حامد عبد الصمد (١): لماذا انتصر توحيد "ابن تيمية" على توحيد "ابن عربي"؟

يأخذنا المقدم في رحلة فكرية عميقة تستعرض صراع الأفكار في الحضارة الإسلامية، متناولًا ثورتين فكريتين كبيرتين شهدهما العصر العباسي: ثورة التصوف وثورة الفلسفة. هاتان الثورتان، اللتين قلبا موازين الفكر الإسلامي، لم تكونا مجرد حركات فكرية، بل كانتا محاولات لإعادة صياغة العلاقة بين الدين والعقل، وبين الفرد والمجتمع، لكنهما اصطدمتا بجدار الفقه الذي خدم مصالح السلطة السياسية.

الفلسفة: من دعم الدين إلى كشف عوراته
بدأت الفلسفة في العصر العباسي كأداة لدعم الدين في الحوارات الفكرية بين المسلمين والمسيحيين واليهود، بهدف إثبات تفوق الإسلام وصلاحيته كدين عقلاني. لكن، مع مرور الوقت، انقلبت الأمور، وأصبحت الفلسفة تكشف التناقضات الفكرية في الإسلام، واضعة الفلاسفة في مأزق. المعتزلة، الذين رفعوا شعار تفوق العقل على النقل، واجهوا تحديات داخلية عندما أخذ بعضهم، مثل ابن الراوندي، هذه الفكرة إلى نهايتها المنطقية، فانتهى إلى رفض فكرة النبوة والوحي، معتبرًا إياها غير متسقة مع العقل، ليصبح ربوبيًا ينكر نبوة محمد.

التصوف: من الزهد إلى مواجهة السلطة
في المقابل، كان التصوف في جوهره يمثل فكرة الزهد والتقشف والحب الإلهي، لكنه سرعان ما اصطدم بواقع الحضارة الإسلامية القائمة على الجهاد والغزو وتجارة العبيد. هذا التناقض جعل التصوف يكشف عيوب المجتمع الإسلامي والخلافة، مما أدى إلى اضطهاد المتصوفة. فمتصوفون مثل الحلاج والسهروردي واجهوا الموت بسبب أفكارهم التي لم تتماشَ مع الفكر الإمبراطوري التوسعي ومزاج السلطة التي أرادت الدين خادومًا لها. وهكذا، انتصر الفقهاء، الذين استمدوا شرعيتهم من القرآن، على الفلاسفة والمتصوفة، لأن فقههم، كفقه ابن حنبل والشافعي، كان أقرب إلى النصوص الدينية التي دعمت السلطة.

ابن تيمية وابن عربي: صراع التوحيد
يبرز الصراع بين مفهومي التوحيد عند ابن تيمية وابن عربي كمثال حي على هذا التناقض. ابن تيمية، بمفهومه الضيق للتوحيد المتمحور حول مبدأ "الولاء والبراء"، دعا إلى تكفير كل من يخرج عن المذهب السني الحنبلي، بما في ذلك اليهود والمسيحيين والشيعة والمتصوفة. في المقابل، قدم ابن عربي رؤية أوسع وأعمق للتوحيد، مستندًا إلى فكرة وحدة الوجود، حيث يتجلى الله في كل شيء، وهي فكرة ألهمت لاحقًا فلاسفة يهود الأندلس مثل سبينوزا، الذي رأى أن الله والطبيعة واحد.

ابن عربي، في قصيدته الشهيرة "ترجمان الأشواق"، عبر عن تسامح فكري قل نظيره، قائلًا:  
*"لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني  
لقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان وديرٌ لرهبان  
وبيتٌ لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن  
أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني"*

هذا الكلام، الذي يعكس تسامحًا وانفتاحًا على الإنسانية، يتناقض مع فكر ابن تيمية الذي غذى الكراهية تجاه الآخر. لكن، رغم جمال أفكار ابن عربي، يطرح السؤال: هل استمدت هذه الأفكار من القرآن أم من الفلسفة الهندية التي انتقلت إلى العالم الإسلامي عبر التصوف؟

لماذا انتصر ابن تيمية والغزالي؟
يعزو البرنامج انتصار فكر ابن تيمية والغزالي على أفكار الحلاج وابن عربي والرومي إلى قربها من "الإسلام الأصلي" الذي يقسم العالم إلى مؤمن وكافر، ويرفض فكرة الأخوة والمحبة بين الشعوب. ابن تيمية، الذي عاش في زمن هجوم المغول وانهيار الحضارة الإسلامية، تبنى خطابًا متشددًا يخدم الحاكم الطاغية ويغذي الكراهية التاريخية تجاه الآخرين. في المقابل، كانت أفكار ابن عربي والرومي تنتصر للإنسانية، لكنها لم تجد قبولًا لدى السلطة أو الجماهير التي آثرت الخطاب الشعبوي.

التصوف: من الفلسفة إلى الخرافة
يتساءل البرنامج: هل يمكن أن يكون التصوف بديلًا للسلفية؟ الإجابة تأتي سلبية، لأن التصوف نفسه تحول، في ظل السلطة السياسية، إلى أداة لتخدير الشعوب. في القرن الحادي عشر، لاحظ الغزالي أن الفلسفة تجعل الناس يشككون في الدين، وأن التصوف المتأثر بالفلسفة يصرف الناس عن الجهاد، وأن الشيعة يستخدمون التصوف لنشر مذهبهم. فقرر "ضرب ثلاث عصافير بحجر واحد"، فكفّر الفلاسفة، وهاجم الشيعة، وأسس تصوفًا سنيًا أصوليًا يدعو للجهاد. هذا التصوف انتشر في الأندلس مع المرابطين، وفي مصر مع صلاح الدين الأيوبي الذي استخدمه لمحاربة التشيع.

في عهد المماليك، تحول التصوف إلى طقوس خرافية تركز على المقامات وكرامات الأولياء، ليصبح "أفيون الشعوب"، يخدم السلطان ويصرف الناس عن نقد الظلم. حتى حركات التحرر من الاستعمار، مثل السنوسية والمهدية، ربطت حب الله بكراهية الآخر، مستخدمة التصوف لتعبئة الناس ضد المستعمرين. وحتى الإنكشارية العثمانيون، الذين اشتهروا بقسوتهم، تربوا في خلوات صوفية قبل أن يصبحوا جنودًا.

التصوف الحديث: من الحلاج إلى الدروشة
في العصر الحديث، تحول التصوف إلى ما يشبه السلفية في عدم عقلانيتها ودعمها للسلطة. شخصيات مثل حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، والشيخ الشعراوي، ورجب طيب أردوغان، وحتى شيخ الأزهر أحمد الطيب، ارتبطوا بالتصوف، لكنه تصوف سلطوي يبرر ظلم الحاكم ويخدر الشعوب بالخرافات. فبدلًا من قصائد الحب الإلهي التي كتبها الحلاج وابن عربي، أصبح التصوف يروي قصصًا وهمية عن كرامات الأولياء، كما في قصة الشيخ علي جمعة عن ولي "أحب زوجته من مسافة 1300 كيلومتر".

لماذا فشل التصوف؟
يعزو البرنامج فشل التصوف الفلسفي إلى كونه جسدًا غريبًا عن "الإسلام الأصلي". خطابه النخبوي، المستمد من الفلسفة اليونانية والهندية، لم يستطع استمالة العامة، بينما نجحت الأصولية الإسلامية، المدعومة من السلطة، في فرض نفسها كممثل للإسلام الصحيح. التسلط السياسي جعل التصوف أداة في يد الحاكم، يخدم مصالحه ويمنع الشعب من التفكير أو المطالبة بالعدالة.

الحل: العلمانية والتصوف الإنساني
يخلص البرنامج إلى أن التصوف لا يصلح بديلًا للسلفية أو لمنظومة الأزهر، لأنه إذا تحول إلى مؤسسة سيفسد ويصبح سلطويًا. الحل، حسب البرنامج، يكمن في العلمانية التي تتيح للمسلم والمسيحي والبهائي والسني والشيعي والصوفي العيش جنبًا إلى جنب في سلام، دون تسلط أحدهم على الآخر. ويدعو إلى تصوف إنساني، يفتح القلب للبشرية كلها، بعيدًا عن الكراهية أو التعصب لعقيدة معينة.

خاتمة
يختتم البرنامج بدعوة المشاهدين للتفكير في هذا الصراع الفكري العميق، والاشتراك في القناة، وتفعيل الجرس لمتابعة الحلقات القادمة. كما يشير إلى كتاب "تاريخ مختصر للإسلام" المتوفر على أمازون كيندل وآبل بوكس، ويدعو لدعم القناة عبر منصة باترون. ويبقى السؤال: هل يمكن للإسلام أن يستعيد روح التفكير والمحبة التي جسدها ابن عربي والرومي، أم سيظل أسير فكر ابن تيمية والغزالي؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة