أحمد زويل (١): عصر العلم

مرحبًا بكم مجددًا، وأدعوكم لتحية الدكتور أحمد زويل بحفاوة!

نحتفل اليوم بمناسبة ثقافية مميزة في المملكة العربية السعودية، وكما سمعتم في برنامج "Great Minds" أو "العقول المبدعة"، فإن لديّ قناعة راسخة وأعلم جيدًا أن العالم العربي يزخر بعقول مبدعة، على غرار العالم أحمد زويل. بالنسبة لي، تمثل مدينة الرياض أهمية خاصة وقيمة عاطفية كبيرة، إذ كان أول لقاء لي معها في عام 1989، عندما جئت لتسلم جائزة الملك فيصل، وكنت أول عربي يحصل عليها في مجال العلوم أو الطب. لكن الرياض ارتبطت أيضًا بذكرى شخصية مميزة، ففي تلك المناسبة نفسها، رتب القائمون على جائزة الملك فيصل لقاءً مع من أصبحت زوجتي لاحقًا، وما زلنا معًا منذ عام 1989 حتى اليوم. لذا، أتقدم بالشكر لمدينة الرياض ولمؤسسة الملك فيصل العالمية.

هذه المناسبة اليوم تأتي في سياق هام جدًا، إذ أشعر شخصيًا بمشاركتي في التغيير الكبير الذي تشهده المملكة العربية السعودية، لا سيما في مجالي التعليم وتطوير البحث العلمي. ربما يعرف بعضكم أنني عضو في المجلس الاستشاري الذي شُكّل لإنشاء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا. ولقد كان لي شرف كبير، رغم أن الظروف الشخصية حالت دون لقائي بالملك عبد الله في أكتوبر الماضي، أن ألتقي اليوم بالأمير سلمان، وأن أستمع منه مباشرة إلى رؤية المملكة للمستقبل، تلك الرؤية التاريخية التي ناقشناها لأكثر من ساعة ونصف، حيث تحدثنا عن الأوضاع العربية والعالمية.

عنوان محاضرتي اليوم، كما هو باللغة الإنجليزية "State of the Art"، يتناول حالة العالم العربي والإسلامي، وقد يختلف قليلًا عن ما ورد في الكتيب الذي بحوزتكم، والذي لم أره بعد، لكنني سأتحدث بكل صراحة كعادتي. في الإعلام العربي، دائمًا ما أقول ما أعنيه، وأحب أن أناقش الموضوعات بعمق. حالة العالم العربي معروفة للجميع، فلا داعي لمحاضرة مطولة حولها، إذ إنها واضحة تمامًا. لكنني أعتقد أن هناك ثلاثة أسئلة محورية يجب طرحها إذا أردنا أن نكون أمناء في فهمنا لحالة العالم العربي:

السؤال الأول: أين نحن الآن على الخريطة العالمية؟ يجب طرح هذا السؤال بكل وضوح.
السؤال الثاني: كيف يستطيع الإنسان بشكل عام أن يحقق نقلة حضارية، من حالة التخلف أو عدم التطور إلى حالة التطور السريع؟ قد أقدم بعض الأمثلة من تجربتي الشخصية.
السؤال الثالث: كيف يمكن للعالم العربي والإسلامي أن يصنع التاريخ ويحقق النقلة إلى ما يُسمى بالعالم الحديث أو المتطور؟

سأتناول بعض النقاط الرئيسية للإجابة على هذه الأسئلة، بدءًا بالسؤال الأول. أرجو ألا يُفهم كلامي على أنه نظرة متشائمة، فأنا دائمًا أقول: من يعاني من السرطان لا يمكن علاجه بالأسبرين، بل يجب تشخيص المرض بدقة وعلاجه بطريقة علمية وأمينة. لكننا، والحمد لله، لا نعاني من سرطان، وهذا ليس تشاؤمًا، بل محاولة لتوضيح الرؤية حول كيفية تحقيق نقلة تاريخية.

