بولس جورج (٢): دوافع الارتباط

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين. أرى، من وجهة نظري، أنه إذا لم نتحدث عن الروحيات وتطرقنا إلى القرارات الحياتية، فإن الإنسان الروحاني لا يمكنه اتخاذ قرار حياتي دون استشارة الله. هذا الموضوع له دوره، لكنه ليس محور حديثنا اليوم. أخطر قرار في الحياة هو قرار الارتباط، لأنه يتحكم في شكل الـ40 أو 50 سنة القادمة من عمر الإنسان. إذا افترضنا أن متوسط أعمار الناس في مصر يتراوح بين 75 و80 سنة، ومع تحسن الرعاية الصحية وزيادة الوعي، أصبح متوسط الأعمار أعلى، فإن الشخص الذي يتزوج في سن 28 أو 30 أو 35 سنة، يكون أمامه 40 سنة أو أكثر. هذا القرار بمثابة باب يفتحه الإنسان دون أن يعلم ما ينتظره خلفه، ولذلك يتوجب عليه أن يكون حذرًا للغاية قبل اتخاذه، حتى لا يدخل في مشكلة كبيرة تُسبب له التعب طوال حياته.

أكرر، هذا القرار من أخطر القرارات، ونحن لم نُعد له بالشكل الكافي. ماذا يعني أننا لم نُعد له؟ لم يعلمنا أحد ماذا يعني الزواج، ولا أحد يتحدث عن هذا الأمر. ننتظر أن يرسل الله عريسًا للبنت، أو نقول للشاب: "هيا يا بني، أفرحنا، نريد أن نرى أولادك، لقد كبرنا". لكن، ما هو الزواج؟ وما هي العملية التي يمر بها؟ الأمر أشبه بمن أعطيناه سيارة لم يقدها من قبل، وقلنا له: "هيا، ببركة الله وبنعمته، ستكون الأمور على ما يرام"، فاصطدم بعمود وتعطلت السيارة، لأن أحدًا لم يعلمه ما هو الزواج. ومع احترامي لكل دورات الإرشاد التي تُعقد قبل فترة الخطوبة، وعلى الرغم من إيماني بأهميتها – وأنا نفسي أتحدث فيها – إلا أنني غير مقتنع بأنها كافية على الإطلاق. 

في الماضي، كان المجتمع المصري يُربي البنت على فكرة الزواج. كانت البنت تتربى وهي تعلم أن لها دورًا في الغسيل مع أخواتها، ودورًا في التنظيف مع أخواتها، ودورًا في الطبخ مع أخواتها، فكانت تُعد إعدادًا منزليًا لفكرة الزواج. كانت الأم تُكرر عليها: "طالما أنت عصبية هكذا، زوجك سيعيدك في اليوم التالي، سترجعين إليّ، أنا أعرف، أعرف ابنتي، اهدئي، توقفي عن العصبية". هذا الكلام كانت الأمهات تقوله، وكان يُحدث فرقًا كبيرًا في التربية. أما الآن، فقد انقلبت الأمور، وأصبحنا لا نتحدث إلا عن الدراسة، وكم حصلت في الامتحان، وما هو ترتيبك، وأي كلية ستختارين، وعلمي أم أدبي؟ أصبحت الدنيا خالية من تلك التربية التلقائية الغريزية التي كان يقوم بها الآباء والأمهات في المجتمع قديمًا لإعداد الأبناء لفكرة الزواج. 

كان الأب يقول لابنه: "الزواج رجولة، هل تعرف ماذا يعني الرجولة؟ يعني ألا تعود تشكو، وألا تستعجل على الزواج. الزواج يُثقل الظهر، يا بني، الزواج مثل قفة ثقيلة جدًا ستحملها على كتفك، فلا تعود تشكو". كان الأب يُفهم ابنه أن الحياة ليست نزهة ولا متعة، بل مسؤولية. في الماضي، كان المجتمع يُجهز الشاب، فكان الفتى في سن الثالثة عشرة يذهب إلى الحقل ويمسك بالفأس، وفي سن الخامسة عشرة يقود نورجًا أو جرارًا في المجتمع الريفي البسيط. أما المدنية، فلها مزاياها، لكنها أفسدت أشياء أخرى، فأصبح الناس مدللين بعض الشيء، ولم يعد أحد يعرف ما هو الزواج، لأننا لم نُعد له. 

