سيد جبيل (٢): لماذا تصر الصين على أنها دولة نامية؟
مساء الخير على حضراتكم، ونرحب بكم في حلقة جديدة من سلسلة "نعرف اقتصاد". موضوعنا الأساسي اليوم هو الصين. لماذا الصين؟ منذ أن تولى الرئيس ترامب منصبه، بل حتى قبل ذلك، كانت الصين تشكل هاجسًا كبيرًا للولايات المتحدة والعالم الغربي، وهي محل اهتمام حتى بالنسبة لدول العالم النامي. لكن منذ مجيء ترامب، كان تركيزه الأساسي، مثل سلفه، على استهداف الصين. الكلام كله يدور حول ما ستفعله الولايات المتحدة بالصين، لكننا نادرًا ما نسمع عن كيف تستعد الصين لمواجهة الولايات المتحدة، أو كيف يمكن أن تؤثر هذه المواجهة بين القطبين الأعظمين في العالم، على الأقل من الناحية الاقتصادية. لذا، للحديث عن هذا الموضوع، يسعدني أن أستضيف اليوم صديقي الدكتور ضياء حلمي الفقي.
لمن لا يعرف الدكتور ضياء حلمي الفقي، فهو أستاذ في علم الإدارة، واهتم بشكل مبكر جدًا بالصين وشؤونها، وآمن منذ وقت مبكر بضرورة أن تتجه الدول النامية، ومنها مصر، نحو التعاون مع الصين. الدكتور ضياء عضو في المجلس المصري للشؤون الخارجية، وهو الأمين العام المؤسس لغرفة التجارة المصرية الصينية. مساء الخير، معالي الدكتور.
**الدكتور ضياء**: مساء الخير لحضرتك، ربنا يخليك.
**المقدم**: لدي سؤال قبل أن نبدأ بالتفاصيل، لأن لدي ألف سؤال بالطبع. السؤال الأولي: قبل أن نتحدث عن الحرب التجارية أو تأثيراتها وما إلى ذلك، نحن نتابع منذ عامين على الأقل أن الصين تعاني من أزمة اقتصادية، وأن الأوضاع في الصين هي الأسوأ منذ أن أصبحت الصين ظاهرة اقتصادية بنمو 6% و8%. لكن في العامين الأخيرين، نسمع أن الاقتصاد الصيني يعاني. هل يمكن أن توضح لنا، يا دكتور، وبإيجاز، حجم الأزمة الاقتصادية بعيدًا عن التهوين أو التهويل؟
**الدكتور ضياء**: هذا سؤال مهم وبداية موفقة جدًا. حضرتك شخصية إعلامية مثقفة، وبالتالي الحوار معك سيكون سهلاً وممتعًا. بداية، سأفاجئك وأفاجئ المشاهدين: الصين ليست في أزمة اقتصادية أصلًا، تمامًا! دعني أوضح لك وللمشاهدين كيف ولماذا هي ليست في أزمة اقتصادية، لا في السنتين الأخيرتين ولا في العشر سنوات الأخيرة.
السبب هو أن الإعلام يهيمن عليه الغرب والعقلية الأمريكية. صحيح أننا، دون أن ندري، نستقي معلوماتنا عن الصين من أمريكا. وبالتالي، يتم نشر هذا التصور. في عامي 2023 و2024 بالكامل، استضافتني قنوات عربية رسمية متعددة للحديث عن "الأزمة الاقتصادية الصينية" والتراجع. في يونيو 2024، استضافتني قنوات عربية وسألتني: "يا دكتور، أنت تؤمن بالتجربة الصينية أو تراها من زاوية لا نراها نحن؟ لكنهم يقولون إنها في أزمة!" المؤسسات المالية الكبرى والإحصاءات والبيانات تقول إن الصين ستغلق عام 2024 بخسائر ضخمة.
ما الذي يحدث؟ هناك منهج ثابت يعتمد على توقع مبكر بأن شيئًا ما سيحدث للصين، وعندما يتم التأكيد على هذا التوقع مرة بعد أخرى، يصدق المشاهد في عقله الجمعي وفي عقله الباطن أن الصين في أزمة. إنها لعبة إعلامية ودراسة نفسية دقيقة، وأمريكا بارعة جدًا في هذا المجال.
الصين نفسها تعترف بتقصيرها في الإعلام. كنت مع السفير الصيني بالقاهرة، السيد سونغ آي قوه، لمدة ست سنوات منذ عام 2014، وكان صديقًا. قال لي: "أعترف، نحن مقصرون في الإعلام." السفير الحالي، لياو لي تشيانغ، قال لي: "نحن لم نبنِ بعد منظومة إعلامية تناسب حجم نجاحنا." لكنه أضاف، وهذا ما قاله لي السفير سونغ آي قوه: "طبيعة تركيبتنا تجعلنا لا نعلن كثيرًا، لا نحب الأضواء." إنهم يتبعون تعاليم كونفوشيوس: "اعمل وأغلق على نفسك، اعمل وأغلق على نفسك." طالما أنت ناجح وسعيد ومبسوط، لماذا تحتاج أن تعلن للناس أنك عبقري؟
في ديسمبر 2014، كنت في مصر في أحد الفنادق، منظمًا لمؤتمر عن الطاقة الجديدة والمتجددة. كان معي ستة وزراء مصريين، منهم وزير الكهرباء ووزير الإنتاج الحربي. ألقيت كلمة رئيسية على المنصة، وقلت إن الصين دولة عظمى اقتصاديًا، وإنها تحتل أحد أهم الأماكن الاقتصادية، إن لم يكن الأول، فهي الاقتصاد الثاني في العالم. قلت ذلك منذ 11 عامًا. بعد أن نزلت من المنصة، أخذني السفير الصيني جانبًا، وابتسم وقال لي: "شكرًا على كلمتك، لكن أرجوك، نحن لا نريد أن نجاهر بأننا دولة عظمى."
سمعت هذا من مسؤول صيني آخر، لا أذكر اسمه، قابلته في الجامعة الأمريكية. كان يتحدث بنفس الطريقة، وقال: "نحن لسنا مشغولين بأن نكون رقم واحد أو اثنين. ما يهمنا هو أن يُقال عنا إننا دولة نامية." فقلت له: "يا سيادة السفير، دولة نامية بأكبر صادرات بالأرقام، وأكبر مستورد بالأرقام، وأعلى احتياطي نقدي بالدولار، العملة الرئيسية في التجارة؟ هذه الثلاثة تكفي!" فقال لي: "لا، لا، نحن دولة نامية، أرجوك!"
لذلك، انتبه الأمريكيون وقالوا: "ما هذه الدولة النامية التي هي أكبر مصدّر في العالم وأكبر شريك تجاري في العالم؟ ثم، دولة نامية تريد مساعدات؟ تريد معاملة خاصة؟" هذا ما كان يريده المسؤول الصيني، يا أستاذ سيد العزيز. لقد أصاب خمسة أهداف بحجر واحد! أولاً، كدولة نامية، لا تطالبني بمساعدات للدول الفقيرة. ثانيًا، عندما أؤسس تكتلًا اقتصاديًا مثل مجموعة البريكس (التي كانت تُسمى بريك)، فأنا لا أغضبك، لأنها تضم أربع اقتصادات ناشئة: روسيا، الصين، الهند، والبرازيل. إذًا، نحن لا ننافسك. ثالثًا، لا تُلقِ عليّ تحديات أو أزمات أو "قشر موز" لأنزلق، لأنني "غلبان". رابعًا، أحافظ على نفسي من الغرور، وأحث الناس في الداخل على العمل أكثر لأننا لم نصل بعد إلى شيء. خامسًا، أقول لهم: "هيا، نحن دولة نامية، يلا نعمل!"
الصين نجحت في نقل 900 مليون مواطن صيني من تحت خط الفقر، وهي تجربة يجب أن تُدرس في العالم كله. العنصر البشري هو ما نجح في الصين. وفي رأيي، العنصر البشري في أي دولة هو المشكلة وهو الحل. المشكلة دائمًا هي الإنسان، والحل دائمًا هو الإنسان. إذا طوّرته، تنجح.
**المقدم**: لقد قدمت لنا معلومات مهمة جدًا، لكن قبل أن أعود إليها، لأنني مهتم بفكرة لماذا لا تريد الصين أن تقول إنها دولة متقدمة؟ سنعود إلى هذه النقطة لأنه واضح أنهم يطبقون مبادئ "سون تزو"، أي أن تهزم عدوك دون أن تعلن الحرب عليه. أصبحت قوة عظمى دون أن أستفز أحدًا. لكن أريد أن أسألك، يا دكتور، أنت تقول إن الصين ليست في أزمة، بينما المعلومات التي لدينا هنا تقول إن النمو تراجع. وعلى فكرة، ليس عيبًا أن تكون في أزمة، لأن الاقتصادات الكبرى تمر بأزمات. منذ عام 2008، لا يمكن لأي اقتصاد أن يستمر 20 عامًا بنمو 8%. لكن دعني أسألك، ما هي الأرقام التي تستند إليها لتقول إن الصين ليست في أزمة؟
**الدكتور ضياء**: شوف، يا أستاذ سيد العزيز، الصين تحتفظ بأعلى احتياطي نقدي في العالم من الدولار الأمريكي، العملة الرئيسية في التبادل التجاري. بل إنها تملك أكثر مما تملكه الولايات المتحدة نفسها، بقيمة 3.4 تريليون دولار نقدًا. هذا رقم غير طبيعي! هذا الاحتياطي النقدي يمنح أي دولة مرونة كبيرة. إذا توقف السوق، تستطيع أن تنعشه برمي بعض الدولارات. الصين لا تزال تضخ دولارات، 150 مليارًا أو 180 مليارًا، لتسريع حركة الاستهلاك. هذا مؤشر أول يثبت أنها ليست في أزمة.
المؤشر الثاني، كما تفضلت في البداية، وهي نقطة مهمة جدًا: الصين كانت تحقق نموًا بنسبة 11% و8%. فلما حققت 4% أو 5%، قالوا إنها تراجعت. لكن هذا تراجع من رقم مذهل وغير طبيعي أصلًا! نسبة 4% أو 5% تكفي.
لماذا لا يمكن أن تكون الصين في أزمة؟ لأن تعداد سكانها، أي السوق الداخلي المحلي، يبلغ مليارًا و420 مليون نسمة. التجارة الخارجية ليست كل قضيتي. لديّ سوق داخلي يمثل ربع سكان العالم تقريبًا، والعالم 8 مليارات نسمة. هذا يمنحني مساحة كبيرة للمناورة.
أنا لا أدافع، ولا أهوّن ولا أهوّل، كما قلت أنت بعبارة رائعة. سبحان الله، هذه جملة استخدمتها كثيرًا في محاضراتي، وهي صدفة جميلة بيني وبينك. الصين لديها أكبر ميزان تجاري مع العالم، ودائمًا يميل الميزان التجاري لصالحها، بما في ذلك مع الولايات المتحدة. هذا ما أغضب ترامب في 2018، فقال: "هذا غير مقبول، أنت تشتري مني القليل." لكنه لم يكن يشتري القليل! أمريكا هي التي قالت للعالم: "العولمة!" الصين الجديدة، التي قرأت عنها أكثر من 30 كتابًا، وهناك كتاب اسمه "الصين الجديدة: التجربة الصينية الجديدة"، قالت: "أنا موافقة على العولمة." لكنها كانت ذكية، وافقت على العولمة عندما أصبحت هي الرابحة.
أمريكا اتهمتها، وقالت: "لا، أنت ما زلت مغلقة!" مثل شايلوك المرابي في قصة شكسبير. قالت لها: "أنتِ تاجرة شاطرة، تبيعين فقط، لكن عندما نريد أن نبيع لكِ، ترفضين!" لكن الصين فعلت أذكى فكرة في التاريخ. أنشأت المعرض الدولي السنوي للاستيراد في شنغهاي، بدأ منذ 2018 أو 2019 تقريبًا، ويقام سنويًا. تقول للعالم: "تعالَ، بِعْ لي، أنا موافقة!" وهي تشتري منك. الصين هي أكبر مستورد ذكي، تشتري المواد الخام، لكنها تصنّع وتصدّر.
**المقدم**: لتوضيح كلام الدكتور ضياء للشباب الذين يتابعون: الدكتور ضياء يقول إن من علامات قوة الاقتصاد الصيني، حتى وإن تراجع قليلاً بمعايير الصين، أنه كان ينمو بنسبة 11%. الناتج المحلي الإجمالي، على سبيل المثال، 20 تريليون دولار، كان ينمو سنويًا بنسبة 8% إلى 10%. هذه الزيادة كبيرة جدًا. من المؤشرات على قوة الاقتصاد الصيني أنه لا يزال يملك أعلى احتياطي نقدي في العالم. هذا الاحتياطي يعني فائض المعاملات الاقتصادية، سواء للحكومة أو الشعب، من بيع وشراء، تراكم حتى وصل إلى 3.4 تريليون دولار.
حتى لو واجهت الصين عقبات، مثل دخول الأسواق الأمريكية، يمكنها تغيير نموذجها الاقتصادي القائم على التصدير إلى التركيز على السوق الداخلي، خاصة أن لديها مليارًا و420 مليون نسمة. بدأ المواطن الصيني يغتني، وأصبح هناك طبقة وسطى كبيرة قادرة على الشراء. هذا النموذج يشبه النموذج الأمريكي القائم على الاستهلاك. ويقول الدكتور إن الميزان التجاري بين الصين ومعظم الدول يميل لصالحها، فهي تبيع أكثر مما تشتري في سوق مفتوح دون فرض قيود. أما الدول التي تشتري منها الصين أكثر، مثل السعودية، فذلك بسبب استيراد مواد خام مثل البترول.
**المقدم**: هناك نقطة مهمة جدًا، يا دكتور. في يناير 2020، في حوار سابق، تنبأتَ بأن الصراعات الجيوسياسية والمشكلات، أو ما أسميته "الحرب العالمية الثالثة"، ستنتهي في عام 2025. المذيعة قالت لك: "يا دكتور، أعطنا أملًا! نحن في عام 2020، هل ستنتهي؟" أجبتَ أنها لن تندلع، بل ستختفي، بمعنى أنه لن تكون هناك حروب. قلتَ إن التوقيت صعب تحديده بالشهر، لكنك ترى أن أربعة قطاعات ستنتعش في عام 2025 بعد إطفاء النيران: الصناعة، والتجارة، والسياحة، والتدريب. التدريب له قصة وسبب، لأنه مجال جديد. لماذا التدريب؟ لأنك تنتقل بين عالمين. الدول التي لن تهيئ مواطنيها وأبناءها لهذا الانتقال ستحتاج إلى شيئين: الذكاء الاصطناعي الحقيقي واستخداماته، والتحول الرقمي. هذه ستتاح بكثرة، وهي مكلفة، لذا سيكون هناك تدريب متخصص لمدة العشرين عامًا القادمة على الأقل، لتعليم الناس. ليس النظرة السطحية للذكاء الاصطناعي، بل الانتقال من عالم إلى عالم موازٍ. لكن قبل أن ننتقل إلى هذا العالم الموازي، دعنا نبقى في عالمنا الحالي أولًا.
لقد قلتَ كلامًا مهمًا جدًا، كل كلامك مهم، لكنني أريد أن أركز على النقطة الأساسية التي بدأنا بها. على عكس ما يعتقده الناس، وهو اعتقاد غالبًا مرتبط بما يروجه الغرب – الذي يعتبر الصين خصمًا – فإنك تقول إن الصين ليست في أزمة، وقد دللتَ على ذلك بمؤشرات. ترامب بدأ، أو بالأحرى استمر، لأنه لم يخترع هذا التوجه. هناك نقطة مشتركة بين الجمهوريين والديمقراطيين، رغم اختلافاتهم الكثيرة، وهي استهداف الصين. هم مختلفون بشأن روسيا، لكنهم متفقون على استهداف الصين. في إيجاز سريع، لأغطية النقاط الأخرى، كيف ترى الحرب القائمة الآن، أو إذا سميناها "الضغط العنيف" من ترامب على الصين؟ كيف يمكن أن تواجه الصين هذا الضغط، أو كيف استعدت له؟
**الدكتور ضياء**: الصين استعدت له منذ عام 2018، وتحديدًا عندما فرض ترامب ضغوطًا جمركية أحادية وعقوبات على الواردات الصينية. لا يوجد صراع يصل إلى حد الصدام بين الصين وأمريكا، ولا حتى بين أمريكا وروسيا. الكبار يتنافسون بقواعد تختلف عن تلك التي يعرفها الناس. الناس تعودوا على فكرة أن الصين ستضرب أمريكا أو العكس، لكن هذا الكلام غير وارد. هم يعلمون ذلك، ولديهم مصالح مشتركة أكبر من التنافس. على سبيل المثال، الصين تستطيع أن تسقط الدولار، لكنها لم تفعل لأن لها مصالح. العلاقة بين أمريكا والصين ستستمر كحرب تجارية، لكن الشخصية الصينية، عندما تفرض أمريكا رسومًا جمركية بنسبة 25%، ترد بنفس النسبة. هذا ما فعلته الصين في المرة الأولى، وستستمر في ذلك.
منذ عام 2018، لم تقف الصين تنتظر ماذا ستفعل الإدارة الأمريكية الحالية أو القادمة. لقد ذهبت لفتح أسواق جديدة، تحديدًا في آسيا وإفريقيا. روسيا والصين حليفان استراتيجيان حقيقيان، وكأنهما دولة واحدة. روسيا ستستوعب ما لن يستوعبه السوق الأوروبي أو الأمريكي إذا رفضاه، والأسواق الإفريقية والآسيوية الأخرى ستأخذ الباقي. الصين خططت لذلك منذ سبع سنوات.
**المقدم**: أنت تقول إن الصين استعدت لأي تقلبات، لأن الولايات المتحدة تشعر بإجماع على أن اقتصادها يتراجع نسبيًا، وبالتالي تحاول محاربة الجميع. ما هي أهم دولة للصين في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك الدول العربية والدول المجاورة مثل باكستان وتركيا وإيران؟ أي دولة هي الأولوية الأولى بالنسبة للصين؟
**الدكتور ضياء**: الصين تتعامل بطريقة مختلفة، وهذا من واقع قربي منهم. المسؤولون الصينيون في البريكس، على سبيل المثال، يرون أن الحليف الأول هو روسيا وكوريا الشمالية – وهذه خارج الموضوع – لأنها ضمن دائرة الثقة الأولى. حجم التبادل التجاري بين الصين وروسيا ارتفع إلى 620 مليار دولار، وهو رقم فلكي. هم يرون أنهم يكملون بعضهم بعضًا، وكوريا الشمالية تدعمهم في بعض الجوانب.
في العالم العربي، تهتم الصين جدًا بدول الخليج، وتحديدًا السعودية والإمارات وقطر. في شمال إفريقيا، تهتم بمصر بشكل كبير، لكنها لا تهمل الباقين. إذا سألتني في جملة واحدة: ما هي أهم دولة عربية بالنسبة للصين تجاريًا واستراتيجيًا؟ أقول إن الخليج مهم لأنه مصدر الطاقة، وهم يستوردون بالفعل بكميات ضخمة تكفيهم لعشرين عامًا قادمة. لكن مصر مهمة للغاية – ضع تحتها عشرين خطًا – لسبب آخر: مصر يمكن أن تساعد على نجاح مبادرة الحزام والطريق، التي لن تتراجع عنها الصين، والتي تضم 160 دولة. مصر مهمة جدًا في ربط إفريقيا بآسيا.
**المقدم**: دعني أختلف معك قليلًا. أنا دائمًا أسمع من المسؤولين المصريين أن مصر هي أهم دولة بالنسبة للصين، وأسمع أيضًا أن مصر هي أهم دولة بالنسبة للولايات المتحدة. هذا عظيم بالنسبة لي كمصري، لكنه محيّر. الصين لديها مشروع الحزام والطريق، وهو مشروع عملاق، وكل الدول فيه مهمة: تركيا مهمة، ودول أخرى مهمة. عندما سألت هيئة الاستثمار قبل ثلاث أو أربع سنوات، قالوا إن حجم الاستثمارات الصينية في مصر حوالي 5 مليار دولار استثمارات مباشرة. حتى لو زادت في الفترة القادمة، هناك دول إفريقية صغيرة لديها استثمارات صينية أكبر من مصر. على أي أساس يقولون إن مصر هي الأهم؟
**الدكتور ضياء**: دعني أجيبك بأمانة حتى نقنع الناس. هذا بالضبط ما يفعله السياسيون في العالم. الحكومة المصرية تصرح بذلك لأن السياسيين ينظرون إلى نصف الكوب المملوء. هناك شراكة استراتيجية مع الصين منذ عشر سنوات، والصين نفسها تصرح بأن مصر شريك استراتيجي ومهم. إذًا، نستفيد من هذا سياسيًا، كما تفعل أمريكا لتقوية موقفها. أستبيح هذا للسياسي المصري الذي يقول إننا رمانة الميزان في الشرق الأوسط وأمريكا والسلام والأمن الدولي. هذا طبيعي، وعلى فكرة، كل رؤساء الدول يقولون ذلك، بما فيهم رئيس تركيا وغيره.
لكن الحقيقة هي أن ممر قناة السويس الملاحي وطريق القاهرة-كيب تاون مهم جدًا لمبادرة الحزام والطريق، وإلا سينقطع في بعض الجوانب. مصر أيضًا سوق استهلاكية ضخمة بـ126 مليون نسمة تقريبًا. في إفريقيا، الدول الثلاث الكبرى من حيث التعداد هي مصر ونيجيريا وإثيوبيا، لكن قيمة الاستهلاك في نيجيريا وإثيوبيا لا تصل إلى 20% من قيمة الاستهلاك في مصر، لطبيعة المجتمع الاستهلاكي المصري. لن تجد في بيت إثيوبي أربعة تلفزيونات، لكن في بيت مصري قد تجد ذلك.
**المقدم**: لأننا نهتم بالحقيقة من جهة، وببلدنا من جهة أخرى، أشعر كمصري ببعض الإحباط أن تكون أهميتي للصين هي كوني سوقًا مستهلكًا. هذا محبط بالنسبة لي. حجم الاستثمار الذي ذكرته، 5 مليار دولار، ليس بالحجم المرغوب. وحتى حجم التجارة، لنكون أمناء، يدور حول 20 مليار دولار سنويًا، لكنه يجب أن يكون أكبر. من هذه الـ20 مليار دولار، هم يصدرون لنا بحوالي 17 مليار، ونحن نصدر لهم بحوالي 3 مليارات. عمومًا، سنتحدث عن مصر في لقاءات لاحقة. لكنك قلت إن أهم الدول العربية بالنسبة لهم هي دول الخليج المصدرة للطاقة، وتحديدًا السعودية والإمارات وقطر. هذه أسواق كبيرة تريد استهلاك السلع الصينية. على فكرة، السيارات الكهربائية الصينية هي رقم واحد في العالم، ولهذا هناك عداء شديد من أمريكا، التي تهاجم هذه السيارات وتشكك فيها لأنها اكتشفت أن السوق أصبح للصين.
**الدكتور ضياء**: مشكلة الصين كانت مفاجئة، لكنها معلومة حقيقية. الصين تنتج السيارات الكهربائية بإيقاع أسرع من الحاويات التي تنقلها السفن. هذه سفن متخصصة تحمل 5000 سيارة في المرة الواحدة إلى أي سوق. الإنتاج أسرع من قدرة السفن على النقل والعودة.
**المقدم**: آسف لأنني أخذت الكثير من وقتك، لكن في جملتين أخيرتين. ما قلته يخالف توقعات الكثيرين، وأتمنى أن تكون أنت الصحيح وأن يكون الآخرون، بمن فيهم أنا، مخطئين. أتوقع فترة صدام، ليس بالضرورة عسكريًا، لأن هناك مؤشرات تدل على ذلك. تحدثتُ عنها مع أصدقاء كثيرين، وربما لم تسمعها مني من قبل. في ندوة بمعرض الكتاب، كانت الفكرة أننا في عالم مضطرب لفترة طويلة. لكن أنت تقول إن الفترة القادمة ستكون أكثر استقرارًا وأقل صدامًا. هل يمكن أن توضح في جملة أو اثنتين لماذا تعتقد أن الصدام سيقل؟
**الدكتور ضياء**: لن تكون هناك حرب عالمية ثالثة بالأسلحة المباشرة، لأن الأسلحة النووية موجودة الآن، ولم تكن موجودة سابقًا. هذا يعني فناء العالم، والجميع يدرك ذلك. الدول الكبرى ليست غبية. الصراعات ستكون اقتصادية: ضغوط تجارية، قطع سلاسل الإمداد، أو حروب بالأوبئة. هذه هي الحرب العالمية الثالثة. لماذا ستستقر الأمور؟ في عام 2024، تعاقدت دول كثيرة مع إيرباص على طائرات تجارية كبيرة، لأن التجارة ستنتعش. إذا كنت سأشتري أسطولًا تجاريًا بمليارات الدولارات، فهذا يعني توقعًا بتراجع الصراعات الجيوسياسية. ترامب تعهد بإطفاء حرائق أوكرانيا والشرق الأوسط وغزة، ويتبقى تايوان. لقد اتفق الكبار، على الأرجح، أن تايوان أرض صينية، وليست دولة، وليس لها علم أو مقعد في الأمم المتحدة. لا يوجد سبب للصراع. الحرائق ستُطفأ في عام 2025، وستبدأ سلاسل تجارة جديدة وخطوط ملاحية مهمة، والصناعة والتدريب سيكونان من القطاعات المهمة جدًا لتأهيل الناس لاستخدامات التكنولوجيا الجديدة. هذا عصر جديد، مثل الفارق بين ما قبل الكمبيوتر وما بعده. من لا يعرف الذكاء الاصطناعي لن يكون له مكان في العالم.
**المقدم**: جزيل الشكر للدكتور. أنت تتوقع أن الصراعات الكبرى ستنحسر في السنوات القادمة، وبالطبع لا أحد يتوقع صراعًا عسكريًا في الأمد القصير، رغم احتمالية الأخطاء. لكنك تتوقع أن تنتعش الصناعة والتجارة والسياحة، وأن العالم سيحتاج إلى تدريب القوى العاملة الشابة للتأقلم مع التكنولوجيات الجديدة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي. هذا كلام مطمئن. النقطة الوحيدة التي أقلقتني هي قولك إن ترامب تعهد بإطفاء الحرائق، لأنه قد يطفئ حريقًا ويشعل حرائق أخرى. شكرًا جزيلًا، معالي الدكتور.
**الدكتور ضياء**: أنا متشكر لحضرتك. أنت، أستاذ سيد جبيل، إعلامي مثقف يساعد الناس على فك طلاسم القضايا. أحترم هذا، ونحتفظ بوطنيتنا وعروبتنا، لكننا نتحدث بواقعية وحيادية. ربنا يخليك ويسعدك.
**المقدم**: شكرًا جزيلًا، معالي الدكتور. نلقاكم إن شاء الله في حلقات أخرى. شكرًا لحضراتكم، ونلقاكم على خير بإذن الله.
تعليقات
إرسال تعليق