إذا نظرنا إلى التعليم، وهو الوضع الحالي في العالم العربي، وأنا مهتم بهذه القضية منذ ما قبل حصولي على جائزة نوبل، ربما منذ حوالي عشرين عامًا، فأنا مَعني بقضية التطور في العالم العربي والإسلامي، ولديّ فكرة واضحة عن بعض الجوانب. في مجال التعليم، بدأت نسبة الأمية في بعض الدول العربية تنخفض قليلًا، لكن وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، لا يزال حوالي 30% من سكان العالم العربي، أي ما يقرب من 300 مليون شخص، لا يجيدون القراءة والكتابة. في العالم المتقدم اليوم، يُعتبر الأمي هو من لا يجيد استخدام الحاسوب. وفي آخر إحصائية رأيتها، لا توجد أي جامعة عربية ضمن قائمة أفضل 300 أو 500 جامعة عالمية. للأسف، لا يوجد في العالم العربي معهد علمي أو مؤسسة بحثية قوية بمستوى معهد "وايزمان" في إسرائيل، على سبيل المثال. هناك جهود فردية كثيرة ومحاولات مشجعة، وقد رأيت بعضها اليوم وفي دول عربية أخرى، لكنني أتحدث هنا عن موقعنا على الخريطة العالمية.

فيما يتعلق بالاقتصاد العربي، أرجو من السادة الحضور تجنب استخدام الهواتف المحمولة لأنني أركز بشدة أثناء حديثي معكم. بعض الدول العربية تمتلك اقتصادات قوية، لكن العالم العربي ككل يُعتبر من بين الأقل عالميًا من حيث نصيب الفرد من الدخل القومي. كما أن مشاركتنا الفعالة في الاقتصاد العالمي محدودة جدًا. لا أعتقد أن هناك منتجًا عربيًا بارزًا في الأسواق العالمية يمكننا أن نفخر به، على غرار "سامسونج" أو "سوني" أو "مرسيدس بنز". لا يوجد منتج عربي مميز حتى الآن، وهذا يعود إلى التحديات التعليمية والعلمية والاقتصادية.

أما على المستوى السياسي، فلا أريد أن أقول إن موقعنا ضعيف أو خفيف، لأن القوة هي التي تحدد المكانة السياسية في عالم اليوم. العواطف والشعارات لا تجدي نفعًا في هذا العالم. إذا نظرنا إلى الخريطة العالمية، نجد أن معظم المشكلات العالمية تتركز في منطقتنا، سواء في العراق أو لبنان أو السودان وغيرها.

هل هذه المشكلات التي ذكرتها، والتي هي مؤلمة، ناتجة عن كوننا عرباً أو مسلمين؟ هذا سؤال يطرحه البعض، وقد كتب عنه كثيرون، مثل برنارد لويس وغيره. أقول بكل تأكيد: لا. لقد كتبت مقالات حول هذا الموضوع، نُشرت في كتب ومجلات، وأؤكد أن هذه المشكلات ليست مرتبطة بجوهرنا كعرب أو مسلمين. لماذا؟ لأنني أتحدث بطريقة فكرية وعلمية، وليس بعاطفة. أولاً، من الناحية الجينية، فإن الحمض النووي (DNA) لدى الإنسان العربي مشابه بنسبة 99% لما هو موجود لدى البشر في أي مكان آخر، حتى القرود تشترك معنا في خصائص جينية متقاربة. فمن غير المعقول أن نكون مختلفين جوهريًا عن الغرب في سلوكياتنا أو إنجازاتنا. ثانيًا، عندما يخرج العربي من بيئته ويعمل ضمن نظام واضح ومنظم، فإنه يبدع. والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، كما تعلمون.

بالنسبة للإسلام، هناك آلاف المقالات في الغرب، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، تدعي أن الإسلام بطبيعته قد يعيق التقدم أو الإنتاجية. لقد كتبت عدة مقالات أنفي فيها هذا الادعاء، وأقول إنه مستحيل لعدة أسباب. أولاً، إذا نظرنا إلى إنجازات المسلمين قبل ألف سنة، نجد أنهم كانوا في صدارة العلم والتكنولوجيا، بينما كانت أوروبا تعيش في تخلف. في مؤتمر صحفي عقد قبل ساعة، ذكرت أنني كنت أشاهد مع عائلتي سلسلة "ربيع قرطبة"، التي تُظهر الحضارة الإسلامية الرائعة في قرطبة. في تلك الفترة، كان الأوروبيون يستدعون الأطباء المسلمين من قرطبة لعلاج العائلات الحاكمة في أوروبا، لأنهم كانوا الأكثر تقدمًا. ثانيًا، لدينا علماء عظماء مثل ابن الهيثم، وجابر بن حيان، وابن سينا، وابن خلدون، الذي أسس علم الاجتماع. هؤلاء كانوا مسلمين، وكان الإسلام في أوجه عظمته في تلك الفترة.

انظروا إلى ماليزيا، التي زرتها الصيف الماضي والتقيت فيها برئيس الوزراء الدكتور محمد بدوي. في السبعينيات، كانت ماليزيا تعتمد على إنتاج القصدير والمطاط، وكانت نسبة الفقر فيها تصل إلى 57%. اليوم، أصبحت ماليزيا من الدول المتقدمة، حيث انخفضت نسبة الفقر إلى مستويات شبه معدومة، وهي في طريقها لتصبح من الدول الرائدة، رغم أن 58% من سكانها مسلمون. هذا يثبت أن المشكلة ليست في الإسلام.

إذن، ما الذي أدى إلى الوضع الحالي؟ أعتقد أن هناك عدة عوامل، ولن أخوض في التفاصيل لأنني أريد التركيز على الجوانب العلمية المثيرة التي يتجه إليها العالم. أعتقد أننا تأخرنا كثيرًا بسبب مشكلات التعليم، الذي أصبح جامدًا وغير ديناميكي، ولم يتغير مع تطور الشعوب والحضارات والصناعات والتكنولوجيا. اعتمدنا على الحفظ والتلقين، ولم ندرك أن التعليم الحديث يحتاج إلى تنمية الفكر وتعزيز الإبداع منذ مرحلة الحضانة حتى الجامعة. كما أن هناك ما أسميه باللغة الإنجليزية "Cultural Confusion"، أو "اللخبطة الثقافية". في مصر، على سبيل المثال، تربيت في بيئة غنية بالثقافة، حيث كان لدينا أمثال طه حسين والعقاد، وفي الفن أم كلثوم وعبد الوهاب، وفي العلم الدكتور مصطفى مشرفة ومدارس علمية كبيرة. لكن حدثت لخبطة ثقافية أدت إلى تراجع هذا الإنتاج الثقافي. هناك أيضًا مشكلات سياسية، فمنطقتنا حساسة جدًا بسبب الحروب والاستعمار الذي طال مناطق مثل الشام والعراق ومصر، مما ساهم في التأخر الذي نراه اليوم.

كيف يمكن للفرد أن يرتقي بنفسه؟ دائمًا أسأل نفسي هذا السؤال، خاصة أمام الطلاب والطالبات الحاضرين بأعداد كبيرة. حتى على المستوى الشخصي، يواجه الإنسان تحديات، وأريد أن أشارككم بعض المحطات في حياتي، كما وردت في كتابي "عصر العلم". أنا شخص قادم من بلد نامٍ، كما رأيتم في الفيلم الخاص بجائزة نوبل. قلت فيه إنه لو كانت جائزة نوبل موجودة قبل ثلاثة آلاف سنة، لكانت مصر حازت على 90% من الجوائز، لأنها كانت القوة العظمى آنذاك. فكيف استطاع شخص مثلي، قادم من بلد نامٍ، أن يحقق إنجازًا في بلد متقدم؟

أعتقد أن هناك عدة محطات مهمة، خاصة للشباب والشابات الحاضرين. أول محطة هي التربية والتعليم الأولي الذي تلقيته في مصر، والذي شكّل جزءًا أساسيًا من شخصيتي. لا يمكن تشكيل شخصية قوية دون تعليم جيد، مبادئ راسخة، وقناعات واضحة. تربيت في بيئة كان المسجد فيها محورًا مركزيًا، مثل مسجد سيدي إبراهيم الدسوقي، الذي لم يكن مكانًا للصلاة فحسب، بل مركزًا للقاءات الفكرية والعلمية. أتذكر كيف كنا نجتمع في رمضان بعد الإفطار حتى السحور لدراسة الرياضيات والفيزياء، بعيدًا عن الأفكار الجامدة أو الدوغمائية. هذه القيم الأسرية والاجتماعية والدينية التي منحتني إياها مصر كانت أساسًا متينًا.

المحطة الثانية كانت انتقالي إلى أمريكا. كنت الأول على دفعتي في مصر، وسافرت للحصول على الدكتوراه، بهدف العودة للتدريس في الجامعة. في أمريكا، وجدت بيئة تشجع على التفوق، حيث يوجد نظام يسعى لاختيار الأفضل ودعمه. لا توجد اشتراكية أو شيوعية في الإبداع هناك، بل يتم غربلة المواهب بعناية لاختيار الأفضل. هذا المناخ ساعدني على تعلم العلوم الحديثة بالطريقة الصحيحة، دون الاعتماد على الحفظ أو الأبحاث الروتينية للترقية. كانت المكتبات تعمل بكفاءة، والمعامل مجهزة، والتعاون يعتمد على العمل الجماعي. أتذكر عندما كنت معيدًا في الإسكندرية، كنا نحتفظ بالمواد الكيميائية الثمينة في مكاتبنا تحت حراسة مشددة خوفًا من السرقة. لكن في أمريكا، وجدت المواد متاحة بسهولة، وتعلمت أهمية التعاون والثقة بين الباحثين.

المحطة الثالثة كانت تحقيق الاكتشافات العلمية الكبرى. لا تصدقوا من يدعي أنه حقق إنجازًا بمفرده. العالم الحقيقي يعترف بأهمية العمل الجماعي. عندما ألقي محاضرة، أحرص دائمًا على الإشارة إلى زملائي الذين ساهموا معي، وهذا جزء من الأمانة العلمية. لقد عملت مع أكثر من 200 باحث حتى حصولي على جائزة نوبل، وهم الآن حوالي 300. هذا يعني أن الإنجاز العلمي يتطلب منظومة متكاملة. في معهد كالتك، حيث أعمل، يوجد 280 عضو هيئة تدريس فقط، لكنهم مختارون بعناية، وقد حصل المعهد على 34 أو 35 جائزة نوبل. هذا يدل على أن النجاح لا يعتمد على الأعداد، بل على وجود منظومة متكاملة تدعم الإبداع.

 ### النص المصاغ بنفس الأسلوب باللغة العربية الفصحى:

أما النقطة الثانية، فهي كيف يستطيع الفرد أن ينتقل من منظومة إلى أخرى، وأن يغير من حاله، ويحقق إنجازًا يعترف به العالم؟ وكيف يمكن للدول، وبالأخص العالم العربي والإسلامي، أن تحقق ذلك؟ لقد كتبت مقالتين حول هذا الموضوع، نُشرت إحداهما في صحيفة "النهار" اللبنانية بترجمة الأستاذ غسان تويني، والأخرى في صحيفة "المصري اليوم" بمصر، وتمت ترجمتهما في لندن. تناولت الأولى كيفية نهوض العالم العربي، بينما ركزت الثانية على ضرورة تعامل الغرب مع الإسلام بطريقة منصفة. أرجو من الحضور الكريم تجنب استخدام الهواتف المحمولة خلال حديثي.