مما يزيد من صعوبة هذا القرار ويجعله أخطر قرارات الحياة هو حالات الفشل التي نسمع عنها الآن. على سبيل المثال، منذ 30 أو 40 سنة، كان فصل مدارس الأحد الذي يضم طالبًا واحدًا من أبوين منفصلين بين 50 طالبًا يُعتبر حالة استثنائية. أما الآن، لم يعد هناك طالب واحد بين 50، بل أصبح هناك ماني بين 50، مما يعني أن النسبة زادت. الناس تنقل أخبارًا سلبية، مثل: "فلانة لم تستطع الاستمرار، تزوجا عن حب، لكنهما الآن يرفعان قضايا على بعض، وهناك خلع وطلاق". هذا يجعل القرار أصعب، لأن الخوف أصبح يسيطر على الناس.

ذات مرة، جاءتني فتاة بسؤال عجيب، قالت: "يا أبونا، أنا أتابعك فقط، لكن ليس لي علاقة قوية بك، لكن سأسألك لأنك قد تفهمني". قلت لها: "ما الذي تريدينه؟" قالت: "يضغطون عليّ في البيت لنتزوج في الكنيسة". قلت: "يضغطون عليكِ؟ أين المفترض أن تتزوجي؟" قالت: "قبل أن أقرر إن كنت سأتزوج في الكنيسة أو زواجًا مدنيًا، أريد أن أعرف ما هي إجراءات الانفصال إذا تزوجت في الكنيسة". هذه الفتاة لم تُخطب بعد، لكنها تريد أن تعرف خطوات الانفصال، لأن إجراءات الانفصال صعبة، وهي تفكر في الزواج المدني لتجنب زواج الكنيسة. لكن في مصر، لا يوجد نظام للزواج المدني، فإما أن تتزوج في الكنيسة أو في الكنيسة. أتحدث هنا عن مدى الخوف الذي وصل إليه الناس، حتى إنهم يسألون عن شروط الانفصال قبل شروط الزواج. 

الافتراض ليس أننا ندخل لننفصل، بل أننا ندخل لنتزوج. فكرة "زواج النصارى إلى القبر" ليست بهذه البساطة. نحن نفكر بواقعية. على سبيل المثال، إذا تزوجت ووجدت أن زوجي يشخر أثناء نومه، هل سأقضي 30 سنة أستمع إلى شخيره؟ أم أنفصل وأبحث عن شخص "سايلنت" بلا ضوضاء؟ الأمور أصبحت تافهة للغاية، وأسباب الانفصال أصبحت لا تُصدق. مثلًا: "هو يحد من طموحي، يرفض أن أحصل على ماجستير في أمريكا، سأقضي أربع سنوات هناك". لكن، يا ابنتي، هذا زواج، إذا تزوجتيه، هل ستتركينه وتعودين إليه بعد سنوات؟ الأمور أصبحت معقدة لأن أحدًا لم يعلمنا ما هو الزواج.

أقول لكم، سأتناول هذا الموضوع على مدى أكثر من أسبوع، لأنه مترابط. سأحاول تناوله بطريقة جديدة، رغم أنني ربما تحدثت عنه من قبل. عنوان حديثنا اليوم هو "دوافع الارتباط". لا تصدموا مما سأقوله، لأنني سأتحدث بواقعية، وأنتم تعلمون أنني أب يحبكم ولا يريد إلا خيركم، لكن هذا الكلام واقعي. سأتحدث اليوم عن أربعة دوافع للزواج، وإذا سمح الوقت، سأتناول ضوابط الارتباط، وإلا سأكمل في المرة القادمة حسبما يسمح الله.

ما هي دوافع الارتباط؟ لماذا يتزوج الناس؟ هل تريدون الحديث معي؟ هل لتكوين أسرة؟ وإن لم أكوّن أسرة، هل سينهار المجتمع؟ لا، هناك دوافع أقوى من تكوين أسرة. قد تكون أبًا سيئًا وأبناؤك ينتهي بهم المطاف في السجن، فتكوين الأسرة ليس بالضرورة هدفًا. المجتمع لن ينهار إذا لم تكوّن أسرة. أعطني سببًا آخر. الوحدة؟ هذا دافع جيد، لكن دعني أتحدث بصراحة. بالنسبة للرجال، الغريزة الجنسية هي الدافع الأول للزواج. قد يكون هذا صادمًا، لكنه الحقيقة. الرجل، إذا كانت غدده غير مكتملة أو لم يكن مكتمل الرجولة، لن يميل إلى الزواج. لكن الهرمونات والغريزة الجنسية التي تصاحب البلوغ تخلق نداءً جسديًا يدفعه للزواج. 

لا داعي للخجل، يجب أن نتحدث بصراحة. لست عالم نفس أو طبيبًا، أنا رجل الله. ماذا يقول الإنجيل؟ يقول بولس الرسول إن من لا يتزوج ويظل متبتلًا، فهذا أمر حسن لأنه سيعيش لخدمة الله، لكن هذا ليس للجميع. لذا يقول: "لكن بسبب الزنا، فليكن لكل واحد امرأته". إذا شعرت بحرب في جسدي بسبب مناظر أراها، أو كلام أسمعه، أو تأثير غريزي من الهرمونات، فهذه غريزة تمثل احتياجًا. إذا كانت هناك فرصة لإشباع هذا الاحتياج، يقول بولس: "لا تُذنب، بل تزوج". إذا قالت الكنيسة إن الزواج خطيئة، فماذا سيفعل الرجال؟ سيقعون في الزنا. لذا، الدافع الأول هو الغريزة الجنسية.

لنكمل، يقول الإنجيل إن على الرجل أن يؤدي لزوجته حقها الجسدي، وكذلك المرأة لزوجها. هذه الفقرة تُقرأ في صلوات الإكليل: "لا يسلب أحد الآخر إلا بموافقة". الزواج أفضل من التحرق. يقول بولس إن أحدًا لا ينبغي أن يستخدم جسده لإذلال الآخر. منذ الزواج، ليس للمرأة سلطان على جسدها بل للرجل، وليس للرجل سلطان على جسده بل للمرأة. مهمتي أن أعطي جسدي لزوجتي، ومهمتها أن تعطي جسدها لي. هذا هو النظام الذي وضعه الله بين الرجل والمرأة من أجل الارتباط. الله لا يصنع شيئًا سيئًا. عندما خلق الرجل بغريزته، جعله يسعى للزواج، لأنه بدون هذه الغريزة، لن يفكر في الزواج أبدًا. 

إذن، الدافع الأول للرجل هو الغريزة الجنسية، وهذا ليس عيبًا. لكن، هل هذا الدافع كافٍ للزواج؟ قلت إنه الدافع الأول، وليس الوحيد. إذا تزوجت فقط من أجل الجنس، فأنا لم أعد إنسانًا. ماذا أصبحت؟ حيوان؟ لا، الحيوان أعلى درجة، لأن الحيوان لديه عاطفة. دعني أقتبس من عظة لنيافة الأنبا موسى، أسقف الشباب، منذ أكثر من 30 سنة. قال إن الكنيسة تُقدس الجسد وغرائزه، لكن إذا كان الزواج على مستوى الجسد فقط، فأنت وصلت إلى درجة الشهوانية التي تجعلك لا تمثل صورة الله ومثاله بمحبته وسعيه نحو القداسة. أنت حصرت نفسك في جانب واحد، فأصبحت لست بحيوان، بل على مستوى الحشرة. 

الحشرات تتزاوج بكثرة. قد أقول "سمكة"، لأن الأسماك تتزاوج، لكن حيوان؟ لا. في خلية النحل، الملكة هي الوحيدة التي تضع البيض، ويتبعها الذكور لإشباع الغريزة حتى يموتون من التعب. وهناك "الأرملة السوداء" التي تقتل زوجها بعد التزاوج. إذا كان الزواج غريزة فقط، فقد وصلت إلى أدنى مستوى في خلائق الله. الله عندما خلق الغريزة، لم يجعلها الدافع الوحيد، وإلا أصبحت حشرة. هذا ما قاله نيافة الأنبا موسى في عظة منذ أكثر من 25 سنة.

لذا، الدافع الأول هو الغريزة، ولهذا لا يجوز بعد الزواج أن يمتنع أحد الطرفين عن الآخر. وهناك نقطة مهمة: إذا كان أحد الطرفين غير قادر على تلبية متطلبات العلاقة الزوجية، تعترف الكنيسة ببطلان الزواج، ويحق للطرف الآخر فرصة أخرى. على سبيل المثال، إذا امتنعت الزوجة وقالت: "هذه الأمور غير لائقة"، أو رفضت لأسباب نفسية أو تربوية، فهذا يُعرض الزوج للزنا. لذا، تمنح الكنيسة الزوج الحق في زواج آخر. والعكس صحيح، إذا كان الزوج يعاني من ضعف جسدي يمنعه من العلاقة، تمنح الكنيسة الزوجة فرصة أخرى. 

لو رأت الكنيسة أن هذا الأمر غير مهم، لقالت للفتاة: "تحمليه، كثيرات دخلن الدير وعشن في نقاوة". لكن الفتاة تقول: "تزوجت لأكون أمًا، ولأكون امرأة طبيعية مثل غيري". إذن، هي ليست مخطئة، بل لها الحق، والكنيسة تمنحها ذلك. هل فهمتم القصة؟ لقد انتهيت من النقطة الأولى مع بعض الثقافة حول بطلان الزواج. لا أحد يحق له استخدام جسده لإذلال الآخر أو مساومته أو الامتناع عنه. في هذه الحالة، تتدخل الكنيسة وتقول إن الزواج لم يكتمل، لأن الزواج هو أن يصير الاثنان جسدًا واحدًا. إذا كان هناك مانع نفسي أو جسدي، يكون هناك بطلان زواج. اتفقنا، الدافع الأول هو الغريزة، وهذا يضعني على مستوى الحشرة.
 
الدافع الثاني للارتباط هو العاطفة. لقد خلق الله فينا، كما خلق الغريزة الجنسية، عاطفة تغلف هذه الغريزة، لأنه لا يمكن أن تكون هناك علاقة زوجية بدون عاطفة. من الصعب جدًا، بل ومنحط في عيني الله، أن تكون العلاقة المقدسة هذه مجرد إشباع جسدي دون مشاعر. العاطفة تعني أن هذه هي الوحيدة التي أستطيع أن أعطيها نفسي، وهي الوحيدة التي تستطيع أن تعطيني نفسها. لا يصلح أي شخص آخر غيرها، لأنني وهي جسد واحد، وسريرنا سرير طاهر. كما يقول الكتاب: "ليكن الفراش طاهر"، فنحن شريكان في حب خلقه الله بالمودة. لذا، العاطفة والاحتياج العاطفي هما دافع وشرط لوجود علاقة زوجية.

ما هي العاطفة؟ العاطفة لها أنواع. ليست العاطفة التي أتحدث عنها هي عاطفة المرحلة الإعدادية، حيث يقف الفتى يتعرق وهو يعرف موعد خروج الفتاة من المدرسة ويظل يراقب من البلكونة. هذا ليس شغل عاطفة ناضجة، بل شغل تلاميذ! العاطفة الناضجة ليست تلك التي تجعل الشخص يقول: "إن لم أحصل عليه سأموت، سأقتل نفسي". هذا كلام شخصية مهزوزة غير ناضجة. سأتحدث لاحقًا عن ضوابط العاطفة في المرات القادمة، لكن الدافع الثاني هو أن لدي احتياجًا للارتواء العاطفي. شعرت أنه على الرغم من عطاء أبي وأمي وأصدقائي، فهذا لا يكفي. أحتاج إلى شخص أشاركه حياتي. هذا الاحتياج هو ما شعر به آدم في الفردوس. كل الحيوانات كانت "بير بير"، أي زوجين زوجين، كأزواج: النمر مع النمرة، القرد مع القردة، الببغاء مع الببغاء. لكن آدم قال: "أنا أين مكاني؟ هم يتناغون ويتعانقون، فمن لي أنا؟ من أتحدث إليه؟ من أمزح معه؟ من يستمع إليّ؟" هذه الاحتياجات كلها تقع ضمن العاطفة. أحتاج إلى شخص غير أختي أو أمي، وهو يحتاج إلى شخص غير أخيه أو أبيه.

سأتحدث عن العاطفة في دقيقتين. العاطفة ضرورية جدًا لأنها تمنح القدرة على التحمل. تخيلوا أمًا تُربي طفلًا يبكي 23 ساعة في اليوم. ما الذي يجعلها تتحمل؟ العاطفة. قد تشتكي وتقول: "سأجن، أصابني انهيار عصبي، من يأخذه مني؟ أريد أن أنام ساعتين!" لكنها تنام ساعتين، ثم تستيقظ وتقول: "أين ابني؟ أحضروه إليّ، أريده في حضني". هذه هي العاطفة. العاطفة تجعل الزوج يتحمل زوجته، والزوجة تتحمل زوجها. تعلمنا العاطفة الغفران، التسامح، والمحبة الراقية. تمنح القلب اتساعًا، فلا نقف عند كل صغيرة: "أنتِ أخطأتِ بحقي، وأنا أخطأت بحقك". إذا لم نكن نحب بعضنا، يصبح الأمر كارثة. قد يتشاجر الزوجان على أتفه الأسباب، مثل: "طلبت منها نسكافيه، فوضعت ملعقة سكر زيادة، وهي تعلم أنني لا أحب السكر الزائد، إنها تحرق دمي!" هذا الكلام يجعل الناس يتشاجرون على تفاهات.

العاطفة تتجاوز الإعجاب، لأنها تتضمن شيئين مهمين جدًا: القبول والارتياح. عندما تقول فتاة: "يا أبونا، لا أعرف إن كنت أحب أم لا، ساعدني، ليس لدي خبرة، أشعر بالتخبط"، أسألها: "كم مرة خرجتما معًا بموافقة الأهل؟" – أي ما يسمى "الديتينج" بموافقة الأهل للتعارف قبل الارتباط. إذا قالت: "أربع مرات"، أسألها: "هل شعرتِ أن الوقت يمر ببطء، تنظرين إلى ساعتك كل دقيقة وتقولين: أعدني إلى البيت، أو تتمنين أن يحدث شيء، ينهار السقف، أي شيء؟ أم شعرتِ بالراحة، وأنه شخص لطيف، فهمك بسهولة، وأصبح لديكِ رغبة في معرفة المزيد عنه؟" إذا نظرت إلى الساعة وقالت: "يا إلهي، مرت ثلاث ساعات؟ لا أصدق، كنا نتحدث لمدة ساعتين فقط!"، فهذا يعني أنها بدأت تشعر بالقبول والارتياح. حتى لو لم تشعر بـ"الباشن"، فهذه هي الدرجة الأولى من العاطفة: القبول والارتياح.

أنا مرتاح، لدي قبول، وهو لديه قبول. هذا ليس كافيًا تمامًا، لكنه الحد الأدنى. إذا لم يكن لديكِ قبول أو ارتياح، لا تظلميه ولا تظلمي نفسك. على سبيل المثال، شاب قال لي: "لا أشعر أن هناك مودة بيني وبين خطيبتي". قلت له: "من قال إنه يجب أن تكون هناك مودة؟" قال: "البنت تشعر". قلت: "تشعر بماذا؟ إنها تشعر إن كنت تحبها أم لا". فغضبت من أجلها وقالت له: "لماذا تزوجتها إذن؟" قال: "لأنها تناسب دخلي". هذا منطق فاسد، لا يرضي صلاح الله. هذا المنطق يجعل البنت سلعة، أو الشاب سلعة. تقول فتاة: "لست مرتاحة له، لكن سأتزوجه، عمري تجاوز كذا، والفرص أصبحت قليلة، لا شكله يعجبني ولا أهله يعجبونني، سأعصره كالليمونة وأنتهي". لا يا ابنتي، لا يمكن أن نمنح الجسد بدون عاطفة وحب. العاطفة يجب أن تكون موجودة، لكن الحد الأدنى هو القبول والارتياح. هذه هي العاطفة الناضجة التي ستزيد مع الوقت.

العاطفة قابلة للنمو، وهذه إحدى مزاياها. أقول للشباب دائمًا، حتى في جلسات المحبة، عندما يسألونني: "إذا سألني أحدهم بعد زواج دام 40 سنة، ما هي أجمل سنوات زواجك؟" إذا قالوا: "أجمل خمس سنوات؟"، قد يظنون أنها السنوات الأولى، فترة "الهانيمون" والنزهات قبل الأطفال. لكنني أقول: "أجمل خمس سنوات هي الخمس الأخيرة، وأجمل ثلاث سنوات هي الثلاث الأخيرة، وأجمل سنة هي السنة التي أعيشها معها الآن". لماذا؟ لأن الحب الحقيقي يكبر مع العشرة ومع التعود. لا نحتاج إلى الكلام. هي تنظر إليّ وتقول: "بابا، هل هناك شيء يضايقك؟" أقول: "شيء بسيط وسيمر". تقول: "هل تريد أن أفعل شيئًا؟" أقول: "لا، اذهبي وارتاحي". لا أجرحها، وهي لا تجرحني. في السنوات الأولى كنا نتشاجر، لكن الآن كبرنا، وهي أغلى شيء عندي، وأنا أغلى شيء عندها، دون أن نقول ذلك. العشرة تجعل الحب ينمو، وكلما نما أصبح ناضجًا. الإنسان لا يريد شيئًا من الآخر سوى راحته، وينسى نفسه. هذا لا يأتي في البداية، ففي البداية يبحث الإنسان عن ضماناته وحقوقه. لكن عندما تنضج العاطفة، لا تطلب شيئًا لنفسها. هذه هي المحبة التي تحدث عنها بولس الرسول في كورنثوس الأولى 13، حيث وصف المحبة المسيحية بأنها "لا تطلب ما لنفسها". في بداية الزواج، لكل طرف طلبات، لكن عندما نكبر، أثق بها وتثق بي، والحب يكبر مع الوقت.

إذن، تحدثت عن العاطفة كدافع للزواج واحتياج له. الدافع الأول هو الغريزة، والثاني العاطفة. لن نتمكن اليوم من استكمال النقاط الأخرى. الدافع الثالث للارتباط هو دافع الاستقلال. ماذا يعني دافع الاستقلال؟ هذا ما قلتموه في البداية عندما تحدثتم عن تكوين أسرة، وهزأت بكم مازحًا وقالت إنه ليس بالضرورة الهدف الأساسي. دافع الاستقلال يعني أن هناك شيئًا داخلنا، في وقت معين، يجعلنا نرغب في الاستقلال عن البيت الذي نشأنا فيه. يقال عن الفتيات إن لديهن حاجة لامتلاك "مملكتهن الخاصة". طوال حياتها، كلما أرادت الفتاة فعل شيء في البيت، تقول لها أمها: "عندما تتزوجين، افعلي في بيتك ما تريدين". فتحلم الفتاة: "متى أستقل ويكون لي مطبخي الخاص؟ سأجلب أشياء، سأضع إضاءة داخلية وإضاءة مباشرة". أحلام تستمر في التخيل، وكلما رأت صديقة لها تجهز أثاثًا، تسجل فكرة: "هذه فكرة رائعة، وتلك جميلة". لكنها بعد الزواج تكتشف الحقيقة: لم تستطع فعل ما أرادته في بيت أمها، ولا في بيت زوجها. أمزح معكم، لكن هناك رغبة في الاستقلال. والرجل لديه رغبة في أن يكون له كيانه الخاص. طالما هو في بيت أبيه، يشعر أنه "الرجل الثاني". هناك احتياج نفسي لدى الرجل ليكون "رجل البيت الأول".

هذا الدافع مشترك بين الشباب والبنات. الدافع الأول (الغريزة) أقوى عند الشباب، والدافع الثاني (العاطفة) أقوى عند البنات، لكن دافع الاستقلال مشترك. نزعة الاستقلالية تجعل الفتاة تقول: "أريد أن أرتدي ما أريد، أريد أن أفعل ما يحلو لي. هذا يضايقني، وذاك يتحكم بي. عمري 26 سنة، وما زلت كطفلة في السادسة. متى سأستقل؟" الشاب أيضًا لديه نفس الشعور: "طوال حياتي في بيت أبي، لا يُسمع صوتي. أريد بيتًا يُسمع فيه صوتي". هذا هو الدافع الثالث، ويسمى الرغبة في تكوين كيان جديد. هذا مرتبط بالنضج، وهو ما سأتحدث عنه لاحقًا، لأنك إذا لم تكن ناضجًا، لا يمكنك الاستقلال. الموضوع له حلقات أخرى.

في المرة القادمة، ربما نتحدث عن هذا، لكن بعدها هناك فسحة يونان، فنحترم هذا الموعد ونتناول شيئًا يونانيًا. ثم في المرة التي تليها، إن شاء الله، سأكمل. لست محددًا بعد عدد المرات التي سأتحدث فيها. لخصنا حتى الآن ثلاثة دوافع: الأول الغريزة، الثاني العاطفة، الثالث نزعة الاستقلالية النفسية. لم أتحدث بعد عن الجوانب الروحية، لكنها قادمة.

هناك أيضًا ما يسمى بالدوافع السلبية. ماذا يعني دوافع سلبية؟ ليست بنفس قوة الدوافع الرئيسية، لكنها موجودة. عند الشباب، هناك دافع يسمى الملل، وهو يختلف عن نزعة الاستقلالية. الاستقلالية تريد ممارسة السلطة وأن تكون شيئًا كبيرًا، وليس مجرد رقم ثانٍ. أما الملل، فهو شيء آخر. عند الشباب، هناك دافع يسمى الملل، وعند البنات دافع يسمى الخوف. هذه دوافع سلبية للارتباط. ماذا يعني الملل؟ تخيل شابين، كارلوس وبولا، يخرجان معًا كل يوم. إذا كان لديهما مال، يجلسان في كافيتريا، وإذا لم يكن لديهما، يجلسان في مكان عام. كل منهما ينظر إلى هاتفه، ولا يتحدثان. يأتي النادل ويسأل: "ماذا تشرب؟" يقول أحدهما: "سأشرب قهوة"، فيرد الآخر: "سأشرب عصيرًا". ثم يصمتان. بعد فترة، يقول أحدهما: "ما هذا الملل؟ الشلة كلها تزوجت، وأنت الوحيد الباقي معي. لقد نفد الكلام. تحدثنا عن الكرة، عن اللاعب الفلاني الذي يجني مئات الآلاف في الدقيقة، تحدثنا عن السياسة، لا شيء يتغير، تحدثنا عن الاقتصاد، لا شيء يتغير. أنا مللت، مللت!" يقول: "أريد تغيير أسلوب الحياة. فلان تزوج ويبدو سعيدًا، وفلانة تزوجت وتبدو سعيدة. لقد بدأوا حياة جديدة". هذا يسمى عند الشباب الملل. أصدقاؤه كانوا الأفضل، يخرجون سواء إلى كافيه أو إلى أي مكان، أو يقفون على ناصية، أو يفتحون سيارة ويجلسون في صندوقها – وهي موضة جديدة: يضعون سيارتين متقابلتين، يفتحون الصندوقين، ويجلسون. لكنهم يشعرون بالملل، لأن الكلام نفسه، والحياة مكررة.

أما البنات، فلديهن الخوف. الخوف من أشياء كثيرة: الخوف من الوحدة، الخوف من تقدم السن، الخوف من ضغط الأهل: "هذا لم يعجبكِ، وذاك لم يعجبكِ، من سيُعجبكِ إذن؟ أم أنكِ تجلسين هكذا؟" يصبح الخوف مع كل شخص جديد يتقدم لها: هل هو خبر سار أم ضغط؟ هذا يحدث، وأنا أتحدث من داخل المطبخ، أعرف ما يجري. البنت لديها مشاكل كثيرة. كما قلت من قبل، هناك زيجات كثيرة فشلت، وزيجات مليئة بالنكد. تقول صديقتها: "بعد زواجي، أصبحت أبكي وأعاني". وهناك موضة الآن تسمى النرجسية. يقولون: "كل 200 رجل، هناك واحد نرجسي". تقرأ البنت على يوتيوب أن خطيبها نرجسي، فتأتي إليّ وتقول: "كيف أعرف أن خطيبي ليس نرجسيًا؟" انظروا إلى حجم المخاوف! لكنني لا أتحدث عن هذه المخاوف، بل عن الخوف كدافع للزواج: شبح تقدم السن، ضغط الأهل، الخوف من أن يتوفى الوالدان، فمن سيعتني بها؟

هذا الخوف قد يصبح دافعًا لدرجة أن فتاة لم تكن تقدم تنازلات طوال حياتها، في سن معينة، تبدأ بالتنازل عن أشياء لم يكن ينبغي لها التنازل عنها بسبب الخوف. هذا دافع سلبي. سأتوقف هنا لأن الوقت قد اقترب من تسبيحة منتصف الليل، ولن أبدأ نقطة جديدة. تحدثنا عن أربعة دوافع للارتباط: الأول الغريزة، الثاني العاطفة، الثالث الاستقلالية، والرابع الدوافع السلبية (الملل والخوف). العاطفة مع الغريزة ليست كافية، لأننا اتفقنا أن العاطفة تنقلنا من مستوى الحشرة، لكن لا تزال هناك أمور أخرى سنتناولها في المرات القادمة. لإلهنا كل المجد والكرامة، الآن وإلى الأبد، آمين.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة