أيمن عبد الرحيم (١): تاريخ الإسلام - الدولة الأموية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على خير معلم، محمد صلى الله عليه وسلم.
**مقدمة**
هدفنا تقديم طرح تاريخي ضمن العلوم الشرعية بالمدرسة. بدأنا بدورة "مدخل إلى التاريخ الإسلامي" لإعطاء فكرة عامة عن التاريخ الإسلامي، تناولت أنواع المؤرخين، الكتابة التاريخية، الفلسفات التاريخية، وحياة العرب قبل الإسلام، بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، العهد المكي والمدني، الخلفاء الراشدون، الدولة الأموية، والدولة العباسية حتى بداياتها. توقفنا عند الدولة العثمانية.
**الدورة الحالية**
في هذه الدورة، ركزنا على تاريخ الدولتين الأموية والعباسية بشكل مفصل، بدلاً من تناولهما في محاضرة واحدة ضمن الخريطة العامة. الدورة تمتد لتسع محاضرات، تهدف إلى تقديم تفاصيل أكثر مع إحالات للقراءة. سنغطي الفترة من 41 هـ (تنازل الحسن بن علي عن الخلافة) إلى 656 هـ، أي حوالي 615 سنة، وهي مساحة زمنية وجغرافية ضخمة.
**أهمية الدولتين الأمويتين والعباسيتين**
1. **الامتداد الزمني والجغرافي**:
- الدولة الأموية (41-132 هـ) والعباسية (132-656 هـ) غطتا حوالي 75% من مساحة العالم القديم (باستثناء الأمريكتين)، شملت الجزيرة العربية، العراق، الشام، أرمينيا، أذربيجان، شمال إفريقيا (مصر، تونس، الجزائر، ليبيا، المغرب)، الأندلس، جنوب فرنسا، إيران، السند، أفغانستان، شمال الهند، ودول الخانات (طاجيكستان، أوزبكستان، داغستان).
2. **التشكلات العقدية والفقهية**:
- كل المذاهب الفقهية المعاصرة (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي، الظاهري) والمذاهب الشيعية (الزيدي، الجعفري) تشكلت في هذه الحقبة.
- مذاهب اندثرت مثل مذهب ليث بن سعد، سفيان الثوري، الأوزاعي، الطبري، وابن شهاب الزهري، كانت موجودة أيضًا.
- الفرق العقدية (الجبرية، القدرية، المرجئة، الشيعة، المعتزلة، الأشاعرة، الماتريدية) ظهرت في هذه الفترة.
3. **التدوين والعلوم**:
- دواوين السنة الأساسية (موطأ مالك، صحيح البخاري، مسلم، السنن الأربعة، مسند أحمد، مصنف ابن أبي شيبة، مصنف عبد الرزاق) دُوّنت في هذا العصر، خاصة في العصر العباسي.
- علوم الإسلام (التجويد، النحو، الصرف، العروض، الحديث، القرآن) دُوّنت وتطورت.
- العلوم الطبيعية، الرياضيات، الهندسة، والفلسفة تُرجمت من الروم، الفرس، والهنود، وأُضيف إليها، وتطورت في هذا العصر.
4. **التصوف**:
- الطرق الصوفية (القادرية وغيرها) والتصوف العجمي (جلال الدين الرومي، ابن عربي) امتدت جذورها لهذه الحقبة.
**محاور الدورة**
1. **الدولة الأموية**:
- نشأتها (41 هـ مع معاوية بن أبي سفيان) وانهيارها (132 هـ مع مقتل مروان بن محمد) في المشرق.
- في المغرب (الأندلس): من دخول عبد الرحمن الداخل (138 هـ) إلى نهاية عصر الحاجب المنصور، مع تبعية اسمية للبيت الأموي.
- أسباب الصعود والانهيار، والخلافات العقدية التي لا تزال قائمة.
2. **الدولة العباسية**:
- الدعوة العباسية في العصر الأموي، ثم قيام الدولة بعصورها الأربعة (العباسي الأول، الثاني، الثالث، الرابع).
- تاريخ المذاهب الفقهية، العقدية، الصوفية، والسلوكية.
- أسباب القيام والانهيار.
**مصادر وإحالات**
- **أطالس**:
- أطلس التاريخ الإسلامي (حسين مؤنس).
- أطلس تاريخ الدولة الأموية وأطلس تاريخ الدولة العباسية (سامي المغلوث).
- تحتوي على خرائط، صور، ومعلومات مرئية تسهل فهم الأماكن والتوسع الجغرافي.
- **كتب**:
- تاريخ الدولة الأموية (محمد سهيل طقوش).
- كتب عن الدولة العباسية (سامي المغلوث، فوزي في مجلدين).
- **مواقع**:
- موقع "الفهرست" (خريطة تفاعلية توضح الحكم، الدول، الكتب، والعلوم في كل عصر).
- **ملفات**:
- ملف التاريخ الإسلامي يحتوي على الأطالس، الكتب، الجداول، المشجرات، وقراءات منهجية. متاح على أجهزة المدرسة أو عبر رابط على الإنترنت.
**الخريطة الجغرافية**
الدولة الأموية وصلت إلى أقصى تمددها السياسي، من الأندلس (إسبانيا والبرتغال) إلى شمال إفريقيا (مصر، المغرب الأدنى: برقة وطرابلس، المغرب الأوسط: الجزائر، المغرب الأقصى: المغرب)، الجزيرة العربية، الشام، العراق، آسيا الوسطى (أرمينيا، أذربيجان)، إيران، السند، أفغانستان، ودول الخانات (أوزبكستان، طاجيكستان). لم يتوغل المسلمون كثيرًا في الصين.
**التقسيم الإداري**
- شمال إفريقيا: مصر، المغرب الأدنى (برقة، طرابلس، تونس)، المغرب الأوسط (الجزائر)، المغرب الأقصى (المغرب).
- كانت مصر وبرقة وطرابلس تابعة إداريًّا لمصر في عهد معاوية، ثم فُصلت.
**النسب القبلي**
- الجد الأعلى: عبد المناف (من قريش).
- منه هاشم: أنجب عبد المطلب، ثم العباس (أصل العباسيين)، وعبد الله (والد النبي صلى الله عليه وسلم)، ثم علي وفاطمة، ومنهما الحسن والحسين والعلويين.
- منه عبد شمس: أنجب أمية، ثم أبو سفيان، ثم معاوية (أصل الأمويين).
- الأمويون والعباسيون أبناء عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الأمويون أبعد نسبًا.
- هذا النسب يوضح القرابة ويؤثر على الخلافات السياسية، مثل علاقة معاوية مع علي، حيث كان معاوية يسمي عليًا "ابن عمي".
**أهمية النسب**
- القرابة القبلية لعبت دورًا في الصراعات السياسية.
- العلويون (من علي وفاطمة) والفاطميون ينتسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم عبر فاطمة، وهو شرف النسب.
**الهدف**
فهم شامل لتاريخ الدولتين الأموية والعباسية، أسباب صعودهما وانهيارهما، تأثيرهما على المذاهب والعلوم، مع الاستعانة بمصادر مرئية ومكتوبة لتعميق الدراسة.
**محاضرة موجزة باللغة العربية الفصحى: التصور الفقهي للخلافة والصراع بين الأمويين والعلويين**
**بسم الله الرحمن الرحيم**
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
**التصور الفقهي للخلافة**
- **الخلاف حول الخلافة**: نشأ نزاع حول من يتولى الخلافة، هل يكون من آل البيت (العلويين من نسل علي وفاطمة) أم من بني العباس أم بني أمية؟
- العباسيون اعتبروا أنفسهم أحق بالخلافة لقرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم (العباس عم النبي، أقرب من علي ابن عمه).
- العلويون رأوا أحقيتهم لقربهم من النبي عبر فاطمة وعلي.
- بنو أمية (من معاوية بن أبي سفيان) اعتمدوا على قوتهم السياسية والعسكرية.
- **تشجير النسب**:
- عبد المناف (جد قريش الأعلى):
- من هاشم: عبد المطلب، ثم العباس (أصل العباسيين)، وعبد الله (والد النبي)، ثم علي وفاطمة (أصل العلويين).
- من عبد شمس: أمية، ثم أبو سفيان، ثم معاوية (أصل الأمويين).
- قريش تجمع الجميع، والنسب يوحد عند عبد المناف، مما يجعل الأمويين، العباسيين، والعلويين أقرباء، لكن بدرجات متفاوتة.
- مثال: عثمان بن عفان يلتقي نسبه مع النبي عند الجد السابع، مما يظهر ترابط قريش.
**أسباب انتقال الخلافة إلى الأمويين**
1. **الخلافة الراشدة (30 سنة)**:
- الخلفاء: أبو بكر، عمر، عثمان، علي، والحسن بن علي.
- انتهت الخلافة الراشدة بتولي الحسن بن علي بعد مقتل علي بن أبي طالب (35-41 هـ).
2. **الصراع بين علي ومعاوية**:
- بعد مقتل عثمان بن عفان (35 هـ)، بُويع علي بالخلافة، لكن معاوية (أمير الشام) رفض البيعة حتى يُعاقب قتلة عثمان، معتبرًا نفسه ولي دمه لقرابته وقوته.
- علي عزل ولاة عثمان، بما فيهم معاوية، مما زاد الخلاف.
- تصاعد النزاع إلى معركة صفين (37 هـ)، ثم التحكيم، وهدنة طويلة.
- ظهرت الخوارج، فانشغل علي بقتالهم، وقتله عبد الرحمن بن ملجم (40 هـ).
3. **تنازل الحسن بن علي**:
- بُويع الحسن بالخلافة في العراق (40 هـ)، لكنه وجد ضعف تماسك جيشه مقارنة بجبهة الشام المتماسكة بقيادة معاوية.
- معاوية، بخبرته (أمير الشام منذ عهد عمر، أي 22-24 سنة) وحكمته، استمال العديد من أنصار الحسن.
- الحسن رأى أن القتال غير مجدٍ، فتفاوض مع معاوية وتنازل له عن الخلافة (41 هـ) في صلح "عام الجماعة"، بشروط:
- إذا توفي معاوية والحسن حي، تعود الخلافة للحسن.
- عدم التعرض لأولاد علي أو ممتلكاتهم.
- وقف القتال وحقن دماء المسلمين.
4. **تدشين الخلافة الأموية**:
- بدأت الخلافة الأموية رسميًا عام 41 هـ مع بيعة معاوية بن أبي سفيان.
- استمرت 91 سنة هجرية (41-132 هـ)، أي 89 سنة ميلادية.
- مر بها 14 خليفة: معاوية بن أبي سفيان، يزيد بن معاوية، معاوية الثاني، مروان بن الحكم، عبد الملك بن مروان، الوليد بن عبد الملك، سليمان بن عبد الملك، عمر بن عبد العزيز، يزيد بن عبد الملك، هشام بن عبد الملك، الوليد بن يزيد، يزيد الناقص، مروان بن محمد الجعدي، وعبد الله بن الزبير (ليس أمويًا لكنه تنازع الخلافة).
**الوضع الاجتماعي والسياسي**
1. **الكتل الرئيسية**:
- **الخوارج**: كفّروا عليًا ومعاوية، واعتبروا أنفسهم المسلمين الوحيدين. استمروا في الخروج على معاوية، لكنه هزمهم بفضل تماسك جيشه. الظاهرة لم تنقضِ، بل تتفاقم بالاستبداد وتقل بالعدل.
- **أهل الشام**: نواة صلبة موالية لمعاوية، متمركزة على الثغور، تمتلك قوة عسكرية وتنظيمًا.
- **أنصار علي (الشيعة)**: أتباع علي وموالوه، بما فيهم الصحابة والتابعون، خاصة في العراق.
2. **دور القبائل**:
- القبائل العربية (القيسية، اليمنية، تميم، ربيعة، مضر) كانت لها أوزان سياسية وعسكرية.
- معاوية استمال القيسية (عصبيته الأساسية) واليمنية بالمصاهرة والمناصب، مما عزز سلطته.
- بعد الفتوح الإسلامية، نزحت القبائل إلى الأراضي المفتوحة (العراق، الشام، مصر، الأندلس)، فأصبح العراق مركز القوى العسكرية، بينما بقي الحجاز مركز الصحابة والعلماء.
3. **تحول مركز الخلافة**:
- انتقلت الخلافة من المدينة إلى الشام (دمشق) في عهد معاوية، لقربها من الروم، مما تطلب جهدًا حربيًا كبيرًا لصد هجماتهم على السواحل والبر.
- توقف الفتوح الخارجية في عهد علي (5 سنوات) بسبب الاقتتال الداخلي، مما زاد تحديات معاوية.
**إدارة معاوية للأزمات (41-60 هـ)**
- حكم معاوية 20 سنة، ونجح ببراعة في:
- **الخوارج**: قمع خروجهم، خاصة في البصرة والكوفة، رغم استمرار الظاهرة.
- **أنصار علي**: عاملهم بحسن (خاصة الحسن والحسين) لتثبيت الصلح، وحافظ على شروط التنازل.
- **القبائل**: وحد القيسية واليمنية بالمصاهرة والمنافع.
- **الفتوح**: استأنف الجهاد ضد الروم، وكان أول من غزا بحرًا.
**نظرة أهل السنة للصراع**
- **شرف الصحبة**: من رأى النبي صلى الله عليه وسلم له شرف عظيم، خاصة من آمن به مبكرًا وجاهد معه (كأبي بكر، عمر، عثمان، علي).
- **تفاوت الصحابة**: ليسوا متساوين في الفضل. أبو بكر أفضل من عمر، وعمر أفضل من غيره، وهكذا. معاوية وأبو سفيان (من مسلمة الفتح) أقل فضلاً من علي، لكنهما صحابيان أثبتا بلاءً حسنًا بعد الإسلام.
- **جواز الخطأ**: الصحابي قد يقع في ذنب أو كبيرة (كالقتال أو شهوة الحكم) دون أن ينقص ذلك من إيمانه أو صحبته.
- مثال: معاوية قاتل عليًا بدافع الحكم، لكنه ظل صحابيًا مؤمنًا، غزا بحرًا، وحكم بنجاح.
- علي مصيب في الصراع لنصوص النبي (كمقتل عمار بن ياسر على يد الفئة الباغية)، وبيعته شرعية.
- **الإيمان والبغي**: يجتمع في المسلم الإيمان والبغي (كما في قتال معاوية)، لكن الله يحاسبه على خطئه.
- **حب الصحابة**: يجتمع في قلب المسلم حب علي ومعاوية، كما اجتمع في قلب الحسن، الذي بايع معاوية وقاتل تحت رايته 9 سنوات (41-49 هـ) حتى وفاته.
**الخلاصة**
- الخلافة الأموية بدأت بمعاوية (41 هـ) بعد تنازل الحسن في صلح عام الجماعة، واستمرت 91 سنة.
- معاوية نجح في توحيد المسلمين، قمع الخوارج، واستئناف الفتوح، رغم تحديات الشام وتوقف الجهاد الخارجي.
- أهل السنة يرون الصحابة متفاوتين في الفضل، لكنهم يحبونهم جميعًا، ويثبتون لمعاوية إيمانه وصحبته رغم خطئه في قتال علي.
- النسب القرشي (عبد المناف) يوضح القرابة بين الأمويين، العباسيين، والعلويين، وأثر في الصراعات السياسية.
**محاضرة موجزة باللغة العربية الفصحى: التصور الفقهي للصحابة وأخطائهم وتوسع الدولة الأموية في عهد معاوية**
**بسم الله الرحمن الرحيم**
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
**التصور الفقهي للصحابة وأخطائهم**
1. **شرف الصحبة والتفاضل**:
- الصحابي هو من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا ومات على الإسلام، بحسب تعريف أهل الحديث.
- شرف الصحبة لا يعني التساوي في الفضل. أبو بكر أفضل من عمر، وعمر أفضل من عثمان، وعثمان أفضل من معاوية، وعلي أفضل من معاوية، لأسبقيتهم في الإسلام وجهادهم.
- الصحابة أعلى من غيرهم عمومًا، لكن قد يفوق تابعي (كعمر بن عبد العزيز) بعض الصحابة في العلم أو الديانة، دون أن ينال شرف الصحبة.
2. **جواز خطأ الصحابي**:
- الصحابي قد يقع في كبيرة (قتل، زنا، شرب خمر) أو يخطئ (كقتال معاوية لعلي)، لكن هذا لا ينقص من إيمانه أو صحبته، ولا يعني كذبه على النبي صلى الله عليه وسلم.
- أهل السنة يميزون: الكذب على النبي محال على الصحابة، لكن الوقوع في المعاصي أو الخلافات السياسية ممكن، وهو شهوة بشرية لا تنفي إيمانهم.
- أمثلة:
- خلاف أبو بكر وعمر (في البخاري): اختلفا، فصالح أبو بكر عمر، لكن عمر رفض الصلح أولاً. أبو بكر شكاه للنبي، فلما غضب النبي، قال أبو بكر: "أنا البادئ"، حفاظًا على عمر. النبي قال: "كذبتموني وقال صدقت، أواني بنفسه وماله وولده، ألا تركتم لي صاحبي؟"، فلم يُؤذَ أبو بكر بعدها.
- معاوية نفسه لم يدّع مساواة علي. عندما قال له أبو مسلم الخولاني: "أنت مثله؟"، أجاب: "لا". عبد الله بن عمر رفض مقارنة معاوية بمن هو أفضل منه ومن أبيه (أي علي).
3. **قبول رواية الصحابي**:
- الصحابي في الحديث عدل (لا يكذب على النبي)، لكن ليس كل من رأى النبي يُقبل حديثه تلقائيًا.
- مثال: أعرابي ادعى سماع حديث من النبي، فقال عمر: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول أعرابي بوال على عقبيه، لا ندري حفظ أم لم يحفظ". لم يتهمه بالكذب، لكن اشترط التحقق لضمان دقة النقل.
- المذاهب الفقهية قد ترفض أحاديث صحيحة السند لأسباب أصولية (تعارض مع القرآن، القياس، أو قواعد أخرى)، لأن الفقه لا يعتمد النقل وحده، بل القواعد والتأويل.
4. **اجتماع الحب والنقد**:
- يجتمع في قلب المسلم حب الصحابة (كعلي ومعاوية) مع إقرار أخطائهم.
- الحسن والحسين بايعا معاوية (41-49 هـ للحسن، حتى 60 هـ للحسين)، وقاتلا في جيوشه، مما يدل على إمكانية الجمع بين الحب والخلاف.
- أهل السنة يرون أن خطأ الصحابي (كقتال معاوية) لا ينفي فضله، ولا يمنع حبه كصحابي، لأن الله يحاسبه على خطئه.
**توسع الدولة الأموية في عهد معاوية (41-60 هـ)**
1. **مواجهة الروم**:
- الشام (مقر الخلافة) كانت معرضة لخطر الروم جغرافيًا (برًا من القسطنطينية، وبحرًا عبر السواحل).
- معاوية سّنَ نظام **الثغور**: حصون على حدود الروم (شمال سوريا، جنوب شرق تركيا، ديار بكر)، سكنها قبائل عربية لصد الهجمات.
- أسس **الصوائف والشواتي**: غزوات موسمية صيفًا وشتاءً لإضعاف الروم ومنعهم من التوغل.
- أنشأ **الأسطول البحري**: أول أسطول إسلامي، بمساعدة قبائل الغساسنة والأزد (من البحر الأحمر، الخليج، وعمان).
- انتصر في معركة **ذات الصواري** (34 هـ، قبل الخلافة)، وفتح جزرًا (قبرس 28 هـ، رودس، خيوس، وأكثر من 10 جزر).
- قطع التجارة البحرية عن الروم، وحمى سواحل الشام ومصر.
2. **فتح شمال إفريقيا**:
- قسم معاوية شمال إفريقيا إداريًا: مصر منفصلة، وبرقة وطرابلس وتونس (المغرب الأدنى)، ثم الجزائر (المغرب الأوسط)، والمغرب (المغرب الأقصى).
- جعل مصر نقطة انطلاق لفتوح شمال إفريقيا، بقيادة عمرو بن العاص (حكمها سنتين)، ثم عبد الله بن عمرو، وغيرهم.
- الفتح تم على **سبع مراحل**، أربع منها في عهد معاوية:
- قادها **عقبة بن نافع** و**أبو المهاجر دينار** بالتناوب.
- عقبة بن نافع: أسس **القيروان** (بديل قرطاجنة) كمدينة جند بعيدة عن الساحل، لتكون قاعدة للفتوح وحماية من هجمات الروم.
- أبو المهاجر دينار: اعتمد الرفق واللين، فأسلم البربر (كملك كسيلة)، وفتح تلمسان والمغرب الأقصى بجيش من البربر المسلمين.
- عقبة بن نافع: كان شديدًا، فعاملهم بقسوة، فارتد كسيلة وحاربه وقتله مع جيشه (ربما بمساعدة الكاهنة، زعيمة بربرية).
3. **أهمية الرفق في الفتح**:
- أبو المهاجر دينار يمثل هدي النبي صلى الله عليه وسلم في القتال: الدعوة إلى الإسلام أولاً، ثم القتال إذا لزم.
- النبي في خيبر (حديث البخاري): أمر عليًا بدعوة اليهود للإسلام قبل القتال، وقال: "لأن يهدي الله بك رجلاً خير لك من حمر النعم".
- معاوية نفسه نجح بالرفق في استمالة القبائل (القيسية واليمنية) وأنصار علي، مما عزز استقرار دولته.
4. **القتال لا يعني القتل**:
- القتال في الإسلام هو **التدافع** (لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، وليس القتل.
- القتل يكون إذا لم يندفع العدو إلا به، لكن الهدف الأسمى هو هداية الخلق، لا إبادتهم.
- مثال: أسامة بن زيد قتل رجلاً نطق بالشهادة خوفًا من السيف (البخاري). النبي عاتبه: "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ كيف تفعل بلا إله إلا الله يوم القيامة؟"، مؤكدًا عصمة من نطق الشهادة.
- حديث: "يضحك الله لأناس يدخلون الجنة في السلاسل"، أي أسرى أسلموا بعد القتال، فدخلوا الإسلام ونالوا الجنة.
**توسع الدولة الأموية جغرافيًا**
- **الروم**:
- حصن معاوية سواحل الشام ومصر بالثغور والأسطول، وفتح الجزر لقطع تجارة الروم.
- نظام الصوائف والشواتي أضعف الروم، وحمى الخلافة من هجماتهم البرية والبحرية.
- **شمال إفريقيا**:
- استتب الأمر في مصر، ثم فتحت برقة، طرابلس، تونس، والجزائر، وصولاً للمغرب الأقصى.
- القيروان كانت قاعدة استراتيجية، بعيدة عن الساحل لتجنب هجمات الروم، ونقطة انطلاق للفتوح.
- البربر أسلموا تدريجيًا، وشاركوا لاحقًا في فتح الأندلس بقوة، بفضل قيادات كأبي المهاجر دينار.
**الخلاصة**
- أهل السنة يرون الصحابة أصحاب شرف عظيم، لكنهم يتفاوتون في الفضل، ويجوز وقوعهم في الخطأ (كقتال معاوية لعلي)، دون اتهامهم بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
- معاوية نجح في 20 سنة (41-60 هـ) في توحيد المسلمين، قمع الخوارج، استمالة القبائل، وتوسيع الدولة عبر الثغور، الأسطول، وفتح شمال إفريقيا.
- الرفق (كما فعل أبو المهاجر) أقرب لهدي النبي من القسوة (كما فعل عقبة بن نافع)، وهو مفتاح الفتوح وهداية الخلق.
- القتال في الإسلام تدافع لهداية الناس، لا قتل، وهدف الفتوح إدخال الناس في الإسلام، لا إبادتهم، كما أكد النبي في أحاديثه.
**محاضرة موجزة باللغة العربية الفصحى: توسع الدولة الأموية في عهد معاوية ومحاولات حصار القسطنطينية**
**بسم الله الرحمن الرحيم**
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
**توسع الدولة الأموية في عهد معاوية (41-60 هـ)**
1. **شمال إفريقيا**:
- أسس معاوية قاعدة متينة للفتوح في شمال إفريقيا عبر قائدين بارزين: **عقبة بن نافع** و**أبو المهاجر دينار**.
- عقبة أسس **القيروان** كمدينة جند، بعيدة عن الساحل، لحمايتها من هجمات الروم، وجعلها نقطة انطلاق لفتح المغرب الأدنى والأقصى.
- أبو المهاجر اعتمد الرفق، فأسلم البربر (كملك كسيلة) وفتح تلمسان والمغرب الأقصى بجيش منهم.
- قسم معاوية المنطقة إداريًا: مصر منفصلة، وبرقة، طرابلس، تونس (المغرب الأدنى)، ثم الجزائر والمغرب الأقصى.
- استتب الأمر في مصر، وصارت قاعدة للفتوح بقيادة عمرو بن العاص، ثم عبد الله بن عمرو، وغيرهم.
2. **مواجهة الروم والجزر**:
- سيطر معاوية على جزر استراتيجية (قبرس 28 هـ، رودس 52 هـ، أرواد، خيوس)، سواء كأمير الشام (في عهد عثمان) أو كخليفة.
- أنشأ **الأسطول البحري**، وهي سنة لم يقرها عمر بن الخطاب خوفًا على المسلمين من الغرق، لكنه شجع عثمان عليها، فأسس أسطولاً قويًا بمساعدة الغساسنة والأزد.
- قطع تجارة الروم البحرية، وحمى سواحل الشام ومصر، وأضعف الروم عبر الثغور والصوائف والشواتي.
3. **حصار القسطنطينية**:
- القسطنطينية، عاصمة الروم الشرقية، كانت هدفًا استراتيجيًا لاستئصال خطر الروم نهائيًا من المنطقة.
- **الحصار الأول (49 هـ / 669 م)**:
- قاد معاوية حصارًا طويلًا على القسطنطينية بعد 8 سنوات من خلافته.
- أرسل جيش مدد بقيادة ابنه يزيد بن معاوية، وكان فيه **أبو أيوب الأنصاري** (صحابي جليل، توفي أثناء الحصار).
- أبو أيوب (90 عامًا) أوصى بدفنه في أعمق نقطة بديار الروم، فقيل إن جثته لم تتغير، وهي من كرامات الشهداء المتواترة (وإن لم يرد فيها نص صريح).
- فشل الحصار بسبب:
1. قوة أسوار القسطنطينية وحصونها.
2. النار الإغريقية (سلاح مشتعل يصعب إخماده).
3. صعوبة قطع المدد عن المدينة (تزود بالمؤن بحرًا وبرًا).
- **الحصار الثاني (54-60 هـ)**:
- استمر الحصار 6-7 سنوات حتى وفاة معاوية (60 هـ).
- كان أطول وأشد، لكنه فشل لنفس الأسباب، إضافة إلى صعوبة المناخ وطول المسافة.
- القسطنطينية لم تُفتح إلا عام 1453م على يد محمد الفاتح، بعد حصارات متكررة (5 حصارات بعد معاوية، بقيادة مسلمة بن عبد الملك، هارون الرشيد، وغيرهم).
**كرامات الشهداء**
- المتواتر عند الأمة: جثث الشهداء لا تأكلها الأرض، كما في أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم يرد نص صريح في هذا.
- أمثلة:
- **عبد الله بن جابر الأنصاري**: قتل أبوه في أحد (3 هـ). بعد 47 سنة (في عهد معاوية)، كشف السيل قبور أحد، فوجد جابر أباه كما هو، إلا شعرات شابت في لحيته.
- **عمر بن الخطاب**: في توسعة المسجد النبوي (عهد عمر بن عبد العزيز)، ظهرت رجل عمر سليمة، وأكد أحد أبنائه أنها رجله، كما في حديث النبي: "أحد ثبت عليكم نبي وصديق وشهيدان".
- مشاهدات حديثة: في حرب 1973م (السويس)، وغزو أفغانستان 2001م (تقرير منظمة الصحة العالمية في الأهرام)، وجدت جثث شهداء سليمة بريحة طيبة بعد أشهر أو سنوات.
- النبي قال في جابر (البخاري): "كلم الله أباك كفاحًا، فقال: تمنَّ عليَّ. قال: أعود فأُقتل في سبيلك. قال: سبق القول أنهم إليها لا يرجعون. قال: بلّغ عني". فنزلت: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون}.
**خصال الشهداء**
- النبي صلى الله عليه وسلم قال: للشهيد عند الله ست خصال:
1. يُغفر له بأول قطرة من دمه.
2. يُؤمن من فتنة القبر.
3. يُجري عليه عمل الدنيا.
4. يُرزق في الجنة 40 ألف سنة قبل حساب الناس.
5. يُبعث يوم القيامة بدمه يسيل، لونه لون الدم وريحه ريح المسك.
6. لا يُحاسب مع الناس، بل يدخل الجنة مباشرة.
- الشهداء ليسوا فقط من قُتل في سبيل الله، بل تشمل (حتى 70 نوعًا في المذاهب): المبطون، الغريق، الحريق، المظلوم، المقتول في الأمر بالمعروف، الميت وهو يتمنى الجهاد، المرأة تموت بحملها، وغيرهم.
**بيعة يزيد بن معاوية**
- بعد وفاة الحسن بن علي (49 هـ)، واجه معاوية تساؤلاً حول اتفاق الصلح (عودة الخلافة للحسن إن توفي معاوية). لكن الحسن توفي أولاً، فبدأ معاوية بحشد الناس لبيعة ابنه يزيد في حياته.
- خطوته:
1. أرسل رسائل لأهل الحجاز والمدينة، قائلاً إنه يخشى الخلاف بعد وفاته، ويريد بيعة واحد في حياته لمنع الفتنة.
2. استند إلى سابقة أبي بكر (بيعة عمر في حياته).
3. لم يسمِّ يزيد مباشرة، بل دعا لاجتماع الناس على رجل، ثم كشف أنه يزيد.
- وافق معظم القبائل وكبار الصحابة (سعيد بن العاص، مروان بن الحكم)، لاستقرار الدولة واستمرار الفتوح.
- رفض 4 أشخاص فقط:
1. الحسين بن علي.
2. عبد الله بن الزبير.
3. عبد الله بن عمر.
4. عبد الرحمن بن أبي بكر.
- معاوية نزل إلى الحجاز لإقناعهم، لكنهم رفضوا وتوجهوا إلى مكة. أرسل مروان بن الحكم لإتمام البيعة.
- موقف عبد الرحمن بن أبي بكر: عندما خطب مروان في المدينة، قال إن معاوية اختار يزيد لمصلحة الأمة، فقام عبد الرحمن وقال: "كذبت وكذب معاوية، ما أردتم خير أمة محمد، بل أردتم هرقل، كلما هلك هرقل قام هرقل" (أي ملك وراثي). ثم دخل حجرة عائشة، فشتم مروان من خلف الباب، وردت عائشة على مروان: "كذبت، ما نزل فينا شيء من القرآن كما تزعم، بل نزل فيك وفي أبيك".
**التصور الفقهي لبيعة يزيد**
1. **خطأ معاوية**:
- معاوية لم يقر مبدأ الأفضلية (كسعد بن وقاص أو عبد الله بن عمر)، بل القوة والقدرة على الحكم.
- اختيار يزيد كان خطأً واضحًا، لأنه:
- أسس للتوريث، مما أشبه الملك الوراثي (هرقل).
- لم يرد الأمر للأمة لتختار الأصلح، مما كان سيمنع الفتنة.
- يزيد كان شاعرًا، فصيحًا، نشأ في البادية، قاد الحج وحصار القسطنطينية، لكنه لم يكن كفئًا للخلافة مقارنة بعبد الله بن الزبير أو عبد الله بن عمر.
2. **وجهة أهل السنة**:
- الفقهاء (كابن خلدون) رأوا قبول المفضول (معاوية، ثم يزيد) مع وجود الفاضل (الحسن، عبد الله بن عمر) لتجنب الفتنة، خاصة أن معاوية حقق الاستقرار والفتوح.
- لكن هذا لا ينفي أن رد الأمر للأمة كان أهدى سبيلًا، لاختيار الأفضل (كعبد الله بن الزبير، الذي كان خليفة مبايعًا 9 سنوات).
3. **محاولة إحقاق الحق**:
- علي بن أبي طالب، الحسين، عبد الله بن الزبير، وعمار بن ياسر قاتلوا لإحقاق الحق، حتى لو كلفهم ذلك حياتهم.
- عبد الله بن عمر، رغم رفضه الخروج على الحجاج، قال قبل وفاته: "لوددنا أن قتلنا الفئة التي خرجت فينا" (يقصد الحجاج)، معترفًا أن القتال كان قد يكون أفضل.
- ابن حزم الأندلسي: من رأى القتال إحقاقًا للحق، قاتل، ولو أدى إلى مقتله، لأن الحق أغلى من استمرار الوضع الراهن.
- الحسين خرج رغم فرصته الضئيلة، ليشهد أن شرع الله أغلى من حياته، وأن التوريث يجب أن يتوقف.
**فلسفة الحكم الإسلامية**
- الغرب نجح في فلسفة سياسية متوازنة، بينما المسلمون لم يصلوا إليها بعد الخلافة الراشدة.
- الملك الوراثي (كما فعل معاوية) قد يؤدي إلى حاكم غير كفء (كيزيد)، بينما الأمة قد تحتوي من هو أعقل وأعدل.
- عمر بن الخطاب أسس لفلسفة حكم عادلة:
- عزل خالد بن الوليد رغم شرفه ونسبه، لأن الحق أولى.
- عاقب ابن عمرو بن العاص (في رواية ضعيفة) لقوله: "أنا ابن الأكرمين"، مؤكدًا أن الحق فوق الجميع.
- قال: "لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها"، لتأكيد العدل.
- إحقاق الحق يستحق المخاطرة، كما فعل علي عندما قال لكعب الأحبار (أو عبد الله بن سلام): "أخبرني النبي أني مقتول في العراق"، ولم يتراجع، لأن الحق يتطلب التضحية.
**توصيات للدراسة**
1. **كتاب تاريخ الدولة الأموية** (محمد سهيل طقوش):
- كتاب صغير (حوالي 200 صفحة)، يغطي الدولة الأموية بإيجاز، مع جداول ومشجرات للخلفاء وفتراتهم.
- متوفر ورقيًا (دار النفائس) وبصيغة PDF على المكتبة الوقفية.
2. **أطلس تاريخ الدولة الأموية** (المغلوث):
- يوضح الفتوح والحدود جغرافيًا، متوفر PDF وورقيًا (العبيكان).
3. **أطلس الفتوحات الإسلامية** (أحمد عادل كمال):
- يشرح أسباب الفتوح الجغرافية والاستراتيجية. متوفر ورقيًا (دار السلام)، لكن النسخة العربية غير مرفوعة على الإنترنت (الأردية متاحة PDF).
**الخلاصة**
- معاوية وسّع الدولة الأموية عبر فتح شمال إفريقيا (القيروان، المغرب الأدنى والأقصى)، وسيطر على الجزر، وأسس الأسطول، وحاصر القسطنطينية مرتين (49 و54-60 هـ)، لكنه لم يفتحها بسبب قوة أسوارها والنار الإغريقية.
- كرامات الشهداء (كأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن جابر) متواترة، وتؤكد أن جثثهم لا تتغير، كما في مشاهدات حديثة.
- بيعة يزيد كانت خطأً، لأنها أسست للتوريث، وكان رد الأمر للأمة أهدى سبيلًا.
- إحقاق الحق (كما فعل علي، الحسين، وابن الزبير) يستحق التضحية، لأن الحق أغلى من استقرار الوضع الراهن.
- فلسفة الحكم الإسلامية تحتاج إلى اختيار الأعقل والأعدل، لا الوراثة أو القوة، كما أسس عمر بن الخطاب.
**سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.**
تعليقات
إرسال تعليق