في هاتين المقالتين، اقترحت ثلاثة محاور رئيسية للخروج من الوضع الحالي. أولًا، التغيير السياسي. يعلم الجميع في هذه القاعة أن هناك عوامل سياسية جوهرية يجب أن تتغير. لا أرغب في الخوض في التفاصيل الليلة، لكن قضايا مثل صياغة دساتير عادلة، وتطبيق القانون، وغيرها، تحتاج إلى نظرة جديدة وصادقة، من أجل مستقبل أبنائنا وضمان وضوح الرؤية أمامهم.

ثانيًا، النهضة الثقافية والحضارية. نحن بحاجة إلى نهضة شاملة في التعليم والإعلام. أستغرب أن أقول هذا، لكن التعليم في العالم العربي لا يزال يعتمد على السبورة والتلقين التقليدي، بينما بعض الدول الغنية تمتلك تقنيات إLECTRONIC متقدمة، لكن هذا ليس جوهر المسألة. ما أعنيه هو أن التعليم الحديث يجب أن يركز على استغلال أعظم هبة منحها الخالق للإنسان، وهي العقل البشري، وليس الحفظ والتلقين، أو اجتياز الامتحانات بتفريغ الإجابات في أوراق الإجابة للانتقال إلى العام الدراسي التالي. أعلم جيدًا أن هناك مشكلات كثيرة في العالم العربي، وجهودًا لمعالجتها، لكن قضية التعليم، كما قلت سابقًا، هي قضية أمن قومي.

أما الإعلام، فأنا عاشق للفن، وأحب غناء السيدة أم كلثوم، وأشاهد الأفلام، وأزور المتاحف مع عائلتي، لأن الفن جزء لا يتجزأ من تركيبتنا الإنسانية. لكن أن يكون لدينا في العالم العربي أكثر من 300 أو 400 قناة فضائية تركز على الفيديو كليب والتسلية، فهذا أمر يسطّح العقل البشري بدلاً من تغذيته. بعضهم يظن أن هذا تقدم علمي، أو أن إطلاق أقمار صناعية أو امتلاك قنوات فضائية هو دليل على التقدم. لكن في القرن الحادي والعشرين، لا يمكن أن نفكر بهذه الطريقة. أنتم تعلمون أن 90% من هذه القنوات تهتم بمحتوى تافه. فأين هي المحطات الثقافية التي تناقش إلى أين نحن ذاهبون، وإلى أين يتجه العالم، وتغذي العقل البشري بدلاً من تسطيحه؟ الإعلام بحاجة إلى ثورة حقيقية، خاصة من أجل أبنائنا. ابني، البالغ من العمر 13 عامًا، يتحدث معي عن الجينات والمريخ، وما إذا كان هناك ماء على المريخ أم لا، وأجد نفسي أحيانًا أحتاج إلى تحديث معلوماتي لأواكب نقاشه، لأنه يعتقد أن حصولي على جائزة نوبل يعني أنني أعرف كل شيء!

ثالثًا، الاستثمار في المستقبل. دعوني أشارككم بعض الأمثلة عن الاتجاهات العالمية الحديثة، وستدركون أنه إذا لم نستثمر في أبنائنا، فلن نساهم فقط في استمرار الوضع الحالي، بل ستتسع الفجوة بيننا وبين العالم المتقدم بشكل مخيف. على سبيل المثال، عندما زار الرئيس بيل كلينتون معهد كالتك بمناسبة جائزة نوبل، ألقى خطابًا رائعًا يعد من أعظم الخطب التي سمعتها من رؤساء الدول، تحدث فيه عن مستقبل أمريكا في ضوء البحث العلمي للقرن الحادي والعشرين. أمريكا، وهي الدولة المتقدمة، تعبر عن مخاوفها من التطور العالمي، وتسعى لتكون جزءًا منه بسرعة كي لا تفوتها الفرصة. فكيف بنا نحن؟

لنلقِ نظرة على أين يتجه العلم والتكنولوجيا. هناك ثلاثة مجالات رئيسية تهم الإنسان: الصحة، التعليم، والدفاع. دعوني أعطيكم أمثلة سريعة. في مجال الصحة، كان المصاب بالزهايمر أو السرطان في الماضي يُترك حتى ينتهي أجله دون حلول فعالة. اليوم، يقول العالم المتقدم: لا، يجب أن نعالج هذه الأمراض بطرق حديثة، ليس بنقل الأعضاء أو التشخيص التقليدي، بل بفهم مصدر المرض على مستوى الجزيء والذرة. على سبيل المثال، مرض الزهايمر ينتج عن بروتين (بريون) يتغير شكله بشكل خاطئ، فيتحول من جزيء حيوي يساعد على الذاكرة إلى مادة شبيهة بالبلاستيك، تترسب في الدماغ، مما يبطئ الاتصالات العصبية ويضعف الذاكرة. العلم الحديث يدرس هذه العملية على مستوى الذرة لفهمها ومعالجتها. في أبحاثنا بعد نوبل، نحاول فهم كيفية حدوث هذه التغيرات في الخلايا الحيوية، وكيف يمكننا رؤيتها في الزمان والمكان، وقد حصلنا على براءة اختراع عالمية بهذا الشأن. هذا يعني أن الطب ينتقل من التشخيص التقليدي والجراحات إلى التحكم بالجزيئات، سواء عبر الخلايا الجذعية، أو الأدوية، أو معالجة الجينات منذ الولادة.

الدول النامية قد تبني مستشفيات فاخرة وغرف عمليات متطورة، لكن بدون قاعدة علمية وبحثية، ستظل متأخرة 50 عامًا عن العالم. لذا، أرى أن المنظومة العلمية المتكاملة لا تمنع وجود المستشفيات الحالية، لكنها تضمن مواكبة التقدم العلمي مع الغرب وآسيا.

في التعليم، هناك ثورة مذهلة. أنظر بدهشة إلى استخدام الهواتف المحمولة في العالم العربي لأغراض ترفيهية مثل الرسائل المرئية والتصوير، بينما العالم المتقدم يفكر في استخدام تقنيات متقدمة. على سبيل المثال، يعملون على رقائق إلكترونية صغيرة جدًا يمكن زراعتها في الدماغ لتعزيز الذاكرة، خاصة مع التقدم في العمر، مما يدمج الكربون البشري مع السيليكون الصناعي. إذا نجحت هذه التقنية، فستغير مفهوم التعليم جذريًا، حيث لن يكون الحفظ ضروريًا، بل ستتغير تعريفات الذكاء. اليوم، السبورات أصبحت رقمية، ويمكنك الوصول إلى أي معلومة من منزلك بنقرة واحدة، مثل معرفة موقع الرياض بدقة. في الماضي، كان الشخص المثقف هو من يمتلك كمًا هائلاً من المعلومات، لكن اليوم، مع الواقع الافتراضي والتقنيات ثلاثية الأبعاد، يمكنك تجربة المعامل العلمية دون مغادرة منزلك. التعليم أصبح ديناميكيًا ويتغير بسرعة، بينما لا يزال بعضنا يعتمد على الطرق التقليدية. على سبيل المثال، في كلية العلوم بمصر، كنا ندرس الفيزياء والنبات والحيوان، لكن في معهد كالتك، لم يعد هناك قسم للنبات والحيوان، بل أصبح جزءًا من البيولوجيا الحديثة، وتم استبدال التقسيمات التقليدية بدراسات متكاملة.

في مجال الدفاع، ثورة تكنولوجيا المعلومات غيرت كل شيء. في كالتك، كنا نشاهد صورًا من المريخ تصلنا بعد 15 دقيقة، رغم المسافة التي تبلغ ملايين الكيلومترات. تخيلوا قوة من يمتلك هذه التقنية، القادر على استعمار الكواكب، بينما لا يزال البعض يركز على تصنيع الدبابات أو طائرات إف-16، ظنًا أنها قمة القوة. اليوم، يمكن لمن يملك هذه التقنيات مراقبة تحركات الجميع من ملايين الكيلومترات. في الحروب المستقبلية، لن تكون الدبابات أو الطائرات هي الأساس، بل البكتيريا أو الفيروسات، كما رأينا في أزمة الأنثراكس بعد 11 سبتمبر. الدفاع الحديث يعتمد على مواد نانوية تصنع بدلات واقية أقوى من الحديد، كما أظهرت التجارب في معهد MIT. هذه ليست علومًا تقليدية، بل تقدم صاروخي يتطلب مواكبة.

أختتم بملاحظتين. أولًا، يجب أن نتعامل مع العالم الحديث كجزء لا يتجزأ منه. اليوم، العالم مترابط في الزمان والمكان، حيث يمكنك الاتصال بالمريخ في دقائق، أو السفر من الرياض إلى لوس أنجلوس في ساعات، وهو أمر لم يكن متخيلًا قبل 50 عامًا. اقتصاديًا، سياسيًا، وعلميًا، العالم متشابك. عندما أنشر بحثًا في مجلة مثل "Science" أو "Nature"، يتم إرساله إلى محرر في واشنطن، ثم إلى محكمين في إنجلترا، ألمانيا، وأمريكا، ويتم التحرير في كامبريدج، ثم التنسيق في بنغالور بالهند، وأخيرًا الطباعة في واشنطن. هذا لم يكن موجودًا قبل 30 عامًا. حتى الخدمات مثل أمريكان إكسبريس تعتمد على مراكز في الهند. العالم أصبح قرية صغيرة.

ثانيًا، لا يوجد شيء اسمه صراع الحضارات أو الأديان. العالم يعتمد على المصالح المتبادلة، وليس على الخلافات أو الأحقاد. إضاعة الوقت في نقاشات حول من هو العدو ومن هو الصديق، أو صراعات الأديان، لن تجدي نفعًا. ما حدث بعد 11 سبتمبر أظهر أن العولمة تشمل التعليم، الاقتصاد، والثقافة. الطالب السعودي يجب أن يكون قادرًا على منافسة الطالب الكوري أو الصيني أو الأمريكي. الاقتصاد يتطلب مستوى عاليًا للتعامل مع الدول المتقدمة. حتى الثقافات أصبحت متداخلة؛ فالثقافة اليابانية، مثل السوشي، أصبحت جزءًا من الحياة الغربية. التقدم لن يأتي بالهجوم أو الشعارات، بل بتقديم أنفسنا أولاً، ثم عرض إسهاماتنا على العالم.

أعود إلى بداية حديثي، وأقول إن الخروج من الوضع الحالي، وهو وضع معقول نسعى لتحسينه، والوصول إلى نهضة عظ Utilities: 1144px-Masjid_Sultan_Singapore.jpgعظيمة للعالم العربي والإسلامي يتطلب استثمارًا في المستقبل، وحرية الإبداع، وتحسين التعليم من الحضانة إلى الجامعة. أود أن أختم بمقولة من كتاب "ثروة الأمم" لآدم سميث، الاقتصادي والمفكر الشهير، الذي كتب عام 1776، وكان سابقًا لعصره بمئتي أو ثلاثمئة سنة. يقول: "لا تُقاس ثروة الأمة بتراكم الأموال، بل بقوة الإنتاج ومستوى معيشة أفرادها، وهذا لن يتحقق إلا بالاستثمار في العقل البشري."

---

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة