طه عبد الرحمن (١): فلسفة الصدق والأمانة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
الحكيم الصوفي العظيم ابن عطاء الله السكندري له مقولة يقول فيها: "كل كلام يبرز فعليه كسوة القلب الذي برز منه." ونحن في حضرة شيخنا وأستاذنا وإمامنا طه عبد الرحمن نستحضر هذه العبارة، لأن الكلام الذي ينطق به يحمل طبع القلب الذي يحمله طه عبد الرحمن، فهو كلام بصيرة، وكلام نظر وتفكر وتدبر، وكلام روح وعقل.
كثير منا وجد في كتابات طه عبد الرحمن نصًا فريدًا في مبتدئه، شديد الميراث. ونحن نعلم أن كتاباته ليست يسيرة في مبتدئها، لأنه يستخدم عادةً مصطلحات خاصة به، ويستخدم كذلك نصوصًا عالية المستوى، كأنه يدخل مع القارئ في تحدٍ لكي يرتقي القارئ إلى مستوى النص والخطاب، ولا ينزل بالخطاب إلى ما دون ما ينبغي أن يكون عليه، لا سيما إن كان ذلك الخطاب يحلق في عوالم الفكر والوعي والفلسفة وفي عالم الروح.
لكني وجدت أن الممارسة التي تتم بقراءة كتب طه عبد الرحمن، في الحقيقة، تصبح مع الزمن مألوفة. وأعود مرة ثانية إلى الصوفي الكبير ابن عطاء الله السكندري عندما قال: "تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، فحيث وقعت الأنوار وقع التعبير." ولذلك نعتبر أن أستاذنا هو أستاذ جيل، وكان القدماء يستخدمون عبارة يقولون: "هو وحيد عصره." وأظن، بل أعلم، أن طه عبد الرحمن وحيد عصره. وقد تجاوز الآن الثمانين، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمد في عمره. فقد أخرج لنا أكثر من ثلاثين كتابًا في مناحٍ جليلة عميقة، ستغير لأجيال قادمة أفكارًا ورؤى وتصورات.
ثم إنه تناولها من زوايا كثيرة عبر رحلة طويلة، كما هي رحلة كل العظماء في تاريخ أمتنا، مبتدؤها كان في العقل ومنتهاها كان في عالم الروح، وما بين ذلك رحلة جليلة سوف نمخر عبابها هذه الليلة بحضرته، إن شاء الله تعالى.
الملاحظة الأخيرة التي أود أن أقولها لكم هي أن هناك فرقًا كبيرًا بين أن تقرأ لطه عبد الرحمن - وفي القراءة له رحلة جميلة وجليلة - وبين أن تسمعه. فالسمع له شيء آخر ينفذ إلى أعماق النفس وأعماق الروح بسلاسة أكثر بكثير من أي متحدث آخر. سوف تستمعون إليه الليلة، وأنصحكم أيضًا أن تسألوه ما راق لكم من أسئلة، أو ما أردتم أن تسألوا عنه، حتى نخرج منه كثيرًا من الحلل والدرر والجواهر التي لا نريدها أن تبقى مكنونة. فقد وجدت من تجربتي مع شيخنا الجليل أنك كلما سألته، ازددت علمًا، وكلما ازداد هو إفصاحًا عن رأي وعن فكر وعن وعي، ربما لا تجده كثيرًا في كتبه. فنحن محظوظون في هذه الليلة المباركة أن نلتقي بأستاذنا الكبير طه عبد الرحمن، نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بعلمه.
أود في البداية أن أقدمه ليتحدث عن قضية جوهرية، وهي أننا لن نستعرض أفكاره كلها، لأن أفكاره، ما شاء الله، كثيرة. لكننا سألناه سؤالًا: ما هي المنهجية التي أسست عليها كل هذا العطاء؟ لأننا إن فهمنا تلك المنهجية وأصولها، أصول الفكر الذي وقف عليه واستنبط منه ما قد سطر في الكتب، فقد يكون يسيرًا علينا، إن شاء الله، أن نذهب إلى كتاباته ونقرأها ونعيد قراءتها لكي نستخرج منها كل مفيد وكل جليل. فأهلًا وسهلًا بكم، شيخنا، ومرحبًا. وأود منكم أن تبدأوا بسم الله.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الأكرمين.
حبيبي الأستاذ الجليل، رئيس منتدى الشرق، أحبائي الأساتذة والباحثون، أبنائي الطلاب، أيها الحضور الكريم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
لا أزداد إلا إعجابًا ببيان حبيبي وضاح ما قال في حقي. يجوز في حقه جوازًا أولى، فجزاه الله عن كلمات لطفه وحسن مشاعره نحوي. فأنا لا أزداد بذلك إلا ما كنت عليه قبل أن أسمع بيانه وتناهيه. يسعدني أولًا أن أشكره شكرًا جزيلًا على أنه أتاح لي فرصة لقاء بكم، وأنا أحببت لقاءكم قبل أن أراكم، والله شاهد على ذلك. لا أعلم من سيحضر، لكن كنت متيقنًا أن من يحضره إلا الصالحون والصالحات. فالحمد لله الذي جمعنا في هذا اليوم المبارك، فهي نعمة كبرى من الله سبحانه وتعالى. فلا يجب علينا إلا مزيد الشكر حتى نزداد منحه ونعمة.
فلا يبقى لي بعد هذا الكلام الموطئ للحديث إلا أن تشاركوني كلامي، فلست هنا لأحاضركم، وإنما لتشاركوني همي وحبي: همي لشؤون الأمة، وحبي للإيمان الذي يزينها. فالله سبحانه وتعالى جعل الأسباب بحيث أهتم وأشتغل بالفكر الفلسفي أولًا. فكان هذا الانشغال يبدأ باشكالين أساسيين. سل علي استيلاء كاملًا، إنما اشكالان متواليان، ليس اشكالان في ذات الوقت. بدأت بالإشكال الأول وأنا في سن العشرين، استمر معي إلى غاية السبعين أو الخامسة والستين، ثم جاء الإشكال الثاني، ولا يزال يتعلق بي حتى ألقى الله سبحانه وتعالى.
الإشكال الأول هو إشكال العقل، والإشكال الثاني هو إشكال الإرادة. فكانت مسيرتي الأولى مسيرة عقلية، والإشكال الثاني كان مسيرة إرادية. ماذا أصنع بإرادتي؟ وكذلك إشكال العقل: ماذا أصنع بعقلي؟ فإشكال العقل الذي استحوذ علي منذ سن مبكرة جعلني أنتقل إلى خارج بلدي لأزداد علمًا به. هذا الإشكال تمثل في التقليد الذي عليه الأمة، بحيث فقدت عقلها أو جمد عقلها. كنت أرى أن عقلنا، أو عقل المسلمين، جمد. فكنت أتساءل: كيف الخروج من التقليد إلى الإبداع؟ كيف أفك وأحل هذا الإشكال الذي استحوذ علي؟
وتعاطيت الدرس العلمي المعروف الجامعي، متوسلًا في ذلك بكل الوسائل التي يسرها الله سبحانه وتعالى لي للوصول إليها أو التمكن منها. طبعًا درست اللسانيات حتى أصبحت أستاذًا فيها بمختلف مستوياتها، وخاصة ما يسمى بمستوى التداوليات، ثلاث مراتب: التركيبيات، والدلاليات، والتداوليات. فمصطلح التداوليات الذي يروج اليوم في اللسانيات هو من وضعي، ووضعته في السبعينات. حتى إذا وجدتموه في اللسانيات، وبعضكم يهتم بهذا العلم، فهو من وضع العبد الفقير الذي أمامكم. وأخذه اللسانيون وأقروه واعتبروه يؤدي المقصود من هذا المستوى الثالث في دراسة اللغويات.
فالتقليد تقليدان: تقليد المتقدمين وتقليد المحدثين. المحدثون، على تقدمهم، هم مقلدون، والمتقدمون، على ما أعطوه أيضًا من معارف، صاروا محل تقليد، بحيث لم يزد اللاحقون علمًا بالنسبة للسابقين. والأدهى، والذي منع كليًا الخروج إلى الإبداع، هو الحداثيون. هم الذين يقولون بإنكار التراث. لا أقول بأولئك الذين يقولون: نريد تراثًا إلى حد ما، نحتفظ بما هو مفيد فيه ونترك ما هو غير مفيد. هؤلاء، إن لم يأتوا بالإبداع، على الأقل قدروا جوانب من التراث. فكنت أرى أن ضرر هؤلاء على الإبداع أشد من ضرر غيرهم.
فكان علي أن أتمكن بكل الوسائل التي يدعون استخدامها لتقويم التراث، بل أتمكن من وسائل أقوى من الوسائل التي يستخدمونها في التراث. بل أكثر من هذا، أتمكن من الأصول والأسباب التي جعلت الآخرين يصلون إلى هذه الوسائل. بمعنى، كنت أعرف الأسباب العقلية والأسباب الثقافية التي كانت من وراء هذه الوسائل، بينما هؤلاء كانوا ينزلون هذه الوسائل على التراث من غير أن يدركوا هذه الأسباب التقنية والثقافية. فكان يسهل علي، بدراية هذه الأسباب، أن أبدل وسائل بوسائل أخرى. بدل أن أستعمل الأسباب الثقافية أو التقنية للآخرين، قد أستعمل وسائل التقنية التي هي متصلة بثقافتنا.
لذلك بيّزت بين منهجيتين: المنهجية المنقولة والمنهجية المأصولة. وهذا أيضًا مصطلح وضعته حتى لا يلتبس مع "أصيل". أردت أن يكون على نفس القياس من "منقول". ولو أنه يمكن أن نقول المنهجية النقلية والمنهجية الأصيلة، لكن فضلت المشهور واستعملت "المأصول" بالنسبة لإغناء الوسائل التحليلية للغة العربية.
هؤلاء الحداثيون، هناك نوعان منهم. ستستغربون كيف يقول الأستاذ طه: هناك حداثيون؟ ما معنى الحداثة في عرفه؟ هو أخذ الوسائل التي تقدمت بها الإنسانية بالنسبة لهؤلاء. ففي القرن الثالث أو الثاني الهجري، كانت هناك حداثة، وهذه الحداثة كان يمثلها الفلاسفة. واليوم يمثلها، كما تعلمون، فئة من المفكرين يعتبرون أنفسهم أنهم أحاطوا بما سينهض بهذه الأمة. فهؤلاء، هذان الصنفان من الرجال، أنزلوا المناهج المنقولة على الثقافة العربية وعلى الفكر العربي وعلى التراث العربي، فقطعوا بين معاني التراث أو معلومات التراث وبين أصول هذه المعلومات في التراث. بمعنى، استبدلوا بالأصول التراثية أصولًا تراثية أخرى، وهي لمن نقلوا عنهم.
فنجد أنفسنا أمام ثقافة هجينة، أمام ثقافة عطلت أسباب لسانها وعطلت أسباب ذهنها، بحيث ينطق الفيلسوف أو المفكر بما لا يفكر فيه، ويفكر بما لا ينطق به. لأن هناك تفاوتًا بين اللسان الذي يستعمله، أي الثقافة التي يحملها هذا اللسان، وبين الفكر الذي ينقله. فأصبح لسانه في وادٍ وفكره في وادٍ. فإذا تكلم، كان بكلام لا يفيد مقصوده، وإذا فكر، فكر بلسان لا يعبر عن فكره. وهذه كانت أزمة، إذا استمرت على هذه الحال، فلن ننتج نهائيًا أي فكر ولا نبدع إطلاقًا.
فقلت: هذه العلة هي التي وقفت عليها. فأردت أن أصلح بين اللسان والعقل، وبين أن يكون الفكر معبرًا عن لساني، وأن يكون لساني معبرًا عن فكري. فهذا الذي جعلني أنتقل إلى ما أسميه بالطور التداولي للفكر، طور التداولي. وهو: كيف نخلق ثقافة نتداولها بيننا، أو فكرًا نتداوله بيننا، يكون فيه توافق، يكون فيه تصالح بين أفكارنا وأقوالنا، بحيث يمكن أن نبدأ؟
وطبعًا وضعت مفاهيم كثيرة لي في هذا النطاق. وكتابي الهام في هذا الباب، طبعًا، ماج في تقويم التراث، ولكن كتاب أهم، قراءة بينما يعطيهم كل مفاتيح هذا الأمر، وهو كتاب أسميته بـ"مفهوم فقه الفلسفة"، الجزء الثاني، حول المفهوم. هنا استمر معي هذا الإشكال، وبقيت أصارع هذا الإشكال إلى غاية أني انتهيت بحله، واستطعت أن أنشئ فلسفة تداولية، أفكر وفق لساني، وأعبر بلساني وفق فكري.
فإذا بينما نجد الطلاق في كتابات الآخرين، صباحًا كنا نتناقش مع الأستاذ مصطفى، زميلي وحبيبي، حول الهوية. ويريد أن يلقي عرضًا هذا الصباح عن طريق وسائل اتصال حول الهوية. فأخذنا في الكلام عن هذا المفهوم، وتساءلنا عن معناه، بالمعنى ترجمته باللغات الأخرى. الأصل المترجم عنه هو مترجم عن أصل غربي، لاتيني وجيرماني وأنجلوسكسوني وإغريقي. فهو الأصل، لو أخذنا مثلًا عرف الفرنسي "إيدونتيتي" بالفرنسية، فهي التي ترجمناها إلى الهوية. هذه ترجمة فاسدة وتفسد العقل.
كيف ذلك؟ الهوية حينما تقال في اللغة العربية، وفي الثقافة العربية، وفي التراث العربي، معناها الوجود. هويتك معناها وجودك. ويقال للشيء: هو، أي أنه موجود. يعني الهوية معناها وجودك. حينما أقول هويتك، وجودك. بينما حينما أقول باللغة الفرنسية مثلًا "إيدونتيتي"، أو بالإنجليزية "آيدنتيتي"، معناها النفس، عينك، يعني ذاتك. إذا أردنا ترجمة حرفية، هي ما يمكن أن نسميه بالعينية. عينيتك، ما هي عينيتك؟ ماهيتك، إن شئت. عينيتك أفضل، لأنها فيها معنى الوجود.
ثم أخذنا فيما بيننا نتفلسف في الصباح، وانتهينا إلى معانٍ عجيبة اكتشفناها في اللحظة عن طريق، كما قلت، حكم الفلسفة التداولية. ماذا اكتشفنا؟ اكتشفنا أولًا أن في التراث يقولون: الإنسان كائن. يعرفون كائن تعريفًا، ما كملوا التعريف. إذا بمعنى الإنسان أولًا موجود، يعرف بالوجود. إذا وقفنا عند هذا، أدينا المعنى. الهوية بالنسبة للغة العربية، استعمال لفظ هوية، كأننا قلنا للإنسان: له هوية، أي له وجود، كائن، يعني له كينونة.
ثم قال الأستاذ المرابط: وماذا بالنسبة للغرب؟ إذا قلنا عينية، انتهينا إلى أن معناها: ماذا يميزك عن الآخرين؟ حينما تقول عينك، يعني نفسك. ما هو الشيء الذي يميزك عن آخر؟ تتعرف بتميزك عن الآخر، يعني بمعنى آخر، مباينتك. ما هو وجه مباينتك للآخرين؟ طبعًا لو جاء أحد، سيقول: إن اللغات الغربية أكثر دلالة على هذا المعنى، أكثر دلالة على المراد. وهو نريد ما الشيء الذي يوصلنا إلى إدراك تمايز الفرد عن الفرد.
لكن الثقافة الإسلامية لم تقف عند هذا الحد، قالت: تعريف ناقص الذي أعطيت. أقول: الإنسان كائن بائن، يعني الإنسان موجود ويتميز عن غيره. بمعنى، تعريف الإنسان عند المسلمين هو أنه موجود ويتميز عن غيره. ولكن عمق الأستاذ المرابط هذا النطاق، فقال: لهذا التميز، ما طبيعته؟ هل هو وجودي؟ أم هو قيمي؟ الإنسان في اللغة العربية يتميز عن غيره، وفي الثقافة الإسلامية يتميز عن غيره بقيمه، ولا يتميز بوجوده. فلك وجود مثلما لي وجود. حينما أقول لك هويتك، فلك وجود، وهذه الهوية تشاركها جميع المخلوقات. ولكن تتميز عن غيرك بالقيم التي تتبعها أو تأخذ بها.
بينما عند الغرب، وجودك متميز عن وجود الآخر، ليس بالقيم. ما معنى آخر؟ لا تتميز عن الآخر بالعمل، إنما تتميز عنه بكيانك. أنت كيانًا مختلفًا عن غير الآخرين. بينما بالنسبة للثقافة الإسلامية، أنت متميز عن الآخرين تقويمًا وقيمًا، وليس وجودًا.
فإذا أعطيت هذا المثال الحي، لأني لا زلت أستحضره، بينما فاتتني الذاكرة تفوت بالنسبة لمفاهيم أخرى. هذا في الصباح. فإذا ممكنكم من اللحظة أن تتفلسفوا على الطريقة التي، وأنا سأبين لكم، من خلال أسئلتكم، كيف تتفلسفون تداوليًا. وهذه الفلسفة هي التي، إذا وصلنا إلى مثل هذه النتائج، أليست هي أحق أن نأخذ بها ونطور فكرنا ونطور ثقافتنا ونأتي بإبداعات تختلف عن الإبداعات؟
تقول: يا أستاذ طه، أنت ترفض الآخر، لا تريد أن تستفيد منه؟ لا، هذا التعريف جمع بين الأمرين، وربط بين مبدأ التميز الذي يقول به الآخر والوجود الذي لا يقول به، وجعل هذا التميز ليس وجوديًا، وإنما تميزًا قيميًا. وهذا في غاية الأهمية.
فإذا، هذه نقطة في غاية الأهمية. أنا تعمدت أن أتي، وحضرني فقط ما كنت، أنا ابن ساعتي أو ابن وقتي، يعني أتكلم بما يسمونه بالحال أو بشيء من هذا القبيل. فإذا فرغنا، أظن أني بلغت. يكفي هذا المثال.
إذا وقد نعطي أمثلة كثيرة، نأخذ مثلًا في الألمانية "دازاين". هذه كلمة مركبة، "دا" هي هنا، و"زاين" هي الوجود. حار فيها الغرب، فرنسيون وإيطاليون وإنجليز، لترجمتها. يعني حيرة لا تحد، ولم يستطيعوا ترجمتها، وبقوا على شيء واحد، وهو أن يأخذوا المصطلح نفسه "دازاين" ويستعملونه كلفظة. ماذا فعل؟ حرم هذه اللفظة. ماذا فعل بعضهم؟ احتفظ بـ"دازاين" نفسها، وبعضهم قال، وهذا منهم أستاذي محمد عزيز الحبابي، وكان فيلسوفًا مغربيًا، ولكن، حقيقة، وإن لم يكن مبدعًا بالمعنى الذي قلت، كان فيلسوفًا. والشيء الذي حفظته عنه وقال: أنا أفكر برجلي. هذه الحكمة التي لا أزال أتذكرها. قال: أنا لا أفكر برأسي، وإنما أفكر برجلي. فقلت له: أنت مشائي، يعني المشاء هو الأرسطيون، كانوا حينما يتأملون أو يفكرون، يمشون. فالمشي يعين على التفكر حقيقة. كذلك: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا}.
فإذا أراد إنسان أن يخلّي عن التفكير، فليمشِ، فسيجد أن فيه معنى من معاني السلوك. فإذا قلت "دازاين"، حاروا فيها. بينما وجدت كلمة بسيطة في اللغة العربية تترجمها، وقد ذكرناها: "ضَيْ". يفيد بها المكان، يعني خروجك إلى الواقع، وجودك في الواقع. لذلك ترجمها سارتر بالواقع، "لارياليتي"، الواقع الإنساني. ترجمه بالواقع الإنساني. الواقع، يعني "دا". لأن الألمانية، طبعًا، فيها ثلاثة كبيرة جدًا في تركيب الكلمات والصاق بعضها ببعض، قديمًا وتأخيرًا. فـ"دازاين"، بينما الكلمة العربية بسيطة. ما هي، يا أستاذ طه؟ هي لفظة "الكائن".
وما علاقة الكائن بالواقع؟ هنا، الكائن أو الكون والمكان من نفس الأصل. الكائن لا يكون إلا في مكان. لذلك، لا يزال أن تقول: الحق سبحانه وتعالى كائن، لأنه لا يسند إليه المكان. الكائن هو الموجود في المكان. لفظة الكائن تعني الموجود في المكان. فإذا التعريف الذي أعطيناه للإنسان إذن، سابقًا: الإنسان كائن بائن، معناها أن الإنسان موجود في المكان، متميز بقيمه في هذا المكان. فإذا، هذا مثال، وكثير كثير وكثير.
فإني أعطي أمثلة لأحرّك عقولكم لتشاركوني في بحثي، لأنني لا أعرف فقط، بل أحب. والمحبة هي معرفة، فكلما أحببت شيئًا عرفته. المحبة هي أساس المعرفة، فمحبة الله لعباده من محبة الله للخلق، التي جعلته يخلقهم. فإذا خرجنا إلى الإبداع وأبدعنا أمامكم، ما اكتفينا بالحديث عن الإبداع، بل أبدعنا أمامكم وأنتم تشهدون. لم نبدع بينكم بلاءً، بل الحمد لله. فأشهدتكم، فنحن إذًا في صلة بعالم الإشهاد. فكلما أشهد بعضنا بعضًا، إلا وعرجت روحه إلى عالم الاجتهاد. إلا أن بعضنا لا يحس أو يشعر أو يحضر مع الإشهاد. فبعضهم الإشهاد يحضر معه وهو غائب عنه.
ولذلك، أحيانًا يقال: كفر أو أنكر، لأنه ستر حضورًا كان الأولى أن يحضر معه. على كل حال، هذا أمر كفر بمعنى خفيف، لأن المعنى الأول للكفر ليس المعنى الذي شاع، خصوصًا عند المحدثين. عند المحدثين، الكفر يعني حجب نفسه عن الحقيقة، أي سترها. طبعًا، الستر شيء سلبي، لكن الستر قد يكون إيجابيًا ومعنويًا. غفر، أيضًا ستر. غفرك الله، أي ستر ذنوبك. كفر، أي ستر حسناته. وهكذا.
فإذا جاء وقت الانتقال إلى الإشكال الثاني، وهو إشكال الإرادة، فماذا؟ هذا الإشكال هديت إليه بفضل الأبحاث، بفضل الله سبحانه وتعالى، بفضل الأبحاث التي جعلها الله بين يدي، أو جعلني أشتغل بها. فهديت إلى هذا المعنى. كنت أشعر به، ولكن لم أبلوره كفكر. أما كحال، كنت أعيشه. إشكال الإرادة تمثل في الخمول الذي سقطت فيه الأمة. الأمة لم يجمد عقلها فقط، بل أصابها الخمول. أصابها، باللفظ القرآني، الكلالة. {كَلَّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجَّهْ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ}. كلالة، وقعنا في الكلالة. الأمة الإسلامية وقعت في الكلالة، دخلت طور الكلالة.
فكنت أضع سؤالًا: كيف نخرج من هذا الخمول إلى الانبعاث؟ كما وضعت سؤالًا: كيف نخرج من التقليد إلى الإبداع بحيث يصبح عقلنا مبدعًا؟ اليوم أصبحت أقول: كيف نخرج من الكلالة أو الخمول إلى الانبعاث بحيث تصبح إرادتنا نافذة؟ هنا أدّاني الله سبحانه وتعالى إلى مفهوم الأمانة. مفهوم الأمانة من خلال الآية الكريمة: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}. فأخذت أتدبر هذه الآية في ضوء ما رزقني الله من وسائل عقلية ومعرفية.
ومفهوم الأمانة، طبعًا، معانيه كثيرة، لا أريد أن أدخل فيها. ولكن هناك معنى لا يمكن إلا أن يُسلم به المسلم أو غير المسلم، وهو أن مفهوم الأمانة ليس فقط يتسع للمسؤولية، بل يزيد على المسؤولية. وإنما نكتفي هنا بمستوى المسؤولية، كما نقول، حتى نقرب، حتى لا أدخل معكم في دقائق المسألة. فالأمانة تقترن بمفهوم المسؤولية. فإذا قلت في نفسي: هذه المسؤولية، هل تزول عن الإنسان في أي شيء؟ هل يمكن أن يكون الإنسان في لحظة من اللحظات غير مسؤول؟ لا، الإنسان دائمًا مسؤول، في الحركة والسكون، على جنبه أو قائمًا أو قاعدًا. فالمسؤولية تحيط بنا من كل جانب. ومن يتنكر لهذه المسؤولية، لابد أنه واقع في الخيانة، قليلًا أو كثيرًا.
فأدى بي هذا التصور للمسؤولية الجامعة والمحيطة إلى تغيير علاقتي بالعالم، إلى تصور الاشياء بصورة أخرى، بعلاقة أخرى معه. هذه العلاقة، طبعًا، لاحظوا أن العلاقة مع العالم تكون بطريقين، لا ثالث لهما: بطريق الإدراك أو بطريق الاستعمال. إما أن تنظر إلى شيء، والنظر واحد من وسائل الإدراك، وإما أن تستعمله. فالإدراك يبقى في نطاق العقل، والاستعمال يدخلك في نطاق الإرادة. بمعنى آخر، الإرادة لا تنفصل عن العمل. كل من يريد شيئًا ولا يعمل، فهو لا يريد. كل امرئ يريد شيئًا ولا يعمل، فهو لا يريد. الإرادة دائمًا يلزمها عمل.
فإذا أصبحت علاقتي أو تصوري أو علاقتي مع الأشياء لم تعد إدراكية أو استعمالية، تغيرت. كيف هذا التغير؟ لم أعد أتصور أو أتعامل مع المدرك على أني أضع يدي عليه، وإنما هو شيء ينبغي أن أبقى مسؤولًا عنه على الدوام. فإذا هذه النظرة التي وجهتها إليكم الآن، فأنا مسؤول عنها طالما أنتم في أفقي. فهذه المسؤولية، والرسول عليه الصلاة والسلام، الأحاديث معلومة: العين أمانة، وكذا أمانة، وغير ذلك. لا ندخل في التفاصيل. وتأكدوا أن كل ما أثبته له سند في التوراة، حديثًا أو قرآنًا أو اجتهادًا وغير ذلك.
فإذا العلاقة الإدراكية مع الأشياء أصبحت علاقة احتضانية، يعني بدل الاحتضان فيه مسؤولية، حضانة، رعاية. احتضن نظرتي إليك، هي تحتضنك ولا تمتلكك. فإذا هذه العلاقة الإدراكية تغيرت وأصبحت علاقة احتضانية. أما العلاقة الاستعمالية فتغيرت بدورها، فأصبحت علاقة ائتمانية. أنا مؤتمن على هذا الكأس وأنا أشربه، وهذا الشرب أيضًا مؤتمن عليه، والماء الذي ينسكب في حنجرتي، أنا مسؤول عنه. وهكذا، ووضعي هذا الكأس على هذه الطاولة، أنا مسؤول عنه، وسكوته مسؤول عنه، وتكلمه مسؤول عنه.
فإذا الإنسان موجود في المسؤولية. ليست المسؤولية واحدة من أحوال الإنسان، لا، هو يوجد في المسؤولية. {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}. اسمحوا لي، ذاكرتي ضعيفة، وإن حفظت جزءًا كبيرًا، حفظني والدي أربعين حزبًا ولا أنساهم، وعرضتها عليه بالتمام والكمال. فهذه الذاكرة ضعيفة عندي جدًا. المهم نقول: إن الله سبحانه وتعالى، إذا نحن الخليفة، معناه أني في المسؤولية، موجود في المسؤولية، وُضعت في الأرض مسؤولًا. نومي مسؤول عنه، وحركاتي التي يقال إنها لا تُنسب إليّ، أنا مسؤول عنها كنفس أساسية.
فإذا هذا الطور أسميه الطور الائتماني من فكري. كان الأول طور التداولي، يعني أريد لغة سليمة وعقلًا سليمًا يتفق فيه المعنى واللفظ. هنا الطور الائتماني، تتفق فيه الإرادة مع الإرادة. أريد أن أعطي مثالًا منهجيًا: كيف طريقتي أن أولد الأفكار بعضها من بعض؟ يعني أصبح عندي مفاهيم كثيرة، نكتفي بمفهوم الأمانة.
مفهوم الأمانة، أولًا، الأمانة والإيمان من أصل واحد. فلا إيمان لمن لا أمانة له. وقد نقول: من لا إيمان له، لا أمانة له. بمعنى، تصبح العلاقة لا مجرد علاقة تضمنية، وإنما علاقة تلازمية من الطرفين. من هذا المفهوم، إذا أسست دعوى فلسفية، هي أنه لا أمانة بغير إيمان. هي وردت في الحديث، ولكن أنا أثبتها فلسفيًا، لأنني لم أستدل بالنص في إثباتها، لأن الفلسفة تقول: استعملوا الدليل العقلي. فأنا استعملت الدليل العقلي للبرهان على أنه لا أمانة بغير إيمان. وهو حديث: لم أقل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا إيمان لمن لا أمانة له}. معناها: لا أمانة بغير إيمان. هذا هو معناها. فصغتها صياغة فلسفية مبرهن عليها. قلت بهذا التعبير: هنا يمكن أن أصوغ دعوى فلسفية، وهي أنه لا أمانة بغير إيمان. ومعلوم أنه لا دعوى في الفلسفة تُقبل بغير دليل، ولا ينفع فيها الاستدلال بالنص، وإلا كنت استشهدت بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا إيمان لمن لا أمانة له}. بل لا بد من دليل عقلي، وأظفر به في ميثاق الائتمان الذي أُخذ من الإنسان.
المهم، انتهى الأمر، ولا أكتفي بهذا. قد استطيع أن أستنتج منطقيًا دعوى أخرى أو مسألة أخرى، أن الأمانة ابتلاء، بالاستناد إلى قضيتين: الأولى، أنه لا بلاء أعظم من الإيمان، والثانية، أنه لا أمانة بغير إيمان. من هاتين القضيتين، استنتجت: الأمانة ابتلاء، فلسفيًا. ها هو، معانٍ إيمانية أفلسفها عقليًا. فأين هؤلاء الذين يقولون: العقل يتعارض مع النقل، مع السمع؟ هل هناك سمع غير عقلي؟ يا ترى، هل من يسمع شيئًا يكون دائمًا غير عقلاني؟
ثم قد استنتجت كذلك دعوى أخرى: أن الأمانة قبلها اختيار وبعدها اختيار. وأبرهن عليه، واستنتجت كذلك منطقيًا. يعني، قد أصوغ هذه العبارات صياغة منطقية رياضية، وأستنتج، باعتبار التحليل الرياضي، بالاستدلال الرياضي، هذه القضايا. دعوى أخرى وأخيرة، لا أطيل: أن الأمانة توجب كمال العقل وتمام العدل. واحتججت لها بثبوت وصفين للإنسان وردا في الآية: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}. وهي الجهولية، وهي أقصى الجهل، والظلومية، وهي أقصى الظلم لمن أخل بالأمانة، بعد أن أكون قد برهنت على أن هذين الوصفين مترتبتين على اقتحام الإنسان مجال الاختيار يوم الائتمان.
وهكذا، وقد استنتجت أيضًا الضد. مثلًا، تعرفون أن الأمانة لها ضدان أساسيان. الضد الأول هو المشهور، وهو الخيانة. والضد الثاني غير مشهور ولا يُستعمل ولا يُوصل بالأمانة بالدرجة الأولى، وهو الحيازة. من ذلك، كانت الأمانة وديعة. الأمانة وديعة عند الإنسان، فإذا وديعة، لا يمكن أن تحوزها. فإذا الأمانة، ضدها الحيازة باعتبار أنها وديعة، وضدها الخيانة باعتبار مخالفتها أو عدم الوفاء بها.
ثم قد استنتجت من ذلك، كل ذلك منطقيًا، أن الأمانة على نوعين: أمانة احتفاظ وأمانة اعتناء. واستدللت على الأمانة بكون الاحتفاظ يكون في الودائع، والاعتناء يكون في الفضائل. فأكون أمام نوعين من الأمانة: أمانة الفضائل، الصبر أمانة، الشكر أمانة، الحب أمانة، كما يكون المال أمانة، أو خاتم أمانة، وغير ذلك. هذا يعتبر أمانة احتفاظ. ثم قد استنتجت أيضًا أن الإنسان أقرب إلى الخيانة منه إلى الأمانة. هذا مؤسف، ولكن هذه المقدمات التي قدمتها تجعلنا نرى أن الإنسان ينساق إلى الخيانة. وما العجب في ذلك؟ وإن آدم عليه السلام، أول البشر، لم نجد له عزمًا. هذا القرآن. فإذا ما حصل لآدم عليه السلام، لابد أن يحصل لغيره من ذريته.
فإذا أعطيتكم مثالًا حيًا على كيف أن الأمانة تفيد في إنشاء فلسفة ائتمانية. الآن، هناك إشكال ثالث، ولكنه إشكال عقدي. هل أنا في هذين الإشكالين، إشكال العقل الذي سعيت أن أبين كيف نخرج من التقليد إلى الإبداع، وإشكال الإرادة الذي سعيت فيه كيف نخرج من الخمول أو الكلالة إلى الانبعاث؟ نفرض أننا حصلنا على الإبداع وحصلنا على الانبعاث، أليس من حقي أن أتساءل: هل كنت على وفق ما جاء به الشرع؟ وهل كنت على وفق ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام؟ فالرسول لم يأتِ بالشريعة فقط، بل أتى بالأخلاق التي هي جوهر هذه الشريعة. هل أنا فيما أتيت به وافقت أخلاقية الرسول عليه الصلاة والسلام، أو وافقت مجرد الأوامر والنواهي التي جاء بها الشرع؟
الحقيقة، أني نظرت في الأمر وقلبته، وكان من فضل الله عليّ أن اهتديت إلى طمأنة نفسي. فوجدت أن تمام الخروج من التقليد إلى الإبداع حصل مع الرسول عليه الصلاة والسلام. يكفينا ما فعل مع الكفار، آبائه. والقرآن يقول: {إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا}. يعني، دائمًا القرآن حمله على الخروج من التقليد إلى الإبداع، الواحد الأحد الصمد. وأي إبداع أكبر من هذا؟ أن يخرج الإنسان من التعدد إلى الوحدانية، بحيث كل الكائنات وكل التباينات تصبح مجموعة في فاعل واحد قادر على كل شيء.
فإذا، تمام الخروج من التقليد إلى الإبداع حصل مع الرسول عليه الصلاة والسلام. وأقول هنا: حصل ما يمكن أن أسميه، ولفظ استعمله المتقدمون، تتوير العقل. العقل يتّور. تتوير القرآن في حديث مشهور: {تَوَرَّوْا الْقُرْآنَ}. الانتقال من التقليد إلى الإبداع، كمال الخروج من التقليد إلى الإبداع هو تتوير العقل. والرسول عليه الصلاة والسلام أتى بتتوير العقل.
ثم تمام الخروج من الخمول أو الكلالة إلى الانبعاث، كما قلنا، هو الإرادة، هو تتوير الإرادة. تتوير الإرادة حصل مع الرسول عليه الصلاة والسلام. هذا التتوير للإرادة، سأبين لكم ذلك. أولًا، كيف صوّر الرسول عليه الصلاة والسلام، أو كيف كان عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم تَوَريًا بالمعنى الذي يقال تتوير القرآن؟ يعني، نفاد فيه إلى أقصى ما يمكن، أو استخراج أقصى ما يمكن من المعاني. فكمال العقل، أو تتوير العقل، يتحقق في العقل النبوي. وكذلك كمال الأمانة عند الرسول تتحقق في الإرادة النبوية.
فكيف، إذن، يتحقق كمال العقل في العقل النبوي؟ يتحقق أولًا في الصدق. الصدق ينزل منزلة المركز من الدائرة. فهو قيمة مخصصة. مثلًا، لو جمعنا الأخلاق كلها، فالصدق يكون، وجمعناها في دائرة أو في كرة، فالصدق يكون بمنزلة المركز، بحيث يمكن أن تقول: صدق الصبر، صدق الشكر، صدق الحلم، صدق كذا وصدق كذا. بمعنى، يكون الصدق مخصصًا لكل قيمة من القيم الممكنة. صبر، صدق الصبر، مخصص للصبر. إذا كان الصدق ينزل من الدائرة منزلة المركز، فإن الأمانة تنزل منزلة المحيط، محيط الدائرة. بمعنى أنها شاملة للأخلاق كلها، بحيث تقول: الصبر أمانة، والحلم أمانة، وهكذا. وتقوم بدور التعميم. يعني، الصبر يصبح داخلًا في دائرة العموم.
فلاحظوا، الصدق يخصص القيم، بينما الأمانة تعمم القيم. الأمانة شاملة كل الأخلاق كلها، والصدق شامل لها مركزيًا، بينما الأمانة شاملة لها محيطيًا. هذه نقطة. بمعنى، الصدق مخصص، والأمانة معممة. وكمال الصدق عند الرسول، ماذا يعني؟ يقتضي حفظ الحق. عند الرسول عليه الصلاة والسلام، يقتضي حفظ الحق. والحق عند الرسول، ما هو؟ أرجوكم، سؤال أضعه لكم: ما هو الحق عند الرسول؟ هو وحدانية الله سبحانه وتعالى. لا حق فوق ذلك الحق. حينما يقال: الصدق حفظ الحق عند الرسول، عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو حفظ الوحدانية الإلهية، التوحيد.
لذلك، يمكن أن أستنتج من الصدق التوحيد. وقد سُمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووُصف بأنه الصادق. وحينما يقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق، وهو في الجاهلية، فإن الجاهلي حينما يقول له الصادق، كأنه يقر بأنه موحد لله، يقر بالرسول موحدًا لله من حيث لا يدري. فكون يعبد الله من حيث لا يدري، فأهل الجاهلية كانوا يوحدون الله من حيث لا يدرون، عن طريق وصفهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق. فتأملوا هذا الأمر بعمق، وأوجدوا الحجج التي تؤيد والتي تكذب. وأنا متأكد أنكم ستجدون الحجج المؤيدة أكثر من تلك التي تكذب.
فالرسول، حينما يُنادى صادقًا، كان يقول: يا موحد. ولذلك، يمكن أن أستنتج من الصدق كل قيم العقل. كما قلت لكم، كمال العقل يمكن استنتاجها كلها من هناك: الإيمان، العبودية، وما إلى ذلك. بقي، سأختم، ما دقائق.
أما كمال الأمانة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالأمانة تقتضي حفظ الواجب عند الرسول صلى الله عليه وسلم. والواجب عنده هو إعطاء الحق حقه. ضرورة، رابط بين الحق على مستوى العقل والحق على مستوى الأمانة. إعطاؤه الحق، ما عاد الأمر فقط إدراكًا، بل عمل. إعطاء ذي الحق حقه، بمعنى آخر، هي العدل. فكما قلنا إن الصدق يفضي إلى التوحيد، فكمال الأمانة عند رسول الله يفضي إلى العدل.
هنا، لا ننسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوصف أيضًا في الجاهلية بالأمين. وحينما ترجعون إلى قصص الرسول، حيث إنه في المواقف التي نودي فيها بالأمين، كانت مواقف أقام فيها العدل. قصص الرسول في هذا الأمر معروفة في السيرة. وإذا فكرنا، لاحظوا، فكرنا في هذه الأوصاف التي وُصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصدق والأمانة. الصدق نولد منه جميع القيم العقلية، والأمانة نولد منها جميع القيم الإرادية أو العملية. جميع القيم العملية نولدها من الأمانة.
فماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، وهو يتنزه في عالم الصدق وعالم الأمانة؟ الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن ينشئ الصحابة على الصدق وعلى الأمانة، وعلى كمال الصدق وكمال الأمانة. فتولى تربيتهم على كمال الصدق في مكة، وتولى تربية إراداتهم في المدينة. بحيث يكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم طور مكة مخصصًا لتربية أصحابه على الصدق، تربية عقولهم على الصدق، والمدينة، وجوده في المدينة، تربية إرادات أصحابه على الأمانة.
وهكذا، أجد نفسي قد وافقت فطرة، وافقت الرسول عليه الصلاة والسلام. فأشبه الطور التداولي عندي الفكرة الطور المكي من حياة الرسول، حيث اقتديت به فطرة. كما أشبه الطور الائتماني من فكري الطور المدني من حياة الرسول، حيث اقتديت به فطرة أيضًا. وقبل ذلك، وإن الطورين أيضًا ابتدأت به على المستوى الشرعي أيضًا قبل ذلك. ولكن حاولت أن أبين كيف أن فطرتي جاءت بعد شرع الرسول عليه الصلاة والسلام، فكانت هناك الموافقة بين فطرتي وبين هذه الطريقة التي تبعتها، بين الإشكالات الحياتية التي اعترضتني في حياتي الفكرية. فهي حياة مقتدية برسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم فطرة وشرعًا.
ومن هنا انتهيت إلى نتيجة لم أكن أنا أول من قال بها، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نبيًا بالفطرة قبل البعثة، وأصبح نبيًا بالشرعة بعد البعثة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. جزاكم الله خيرًا، بارك الله فيكم، أكرمكم الله وزادكم من فضله.
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الأمين. أشكركم جزيل الشكر على هذه الأسئلة الدقيقة والمركزة التي أصابت كبد الحقيقة، وتدل على همتكم العالية وعقلانيتكم الناهضة. سأجيب بإيجاز وبنفس الأسلوب، معتمدًا على التداولية والائتمانية، لأن العقلانية تبدأ بتحديد الأهداف، ثم اختيار الوسائل، لا أن تُحصر في الوسائل دون أهداف كما يفعل كثيرون اليوم.
السؤال الأول: علي جبلي من اليمن
**الشق الأول: علاقة الفلسفة بالتصوف وقضايا الأمة**
التصوف هو الأصل، والفلسفة فرعه. التصوف ليس مجرد طرقية، بل حركة تربوية تأملية عبادية، تبحث عن الحكمة. جاءت الفلسفة وأخذت جانب التفكر، لكنها جردته من التفكّر إلى تفكير. التفكّر قرآني: {أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ}، يعني تبيّن المعاني في الآيات المكتوبة والمستورة والكونية. أما التفكير فجاء مع الجاحدين: {فَتَفَكَّرَ وَقَدَّرَ} كما في قصة الوليد بن المغيرة. فالتصوف أوتي الحكمة، والفلسفة فصلت التفكر عن العمل، فأصبحت مجرد تفكير.
أما قضايا الأمة، فالفيلسوف الحقيقي هو من يضع مفاهيم للمقاومة والنهضة. لكن مقولات الفلسفة الغربية التي يستعملها كثيرون اليوم تحد من التفكير في قضايا الأمة، لأنها مقولات الغير، لا تنبع من واقعنا. حاولتُ أن أضع مفاهيم مثل "الثغر" في كتاب *حوار المرابطة*، ليس فقط كمكان دفاعي، بل كموقع فكري نقاوم به أفكار العدو. كل واحد منا ينتصب في ثغر حسب قدراته، لنرتقي فكرًا وعملًا. إخواننا في غزة أعظم عملًا منا، وهم يتفوقون فكرًا، لأن أفعالهم تنطق بالتفكّر العميق والصبر والأمانة.
**الشق الثاني: حضور الفلسفة في المدارس الإسلامية المعاصرة**
حضور الفلسفة ضعيف جدًا في المدارس الإسلامية، سواء التعليمية أو الحركية، خصوصًا في المشرق. السبب هو الجمود على النقل، والتقليد، وعدم تجديد الفكر. حتى في المغرب، حيث الفلسفة أقوى نسبيًا، تبقى محدودة. المدارس تميل إلى البنيوية أو التفكيكية أو الماركسية بشكل سطحي، دون إبداع مفاهيم جديدة. الحل هو تجديد المدارس بمقولات تنبع من عقيدتنا ولغتنا، لنبني فلسفة تخدم الأمة، لا أن نتبع الغرب.
السؤال الثاني: أنس يلمن
**الربط بين الإدراك والاستعمال والأمانة، وكيف نبدع عمليًا**
الإدراك هو نطاق العقل، والاستعمال هو نطاق الإرادة. الأمانة تجمع بينهما، لأنها مسؤولية شاملة. اخترت لفظ "استعمال" وليس "استخدام" لأن الاستعمال يحمل معنى العمل الإرادي، بينما الخدمة قد تكون جزءًا من العمل. الإرادة هي قوة أخلاقية، لأن من يريد دون عمل لا يريد حقًا.
كيف نبدع عمليًا؟ بالتفاني في العمل حتى نتشبع به. عندما نستغرق في العمل، تنفتح عقولنا لأفكار جديدة. إخواننا في غزة مثال حي: عملهم المقاوم فتح آفاقًا فكرية، لأن العمل يحوّل الفكر. فالإبداع العملي يبدأ بتغيير أنفسنا ومحيطنا، حتى تنطق جوارحنا وأفكارنا بالعمل.
السؤال الثالث: محمد
**علاقة فكري بإسلامة المعرفة**
إسلامة المعرفة، كما طرحها الشهيد إسماعيل الفاروقي رحمه الله، مجهود عظيم، لكنه لم يحقق ثماره بعد أربعين سنة. السبب أنها أضافت الإسلام إلى علوم ليست إسلامية، دون أن تبني فلسفة إسلامية أصيلة. أنا أقول: يجب تحرير طريقة تفكيرنا وتعاملنا مع الأشياء بما يستجيب لمقتضياتنا العقدية والوجودية. إذا بنينا فلسفة تداولية وائتمانية، تنبع من لغتنا وعقيدتنا، فستأتي إسلامة المعرفة تلقائيًا. المشكلة أننا نأخذ علوم الغير دون أسس فلسفية خاصة بنا.
السؤال الرابع: عبد الكريم من المغرب
**الحداثة والنهضة الأخلاقية**
الحداثة الغربية فصلت الأخلاق عن الدين، لكنها تستعير مفاهيم دينية بطريقة مقنّعة. النتيجة: انقلاب القيم. الظلم يُصفق له، والكذب يُمجد، كما نرى في أكثر البلدان "تقدمًا". أما النهضة الأخلاقية الإسلامية، فلا تأتي إلا من السيرة النبوية، لأنها تحمل قيمًا عالمية تنبع من الصدق والأمانة. الصدق يخصص القيم، والأمانة تعممها. لو بنينا مناهج على هاتين القيمتين فقط، لأنشأنا أمة مبدعة عقلًا وعملًا.
السؤال الخامس: بكر شيخ من فلسطين
**شكل التجديد الأخلاقي وعلاقتي بوائل حلاق**
التجديد الأخلاقي ينبع من السيرة النبوية، لا كأحداث متتالية، بل كمعانٍ وقيم تفتح آفاقًا إنسانية. الصدق يولد القيم العقلية، والأمانة تولد القيم العملية. لو ربّينا نشءنا على هاتين القيمتين، لكفانا. وائل حلاق في كتابه *الدولة المستحيلة* أكد أن الأحكام الشرعية تحمل قيمًا، وإذا لم تحقق القيم، فهل تبقى صالحة؟ أنا أتفق معه في أهمية القيم، لكنني أذهب إلى أن الأمانة هي أساس الأخلاق الإسلامية، وهي مسؤولية عالمية. حلاق يدرس فكري في جامعة كولومبيا، وهذا يدل على تقاطع في رؤيتنا حول الأخلاق كأساس للشريعة، لكنني أركز على التأسيس الفلسفي الإسلامي من خلال التداولية والائتمانية.
السؤال السادس: سالم زيد من اليمن
**وجهة نظري تجاه مشروع السعيد النورسي**
النورسي رحمه الله لم يكن صاحب مجردات، بل شحذ الإرادات في زمن كان يحتاج إلى إحياء العمل. لغته جاءت لتحريك الإرادة، لا العقل فقط. كل زمان له حكمة: تارة للعقل، وتارة للإرادة. النورسي كان في زمن الإرادة، فأحيا القلوب بالعمل والإيمان. مشروعه مجدد، لأنه ربط الأمانة بالعمل، وهذا يتماشى مع رؤيتي الائتمانية. فائدته في عصرنا أنه يذكرنا بأهمية العمل الإرادي لإنقاذ الأمة.
السؤال السابع: عن الصدق والرحمة
الصدق يرتبط بالتوحيد، لأن أصدق من الله قولًا؟ الصدق الحقيقي لا يكتمل إلا بالتوحيد، لأن التوحيد هو الحق الأعلى. من يصدق دون توحيد، صدقه ناقص، لأنه أغفل عنصرًا مقومًا من الصدق. أما الرحمة، فهي قيمة مركزية، لأن الله وصف نفسه بها، والرسول عليه الصلاة والسلام جاء رحمة للعالمين. الرحمة تعمم كالأمانة، لكنها أعلى، لأنها من أسماء الله الحسنى. الصدق يقود إلى التوحيد، والأمانة إلى العدل، والرحمة إلى العموم الإنساني. فالرحمة تجمع القلوب وتفتح الآفاق، كما نرى في إخواننا في غزة.
السؤال الثامن: أصل الإنسان خير أم شر؟
أصل الإنسان الفطرة، وهي ميل إلى الخير. لكن الأمانة جعلته ظلومًا جهولًا إذا أخل بها. فميله إلى الخيانة أقرب من ميله إلى الأمانة، كما حدث مع آدم عليه السلام. لكن بالتربية على الصدق والأمانة، يغلب الخير. الأمة اليوم تحتاج إلى إحياء هذه القيم لتعود إلى فطرتها.
خاتمة
أشكركم على هذه الأسئلة الهادفة. أدعوكم إلى تحديد ثغوركم الفكرية والعملية، لأن الأمة بحاجة إلى إبداع بديل. لا تنقضوا إلا ببديل، لأن الإبداع هو إتيان الجديد. أما كتبي، فبعد كتابتها أنساها، لأنني أكتبها لوجه الله، لا لشهرة أو سلطة. إن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فأنا بشر أقر بخطئي. الأمة بخير لأن شبابها هادفون، وستتحول هذه الأفكار إلى مناهج تنهض بالأمة إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. جزاكم الله خيرًا.
تعليقات
إرسال تعليق