسات الإسلامية في هذا القسم، هو تلك العلاقة بين البلاغة والتفسير على وجه التحديد. في هذا الإطار، ظهر الأستاذ الجليل الشيخ أمين الخولي. كان أمين الخولي، كما نعرف جميعًا، أستاذًا في مدرسة القضاء الشرعي، ثم انتقل للتدريس في الجامعة، وبالأخص في قسم اللغة العربية. كان الخولي يعمل في إطار البلاغة والتفسير، لكنه كان صاحب مشروع فكري للتجديد. لذلك، طرح أفكارًا مهمة في التجديد في مختلف مجالات الثقافة العربية. ومن بين ما طرحه، مشروع في تجديد التفسير.

رأى الخولي أن هناك مدخلًا أو منهجًا جديدًا لدراسة النص القرآني، أسماه "التفسير الأدبي"، الذي يقوم على عناصر أساسية. أولها، بطبيعة الحال، أن يُدرَس القرآن دراسة لغوية مستفيضة، بمعنى أن تُدرس الكلمة في سياق استخداماتها المختلفة: الكلمة في الآية، ثم الكلمة في الصورة، ثم الكلمة في مختلف الصور. يحاول الباحث دراسة الدلالات المختلفة التي تحملها الكلمة في هذه السياقات المختلفة، ومن ثم يصل إلى حصر هذه الدلالات من جهة، ومحاولة الوصول إلى القيم التي تعكسها هذه الكلمات، التي أصبحت حينئذ مفاهيم. يدرس أيضًا الوسائل البلاغية المختلفة المستخدمة في بناء دلالة الكلمة في سياقاتها المختلفة، ليصل إلى المرامي أو الغايات المختلفة للصور القرآنية. ثم ينتقل من هذا الدرس الداخلي إلى درس خارجي يربط النص القرآني بسياقه.

طرح الخولي هذا في محاضراته في كلية الآداب في ثلاثينيات القرن العشرين، وبدأت فكرته تلقى قبولًا من بعض الطلاب، ومن بينهم، بطبيعة الحال، اسمان بارزان: محمد خلف الله أحمد، وشكري عياد. درس خلف الله "الجدل في القرآن الكريم" في مرحلة الماجستير، بينما درس شكري عياد، بمنهج الخولي، وصف القرآن ليوم الجزاء والحساب. في مرحلة لاحقة، درس خلف الله "الفن القصصي في القرآن الكريم". قبل مناقشة خلف الله لرسالته، التي كانت بإشراف الخولي، بدأ يحدث نوع من الجدل حول بعض آراء خلف الله في القص القرآني، وانتهى الأمر برفض الرسالة. لكن هذا الرفض لم يمنع خلف الله من نشرها ككتاب، وهذا الكتاب، كما نعرف، نُشر في عدة طبعات. كان من نتيجة هذا الموقف منع أمين الخولي من الإشراف على رسائل في الدراسات الإسلامية، وكان ذلك إعلانًا بإجهاض هذا المشروع، الذي كان يمكن أن يحقق أهدافًا بالغة الأهمية في الثقافة العربية الحديثة.

لماذا؟ لأن الثقافة العربية الحديثة، في علاقتها بالتراث عامة، وبالنص القرآني خاصة، تتضمن اتجاهات متعددة. الاتجاه الغالب، الذي لا يحتاج إلى تدليل، هو الاتجاه التقليدي. أعني بالتقليدي هنا الاتجاه الذي يكرر ما قاله القدماء، ويكرره بطرق مختلفة، يبسّطه أحيانًا، ييسّره، يشرحه، وهكذا. لكن الاتجاهات الأخرى، وبالأخص الاتجاهات العقلانية، كانت دائمًا في موضع حصار. نصر أبو زيد هو أحد تلاميذ أمين الخولي، وأحد الذين حاولوا تطوير مشروع أمين الخولي. لكن، قبل أن أعرض هذه النقطة بشيء من التفصيل، سأشير إلى مفارقة لا يعرفها كثيرون، وهي بالغة الطرافة. نصر أبو زيد، كما ذكرت، وُلد عام 1943، والشيخ أمين الخولي توفي عام 1966، وكان يصدر مجلة مشهورة هي مجلة "الأدب". حين كنت أنقّب منذ سنوات طويلة، منذ أكثر من ربع قرن أو أكثر، وجدت أن أول مقال نشره نصر أبو زيد، وهو شاب صغير، كان في مجلة "الأدب" للشيخ أمين الخولي. كان هذا المقال عن الأغنية الشعبية المصرية وضرورة ارتباطها بالواقع.

أعود إلى النقطة الأساسية التي دار حولها السؤال: ما الأسس التي قام عليها مشروع نصر أبو زيد؟ من يستقرئ كتابات نصر أبو زيد يستطيع أن يتبيّن مجموعة من الأسس التي بنى عليها هذا المشروع. الإساس الأول هو الحاجة إلى النهضة والتنوير، لأن هذا هو الهدف الأساسي من إعادة قراءة النص الديني. الإساس الثاني: حين نقرأ النص الديني، سنقرؤه أولًا في إطار سياقه التاريخي. هذا هو الإساس الثاني: النص يُفهم في ضوء سياقه التاريخي. لكن فهمه في ضوء سياقه التاريخي يتطلب الالتفات إلى مجموعة من الأمور. النقطة الثانية: إذا فهمنا النص في سياقه التاريخي، فإن النص القرآني، في حياة المسلم وفي حياة العربي، مرتبط تقريبًا بحياته اليومية. هذا يعني أنني لا أستطيع أن أفهمه بمعزل عن اللحظة التي أعيشها أو أنتمي إليها. من هنا، الإساس الثالث: إعادة فهم النص، أو إعادة تفسيره، أو إعادة تأويله في ضوء اللحظة أو السياق التاريخي الذي ينتمي إليه المفسر أو المؤوّل.

هنا، أشير إلى نقطة أظنها محورية وأساسية في مشروع نصر أبو زيد. منذ البداية، من رسالته للدكتوراه عن محيي الدين بن عربي، التي نُشرت بعنوان "التأويل أو فلسفة التأويل عند محيي الدين بن عربي"، أكد نصر أبو زيد تأكيدًا صريحًا لا جدال فيه أنه لا فرق، في رؤيته أو منظوره، بين التفسير والتأويل. أشير بين قوسين إلى أننا نعرف جميعًا أن تراثنا العربي الإسلامي تضمن تلك التفرقة، التي أظن، مع نصر أبو زيد، أنها مفتعلة إلى حد بعيد جدًا، لسبب يسير يدركه من يراجعون ما كُتب في التراث العربي حول قراءة نص فلسفي، أو نص ديني، أو نص أدبي. حين نقرأ ما كُتب في التراث عن دراسة أي نص، سنجد آراء مختلفة، توجيهات مختلفة، مفاهيم مختلفة لما في النص. بمعنى آخر، سنجد أن التأويل عملية معترف بها ومستخدمة في مختلف العلوم العربية والإسلامية.

إذن، نصر أبو زيد يعيد قراءة النصوص الدينية في ضوء سياقها التاريخي من جهة، وفي ضوء اللحظة التي ننتمي إليها أو ينتمي إليها المفسر من جهة أخرى. الإساس الرابع، الذي يؤكده نصر أبو زيد من البداية إلى النهاية، هو فكرة الجدل: الجدل بين المؤوّل أو المفسر والنص الذي يدرسه. فكرة الوعي بهذا الجدل تنبّه عقل المفسر أو المؤوّل إلى عقبات يجب أن يتغلب عليها، وإلى مشكلات يجب أن تكون موضع حوار أو نقاش.

**عمرو**: ما تفضلتَ بذكره وشرحه، هذا الشرح الجميل، ربما يدفع إلى تكرار الأسئلة التي طُرحت في حياة الدكتور نصر حامد أبو زيد، وأهمها أن قراءته للنص القرآني لم تكن متوافقة مع الثوابت الإسلامية.

**دكتور سامي**: لا أظن أنه يصعب على المرء أن يقول هذا. خصومه قالوا ذلك، وأظن أنهم ركّزوا هجومهم عليه من هذه الزاوية. نصر أبو زيد، وقد درستُ على يديه في قاعات الدرس أولًا، وتعلمتُ منه كيف أسعى إلى تأويل النصوص، أو قراءتها، أو تحليلها، لم يرفض الثوابت الإسلامية ولم يخرج عليها بحال من الأحوال. انطلق نصر أبو زيد من فكرة بسيطة جدًا، كلنا يراها ويعرفها ويمارسها دون أن يدرك أنه يراها ويعرفها ويمارسها. ببساطة شديدة: أي نص أقرؤه، وليكن مثلًا نص الشعر الجاهلي، أو نص قصيدة لأحمد شوقي، هذا النص كتبه صاحبه، ومن هذه الزاوية، له وجود موضوعي بوصفه خطابًا لغويًا، وهذا أمر لا جدال فيه. لكن النص، حين ينتقل إلى القراء أو المتلقين، هل نضمن، أو هل نستطيع أن نؤكد في كل حالة من حالات قراءته أو تلقيه أن له معنى ثابتًا؟ أظن أن هذه الفكرة كانت مثار اهتمام كبير في إطار اتجاه في الفلسفة الغربية، وفي اتجاهات النقد الغربي، أعني الاتجاهات المرتبطة بالهرمينوطيقا، أي علم قواعد تفسير النصوص المختلفة وتطبيق هذه القواعد. أظن أن هذا العلم قد رسّخ أصحابه، منذ ما يقرب من قرن أو ثلاثة إلى أربعة قرون على وجه التحديد، مقولة أن كل نص يحمل معاني مختلفة. هذه المعاني تختلف من قارئ إلى آخر، أو من مجموعات من القراء إلى أخرى.

**عمرو**: هذا أيضًا كان مثار جدل، ولا يزال، لأن البعض من خصوم الدكتور نصر حامد أبو زيد رأوا في هذه الآلية وفي هذه الأفكار بشكل عام ما يؤدي إلى تفكيك النص القرآني، ومن ثم إفقاده لقدسيته.

**دكتور سامي**: أظن أنهم بالغوا كثيرًا، ولعلهم لم يلتفتوا إلى ظاهرة نعرفها جميعًا وليست موضع نقاش. ألم يكن في تراثنا العربي الإسلامي تيارات متعددة في تفسير النص القرآني؟ هذه التيارات منها النقلي، كما يقولون، ومنها العقلي، ومنها الاتجاه الوجداني الذي تمثله التفسيرات الصوفية. هذا التنوع في اتجاهات التفسير معروف ومقبول في التراث العربي. لكن من هاجموا، أو من لم يحسنوا فهم نصر أبو زيد، من المؤكد أنهم كانوا يدافعون عن اتجاه واحد، أو عن أحد الاتجاهات التي تدخل في إطار الاتجاه التقليدي أو النقلي.

**عمرو**: لماذا قامت قيامة هؤلاء ضد نصر حامد أبو زيد في ذلك الوقت بالذات؟ هل كانت الظروف مهيأة لذلك؟

**دكتور سامي**: أظن أن مما تعلمناه من نصر أبو زيد أننا نفهم الظاهرة على مستويين. المستوى الأول هو التحليل الداخلي لعناصر بنية الظاهرة، أي ظاهرة في الحياة الإنسانية، أو في الحياة الاجتماعية، أو في النصوص، أو في الثقافة. المستوى الثاني هو فهم هذه الظاهرة في سياقها التاريخي، الذي يمكن أن نضيّقه أو نوسّعه. سأنظر إلى تلقي أفكار نصر أبو زيد في إطار السياق الثاني. نعرف جميعًا أنه منذ بداية السبعينيات، كان هناك تيار إسلامي، لا حاجة للحديث عن أفعاله، ونعرف أن هذا التيار وصل إلى لحظة الشدة التي أدت إلى العنف. هذا العنف أدى إلى اغتيال الزعيم الراحل الرئيس أنور السادات. كان هذا التيار قويًا في مرحلة لاحقة، وكان له دور فيما سُمي بشركات توظيف الأموال، التي لا حاجة للحديث عنها، كلنا يعرفها. هذا التيار، الذي يجد دعمًا من جهات خارجية تريد ترويج تيار معين في إطار الثقافة المصرية والحياة المصرية، التي كانت قبل بداية السبعينيات تعرف قدرًا كبيرًا من التسامح والتعايش وتقبّل مختلف الاتجاهات، هذه العوامل كلها جعلت هذا التيار يتخذ موقفًا عنيفًا من نصر أبو زيد. لماذا؟ لأن نصر أبو زيد كان يقدّم الأسس التي تساعد أي قارئ أو إنسان يستخدم عقله على تفكيك العديد من الأفكار التي يطرحها هذا التيار. من هنا، كان نصر أبو زيد يمثل خطرًا على هذا التيار. بعبارة بسيطة وموجزة: ما قدّمه نصر أبو زيد كان يمثل تهديدًا قويًا وصريحًا ومباشرًا لمصالح تيار من التيارات الأساسية في الحياة المصرية والعربية الحديثة.

**عمرو**: دكتور سامي، يشير الدكتور أبو زيد إلى أن النص القرآني هو منتج ثقافي مرتبط بسياق تاريخي. هذا التفسير أو المفهوم يصطدم مع عالمية النصوص القرآنية. كيف واجه هذا الأمر؟

**دكتور سامي**: هذه الجملة موجودة بالنص في كتابه "مفهوم النص"، لكن أظن أنها لم تُفهم بالفهم الذي كان يقصده نصر أبو زيد. أظن أيضًا أن من الأشياء التي لا نتجادل حولها كثيرًا: ألا يحدثوننا في الفهم التقليدي للنص القرآني عن أسباب النزول؟ وألا يتحدثون عن أن كل سورة مرتبطة بأسباب النزول؟ فنصر أبو زيد، حين يتحدث عن القرآن بوصفه منتجًا ثقافيًا، يقصد مجموعة من الدلالات التي يحسن أن نوضحها. الدلالة الأولى: يجب أن نفهم النص، في المستوى الأول، في إطار سياقه التاريخي، وهذا أمر لا أظن أنه موضع جدال. الإمر الثاني: حين يقول إنه منتج ثقافي، فمعنى ذلك أنني لا أستطيع أن أفهمه إلا في إطار علاقته بمكونات الثقافة العربية التي كانت سابقة عليه، وأظن أن هذا أمر يُتداول كثيرًا في الثقافة العربية القديمة والحديثة ولا جديد فيه. الإمر الثالث، وأظن أنه الجديد عند نصر أبو زيد، هو أنه يفهمه بوصفه منتجًا ثقافيًا، أي خطابًا لغويًا في جوهره. أن أحلله تحليلًا لغويًا مستخدمًا جهازًا في اللسانيات الحديثة والمعاصرة، هذا هو الجديد الذي يطرحه نصر أبو زيد.

تبقى النقطة الأخيرة: هل يتعارض هذا الفهم التاريخي مع القيم الكبرى في القرآن الكريم، ومع كونه رسالة تتجاوز السياق التاريخي؟ أظن أن هذا لا يتعارض على الإطلاق، لسبب بسيط جدًا. نحن ندرس الشعر الجاهلي، ونقرأ ملحمة الإلياذة والأوديسة، ونقرأ السيرة الشعبية، ونقرأ أبو الطيب المتنبي، وأي نص من هذه النصوص العظيمة، نفهمه في إطار سياقه التاريخي. ثم كيف نبرر وصف هذه النصوص بأنها نصوص خالدة؟ التبرير المتاح، أو المطروح بلسان الجاحظ، هو أن كل نص من هذه النصوص يتضمن قيمًا إنسانية باقية، كما يقوم على طرق متميزة في التعبير عن هذه القيم. من هنا، ظلت هذه النصوص خالدة.

**عمرو**: أشرتَ، دكتور، إلى مفهوم أسباب النزول. كيف عالج نصر أبو زيد هذا المفهوم ليؤكد الفهم التاريخي للنص القرآني؟

**دكتور سامي**: لكي يؤكد نصر أبو زيد الفهم التاريخي للنص القرآني، قام بما يقوم به حتى الذين ينطلقون من منظورات تقليدية في التفسير، فيربط الآية بأسباب النزول. يرى أن أسباب النزول علامة من العلامات التي لا تحتاج إلى نقاش، علامة على فهم النص في سياقه التاريخي. لكن الفهم في السياق التاريخي لا يمثل المستوى الوحيد، بل يمثل المستوى الأول من مستويات فهم النص أو تأويله.

**عمرو**: ما الحدود بين التاريخانية والثبات في قراءة النص؟

**دكتور سامي**: الثبات ليس في قراءة النص، الثبات في فهم النص، أو في تأويله، أو في استنباط ما يمكن أن يُستنبط من النص. هذا العنصر الثابت يربطه نصر أبو زيد بعنصر بالغ الأهمية في فهمنا لديننا، وهو القيم الأساسية الكبرى المطروحة. لذلك، فرّق نصر أبو زيد بين جانبين في فهم النص: الجانب الأول هو التفسير، بمعنى فهم الدلالة أو الدلالات المباشرة أو القريبة للنص؛ والجانب الآخر هو المغزى، أي القيم الكبرى التي يقدمها النص في مختلف تجلياته. من هنا، نفهم إمكانية أن تُفهم جوانب بطريقة مختلفة عن الطريقة الشائعة. على هذا الأساس، استخدمت اتجاهات متعددة هذا المنهج، كما نجد مثلًا في مسألة الميراث أحيانًا.

**عمرو**: ارتكز نصر أبو زيد على مفهوم النص المفتوح، الذي يتغير مع الأزمنة ومع حركة التاريخ. كيف ترى هذا المفهوم في ظل تزايد الدعوة إلى إحياء التراث الإسلامي؟

**دكتور سامي**: لا أظن أن نصر أبو زيد استخدم مفهوم "النص المفتوح" بالضرورة، لأن هذا التعبير مرتبط ببعض النظريات وبعض كبار النقاد أو المنظرين في نظريات القراءة. لكن مفهوم نصر أبو زيد للتأويل يلتقي مع بعض الغايات التي يثيرها مفهوم النص المفتوح. أظن أن تفرقته الحاسمة بين المعنى والمغزى تعبير عن جدلية النسبي والمطلق، أو العام، في فهم النص أو في فهم القيم التي ينطوي عليها النص أو يقدمها. مثلًا، فكرة أن الإسلام يدعو إلى الحرية، وهي قيمة أساسية، تجعلنا عندما نتحدث عن آيات مرتبطة بالعبيد وحقوقهم، نفهمها في ضوء فكرة الحرية من جهة، ومن جهة أخرى نقول إن ظاهرة العبودية كانت ظاهرة تاريخية، وكذلك ظاهرة تعدد الزوجات. لم يكن النص القرآني يستطيع تجاهلها، ومن هنا تقبلها، لكنه وضع شروطًا، ودعا إلى إحسان المعاملة وإعطاء الحقوق. مع التطور التاريخي، تتقلص هذه الظواهر، مما يؤدي بشكل تلقائي في حركة المجتمعات الإنسانية إلى تأكيد القيمة الكبرى، وهي قيمة الحرية أو المساواة.

**عمرو**: هل كان من ضمن الأهداف الرئيسية لنصر أبو زيد تقديم بديل متماسك للتفسيرات التقليدية للنص؟

**دكتور سامي**: أظن أنه كان يطمح إلى أن يفعل هذا، لكن الواقع لا يمكن أن يؤدي إلى ذلك. بمعنى آخر، في الثقافة العربية الحديثة، هناك دعوات متعددة للتجديد يطرحها مفكرون كبار مثل طه حسين، أمين الخولي، شكري عياد، نصر أبو زيد، وعشرات الأسماء. لكن القيمة الحقيقية لأي دعوة لكي تتحول إلى مشروع تتطلب مؤسسة. تحويل أي دعوة للتجديد إلى مشروع يتطلب مؤسسة، والمؤسسة تتطلب النظر إلى سياقها الاجتماعي، لأن هذا السياق هو الذي يحدد لها إمكانات الحركة. فنصر طرح دعوة للتجديد، هذا أمر لا جدال فيه. قدم عناصر كثيرة للتجديد، وقدم تطبيقات متعددة للتجديد، لكن أن يتحول هذا إلى مشروع، فهذا يتطلب مؤسسة.

**عمرو**: هل سيتحول إلى مشروع يومًا ما من وجهة نظرك؟

**دكتور سامي**: أظن أن من يفكرون في صالح هذا الوطن وهذا الشعب، هذا حلم من أكبر أحلامهم.

**عمرو**: نعود إلى مشروع نصر أبو زيد الفكري. أشرتَ إلى المنهج التأويلي. هل يمكن أن يؤدي هذا المنهج إلى تأويلات متطرفة أو غير مقبولة؟

**دكتور سامي**: المجتمعات الإنسانية المختلفة لديها نصوصها المقدسة ونصوصها الكبرى، ومنها المجتمع العربي الإسلامي. عرف هذا المجتمع اتجاهات متعددة في التفسير، ابتداءً من النقلي، الذي يتضمن اتجاهات متعددة لم تُرَ جيدًا حتى الآن، والاتجاه العقلي، الذي يتضمن أيضًا اتجاهات ودروبًا متعددة لم تُرَ جيدًا، والاتجاه الوجداني الذي يمثله الصوفية باتجاهاتها المختلفة، وتحت الاتجاه الصوفي دروب متعددة لم تُرَ جيدًا أيضًا. ماذا يعني هذا؟ يعني أن فكرة التعدد في فهم وتفسير النص القرآني فكرة راسخة في الممارسة العربية منذ القرن الثاني الهجري على الأقل. الحكم على تأويل ما بأنه مبالغ فيه، أو فاسد كما يصفه البعض، هو حكم يستند غالبًا إلى رؤية ذاتية أو إلى إيديولوجيا ما. لذلك، كان نصر أبو زيد يُلحّ بشدة على التأويل، لكن هذا التأويل يتم بأدوات لغوية بالدرجة الأولى. من هنا، يرتكز مشروع نصر أبو زيد الفكري على التأويل كأداة واحدة، وعلى توجهات أو مناهج أو مداخل لغوية في دراسة النص القرآني، من البنيوية من جهة، وتحليل الخطاب من جهة أخرى، وقبل تحليل الخطاب، من الأسلوبية. لأننا، حين نحلل النص القرآني معتمدين على أدوات لغوية، فإن تحليلنا يتسم بقدر عالٍ جدًا من الموضوعية.

**عمرو**: اسمح لي، دكتور، أن أستكمل ما طرحه خصوم نصر أبو زيد، لا سيما ما يتعلق بتأثره بالفكر الغربي. قالوا إن منهجه جاء مستوردًا من الغرب وغير أصيل في السياق الإسلامي. ما تعليقك؟

**دكتور سامي**: في الحقيقة، هم يتوقفون عند أوليات الأشياء التي تثير التعجب. لماذا؟ متى كانت المناهج أو التوجهات الفكرية ثابتة على مدى عدة قرون؟ أظن أن تصور هذا الثبات يجافي الطبيعة الإنسانية أصلًا، ويجافي طبائع الحياة. أظن أن هذا الرأي قيل من أجل إثارة الجدل. دعنا نسأل السؤال: متى تبلورت مناهج في ثقافتنا الوسيطة، أي القديمة، من القرن الثاني الهجري؟ متى تبلورت مناهج يمكن أن نسميها عربية أو إسلامية خالصة؟ بمعنى آخر، الاتجاهات الأساسية في الثقافة العربية القديمة، من القرن الثاني الهجري إلى بداية العصر الحديث، أو من بداية القرن الثاني الهجري إلى نهاية القرن الخامس أو السادس الهجري، أي في مرحلة ازدهار الثقافة العربية الإسلامية، هل كانت هذه التوجهات معتمدة على عناصر ثقافية عربية خالصة، أم أن كل اتجاه منها كان يستفيد من عناصر قليلة أو كثيرة من الثقافات غير العربية، ويحاول أن يصنع منها مزيجًا؟ في الحقيقة، هذا فعل التاريخ، الذي كان يُتجاهل. لماذا؟ لأن هؤلاء يتحدثون دائمًا عن جانب واحد، ويخصّون به فهم النص القرآني، ويصلون إلى نتيجة مقدمة يحولونها إلى نتيجة، ثم يأخذون في ترويجها. أظن أن منطق التاريخ الحقيقي يكشف أن هذه دعوة متهافتة وليست صحيحة.

**عمرو**: لو طرحنا السؤال بطريقة مغايرة: كيف تنظر الأكاديميات الغربية إلى أفكار ومشروع نصر حامد أبو زيد الفكري وإسهاماته في الفكر العربي؟

**دكتور سامي**: أظن أن نصر كانت له اجتهادات من البداية، لكن البلورة الكبرى لمشروعه كانت في كتابه "مفهوم النص"، الذي كان حدثًا فارقًا في تاريخ الثقافة المصرية أو العربية الحديثة. لماذا؟ لأنه في "مفهوم النص"، الذي صدر عام 1991، قدم نصر قراءة لعلوم القرآن مستخدمًا التأويل، ونظريات القراءة والتلقي، وتحليل الخطاب، والتحليل الأسلوبي، وعناصر من البنيوية. قدم قراءة لعلوم القرآن كانت حدثًا فريدًا لم يحدث من قبل في تاريخ الثقافة العربية الحديثة. عندما بدأت مشكلة نصر وخرجت من إطار الأكاديمية والجامعة إلى الحياة العامة، أدى ذلك إلى التفات المؤسسات الثقافية الغربية إليه. يعرف الجميع أن هذه المؤسسات هي التي دعتْه ليكون أستاذًا فيها. من هنا، خرج نصر أبو زيد، في الخروج الأول في نهاية 1994، إلى جامعة لايدن، التي تملك مكتبة من أضخم وأعرق المكتبات الأوروبية المهتمة بالتراث العربي والإسلامي. من لايدن، كان نصر ينتقل إلى جامعات مختلفة ليشارك في مؤتمرات أو يلقي محاضرات. أذكر أنه حين كنت أدرس في ألمانيا، في النصف الثاني من التسعينيات، كان بعض الغربيين قد بدأوا يكتبون دراسات عن مشروعات نصر أبو زيد. ثم زاد الاهتمام به لأنه، عندما أقام في هولندا وتحرك منها في السياق الأوروبي في اتجاهات مختلفة، بدأوا يلتفتون إليه ويكتبون عنه. كُتبت عنه دراسات كثيرة جدًا في عدد من الجامعات الغربية. من الأمور الكاشفة عن أن الاهتمام بنصر أبو زيد لم يتوقف حتى الآن، أن هناك دراسات متعددة كُتبت عنه منذ أقل من سنتين.

**عمرو**: اسمح لي، دكتور، أن نتطرق إلى رؤية نصر أبو زيد لدور المرأة في المجتمع الإسلامي. كيف رأى هذا الدور؟

**دكتور سامي**: كان نصر أبو زيد يرى أن للمرأة أدوارًا حيوية وبالغة الأهمية في المجتمع العربي الإسلامي. من هنا، توقف في النصف الثاني من التسعينيات عند وضعية المرأة في التراث العربي الإسلامي، وتوقف عند بعض المرويات التي يتقبلها كثيرون على أنها من قبيل الثابت المعروف والمكرر المألوف. توقف عندها وانتقدها، لأنه رأى أن هذه المرويات هي التي يستند إليها من يُهينون المرأة أو من لا يضعونها في الموضع الملائم بها. مثل ماذا؟ هناك مرويات موجودة في كتب التراث حول تفسير الدورة الشهرية، تقول إنها نوع من العقاب الإلهي. هذه المرويات، التي لا يتقبلها العقل، رفضها نصر أبو زيد. واصل اهتمامه بدراسة قضايا المرأة، وكتب دراسة مشهورة عن قانون الأحوال الشخصية التونسي.

**عمرو**: أشرنا أكثر من مرة إلى أهمية كتاب نصر أبو زيد "مفهوم النص". هناك كتاب آخر لا يقل أهمية عنه، وهو "النص، السلطة، الحقيقة". ما هي الخطوط العريضة والأفكار التي تضمنها هذا الكتاب، وماذا يمثل في مشروع نصر أبو زيد؟

**دكتور سامي**: كتاب "النص، السلطة، الحقيقة" كتبه نصر أبو زيد في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثانية. توقف فيه عند ثلاثة عناصر أساسية. الأول: طبيعة النص وخصائصه. في هذا الإطار، أعاد نصر أبو زيد بلورة مجموعة من الأفكار التي طرحها بداية من منتصف ثمانينيات القرن العشرين. منذ ذلك الحين، اهتم بالسيميوطيقا، أي علم العلامات، وبدأ يدرس ظواهر في التراث العربي من منظور علم العلامات. فلما كتب "النص، السلطة، الحقيقة"، أعاد بلورة أفكاره ومفاهيمه التي عمل عليها على مدى سنوات طويلة، مستخدمًا النظريات النقدية الغربية: الهرمينوطيقا، البنيوية، التأويل، الأسلوبية، والسيميولوجيا. النقطة الثانية: تحدث عن السلطة، وعن الأدوار التي يؤديها النص، والتي تجعل له سلطة على المتلقين. العنصر الثالث: التوقف أمام مفهوم الحقيقة. هناك عنوان فرعي لهذا الكتاب: "إرادة الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة". ماذا قصد بذلك؟ هو يتحدث هنا عن ثنائية أساسية في إطار تأثير أو وظيفة الفكر الديني. هل وظيفة الفكر الديني أن ينتج المعرفة ويُتيحها للناس، أم أن وظيفته أن يكون وسيلة للسيطرة على الناس، أو وسيلة لإيهامهم بأشياء غير حقيقية، أو وسيلة لتوجيههم في وجهة قد تكون عكس مصالحهم الحقيقية؟ فكرة أن التأويل أو التفسير يؤدي إلى نتائج عكس المصالح الحقيقية لمن يتوجه إليهم المفسر كانت فكرة أساسية فيما كشفه نصر أبو زيد من القضايا الشائكة التي أثارت الجدل الكبير.

**عمرو**: تصدى نصر أبو زيد لقضية الوحي من منظور فلسفي وتاريخي، وتحدث عنها في سياق النبوة. كيف أسس لهذا الفهم؟

**دكتور سامي**: حاول نصر أبو زيد أن يفهم أو يفسر ظاهرة الوحي بناءً على أبعاد ثقافية في الثقافة العربية القديمة. النقطة الأولى: أسسها على هذا الجانب. النقطة الثانية: وقف عند إمكانية القبول العقلي أو التأويل العقلي لها. النقطة الثالثة: وقف عند تأثير هذا على فهمنا للنص القرآني. أظن أنه انتهى بهذه الوسائل الثلاث إلى نفي أي تعارض بين فكرة الوحي وفهم النص القرآني على أنه منتج ثقافي. لا تعارض بين الأمرين، اعتمادًا على مجموعة أدلة حاول نصر أبو زيد تقديمها أو تسويقها في الأطر الثلاثة التي أشرت إليها.

**عمرو**: بشكل عام، كيف ناقش قضية حرية الفكر والاعتقاد في الإسلام؟

**دكتور سامي**: هذا عنصر من العناصر الأساسية في فهم نصر أبو زيد. مسألة حرية الفكر واضحة في كل ما كتب، بطريقة غير مباشرة أحيانًا، أو بطريقة مباشرة أحيانًا أخرى. مثلًا، عندما تحدث عن محيي الدين بن عربي، كان طبيعيًا أن يقود ذلك إلى كشف وضعية حرية الفكر. مثال آخر: عندما بدأ بدراسة المعتزلة في البداية، توقف عند جانب حرية الفكر وأثر القضاء على حركة المعتزلة بوصفها حركة تعتمد على العقلانية بمعنى ما. عندما توقف عند كتابات المحدثين مثل علي عبد الرازق، توقف عند الآثار السلبية التي ترسبت في الثقافة العربية والممارسة العربية، قديمًا وحديثًا، نتيجة تقييد حرية الفكر. من هنا، دعا في أكثر من كتاب إلى حرية الفكر تحت مسميات مختلفة، منها الاجتهاد بلا جدال، ومنها تحرير العقل.

**عمرو**: كيف كانت رؤية نصر حامد أبو زيد لمفهوم الاجتهاد في الإسلام؟

**دكتور سامي**: تناول نصر أبو زيد مفهوم الاجتهاد في أكثر من كتاب. أظن أن أول علاقة له بهذا المفهوم، وكانت مثيرة للجدل، كانت في كتابه عن الإمام الشافعي. لماذا؟ لأنه، قبل كتاب "الإمام الشافعي"، كان يركز على تحليل النص القرآني وكيفية فهمه. لكن عندما كتب عن الإمام الشافعي وتأسيس الإيديولوجية الوسطية، وجد نفسه في لقاء مباشر مع فكرة الاجتهاد، أي مع آثار فكرة الاجتهاد على الرؤية الفكرية وبعض جوانب الرؤية الفقهية للإمام الشافعي. في مرحلة لاحقة، عندما بدأ يهتم بقضايا المرأة، أصبح اهتمامه بمفهوم الاجتهاد أساسيًا، لأن هناك عناصر متعددة تدخل في إطار قضايا المرأة تتضمن مشكلات تحتاج إلى حلول. تحتاج إلى حلول لأنها مرتبطة بمواقف عملية في حياة الناس، وليست مجرد قضية فكرية. هو مع الاجتهاد، وإن كان يشير إلى بعض شروط الاجتهاد، أهمها القدرة على التحليل اللغوي للنصوص أو الخطابات التي تمثل وجهات نظر المجتهدين، وربط هذه النصوص أو الخطابات بسياقها التاريخي. كتابات نصر مليئة بأمثلة كاشفة عن ذلك.

**عمرو**: بعض المفاهيم التي تصدى لها نصر أبو زيد، منها مفهوم الناسخ والمنسوخ في القرآن. كيف تناول هذا المفهوم؟

**دكتور سامي**: مفهوم الناسخ والمنسوخ معروف ولا表يد حوله. لكن ما وقف عنده نصر أبو زيد هو إلى أي مدى يمكن أن يؤثر تطبيق هذا المفهوم في فهم بعض الآيات في القرآن الكريم. أظن أن هذا منحى منطقي. نحن نعرف جميعًا، في مسألة مثل تحريم الخمر، أنها لم تُحرَّم مرة واحدة، بل حُرّمت على مراحل. بالتالي، كل آية في هذه المراحل المختلفة، الآية الثانية تنسخ الأولى، والآية الثالثة تنسخ الثانية والأولى، وهكذا. وكذلك آيات السيف أو الجهاد.

**عمرو**: من ضمن القضايا الأخرى التي تصدى لها، إعجاز القرآن. كيف ناقش هذه القضية؟

**دكتور سامي**: بدأ نصر أبو زيد نقاشه لإعجاز القرآن من رسالته للماجستير، التي درس فيها الاتجاه العقلي أو قضية المجاز في تأويل المعتزلة. بدأ يدرس إعجاز القرآن منذ الماجستير، حيث حاول أن يبيّن مفهوم المجاز عند المعتزلة، ويربطه بنظريتهم في المعرفة من جهة، ونظرتهم في اللغة من جهة أخرى، ويبيّن الآثار التي ترتبت على هذا المفهوم في فكر المعتزلة وفهمهم. في مرحلة لاحقة، توقف عند مفهوم النظم عند عبد القاهر الجرجاني، وقدم قراءة أسلوبية لهذا المفهوم. في مرحلة ثالثة، أظن أنها كانت تمثل اكتمال موقف نصر أبو زيد من مفهوم الإعجاز، في كتاب "مفهوم النص".

**عمرو**: ماذا عن مفهوم الشريعة؟ ما رؤية أبو زيد لهذا المفهوم؟

**دكتور سامي**: أظن أن نصر أبو زيد يميّز بين جانبين أساسيين. الجانب الأول هو جانب المقاصد الكبرى، والجانب الثاني هو الأحكام الجزئية المرتبطة بموقف أو سياق تاريخي. المنحى العام فيما صنعه نصر أبو زيد هو أن هذه المقاصد غالبًا لا جدال عليها، مثل فكرة تحرير الإنسان، وفكرة المساواة. لكن الذي يتغير هو الأحكام، لأن هذه الأحكام مرتبطة بسياقات تاريخية. ما دام التغيير يهدف إلى إرساء أو إبراز أو تحقيق القيمة الأساسية، ففي هذه الحالة، يمكن أن يتعرض هذا الحكم الجزئي للتغيير. هذا ما يمكن اعتباره أن أبو زيد قدّم حلولًا عملية لتطبيق أفكاره التي نادى بها فيما يتعلق بالتشريع الإسلامي. وإن كانت هذه التطبيقات، فيما أظن، قليلة، لأنني، كما أشرت من قبل، أي مشروع فكري أو دعوة للتجديد بأسس معينة لا تتحول إلى مشروع حقيقي إلا بمؤسسة، سواء كانت مؤسسة حاكمة أو بنية يأتي فيها هذا المفكر ويضع المشروع، ويأتي عشرات الباحثين والدارسين ليحققوا هذا في إطار من التكامل، بحيث يبحث كل منهم نقطة معينة.

**عمرو**: ربما عندما يُذكر نصر حامد أبو زيد، تُذكر معاناته الشخصية وتجربته التي أدت إلى تكفيره والحكم بالتفريق بينه وبين زوجته. كيف أثرت هذه التجربة على تطور مشروعه الفكري؟

**دكتور سامي**: لا جدال أنها أثرت على حياته. رأيت هذا، كان يذكر لنا أنه عندما بدأت الأزمة تخرج خارج الجامعة، بدأت صحف كثيرة تكتب عنها ومجلات. أذكر أنني جمعت عددًا كبيرًا من هذه الكتابات. كانت الشرارة مقالات كُتبت في جرائد ومجلات، بعضها يهاجم نصر أبو زيد ويتهمه بالاتهامات التكفيرية، وبعضها الآخر يدافع عنه. للأسف، عندما زادت هذه الاتهامات، اضطرت السلطات المسؤولة إلى تعيين حارس لنصر أبو زيد. كان يأتي إلى الكلية مع هذا الحارس، وكان الحارس يرافقه في أي تحرك، خشية على حياته من التيارات التي طالبت بإهدار دمه. لا يمكن أن ننسى أبدًا نهاية السبعينيات إلى نهاية التسعينيات، حيث خرج التيار المتشدد يقتل. في بداية التسعينيات، سار في نفس المسيرة. في هذا السياق، جاء موضوع نصر أبو زيد، وكان في حاجة إلى حماية شخصية. في تلك الفترة، كان المثال الأكبر لترجمة هذه الأفكار التكفيرية إلى واقع هو اغتيال المفكر الدكتور فرج فودة، ومحاولة اغتيال الأديب نجيب محفوظ. في هذا السياق المثير، بل المرعب، في إحدى جلسات التحقيق، كما قرأت، عندما طُلب من نصر أبو زيد ترديد الشهادتين، رفض. لكنه، عندما سافر إلى منفاه الاختياري في هولندا، بدأ إحدى محاضراته بالنطق بالشهادتين، وكأنه يرفض محاكم التفتيش. رفض نصر أبو زيد أن ينطق بالشهادتين كما طلبوا منه، وكان ذلك إصرارًا على موقفه الفكري، الذي يقول: أنا مؤمن، ولست في حاجة إلى أن أعلن هذا أمام الآخرين، لأنني إذا أعلنت ذلك أمامهم وهم اضطروني إليه، فهذا يعني أنني أقر بأنني كافر أو مرتد كما أشاعوا عني.

**عمرو**: هل خذل نصر أبو زيد من النخبة أو المثقفين في تلك الفترة؟

**دكتور سامي**: أظن أنه يجب ألا أكون مثاليًا. هناك مثقفون كثيرون كتبوا عنه ودافعوا عنه. سأكتفي بالإشارة إلى ما يرد إلى ذاكرتي الآن: "الأهرام"، والصفحة التي كان يديرها الأستاذ لطفي الخولي، كتبت عنه مقالات كثيرة. مجلة "القاهرة"، التي كان يرأس تحريرها الأستاذ غالي شكري، خصصت ملفًا كبيرًا عنه. كتب عنه كتاب عديدون، دافعوا عن أفكاره، وعن قيمة حرية التفكير. هذا أمر لا جدال فيه. لكن ماذا يمكن أن يصنع هؤلاء أكثر من هذا، خاصة حين تحول الهجوم إلى هجوم في بعض المساجد؟ ماذا يمكن أن يفعلوا؟

**عمرو**: هل يمكن أن يأتي يوم ويكتمل فيه المشروع الفكري لنصر حامد أبو زيد؟ أقصد، هل تلاميذه يشكلون بذرة موجودة في الحقل الثقافي والمعرفي والفكري لتثمر ما أراده نصر أبو زيد في حياته؟

**دكتور سامي**: هذا سؤال بسيط جدًا، لكنه بالغ الصعوبة. إذا كنا نتحدث عن من تعلموا من نصر أبو زيد، أو استفادوا من أفكاره، أو حاولوا تطويرها، فهؤلاء موجودون بطبيعة الحال. لكن أن يكون هناك مشروع، فهذا يحتاج إلى مؤسسة. المؤسسة تحتاج إلى من يفكرون ويضعون استراتيجية، وهؤلاء يحتاجون إلى الدعم المادي، وإلى مخطط طويل المدى، أو إلى استراتيجية. من يملك هذا؟

**عمرو**: دكتور سامي سليمان، شكرًا جزيلًا لك.

**دكتور سامي**: عفوًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة