إبراهيم عيسى (٢): عن التحجّب
السلام عليكم، أهلاً بكم في حلقة جديدة مختلفة. على نحو مفاجئ، وخلال الأربعين سنة الماضية تقريبًا، أصبحت كلمة "الحجاب" أكثر الكلمات ترددًا في مجال الحديث عن الإسلام والمسلمين. هذه اللفظة ذاتها لم تكن ضمن اللسان العربي والإسلامي واردة ولا دارجة تقريبًا. أما الآن، فإن الحجاب والنقاب، أو زي المرأة عمومًا بشكل عام، صار هاجسًا للإسلاميين، هاجس الإسلاميين. ومعظم كتبهم، محاضراتهم، وفتاواهم تدور حول المرأة: عملها، زيها، صوتها، مشيتها، وواجباتها نحو زوجها.
طبعًا، ليس خافيًا على أحد أن الحجاب تحول إلى ما يُفرض فرضًا على النساء والفتيات، بل والأطفال، منذ سبعينيات القرن الماضي. بينما عشنا طويلًا، وعاش آباؤنا وأجدادنا، في مجتمع لم يكن فيه غطاء الرأس إلا جزءًا من عادات المجتمع، جزءًا من تقاليده. غطى المجتمع رأسه، أو لم يغطِ، أو غطى بعضه رأسه لألف سبب وسبب، لا علاقة للدين به. الأمر يحتاج منا إلى التفكر والتدبر والعودة إلى علوم التاريخ واللغة والتأويل والسوسيولوجيا، وليس فقط علوم الأقدمين والكتب الصفراء. ليس كل ما يأتي به الفقهاء مسلَّم به أو مسلَّمًا به. والزمن أثبت لنا أن هناك الكثير من التابوهات والمحرمات قد تهشمت، والعديد من المراجعات الفكرية والعقائدية قد تمت. وما كان صالحًا في زمان، ليس بالضرورة يصلح اليوم.
تعالوا نعود إلى الأصل، نسمع، نحكي، ثم نكمل قصة نزول آيات الحجاب. فيها كلام كثير. المرجح أن آية الحجاب نزلت مع قصة زينب بنت جحش، في السنة الخامسة الهجرية. في الصحيحين، نجد عن أنس بن مالك - ونحن نتحدث عن أنس بن مالك، خادم الرسول - أنه يروي: لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا، مادُّوا في الفرح، أي الزفاف. قال: فأخذ النبي يتهيأ، كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا. ما قاموا، قاعدين كما هم. يبدو أن النبي أظهر أن الوقت قد حان للرحيل، للقيام، للانصراف، فهناك عرس وزفاف. المهم، لما لم يقوموا، قام النبي. فلما قام، قام من قام من القوم. الناس رأوا النبي قام ومشى، فقاموا ومشوا، وقوم آخرون خرجوا وانصرفوا. فقعد ثلاثة، بقي ثلاثة قاعدين. جاء النبي ليدخل، فإذا القوم جلوس. هل سيتركهم خارجًا ويدخل إلى زوجته؟ إنهم في حالة من الحالات. هل هي غفلة عن الحدث؟ هل نوع من أنواع غياب التهذب؟ وربما الفرحة المبالغ فيها بحضرة النبي؟ القعود في لحظة لا يصح القعود فيها. المهم، بعد قليل قاموا فانطلقوا. قال أنس، الذي يروي أنهم قد انطلقوا. فجاء، يكمل أنس الحكاية، فجاء حتى دخل، رجع، أي دخل إلى زوجته. هنا النقطة التي يُقال عندها إنه "أُلقي الحجاب بيني وبينه". مَن الذي يقول؟ أنس يقول: ساعتها حصل الحجاب.
آية الحجاب هنا هي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. الحجاب هنا ليس غطاء الرأس، ولا له علاقة بالزي إطلاقًا، لا من قريب ولا من بعيد. الحجاب هنا بمعنى الحاجز. هذا هو التعبير والمصطلح القرآني. الحجاب هنا بمعنى الحاجز، وليس بمعنى غطاء الرأس أو الصدر، ولا له علاقة بالزي أصلًا.
أما قصة نزول الآية بمناسبة السيدة سودة، زوجة النبي، فقد جاءت في البخاري ومسلم، مروية عن عائشة. قالت: خرجت سودة بعدما ضُرب الحجاب. ضُرب الحجاب بمعناه، أي فُرض على زوجات النبي ألا يظهرن، ألا يخرجن، ألا يتعاملن مع ما خارج البيت النبوي. خذ بالك، الراوية هي السيدة عائشة، التي خرجت على جمل، وخرجت في حروب، وكانت امرأة جسمية، ممتلئة، لا تخفى على من يعرفها. أي شخص يرى السيدة سودة وهي تمشي، سيعرف أنها السيدة سودة. فرأها عمر بن الخطاب، فقال: "يا سودة، أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين". انكفأت سودة راجعة، لأنها شعرت بالقلق والتوتر والانزعاج من تدخل عمر. دخلت السيدة سودة، وكان النبي غالبًا وقتها يتعشى، لأنها خرجت بالليل. وفي يده عَرق، أي قطعة عظم عليها بعض اللحم. حكت له ما جرى من عمر بن الخطاب، قالت له: قال لي عمر كذا وكذا. توقف المشهد هنا، وأوحي إلى النبي أن يقول. فقال لهم: إنه أُبيح لكنَّ لقضاء حوائجكن.
نحن هنا أمام حالة واضحة جدًا. الحجاب في الحالتين، في الواقعتين، لا نتحدث فيه عن زي. نتحدث عن الحجاب الذي يمنع نساء النبي من الخروج أو الالتقاء بغير أهل بيت النبي، أو خارج حدود البيت النبوي. فلا نتحدث هنا إطلاقًا عن فكرة اللبس والزي. ومع ذلك، من أين جاءت كلمة الحجاب؟ وكيف تحول الموضوع إلى أن هذا فرض الحجاب؟ ربما الخمار، فما هو الخمار؟ ما هو الموضوع كله على بعضه؟ هذا ما نبحث عنه، نفتش، نتحرى، نتقصى، ونتعقل في فهمه.
هنا، فرض الحجاب على نساء النبي، سواء كان زيًا أو مكانًا أو شكلاً أو حاجزًا. هذا الزي المختلف عليه، أو الذي اختلف الناس في تحديد ماهيته وشكله بالضبط، بدليل هذا الاختلاف. وركز معي هنا، فهناك أنواع مختلفة من الحجاب، تبدأ بحجاب يغطي الرأس فقط، وتنتهي بحجاب يغطي ويحجب المرأة تمامًا. أنا هنا، في هذه اللحظة من تاريخنا، أتحدث عن من يرون أن الحجاب فرض، واجب ارتداؤه وفقًا لقراءاتهم للآيات القرآنية وتفسيرهم للأحاديث التي يرونها صحيحة. أقول هذا الكلام في هذه اللحظة، وفي اللحظة ذاتها، هناك من يختلف، وهناك من يرى أنه لا يوجد حجاب. حتى الذين يعتقدون أن الحجاب فرض، مختلفون، ويجرّمون ويؤثمون من ترتدي الحجاب أو غطاء الرأس الذي لا يتوافق مع رؤيتهم، ويتنازعون فيما بينهم حول الواجب تغطيته من جسد المرأة. كل فريق يتسلح بنصوص، ويتسلح بسياط التكفير، وبالصراخ قبل ذلك كله.
وكم من فتاة قُمعت، تعرضت للأذى، سواء في محيط أسرتها، أو في الحي أو الشارع الذي تسكنه، أو في عملها، ونُعتت بأقذع الألفاظ والتهم، وأحيانًا قيل عنها كافرة، شخصيًا، بسبب زيها. كل هذا وراءه خطاب ديني متشدد، يحمل المرأة آثام وشرور العالم، بل ويشطح أحيانًا فيذهب إلى أن المرأة هي سبب أزمتنا الاقتصادية. فالغلاء سيختفي إذا تحجبت النساء، وستعود القدس لو غطت النساء وجوههن. كيف يصل العقل المسلم إلى أن يقول هذا، وعقل مسلم آخر إلى أن يصدق هذا؟ دعونا نذهب إلى هذا التقرير، ونرجع نتحدث ثانية.
الحجاب دائمًا ما يكون في منتصف العديد من المعارك والسجالات. عاشت الدول العربية والإسلامية زمنًا في النصف الأول من القرن الماضي، فيما يُسمى بعصور النهضة العربية، أو ما قبل التأثير الوهابي. وكان الحجاب بعيدًا كل البعد عن الحياة الاجتماعية للطبقة الوسطى والنخب. كان غطاء الرأس في بدايات القرن العشرين لصيقًا بساكنات القرى أو الأحياء الشعبية، ولم يكن زيًا ذا بعد ديني بشكل واضح. مع تنامي المد القومي مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ومشاريع التحديث مع الرئيس التونسي بورقيبة، كان للمرأة دور هام. وشهدت مصر تولي امرأة منصب وزير، هي السيدة حكمت أبو زيد، عندما اختارها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر أول وزيرة للشؤون الاجتماعية. بينما كان نظام الحكم في تونس يحاصر الحجاب ويحجم المظاهر الدينية في سياق صراعه مع الأصولية الدينية، وفي إطار مشروعه العلماني.
بعد هزيمة عام 1967، كما أشار الكاتب صادق جلال العظم، المفكر السوري الراحل، صاحب المؤلف الشهير "نقد الفكر الديني"، الذي يعتبر عملًا مؤسسًا في نقد الخطاب السائد، بدأت الجماهير تبحث عن الدين بعد انهيار المشروع القومي. وشكلت حادثة تجلي السيدة العذراء فوق كنيسة الزيتون بعد النكسة بداية النزوع الديني الواضح عند الجماهير المهزومة. هنا بدأ الفكر الأصولي والسلفي يجد له أرضًا. وفي فترة السبعينيات، تنام بشكل واضح مع الصحوة الإسلامية التي شهدتها المملكة العربية السعودية عام 1979، وأيضًا مع الثورة الإيرانية. وهما حدثان ارتبطا بتصاعد المد الإسلامي بشقيه الشيعي والسني. وبدأت الدعوة واضحة للحجاب وللحشمة، وتصاعدت الأصوات المطالبة بوجوب فرض الحجاب. وبدأت الدعوة تأخذ شكل الترغيب، وأحيانًا الترهيب من الكبائر.
انتشرت الدعوات لحجاب المرأة، وربما لنقابها أيضًا، انتشار النار في الهشيم في كل الدول العربية والإسلامية. وأصبح فرض الحجاب أحد أهم أسلحة الإسلاميين في معركتهم مع القوى الفكرية والمجتمعية الأخرى. فالحجاب، ومن بعده النقاب، هو رمز لهيمنة الفكر الإسلامي على المجتمع. ظهرت الأشرطة والكتيبات والملصقات على الحوائط وفي المواصلات العامة، وظهرت شعارات مثل: "الحجاب قبل الحساب"، و"ينتهي الغلاء إذا تحجبت النساء".
اليوم، لا يزال الحجاب، وأحيانًا النقاب، محل شد وجذب وجدل واسع، ليس في الدول الإسلامية فقط، بل في الدول الغربية. هل هو زي ديني أم اجتماعي؟ هل هو أمر واضح لنساء الرسول أم لنساء المؤمنين؟ هل العفة في الزي أم في العقل؟ هل خلع الحجاب هو خلع للدين؟ لعلنا نتذكر تصريحات بعض قادة الإخوان المسلمين أن معركة الحجاب في السبعينيات خاضوها ليبرهنوا على قدرتهم على السيطرة على المجتمع وأسلمة المجتمع. فاعتقادهم أن خلاص المجتمع وإعلان إسلامه كان حين ارتدى حجابه. ولعل أغلبنا قد تابع بكائيات السلفيين على خلع فنانة مصرية للحجاب مؤخرًا. وكأن تحجب النساء أو ارتدائهن غطاء الرأس برهان على سيطرة التيار الإسلامي على المجتمع، دليل على تفوق التيار الإسلامي، ليس تفوقًا علميًا أو فكريًا، لا، لا، تفوق بالزي، باللبس.
ليس الأمر يتعلق إطلاقًا بتقدم فكري أو علمي أو أخلاقي حتى، وإنما يُحصر الأمر في زي المرأة. ارتداء الحجاب، خلينا نقول حرية شخصية. ولكن عدم ارتدائه أيضًا حرية شخصية. وارتداء الحجاب والاعتقاد أنه أمر وفريضة، أو عدم ارتداء الحجاب والاعتقاد أنه حرية شخصية، هذا يفرق كثيرًا جدًا. أما وصف من لا ترتديه بالمعصية، فليس من باب الحرية إطلاقًا. الحرية أن تقبل بقرارها، سواء ارتدت أو لم ترتد. لكن، في الوقت نفسه، الحجاب، وبشكل موضوعي، علمي، ديني محض، هل فعلًا هو الحجاب الذي يتحدثون عنه ويعتبرونه غطاء للرأس أو نقابًا؟ أم أن الحجاب شيء آخر؟ قرآننا يقول شيئًا آخر، ليس ما ذهب إليه هؤلاء.
تعالوا نذهب، نسمع، ننصت، نتحاور مع ضيفنا، ونشوف الحجاب، ذلك الذي يزعمون أنه حجاب.
إذا، دعوني أرحب بضيفي الكبير، الكاتب والباحث المغربي الدكتور علي اليوسفي. أهلاً بك، دكتور علي، منور، شكرًا. أنا بأصور حضرتك بتقول إنه في كتاباتك ومقالاتك ودراساتك تتحدث أن الثقافات السابقة على الإسلام، نعم، كانت تحمل حجابًا أيضًا، وأن الحجاب لم يكن يعني ابن الرسالة، الرسالة الدينية الإسلامية، وإنما كان ابن المجتمع من قبل هذه الرسالة. فين، مين الحجاب عرفته حضارات سالفة؟ منذ يعود ذكر الحجاب، أو الإشارة إلى ما معنى الحجاب، إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد مع الآشوريين، الثاني عشر قبل الميلاد، حيث كان الآشوريون يعتبرون أن النساء المتزوجات يجب أن يرتدين الحجاب، أو يغطين شعرهن أو رؤوسهن. بتكلم عن الحجاب هنا بمعنى غطاء الرأس، بمعنى غطاء الرأس، وليس نقابًا أو شيئًا من هذا القبيل، وغطاء الشعر تحديدًا. وما يدل على ذلك هو أن المرأة إذا لم تغطِ شعرها، تُقطع أذنها عقابًا لها لأنها خرجت بشعرها مكشوفًا، إلا العاهرات. إلا العاهرات، عند الآشوريين، كان يجب أن يخرجن عاريات الشعر، وأن يكون شعرهن أحمر حتى يُعرفن. إذا، هنا تمييز بين العاهرة والمتزوجة. هنا أصل زاوية الشعر الأحمر، والشعر الأحمر يعني عاهرة ومستورة. بعد كده، في العربية، الحمر، بعد رايات الحمر، وزي الجواري برضه في الثقافة العربية بعد كده، اللي هو بعدين، يعني سنمر بمراحل للوصول إلى مفهوم الجواري.
عندما نذهب عند الرومان، وعند الرومان، سنجد نفس الفهم، نفس الفهم، أن هناك المتزوجات يرتدين أو يغطين شعرهن، والإماء لا. وهنا يبقى التداخل، أو يحصل التداخل، مع ما سيأتي في وقت لاحق مع المسلمين. عندما ننتقل إلى الحضارة الفارسية، نجد أن الفرس، أو نساء الفرس، يجب أن يغطين شعرهن إذا كن ينتمين إلى طبقات معينة. إذا، هو تمييز اجتماعي بين طبقة عليا وطبقة سفلى، بدون تحديد مفهوم الإماء. لما ننتقل إلى اليونان، أو الحضارة اليونانية، نجد أن النساء كان عليهن أن يغطين شعرهن، كل النساء. لماذا؟ إن المرأة لم تكن تُعتبر مواطنة، مواطنة يونانية. الرجل فقط هو المواطن، والمرأة تُسمى امرأة اليونان، أو امرأة أثينا، لافمين، بمعنى هذا أن في كل هذه الحضارات، مررنا من القرن الثاني عشر قبل الميلاد إلى حدود ما قبل الإسلام، أو ما قبل مجيء الإسلام، كلها عرفت غطاء الرأس بتفسيرات، إما اجتماعية، أو أسرية، متزوجة أو غير متزوجة، أو إقصاء للمرأة من الفضاء العام ومن القرار، وهو ما كان عليه الوضع في أثينا في اليونان.
قبل أن نأتي إلى الديانات السماوية، وعندما نأتي إلى، قبل ما نروح للديانات السماوية، ليه، ليه شعر المرأة هاجس حتى لمثل هذه الحضارات والثقافات؟ إذا كان، يعني، هو علامة، إذا كان يجب على المرأة أن تستر شعرها، والمرأة الآشورية يجب أن تعري شعرها، معناه أن في تلك الفترة كان الشعر يثير الشهوة أو الرغبة لدى الرجل. ولذلك، ما كان يُمنع في الشهوة، أي المرأة المتزوجة، والمرأة من الطبقة العليا، أن تستتر حتى لا تثير، والعاهرة أو الإماء التي كانت مباحة يمكن أن تثير. مع هذا، ليس هناك دليل علمي عليه، وإن يُفهم من السياق. يعني، لما نبدأ في المسيحية الأولى، سنجد أن المرأة كان يجب أن تغطي شعرها فقط في الفضاء الديني، أو في الاجتماعات الدينية، أما في الفضاء العام فلا. يمكن هذا في القرن الأول، أي المرأة عندما تذهب لأمر ديني، أو في اجتماع ديني، تغطي شعرها، في الفضاء العام لا. في القرن الثاني، سيصبح أن المرأة يجب أن تغطي شعرها في الفضاء العام أيضًا، حتى لا تتشبه بالرجل. الرجل يجب أن يبقى شعره عاريًا، لأنه، كما يقولون، على صورة الله، أما المرأة فهي على صورة الرجل، أي تحت الرجل درجة. ويقول: يجب أن يغطين شعرهن حتى يظهر حضور الرب في قلوبهن. إذا، المرأة المؤمنة في القرن الثاني، المرأة المؤمنة المسيحية، تغطي شعرها في الفضاء العام، وليس في الاجتماع الديني، حتى تثبت أنها مؤمنة.
في القرن الخامس، سنجد مرحلة أخرى متقدمة، ليس فيها الدليل على الإيمان، وإنما سيحضر مفهوم الإغواء، أي أن المرأة يجب أن تغطي شعرها حتى لا تغوي، ولا تغوي من؟ لا تغوي الملائكة، ليس حتى البشر. إي، إن مفهوم الإغواء، أو ربط الشعر بالإغواء وبالغريزة الجنسية، يدخل في القرن الخامس، الخامس للميلاد، أي قبل الإسلام، قبل ما، مفاهيم دينية مسيحية بتتطور، لكن كلها في إطار غطاء الرأس برضه، غطاء الرأس، ليصبح مفهوم الشهوة أو مفهوم الإغواء واضحًا أو بينًا في نهاية المطاف. أما في اليهودية، عفوًا، وده برضه يبرر زي الراهبات، أن زي الراهبات وحضور الله في قلوبهن يدل على غطاء شعرهن، أو غطاء شعرهن يدل على حضور الله في قلوبهن. ثم نلاحظ أن الراهبات، أي المتحجبات في مجموعة من التوجهات المسيحية، لا علاقة جنسية لهن، ولا زواج، إلى غير ذلك، معناه هذا الحضور يصبح قويًا إلى حد الامتناع عن كل شيء.
العهد القديم بقى، واليهودية ما قبل المسيحية، هذا لم أذكر اليهودية، شكرًا على التنبيه. اليهودية كان فيها اللباس، أو رداء الرأس، حرًا. معنى المرأة تغطي رأسها ولا تغطي رأسها. متى تغطي شعرها؟ تغطي عندما تُخطب، لدى أنها تصبح متزوجة، أي في هذه المرحلة، مرحلة الخطبة. المرأة في اليهودية التي تغطي شعرها، يُفهم من المجتمع أو من المحيط أنها انتقلت إلى مرحلة الخطبة، أين لم تعد عازبة. في المسيحية الأولى، تحلق شعرها، ليس تُقطع أذنها، وإنما تحلق شعرها، أما تغطي أو تحلق. إذا، يصبح الشعر هاجسًا، هاجسًا.
عفوًا، طيب، الثقافة العربية كانت بتعامل إزاي مع غطاء الرأس بقى ما قبل الإسلام، الجزيرة العربية؟ نعم، هذا الموضوع له سياقه، وهذا السياق التي أتت آيات قرآنية متتالية للإجابة عنه، أو لحل هذه المعضلة، أو المشكلة، أو ما أصبح من خمس هجري، من خمس للهجرة. وإذا شئتم، أتحدث هنا في الموضوع. هو أن في كتب المأثورة تقول، أي ما يُروى عن الأحاديث وعن الروايات في الطبري أو في غيره، أن أول من دعا إلى تحجيب نساء الرسول هو عمر بن الخطاب، ليس القرآن من بدأ، وإنما عمر بن الخطاب هو من بدأ، الذي قال للرسول: إن بيتك، أو نساءك، يدخل عليه البر والفاجر، أم البر والفاجر، فاحجبهن، احجبهن، أي اعزلهن عن، يعني الحجاب هنا بمعنى المنع والعزل، بمعنى المنع، بمعنى العزل، فاحجبهن، أي فاعزلهن. وعن عائشة أنها قالت: إن عمر قال للرسول: احجب نساءك. وليس حجب، احجب، اعزل نساءك. نفهم أيضًا من هذا، من هذا السياق، لماذا يقول عمر هذا؟ إذا أردنا، أو أراد المشاهد الكريم، أن يتوسع في هذا الموضوع، لماذا هذه الدعوة، أو لماذا عمر يدعو إلى هذا؟ يجب أن نقرأ كتابًا للدكتور خليل عبد الكريم، اسمه "مجتمع يثرب"، ونلاحظ مستوى التحلل الأخلاقي، والعلاقات الجنسية خارج الزواج، والخيانات الزوجية، أن هناك نوعًا من الفوضى الجنسية في هذا المجتمع، مجتمع يثرب، الذي هاجر إليه الرسول، فأصبحت يثرب مدينة النبي. إذا، عمر يخاف، أو يغار، على زوجات النبي من أن يُصبن بهذا الضرر، وهذا الشرط. يعني هو عايز يعمل ضبطًا خاصًا وضبطًا عامًا. الضبط الخاص هو الضبط، الضبط العام هو الضبط واقع المدينة بعد مجيء الرسول، والضبط الخاص بقى هو الخاص ببيت الرسول نفسه. هنا، الموضوع بيت الرسول فقط. معنى أن عمر لم يدعُ الرسول إلى محاربة الفساد، أو محاربة الخيانة الزوجية، لم يكن باستطاعته أن يفعل ذلك، وهو جديد في هذا المجتمع.
وكان، يا دكتور علي، عايز تقول لي إنه غطاء الشعر هو عنوان، يعني، أو الاتقاء هذا الشر؟ إذا سمحتم، أستاذ، فقط نفصل بين غطاء الشعر، متعلق بحضارات سابقة، وفي الإسلام لا حديث عن الشعر، لا وجود للشعر في آية القرآن بالمرة. معنا أن هناك فقط احجب، بمعنى اعزل. والأحداث تتطور، تتطور لنصل إلى نوع لفهم معين من الحجاب. إذا شئتم، يعني المنع ده، زي ما يعني الحديث المنسوب للسيدة عائشة، أنه لو النبي عرف ماذا يجري بين النساء وهن رايحات يصلين، أو في الصلاة، لمنع صلاة النساء. يعني، واضح أنه في مجتمع، اللي هو انتهى بأنه حديث إفك. عادي ينزل حديث إفك، يعني يبقى في حديث إفك. فكان حرص عمر من ده، سببه ده، مرده ده، أن المجتمع قابل أن يبقى في نوع من أنواع حديث الإفك. نعم، إن المجتمع، مجتمع نقول هكذا متحلل، أم، أي إن ما يُسمى، أو ما سيعرف بالأخلاق الإسلامية، لم تتمكن بعد من هذا المجتمع، وأن أخلاق، هذه الأخلاق ما قبل الإسلام، هي أخلاق متجذرة، هي ممارسات، هي حياة. ولذلك، عمر في هذه المرحلة كان هو أن يفصل نساء النبي عن هذه الشبهات. فاستجاب القرآن، ليس، ليس، ليس بهذه السرعة، لأن ستقع أحداث إضافية، وهي أن تروي أيضًا كتب المأثورة أن لما تزوج النبي من زينب بنت جحش، وبعضهم يقول من أم سلمة، حصل أنه أقام مأدبة، فحضر الرجال، وتعشى الرجال، والنبي كان ينتظر أن ينصرف الرجال، ولم ينصرف الرجال، وظلوا يتحدثون، وتضايق النبي. هذه ليلة عرسه، أو ليل زفافه بزينب، تضايق من عدم فهم هؤلاء أنهم يجب أن ينصرفوا. من هنا، نزلت آية الحجاب، ولم تنزل بعد، يعني تقع أحداث أخرى. يخرج النبي، يرجع، فلم ينصرفوا بعد، ويتأذى النبي. بل هناك إضافات عند الأستاذ منصور فهمي، في كتاب "لا كونديسيون دو لافام أون لإسلام"، واقع المرأة في الثقافة الإسلامية، أو في الإسلام، يقول بأن الرسول في هذا الاجتماع رأى بعينه رجلاً يلامس يد عائشة، زوجته، التي كانت حاضرة في هذه المأدبة، فتأذى بذلك، ولأنه كان حييًا، لم يقل شيئًا، أي لم ينهره، يعني، أو لم يعلن.
يحدث آخر، أن الرسول كان مع عائشة، زوجته، أبي بكر، فدخل عيينة الفزاري مباشرة، لأن البيوت لم تكن لها أبواب، أه، دخل عليه، فقال: من هذه الحميرة؟ وهي كانت، طبعًا، لا تزال شابة صغيرة. قال: هذه عائشة، أم المؤمنين. قال: أأنزل لك عن أجمل منها فتنكحها أمام عائشة؟ إذا، هنا، هذه المعطيات كلها، إضافة إلى غياب الخصوصية، وقت خصوصية للنبي، خصوصية، خصوصية النبي. وهناك واقع اجتماعي، أضيف فقط حادثة رابعة قبل الآية، هو أن الكثير من الصحابة من محيطي الرسول كانوا يتوعدون، وأقول هنا يتوعدون، أو يعدون أنفسهم بأنهم، عندما يموت النبي، سيتزوجون نساءه. لماذا أقول كل هذه الأحداث؟ لأن عندما نقرأ الآية الأولى التي تأتي، ستجيب عن كل هذه المعطيات، حيث تقول في سورة الأحزاب، الآية 53: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، إجابة عن عيينة وغيره، طبعًا، من يقوم بهذا، ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، يُؤذن لكم إلى طعام، المستدعون إلى غير ذلك، ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، لأنهم لم ينتشروا، فالآية تقول: اخرجوا، يعني، خلّصوا، ارحلوا، ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾. يعني، كان محتاجًا أن ربنا سبحانه وتعالى يتدخل بآياته الكريمة علشان آداب السلوك مع ينظم المجتمع، ينظم المجتمع، بمعنى أن ده معناه أنه كان حاجة جلل، لأن، يعني، واضح أنه كان، لكي تأتي في آية قرآنية، معنى نزول إلهي، نزول إلى، مع أن هناك كارثة اجتماعية تمس النبي في، تمس في أخلاقه، في زوجته، غير ذلك. ولذلك، تنزل آية فصل لتقول ما ينبغي القيام به، وما لا ينبغي القيام به، ومتى. ولذلك، نحتاج إلى الدراسة التاريخية للنص القرآني وأسباب النزول، بدل الذهاب في تأويلات وإضافات.
وإذا سمحتم، فقط تتم الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ﴾. هنا، لاحظ أن الآية هنا شاملة لكل الأحداث التي صارت تاريخيًا، وأن الأحداث سابقة عن الآية، وليست الآية متنبئة بالأحداث. أي أن الآية جاءت لتجيب: ﴿إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. هل يمكن أن نفهم من الحجاب هنا الشعر، أو رداء الشعر؟ ﴿وَإِذَا خَاطَبْتُمُوهُنَّ فَخَاطِبُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، أي من وراء فاصل. إذا أخذنا بعين الاعتبار أن البيوت لم يكن لها أبواب، وإنما كانت لها فقط فواصل من ثوب، وكان الناس يدخلون ويخرجون، نفهم، نروح للآية الثانية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾. هنا، نفهمها إزاي في إطار غطاء الشعر، ولا مش غطاء الشعر أبدًا، ولا هو غطاء الشعر؟
الآية الثانية، الآية 59 من سورة النور، تأتي في سياق يصبح اجتماعيًا، أي أن الآية لا تخص أزواج النبي، وإنما تخص أزواج النبي وأزواج المسلمين، أزواج النبي وبناته وأزواج المؤمنين، ليقول: ﴿وَيُدْنِينَ بِجَلَابِيبِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، إلى غير ذلك. هناك آيتان، آية في سورة النور، وآية في سورة، معنى أن السياق هنا أصبح سياقًا يشمل المجتمع، أي أن نساء المؤمنين أيضًا يجب أن يدنين بجلابيبهن. والجلباب هنا، الجلباب هو الثوب الفضفاض الذي كانت تضعه المرأة على كتفها، أو تلبسه لتخرج به من البيت، هو الملحفة، أو اللحاف، هو الإزار، إلى غير ذلك. وتدني به، أي تقربه من الجيب، والجيب ما بين الثديين. معناه أن الإشارة هنا إلى منطقة الإطار، منطقة جسدية، ولا حديث عن الشعر. لو كان الله يريد أن يقول بأنه، لقال: يُنزلن، يُسقطن، أي هناك شيء فوق الرأس وننزله، وليس يُدنين. يُدنين معناه يقربن، أي أنه متباعد، فنقرب على الجيب، أي على منطقة يمكن أن تكون منطقة إثارة. وأنا ذكرت في إحدى مقالاتي في هذا الموضوع أن سوق المدينة كانت تعج بالإماء، وبالبيع والشراء في النساء، وأن الرجال المشترين كانوا يلامسون أثداء النساء لتمكن، أو معرفة مدى صلابتها. معناه أن هناك بضاعة، وأن الثدي كان يُعرى. ولذلك، كان على المؤمنات أن يتميزن، يُسمى يُزن، فيغطين صدورهن.
منين بقى جاء الشغف الفقهي، نعم، بأن هذه الآيات تعني، والإدناء ده يعني غطاء الشعر، وغطاء الوجه أيضًا بقى، ونقاب؟ منين جاء هذا التشبث الشديد بهذا التفسير؟ المسألة، وهذا منهجيتي في التعامل، يجب أن تقتضي تتبع المراحل التاريخية لتطور المجتمع الإسلامي. هذه الصفة التي جاءت في الآية الأولى، أي أن نساء المسلمين يجب أن يتميزن، لأن، أضيف حديثًا آخر، أن نساء كن يخرجن لقضاء أغراضهن الطبيعية، فكان الرجال يتربصون بهن، فقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، أي نساء الرسول وبناته ونساء المؤمنين، دا الإماء. وهنا نرجع إلى ما قلناه مع الرومان، هنا التداخل بين المسألتين، يجب أن يتميزن، أن يُعرفن فلا يُؤذَيْن. ما الذي حصل؟ لإجابتي عن، أنا برضه فاهم القبول بفكرة الإيذاء دي، يعني كان الإيذاء مشروع؟ نعم، إحنا بس عايزين نميز النساء دول عن الإيذاء، والتانيين يتقوا زي ما هم عايزين؟ مشكلة عظمى، إلا إذا كان في فهم كلمة الإيذاء دي، أو مصطلح ده، فهم أوسع من فكرة الإيذاء الجسدي، أو التحرش، أو، هو تحرش وإيذاء جنسي، لأن نساء الرسول، لما كن يخرجن لقضاء أغراضهن، كن يشتكين من أن رجالاً يتعرضون لهن من أجل مغازلتهن، أو شيء من هذا القبيل، أي المسألة ذات بعد جنسي، أو بعد إغوائي. فقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، أي هن يجب أن لا يُؤذَيْن، نساء المسلمين. أما، يعني، ده الحجاب معمول علشان، أو الإدناء بالجلباب، يعني عشان التمييز والمعرفة، مش عشان التجهيل، يعني عشان التمييز والمعرفة، عشان ما يشوفهاش، ده عشان يشوفها ويعرف أنها، يعرف أنها مرأة، زوجة فلان، لا أؤذيها. بس الإماء، أو الإماء، قلنا مستباحات، وهذا نجده في سوق النخاسة، في سوق العبيد، في كذا. هذا موضوع آخر، موضوع النخاسة في الإسلام، أو في الثقافة الإسلامية.
الحديث المنسوب إلى النبي، أن هم بيتكئوا إليه، اللي هو أنصار الحجاب: المرأة كلها عورة إلا الوجه والكفين. بينما أنصار النقاب ودعاة النقاب، رأيهم أنه حديث ضعيف، وأنه حديث لا يمكن الأخذ به. أستاذ، أستاذي، لو سمحتم، فقط، إذا في الإشارة التاريخية، قلت، أو كنت بصري، أن يقول قبل قليل بأن بعد وفاة الرسول، أي خلال الربع الأول من، بعد من القرن السابع، لم يكن الرداء، أو جذب الحجاب، أو جذب هذا الغطاء على الصدرين، لم يكن إلا للتمييز نساء الرسول، نساء المؤمنين عن الإماء. في هذه المرحلة، كله كان عادة لباسية، ليس فريضة ولا أي شيء. عندما تتوسع الفتوحات، سيزداد سوق الإماء، يعني سيغتني سوق الإماء، حينما يغزون الفرس، ويغزون مصر، ويغزون سوريا، وغيرها، يعني ستتقاطر الإماء والسبايا والإماء، فيصبح هناك ميل تدريجي عند الطبقات العليا إلى تمييز نسائها، كما ميزت نساء الرسول عن الإماء. فهنا نعزم ونصل هنا، ليس، لا تبحث عن الحديث، نخرج من سياق نساء الرسول وكذا والإماء، إلى أن كل النساء، الطبقات المحترمة، والطبقات كذا، يجب أن تتميز. ولكن، ماذا سيظهر؟ الحجاب بهذا الشكل، الذي هو المرأة تحجب كلها، أو تغطي رأسها، كل النساء، سيظهر في القرن الثالث الهجري، أي في القرن الثالث الهجري، مع الإمام يحيى في اليمن، لما يلاحظ الإمام يحيى أن نساء الأعصم في اليمن كانت لهن سلوكات جنسية مشبوهة، وعلاقات جنسية مشبوهة، فيقول: النساء يجب أن يسترن شعرهن كله، يغطين شعرهن، يتغطين. هنا يظهر مفهوم الشعر في القرن الثالث الهجري. إذا، هذا بعيد عن الحديث، حتى عن أحاديث البخاري التي تُنسب إلى البخاري، 200 سنة بعد وفاة الرسول، وهذا فيه نظر. يعني، كيف أن الله تعالى لم يقل كلامًا، وكما قلت في مقالي، الله الذي يتحدث اللغة العربية، واختار أن ينزل القرآن باللغة العربية، لماذا لم يستعمل كلمة شعر أطلق؟ هل كان ذلك أصعب عليه؟ لماذا قال: ﴿يُدْنِينَ بِجَلَابِيبِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، ولم يقل على شعرهن؟ كيف يعقل أن أشخاصًا يسمون أنفسهم علماء، أو رواة حديث، أو مبدعي حديث، يأتون لتكميل القرآن؟ هل القرآن ناقص؟ السؤال: إذا كان القرآن ناقص، الله ناقص؟ ولا أعتقد أن مسلمًا يمكن أن يؤمن بهذه الفكرة. وإذا فكر المسلم بعقله، الله الذي أحاط بكل شيء علمًا، وسمى كل شيء، لماذا لم يسمِّ هذا باسمه؟ لو هل كان الله يقصد شيئًا ويستعمل معنا بلاغة، والبلاغة يفهمها فقط عتاة القوم، أو عتاة اللغة العربية، وباقي الشعب يذهب إلى جهنم، الذي لا يفهم البلاغة، أو يحتاج دائمًا إلى مرشدين؟ يبدو أن هم، يعني، الكهان في حاجة دائمًا إلى وظيفة، وظيفة شاغرة في التاريخ دائمًا للكهان.
أشكرك جدًا، دكتور علي، أشكرك للغاية. تعالوا بقى نشوف فيديوهات تقدم لنا العينة البينة عن طريقة التفكير السلفي الوهابي في الحجاب، بمعنى غطاء الرأس، بمعنى، يعني، لتذهب المرأة إلى الجحيم عمومًا. يعني، يلا نشوف.
"المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾، ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، وأطعن الله ورسوله. ترى، هذا إثم متعدٍ. هي ذكرت أن المرأة تكون متبرجة في أقصى أنواع التبرج، ولكنها تصلي وتذكر الله عز وجل، وتصلي الفجر. نقول في ذلك: دليل على إسلامها، ولكن فعلها ذلك، هي فاسقة. بالنسبة للنقاب، لا شك، باتفاق أهل العلم، أن النقاب أفضل من الحجاب، باتفاق أهل العلم، أن المرأة إذا غطت وجهها أفضل من التي تكشف وجهها. لكن تغطية الوجه ليس مجمعًا عليها بين فقهاء أهل السنة عبر التاريخ كله. هنا يأتي الحكم السائد في البلد، فإذا كانت المرأة لا ترى غضًا إذا تنقبت، فإن الأكمل في حقها أن تتنقب، أن تتنقب. لكن لو كانت في بلد الفتوى فيه على أن الوجه يمكن إظهاره من غير أن يكون فيه تجمل، فلا يمكن حين ذاك إلزامها."
أنا رأيي، موتها أحسن. يعني، إذا كان في إجماع من أهل العلم، وأقول لك: اتفق أهل العلم. دي مين أهل العلم؟ علم إيه؟ ومين أهل العلم دي؟ وإيه معنى الإجماع؟ وجايب منين الإجماع؟ وجايب منين الثقة دي؟ وإيه درجة العدائية المفرطة تجاه المرأة دي؟ وإيه شيطنة المرأة دي؟ وإيه الهاجس الذي يملك على هؤلاء عقولهم؟ هاجس المرأة والرعب الفظيع بفكرة أن المرأة تغري وتغوي، وأن الشيطان وراءها وأمامها وخلفها ومعها؟ شيء لا يمكن أن تقف عنده إلا متعجبًا، مستغربًا، مندهشًا من هذه البداوة، وهذه الصحراوية، وهذا الفكر الذي لا يفكر بنصفه الأعلى من الجسم، ولكن يفكرون بنصفهم السفلي من الجسم. يلا، إلى فيديو آخر.
"فمثلاً، رأى النبي صلى الله عليه وسلم، فيما صح من أحاديث ليلة المعراج، نسوة أو نساء معلقات من شعورهن. من هؤلاء، يا جبريل؟ قال: هؤلاء نسوة أو نساء من أمتك كن يُرَيْنَ شعورهن الأجانب. يعني، معنى كده أن اللي خرجت بشعرها هكذا أمام الناس، هذه من موجبات عذاب القبر. يعني، هناك الشعر فقط عُذبت، فما بالك ببقية الجسد؟ وأنتِ على الصراط، المحجبة هتعّدي بسرعة إن شاء الله، والمتبرجة، بكل أسف، الشاب اللي فتنتيه، تحت، بيتعذب في النار. أول ما يشوفها، يقول: يا رب، هي دي اللي فتنتني وضيعتني، وكانت سبب دخولي النار. تلاقي الكلاليب خطفتها. ربنا يعافيكي يا رب. أنا خايف عليكي. لو لبستِ الحجاب، إن شاء الله هتلاقي على باب الجنة أمك عائشة وخديجة وحفصة مستنيينك. هتروحي تجري عليهم، ترمي نفسك في حضنهم، يقولوا لك: أهلاً ومرحبًا ببنتنا، ياخدوكي في حضنهم، ويخشوا معاكِ الجنة، لأن النبي مستنيكِ على باب الجنة، صلى الله عليه وآله وسلم."
طيب، يعني، هو هنا، خلينا نبدأ بحكاية الحب ده الفظيع، والطريقة الجميلة دي بتاعة، والراجل اللي واقف تحت اللي إنتِ فتنتيه، وهيستنوكي على باب الجنة، جابك ده منين؟ يعني، أي عقل، وأي خيال، قدّم له المشاهد الدرامية دي؟ وإزاي الولد اللي هي فتنته بأنها بشعرها، هإزاي هيتعذب، يقول ده هو في النار؟ يعني، هي، إحنا لسه في الصراط، ما نعرفش الجنة من النار؟ وبعدين، إحنا، يعني، يُزَّ للمرء في يوم القيامة، ولا هيفضى لا لأمه، ولا لأبيه، ولا لصاحبته، ولا لأخيه، ولا لأي حاجة خالص؟ فهو فاكر بقى اللي معدية بشعرها وأغرته؟ إيه العبث اللي بيتقال ده؟ لكن، مش مشكلة، العبث اللي بيتقال ده، مشكلة من يصدق هذا العبث، هذا الخيال. طبعًا، الغرض لطيف، الغرض والبحث عن قيم وأخلاق وبتاع وكلام من ده، أنما يدوس على كرامة المرأة، على كبرياء المرأة، على المرأة نفسها، دعوة، دعوة، أو ادعاء بأن ده بحث عن القيم. زي اللي بيقول لك: وفي المعراج، متعلقات بشعرهن، وأصل ده موجبات عذاب القبر. طب، أنا أحب أقول لك إنه ما فيش عذاب قبر، نعمل إيه في الحكاية دي؟ وعايز أقول لك إنه في كتير جدًا من الباحثين، رأيهم إنه ما فيش معراج، فروايتك كلها قايمة على إيه؟ الإرعاب والتخويف ده كله ليه؟ هو ليه فعلاً فقهاء السلفية، السلفية والوهابية، والفقهاء عمومًا، يعني، مرعوبون من شعر المرأة؟ ما الذي في شعر المرأة يجعلهم جميعًا على هذه الدرجة من الهوس بهذا الشعر، وبمنع هذا الشعر، وغطاء هذا الشعر، وحجب هذا الشعر؟ في إيه، في إيه بالظبط في الشعر بيعمل فيهم كده؟
إذا، دعوني أرحب بضيفي الكاتب والباحث الشاب، الأستاذ إسلام مصطفى. أهلاً بك يا فندم، منورنا يا أستاذ إسلام. كتابك "الحجاب بين الحقيقة والسراب"، تمام، خد بأذن بقى، ما بين الحقيقة والسراب، إيه السراب وإيه الحقيقة؟
**الحقيقة**، يا أستاذ إبراهيم، إن لفظ "الحجاب" في القرآن ذُكر في ثمانية مواضع، وما فيهمش ولا واحد يدّعي أو يستدعي إن المرأة تلبس زي معين. من ناحية تانية، الحقيقة إن هذه الثمانية مواضع اللي نزلت فيهم كلمة "الحجاب"، كانت كلها تخص مواقف معينة، وما كانتش بتخص المرأة عمومًا. فيه بس موضع واحد، وهو الآية: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، ودي برضو ما ليهاش علاقة بزي. التفاسير كلها، من أول ما نزلت، قالت إن "الحجاب" هنا يعني حاجز مادي، زي حيطة أو ستارة أو باب، مش غطاء على الرأس.
**الحقيقة التانية**، إن الحجاب، أو بمعنى أصح غطاء الرأس، كان موجود قبل الإسلام أصلاً، وكان زي تمييزي. يعني إيه؟ كانوا بيستخدموه عشان يفرّقوا بين الحرة والأمَة. الحرة تلبس زي معين عشان الناس تعرف إنها حرة، والأمَة تلبس زي تاني، أو ما تلبسش غطاء أصلاً، عشان يعرفوا إنها أمَة. دي الحقيقة، إن أصل الزي ده كان اجتماعي، مش ديني.
**فين السراب بقى؟** السراب هو كل التأويلات والأحاديث والمرويات اللي اتراكمت فوق النص القرآني، وبدأت تمشي في سياق يخدم فكرة معينة. يعني لما نزلت الآيات، بدأ الفقهاء والمفسرين يطوّعوا التفسيرات، وحتى الأحاديث، عشان يقولوا إن "الجلباب" أو "لا يُبدين زينتهن" يعني غطاء الرأس أو شكل معين للزي. لكن دي مفاهيم وتفاسير ما ليهاش علاقة بجوهر النص القرآني. وبالمناسبة، فيه اختلاف كبير في التفاسير، مش إجماع زي ما البعض بيحب يقول.
خد عندك، كلمة "يُدنين" في الآية ﴿وَيُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، الراغب الأصفهاني في "مفردات ألفاظ القرآن" قال إن معناها "يقرّبن الشيء"، يعني ما فيهاش أي دلالة على غطاء الرأس أو الوجه. وكمان، كلمة "جلباب" نفسها، محدش متفق على معناها! ابن حجر العسقلاني، في القرن التاسع الهجري، هو الوحيد اللي قال إن الجلباب يغطي الرأس والوجه، واستند على مرويات عن ابن عباس، كلها ضعيفة، بتقول إن الجلباب يغطي عين واحدة، أو يظهر عين، أو عينين. تخيّل! حتى كلمة "جلباب" نفسها، القدامى ما كانوش متفقين إنها تعني إيه. ابن حجر نفسه في "فتح الباري" قال إن الجلباب معناه بيتحدد حسب السياق. وابن منظور في "لسان العرب" قال إن الجلباب ممكن يكون الإزار، يعني اللي بيغطي الوسط، بناءً على حديث. يعني هم أصلاً مش عارفين معنى "جلباب"، فمنين جابوا فكرة إنه زي معين أو غطاء رأس؟
**الحديث اللي بيقول "المرأة عورة"**، ده برضو له قصة. الحديث ده، اللي بيقول: "المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان"، مش قول الرسول صلى الله عليه وسلم. ده قول منسوب للصحابي عبد الله بن مسعود، والأحاديث اللي مرفوعة للرسول كلها ضعيفة جدًا. حتى الدرقطني قال إن الثابت في الحديث ده هو قول ابن مسعود، وده ما يلزمناش بحاجة، لأنه وجهة نظره هو.
**الحديث التاني**، اللي بيقولوا إنه بيحدد إن المرأة يظهر منها الوجه والكفين، ده برضو محل جدل. السلفيين والوهابيين، زي ابن باز، قالوا إنه ضعيف وما يُعتدّ بيه. لكن فيه ناس، خصوصًا اللي بيقدموا نفسهم على إنهم "وسطيين"، بيتشبثوا بالحديث ده ويخلّوه العمود الفقري لفرض الحجاب، ويقولوا إن المرأة لازم يظهر منها بس الوجه والكفين. لكن لو بصينا على الأحاديث دي، هنلاقي إن فيه ثلاثة أحاديث رئيسية:
1. **حديث أبو داود**، عن خديجة، فيه ثلاث كوارث: اثنين مُدرّسين وواحد ضعيف.
2. **حديث البيهقي**، عن عبد الله بن يعيش، وده مجمع على ضعفه.
3. **حديث ابن جريج**، عن السيدة عائشة، لكن ابن جريج نفسه ما شافش السيدة عائشة أصلاً! بيقول إنه سمع من جارية قريبة منها، ودي قصة ضعيفة جدًا.
والغريب إن السيدة أسماء بنت أبي بكر، اللي عاشت لحد سن كبير، ما روتش الحديث ده أبدًا، ولا ابنها عبد الله بن الزبير، ولا زوجها الزبير. يعني واقعة زي دي، لو كانت حقيقية، كان لازم تُروى عنهم، لكن مفيش ولا رواية.
**الزينة**، اللي بيستندوا عليها في الآية ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، دي برضو فيها 55 مروية، وكلها بتتخانق على إيه هي الزينة؟ هل هي الحلي زي القلادات والخواتم، ولا الوجه والكفين؟ وكل المرويات دي ضعيفة، ما فيش واحدة انتصرت على التانية. التفاسير نفسها انحرفت شوية، لأنهم كانوا عايزين يفرضوا شكل معين للمرأة، يعني زي الحرة اللي هم عايزينها.
**ليه التفاسير راحت في الاتجاه ده؟** عشان يلوّوا النص ويخلّوه يخدم فكرة معينة. هم قالوا إن الزينة إما:
1. حاجة خارجة عن الخلقة، يعني الحلي اللي بتتلبس.
2. موضع الزينة، زي لو حطت إسورة أو تجعّدت شعرها.
3. أو إن الزينة في الخلقة نفسها، زي الوجه والكفين.
لكن لو قلت إن الزينة هي الوجه والكفين، هتوقع في ورطة، لأن الآية بتقول: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، يعني لو الوجه والكفين هما الزينة، إيه لزوم الخمار يغطي الجيب؟ الشنقيطي في "أضواء البيان" قال إن التفسير ده غير صحيح، وهو نفسه كان مؤيد للنقاب!
**الزينة من مين يشوفها؟** الآية بتقول: ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾، وكلمة "أو" هنا بتخلي كل دول يقدروا يشوفوا الزينة. لكن لما التفاسير قالت إن الزينة هي الجسد، وقالوا إن الجسد زي عورة الرجل (من السرة للركبة)، حصلت ورطة تانية. يعني إزاي العبد أو التابع يشوف من السرة للركبة؟ وإزاي ابن الزوج يشوف كده؟ فبدأوا يقسموا ويقولوا: ده يشوف كذا، وده يشوف كذا. ابن حزم في "المحلى بالآثار" قال إن التفصيل ده كله ما لهوش سند.
**ليه التشبث بفكرة الحجاب؟** فيه كذا سبب:
1. **السلفيين** عايزين النقاب، فبيهدّموا أدلة الحجاب عشان يقولوا إن النقاب هو الأصل.
2. **السياسة**، لأن التيارات الإسلامية بتستخدم الحجاب كرمز للهوية، وبيقولوا: "شوفوا قد إيه إحنا مظلومين، وقد إيه عندنا قوة في المجتمع".
3. **قصور الباحثين**، لأن الكتابات السابقة كانت بتاخد مقطع واحد من النص، زي سورة النور أو حديث أسماء، وما كانوش بيبصوا على الصورة الكبيرة. حتى اللي بينتقدوا النقاب، بياخدوا كلمتين من عالم قديم ويقولوا: "خلاص، ما فيش نقاب"، من غير ما يجددوا البحث.
**بحثي بيقول إيه؟** إن الزينة كانت مرتبطة بالمال والغنى، لأن العرب زمان كانوا بيتزوجوا اللي عندها زينة أكتر، يعني ذهب ومجوهرات. والآية لما قالت: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾، كانت بتتكلم عن إخفاء الزينة دي عشان ما تتحركش خيال الناس. والحس الأمني كان عامل كبير، لأن المدينة بعد فتح مكة بقت مليانة ناس من كل حتة، فكان لازم يبقى فيه ضبط للأمور.
**الخلاصة**، الحجاب في القرآن ما كانش غطاء رأس، ولا زي مفروض على المرأة. كان حاجز مادي أو رمزي، بيفصل بين عالمين، أو بين الإنسان والحقيقة. اللي حصل بعد كده هو تأويل فقهي وسياسي، حول الحجاب لقطعة قماش تحمل أعباء دينية وأخلاقية وثقافية. النقد هنا مش للقرآن، بالعكس، هو محاولة لتحرير النص من القراءات المغلقة، وتحرير المرأة من الحصار اللي اتبنى باسم الحجاب.
شكرًا جدًا يا أستاذ إسلام مصطفى على بحوثك وكتاباتك وعلى لقائنا بيك النهاردة. اشكرك للغاية!
إذا، يا أستاذ إبراهيم، خلينا نكمل بنفس الأسلوب ونغوص أكتر في الموضوع ده. الحجاب، زي ما اتكلمنا، ورد مرة واحدة بس في القرآن في سياق نساء النبي، وما كانش أبدًا خطاب موجه لباقي نساء المسلمين. يعني إيه؟ القرآن ما فرقش بين الرجل والمرأة في التكليف الأخلاقي. فيه آيات زي ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ و﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾، ودي أوامر مشتركة بين الجنسين، بتتكلم عن غض البصر وستر الجيب. لكن لما بنجي للحجاب نفسه، زي ما بنفهمه النهاردة، ما فيش نص صريح بيقول إن المرأة لازم تغطي رأسها أو جسمها بشكل معين.
**الحقيقة**، إن القرآن قدم نماذج نسائية فاعلة زي بلقيس ومريم، من غير ما يشير ولو تلميحًا إن الحجاب شرط لكرامتهم أو طهارتهم. بلقيس كانت ملكة، قائدة، بتدير مملكة، والقرآن ما قال إنها كانت محجبة. مريم، رمز الطهارة، القرآن وصفها كشخصية قوية، منعزلة للعبادة، لكن برضو ما فيش كلام عن غطاء رأس. يعني القرآن ما ربطش بين الأخلاق والزي.
**فين السراب بقى؟** السراب هو الخطاب الحديث اللي بيخلّي الحجاب المعيار الوحيد لالتزام المرأة. ده خطاب ما جاش من القرآن، جاء من سياق تاني خالص، سياق القلق من الحداثة ورفض الانفتاح. الناس بدأت تستدعي قصة نساء النبي كدرع إيديولوجي، عشان يبرروا عزل المرأة وتقييد جسمها ودورها في المجتمع. يعني بدل ما نبص على النص القرآني ونفهم السياق، بنلاقي الناس بتاخد حاجة خاصة جدًا بنساء النبي وتعممها على كل النساء، وده تحريف للمعنى.
**ليه الحجاب مش اختراع إسلامي؟** الحجاب، يا أستاذ إبراهيم، ما بدأش مع الإسلام ولا هو حاجة عربية خالصة. ده سلوك ثقافي وديني قديم جدًا، يرجع لقرون قبل الإسلام. في الحضارات السومرية والبابلية، الحجاب كان رمز للتمييز الطبقي. النساء "الشريفات" أو الكاهنات هما اللي كانوا بيلبسوه، عشان يفرقوهم عن الإماء أو البغايا. في قوانين حمورابي وإشنونة، من القرن التالت قبل الميلاد، الحجاب ما كانش مجرد غطاء، كان رمز لسلطة الرجل على المرأة. الإماء كان ممنوع عليهم يلبسوه، والحرة لو خلّعته كانت بتعاقب. يعني الحجاب كان أداة للضبط الاجتماعي، مش دليل على الفضيلة.
في مصر الفرعونية، الحجاب ما كانش موجود بالشكل ده. كان فيه ثقافة مختلفة، بتظهر الجمال الأنثوي في الفن واللباس. لكن الكاهنات كان عندهم طقوس ستر رمزية جوا المعابد، مش في العام. في بلاد فارس، من عصر الأخمينيين، الحجاب كان علامة طبقية ودينية، وبعدين انتقل تأثيره لليهودية والمسيحية لما اتعاملوا مع الثقافة الفارسية. في اليهودية، خصوصًا في العهد التلمودي، المرأة المتجوزة كانت ملزمة تغطي رأسها، وكشف الشعر كان عيب كبير يمكن يوصل للطلاق. في المسيحية، رسائل بولس، زي الرسالة الأولى لأهل كورنثوس، قالت إن المرأة لازم تغطي رأسها وهي بتصلي، لكن ده ما كانش من تعاليم المسيح نفسه، كان تأويل لاحق.
**إيه المشترك بين كل ده؟** الحجاب دايمًا كان رمز للسلطة الذكورية، سواء في السياسة أو الدين. كان بيستخدم للتحكم في جسم المرأة وتحديد مكانتها في المجتمع. يعني الحجاب ما كانش بس قطعة قماش، كان جدار رمزي بيفصل بين الطبقات، وبين الجنسين، وبين من "يحمى" ومن "يستباح".
**في الجزيرة العربية قبل الإسلام**، الحجاب ما كانش فريضة دينية، كان عادة اجتماعية. النساء في البيئة البدوية ما كانوش بيغطوا رأسهم بالشكل اللي بنشوفه النهاردة، لأنهم كانوا بيشتغلوا ويتحركوا بحرية. لكن في الحواضر، زي مكة ويثرب، نساء النخبة أو التجار بدأوا يلبسوا زي يشبه الحجاب، مش عشان دين، لكن عشان يظهروا مكانتهم الاجتماعية. التأثير اليهودي والمسيحي، خصوصًا من يثرب والشام، ساعد على نشر الفكرة دي. اليهود في يثرب، مثلاً، كانوا بيفرضوا غطاء الرأس على المتجوزات بناءً على التفسيرات التلمودية. والمسيحيين، خصوصًا الراهبات، كانوا رمز للعفة بغطاء الرأس. فالنخبة العربية بدأت تقلّد الزي ده كنوع من التماهي مع الثقافات "المتحضرة".
**قصة عمر بن الخطاب**، دي نقطة مفصلية. عمر، زي ما ورد في الروايات، كان عنده غيرة شديدة على نساء النبي، وكان بيتضايق من اختلاط الرجال بيهم. في صحيح البخاري، عمر قال للنبي: "يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب". ولما نزلت آية الحجاب، فرح عمر وقال: "وافقت ربي". لكن المهم هنا إن اجتهاد عمر سبق النص، والنص نفسه كان خاص بنساء النبي، مش عام. لكن عمر وسّع الفكرة دي، وبدأ يفرضها على نساء المدينة كلهم. عمر كان أول واحد فصل بين الرجال والنساء في المساجد، وكان بيضرب الإماء لو تحجبوا، لأن الحجاب في زمنه كان علامة الحرة، مش الأمَة. يعني الحجاب كان أداة تمييز طبقي، مش فريضة دينية.
**إيه اللي حصل بعد كده؟** الفقهاء أخدوا اجتهاد عمر وحولوا من سياسة إدارية لتنظيم المجتمع إلى شريعة إلهية. بدأوا ينتجوا أحاديث وروايات، خصوصًا من القرن التاني الهجري وما بعد، عشان يدعموا الفكرة دي. لكن القرآن نفسه ما فيهوش نص يقول إن الحجاب فرض على كل النساء. الآيات اللي بيتكلموا عنها، زي ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، بتتكلم عن تغطية الصدر، مش الرأس. والخمار كان موجود أصلاً في الثقافة العربية، بس القرآن أمر باستخدامه بطريقة معينة لستر الجيب.
**السراب هنا إيه؟** السراب هو تحويل اجتهاد بشري، زي اجتهاد عمر، لفريضة أزلية. الفقهاء أغلقوا باب النقاش، وحولوا الحجاب من حاجة مرتبطة بالسياق الاجتماعي لأداة للهيمنة على جسم المرأة. بدل ما يقروا النص في سياقه، بدأوا يهرّبوا المعنى من الحاجز الرمزي أو المكاني للباس الجسدي. وده اللي خلّى الحجاب يتحول من خصوصية نساء النبي لقاعدة عامة مفروضة على كل النساء.
**الخلاصة**، الحجاب ما كانش أبدًا فرض إلهي صريح في القرآن. كان اجتهاد سياسي واجتماعي، بدأ مع عمر بن الخطاب، واتطوّر مع الفقهاء ليبقى شريعة. لو عايزين نفهم الحجاب صح، لازم نفصل بين النص القرآني والتأويل البشري، وبين الدين والسلطة. الحجاب في القرآن هو حاجز رمزي، مش قطعة قماش. ونقدنا ليه مش نقد للقرآن، بالعكس، هو محاولة لتحرير النص من القراءات السلطوية، وتحرير المرأة من قيود التاريخ اللي حطّوها باسم الدين.
في البداية، كان الحجاب موضوعًا تنظيميًا خاصًا ببيت النبي، حسب النص القرآني في سورة الأحزاب، ولم يكن مقصودًا به فرض لباس معين على النساء كافة. إلا أن اجتهادات عمر بن الخطاب، التي هدفت إلى تنظيم العلاقات الاجتماعية ومنع الفتنة، فرضت على نساء المدينة ستر رؤوسهن، وأقامت حواجز تمييز بين النساء والرجال. هذا الاجتهاد بقي اجتهادًا بشريًا بحتًا، غير مرتبط بنص إلهي واضح. ومع توسع الدولة الإسلامية وظهور الطبقة الفقهية، بدأت جهود منظمة لصياغة فقه الحجاب، الذي أغلف هذا الاجتهاد السياسي بطابع ديني شرعي. فالفقيه كان لابد أن يربط الأحكام بالقرآن والسنة، فتم تفسير الآيات الخاصة بزوجات النبي على أنها تشمل جميع النساء، وتم تدعيمها بأحاديث غالبًا ما تعود إلى مصادر غير موثوقة أو متأخرة، مع تجاهل الاختلافات السياقية والتاريخية.
ثم تحول الحجاب إلى معيار يُقاس به تقوى المرأة والتزامها الديني، حتى صار اللباس والغطاء دلالة حتمية على الفضيلة والحياء، بينما في الأصل كانت الفضائل في السلوك والأخلاق والنية، وليس في القماش والرداء. ولم يكتفِ الفقهاء بذلك، بل أضافوا إلى الحجاب قواعد التفصيل والتقييد، كوجوب تغطية الوجه واليدين، مستندين إلى اجتهادات أخرى وفتاوى فقهية صادرة عن حكومات مختلفة. وتعاظمت الهيمنة الذكورية على جسد المرأة عبر الأجيال. لم تكن هذه العملية عفوية، بل كانت نتاج صراع اجتماعي وسياسي مع قوى معارضة، وتوترات بين التيارات المحافظة والحداثية، حيث استُخدم الحجاب كأداة للسلطة والسيطرة على النساء والمجتمع. في بعض الأحيان، ارتبط فرض الحجاب بإرادة الدولة لتأكيد هويتها الإسلامية الرسمية، فتجذر هذا التقليد ليصبح قاعدة لا تُقبل النقاش، بينما في الواقع هو نتاج تطور تاريخي بشري يتبدل ويتغير.
هذا التحول من اجتهاد بشري إلى شريعة أزلية، فُرضت على ملايين النساء دون نقاش، يؤكد أهمية مراجعة فهمنا للنصوص الدينية، والتفرقة بين ما نزل من الوحي وما أُضيف لاحقًا بيد السلطة والاجتهاد الفقهي، خصوصًا حين يؤثر ذلك على حقوق الإنسان وحرية المرأة. نقد صناعة الحجاب الفقهي هو خطوة نحو تحرير النص الديني من التشدد والإرث السلطوي، وإعادة تأويله بما يتوافق مع قيم العدالة والحرية.
يمثل فرض الحجاب عبر التاريخ الإسلامي نموذجًا صارخًا لتدوين الهيمنة الذكورية على جسد المرأة باسم الدين. بدأ هذا التدوين من اجتهادات عمر بن الخطاب السياسية، وتحول عبر فصول متعاقبة من الفقه إلى شريعة صارمة تكرس الفصل بين الجنسين، وتحدد معايير لباس المرأة بشكل يربط بين التستر والتقوى، وبين الانكشاف والفساد. لقد استند الفقه الإسلامي منذ بداياته إلى ترسيخ علاقات السلطة الذكورية، حيث صيغت النصوص والاجتهادات لتُنتج فقها يهدف إلى ضبط جسد المرأة وأدائها الاجتماعي، مع تجاهل تام لمبادئ المساواة والحقوق الفردية. ومن هنا جاء الحجاب كأداة مركزية في هذه السيطرة، إذ فُرض على المرأة أن تخضع لمعايير لباس صارمة، تعكس رفض الفقه الذكوري لأن تكون المرأة فاعلة أو متحررة في الفضاء العام. هذا ليس مجرد لباس، بل رمز اجتماعي وسياسي يعكس تصورات قديمة عن الجنس، والشرف، والفضيلة، حيث اختُزلت المرأة إلى جسد يحتاج إلى رقابة دائمة وتقييد مستمر.
وفي هذا السياق، ساهم الفقهاء في صياغة نصوص وبراهين شديدة الصرامة، حتى أصبحت كل محاولة لتحرير المرأة من هذا اللباس تُصنف على أنها خروج عن الدين، مع ما يرافق ذلك من وصم اجتماعي. لقد تحولت النصوص والاجتهادات، التي كان من المفترض أن تكون رحيمة ومتساهلة، إلى أسلحة في يد نظم اجتماعية تفرض الذكورية كأساس لكل تنظيم اجتماعي، ولا تسمح لأي صوت نسائي أن يناقش أو يعيد تفسير هذا الوضع. ويُضاف إلى ذلك أن الحجاب، رغم كونه فرضًا على المرأة، لا يقابل بأي متطلبات مقابلة على الرجال، وهذا يدل على التمييز الصارخ في القوانين الدينية والاجتماعية التي وضعتها الفقهية.
وبالتالي، فإن الفقهاء، منذ عهد عمر وحتى العصور اللاحقة، ليسوا مجرد ناقلين أو مفسرين للنصوص، بل هم صانعو واقع سياسي واجتماعي يرسخون الهيمنة الذكورية ويربطونها بالدين في سلسلة من الاجتهادات التي لا تستند إلى النص القرآني المباشر، وإنما إلى تصور وهمي خاص عن دور المرأة والمجتمع. هذه المراجعة النقدية مهمة اليوم، لأنها تفتح الباب أمام إعادة فهم النصوص الدينية في سياقها التاريخي، وتمكين المرأة من استرداد حقها في التعبير عن ذاتها بحرية، دون أن يكون جسدها ساحة للصراع بين الدين والسلطة، كما تدعو إلى فصل الاجتهاد السياسي والاجتماعي عن النص الإلهي.
في سياق البحث النقدي العميق حول الحجاب، تظهر حقيقة مهمة، وهي أن النصوص القرآنية التي يُستدل بها على فرض الحجاب، سواء بغطاء الرأس أو اللباس العام، ليست صريحة ولا شاملة، بل محصورة في سياقات محددة، وبعيدة عن أي فرضية كلية على جميع النساء. إن تفكيك هذه النصوص القرآنية وكشف انقطاع سند التشريع يظهر أن الحجاب كفرض ديني شامل هو اختراع لاحق، وليس جزءًا أصيلًا من التشريع الإسلامي. أولًا، الآيات التي تُستشهد بها عادة، مثل قوله تعالى في سورة النور: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، وكلمة "خمار" تعني الغطاء، لكنها لم تُرد بنص صريح يأمر بتغطية الرأس كاملًا، بل هي تتحدث عن ستر الصدر فقط، مع ضرورة فهم السياق الذي نزلت فيه، وهو مخاطبة نساء النبي بشكل خاص، ولا توجد آيات أخرى تأمر عامة النساء بالحجاب كواجب إسلامي شامل. ثانيًا، الآية في سورة الأحزاب التي تتحدث عن الحجاب كمصطلح تدل على حاجز في المعنى الحرفي، وهو فاصل بين النساء والرجال داخل بيت النبي، ولا علاقة لها بلباس الرأس أو فرض غطاء خارجي، وهذا التأويل اللغوي المتسق مع سياق الآية يُضعف كثيرًا من فرضية الحجاب كزي ديني ملزم. ثالثًا، استند الفقهاء في فرض الحجاب على أحاديث وأقوال عمر بن الخطاب، لكن هذه الأحاديث في كثير من الأحيان ضعيفة أو غير متواترة، أي إنها لا تصل إلى درجة قطعية تسمح بسن حكم إلهي دائم من خلالها، وهذا ما يجعل التشريع مبنيًا على اجتهادات بشرية في بيئة اجتماعية معينة، وليس على وحي منزل. رابعًا، انقطاع سند التشريع القرآني للحجاب يعني أن فرضه ليس من أصول الدين، بل من الفروع التي يمكن مراجعتها أو تعديلها حسب مقتضيات الزمان والمكان، وهذا يؤكد أن الحجاب ليس فريضة إسلامية بالمعنى الديني الإلزامي، بل عرف اجتماعي اجتاح المجتمعات الإسلامية تحت تأثير عوامل تاريخية وسياسية. وأخيرًا، فهم هذه الحقيقة لا يعني التقليل من احترام النساء اللواتي يخترن ارتداء الحجاب بحرية، بل يعيد الاعتبار إلى النص القرآني كمرجع روحي متحرر من الفروض غير المستندة إلى نص واضح، ويفتح المجال لحوار أصيل حول حرية المرأة في التعبير عن هويتها الدينية والاجتماعية دون إكراه أو تحامل.
هذا التفكيك للنصوص القرآنية وانقطاع سند التشريع للحجاب يدعو إلى إعادة قراءة الواقع الإسلامي، وتحرير المرأة من القيود التي لم تفرضها الأديان بقدر ما فرضتها السلطة والاجتهادات التاريخية. الحجاب لم يكن مجرد قطعة من القماش تُرتدى لتغطية الرأس، بل تحول عبر التاريخ إلى أيديولوجيا متكاملة تُستخدم لتأسيس السلطة والسيطرة على جسد المرأة، فصار لباسًا له أبعاد سياسية واجتماعية تعكس علاقات القوة بين الجنسين والمجتمع. إن الحجاب كأيديولوجيا يمثل آلية تقييد تُوظف باسم الطهارة لتكريس سيطرة الذكورة على المرأة، وللإبقاء على نسق اجتماعي يعزز التبعية والهيمنة. في الأصل، كان الحجاب يُستخدم كرمز للحماية أو للحاجز بين العوالم، لكن مع مرور الزمن، خصوصًا في المجتمعات الإسلامية، تحول إلى أداة تحكم صارمة في جسد المرأة، استغلها رجال الدين والسلطة السياسية لتثبيت مواقعهم عبر فرض قواعد لباس صارمة تلزم المرأة بحجب ملامحها وكبح تعبيرها عن الذات. هذا التحول يدل على أن الحجاب لم يكن هدفه حماية المرأة، بل فرض قيود عليها وتحويل جسدها إلى رمز للطهارة المرتبطة بالطاعة والامتثال.
بموجب هذه الأيديولوجيا، صار الحجاب معيارًا للتقوى والفضيلة، فمن يرتديه يُعتبر نقيًا، ومن يمتنع عنه يُوصم بالفسق أو عدم الالتزام بالدين. هذه الثنائية البسيطة منحت السلطة الدينية والاجتماعية مفاتيح السيطرة على سلوك المرأة، وحولت النقاش حول الحجاب إلى مسألة أخلاقية محكومة بالضغط الاجتماعي وليس بالاختيار الحر. كما أن هذه الأيديولوجيا لا تقف عند حدود الفرد، بل تتجاوز ذلك لتؤثر على البنى الاجتماعية والمؤسساتية، فتفرض على المرأة قواعد سلوك لا تتناسب مع تحررها، وتجعل من جسدها ساحة لتأكيد الهوية الدينية والسياسية للدولة أو المجتمع. تتحول بذلك مسألة الحجاب إلى رمز للصراع بين التقاليد والحداثة، وبين السلطة والحرية.
أخيرًا، تتطلب مواجهة هذه الأيديولوجيا فهمًا نقديًا يستعيد حرية المرأة في التعبير عن ذاتها، ويكسر احتكار السلطة لجسدها باسم الدين والطهارة، ويؤكد أن الحجاب ليس فرضًا إلهيًا ثابتًا، بل انتاجًا بشريًا متغيرًا يعكس صراعات تاريخية وسياسية واجتماعية. يرتكز خطاب الشيوخ المعاصرين حول الحجاب على سلطة تأويلية تدّعي احتكار الفهم الصحيح للنصوص الدينية، وتمارس من خلالها نوعًا من الهيمنة الرمزية والمعنوية على جسد المرأة وحضورها الاجتماعي والرمزي، بحيث يتحول الحجاب من كونه لباسًا شخصيًا إلى معيار إيماني، ثم إلى أداة ضبط اجتماعي، ثم إلى رمز سياسي، وأخيرًا إلى أداة فرز أخلاقي يُقاس بها مدى صلاح المرأة وارتباطها بالإسلام. هذا التحول لم يكن نتيجة النص القرآني في ذاته، بل ثمرة تأويل سلطوي أنتجه فقهاء، معظمهم ذكور، في سياقات اجتماعية وتاريخية ذكورية، ففرضوا تأويلهم الخاص كمرجعية مطلقة، وقدموه كالإسلام ذاته، وساهموا في خلق نموذج يقصي كل فهم مختلف ويخون كل اجتهاد جديد.
ولم يكن هذا الخطاب ليحظى بهذا الثقل لولا تحالفه الوثيق مع سلطة الدولة والأعراف الاجتماعية والهياكل البطريركية الراسخة. فحين تكرر المنابر والدروس والإعلام الديني الرسمي أن الحجاب فريضة لا نقاش فيها، وأن كل من تنكر له مارقة، فإن ما يحدث فعليًا هو هندسة وعي النساء وتشكيل ذواتهن ضمن بنية قمعية يُغطى قمعها بغطاء ديني. بل يُزرع داخل المرأة منذ الطفولة شعور مزدوج بالذنب والخوف: إن لم تتحجبي فأنتِ مذنبة، وإن تحجبتِ فاحذري أن تثيري الشهوة، وإن تزينتِ فأنتِ منافقة، وإن تحدثتِ بحرية فأنتِ خارجة عن الحياء. وهكذا يتحول الحجاب إلى نواة لبناء ذات أنثوية منقوصة، مهزوزة، تراقب نفسها باستمرار خشية الانزلاق من معيار الحشمة الذي يحدده الآخر الذكوري باسم الدين.
من جهة النص، لا نجد في القرآن ما يوازي هذا الإلحاح الفقهي على فرض الحجاب بهذا الشكل الصارم والمغلق. فالآيات المتعلقة بلباس المرأة محدودة وغامضة نسبيًا، وتحتمل تأويلات متعددة. ومع ذلك، مارس الفقهاء عبر العصور نوعًا من التطويع القسري للنصوص، بحيث قدموا ما هو ظني على أنه قطعي، وجعلوا من أحاديث مرسلة أو أحاد، كثير منها مشكوك في صحتها أو دلالتها، أدلة دامغة على وجوب ستر كامل الجسد، بل وحتى الوجه أحيانًا. هذا النهج يعبر عن ميل بنيوي في الفقه التقليدي نحو التشديد على المرأة، لا لأن النص يقتضي ذلك، بل لأن الذهنية الذكورية التي أنتجت هذا الفقه تنطلق من تصورات جوهرية ترى المرأة مصدر فتنة يجب تحجيمه بكل الوسائل، لا إنسانًا حرًا يُحترم وعيه وخصوصيته وقدرته على اتخاذ القرار.
ولم يتوقف الخطاب عند هذا الحد، بل تطور ليصبح الحجاب علامة هوية سياسية أيضًا، خاصة في ظل صعود التيارات الإسلامية، حيث تحول إلى راية أيديولوجية تُرفع في مواجهة الغرب أو في مواجهة الدولة المدنية، أو كوسيلة لاستعراض الالتزام والانتماء. وبهذا لم يعد الحجاب مجرد مسألة فقهية، بل أُقحم في صراعات الحداثة والتقليد، فصار جزءًا من المعركة الرمزية على من يحتكر تمثيل الإسلام. وتحولت النساء إلى ساحة معركة لهذا الصراع دون أن يُؤخذ رأيهن أو يُراعى واقعهن. فتارة يُستخدمن كرمز لنهضة إسلامية مزعومة، وتارة يُستدعين كدليل على أخلاقية الأمة، وتارة يُحملن مسؤولية الانحلال والانحراف في خطاب عاطفي مشحون يحاصر المرأة بين قطبي التقديس والتجريم، دون مساحة للتفكير الحر أو الخيار الشخصي.
وفي خضم كل ذلك، يتجاهل الشيوخ تمامًا السياقات الاجتماعية والنفسية والسياسية التي تطوق المرأة وتؤثر في خياراتها. فالفتاة التي تتحجب تحت ضغط العائلة أو المجتمع أو الخوف من العار لا تُعتبر عندهم ضحية، بل نموذجًا للفضيلة. والمرأة التي تختار عدم الحجاب، حتى عن قناعة دينية، تُنبذ وتُلعن أحيانًا، وتُحرم من أبسط حقوق التعبير أو الظهور، بل وتُحمل تبعات سلوك الآخرين وكأنها مسؤولة عن أخلاق الذكور ونزواتهم. وهذا التصور يكرس المرأة كمفعول به أخلاقيًا، لا كفاعل حر، ويجردها من ذاتها باسم الطهر في مفارقة أخلاقية فادحة.
أما الطامة الكبرى، فهي أن هذا الخطاب لا يتطور، بل يكرر نفسه منذ قرون مع تغييرات شكلية فقط. ما زالت الأدبيات الفقهية تتداول نفس الأقوال المتهافتة التي تقيس عورة المرأة بعورة الجارية، وتقسم النساء إلى حرائر وإماء، وتعيد إنتاج منطق العصور العباسية كأنه من الإسلام الخالد. وحتى في الفتاوى الحديثة، يصر الشيوخ على أن الحجاب تكريم للمرأة، في محاولة لغسل قمعها ببلاغة كاذبة، دون أن يسألوا: ما قيمة التكريم إن لم يكن خيارًا؟ وهل تُكرم المرأة بتقييدها وإخضاعها وتقييد حريتها في اللباس والحركة والفكر؟ إن تكريم الإنسان لا يتم بالوصاية عليه، بل بالاعتراف بحرياته ومسؤوليته وقدرته على اتخاذ القرار دون إكراه.
أكثر من ذلك، فإن خطاب الشيوخ حول الحجاب يفتقر إلى أي حس نقدي تجاه الواقع المعاصر للمرأة، ولا يأخذ بعين الاعتبار التحولات الاجتماعية أو التعدد الثقافي أو تجارب النساء المسلمات في العالم، بل يتمترس هذا الخطاب خلف خطاب الدفاع عن الهوية الإسلامية كأنها جوهر جامد، ويشيطن كل دعوة للتجديد أو المراجعة، ويشيطن معها النساء اللواتي يرفعن أصواتهن، ويتهمهن تارة بالفسق وتارة بالعمالة للغرب، متناسين أن الإسلام نفسه نشأ في سياق تغييري، وأن الوحي لم يكن نصًا معلبًا، بل خطابًا متفاعلًا مع الواقع، يتحرك مع الناس لا فوقهم.
إن ما نحتاجه اليوم هو تفكيك عميق لهذا الخطاب، لا فقط بالرد الفقهي أو التأويلي، بل بتحليل بنيته السلطوية، وكشف خلفياته السياسية والاجتماعية، وفضح استغلاله للنصوص لخدمة بنية أبوية تريد إخضاع النساء باسم الدين. وهذا لا يعني بالضرورة رفض الحجاب، بل تحريره من سلطة التأويل الواحد، وجعله خيارًا شخصيًا يُمارس ضمن حرية العقيدة، لا تحت سطوة الفتوى أو سيف العار. فالمرأة المسلمة قادرة على أن تفكر وتفهم وتختار، ولها الحق في أن تلبس أو لا تلبس دون أن تُحاكم على أساس مظهرها. إن الخروج من سجن هذا الخطاب هو جزء من معركة أوسع لاستعادة الدين من أيدي من اختزلوه في حدود الجسد واللباس، وجعلوا من أنفسهم أوصياء على الإيمان، وهو أيضًا جزء من تحرير المجتمع كله من منظومة السيطرة والوصاية، ومن تحويل الإنسان المسلم، ذكرًا كان أو أنثى، إلى ذات مسؤولة حرة، قادرة على التفكير والنقد والاختيار دون خوف من التكفير أو التشهير أو الإقصاء. وهذه ليست دعوة لهدم الدين، بل لاستعادة جوهره: الكرامة، والحرية، والعدالة.
يتحول الحجاب في خطاب الشيوخ من كونه مجرد زي ديني يُنسب إلى تقوى المرأة إلى أداة ضبط اجتماعي عميقة التغلغل، تُستخدم لترسيخ هرمية سلطوية يتم من خلالها مراقبة جسد المرأة وتحركاتها وسلوكها وحتى نواياها تحت عباءة الدين. لا يكتفى بتصوير الحجاب على أنه فرض شرعي، بل يُضفى عليه بعد قدسي مشحون بعواطف الخوف والعار، ويُقرن دومًا بفكرة الطهارة والنقاء، حتى يصبح نزعه فعلًا مشينًا يكاد يوازي الخروج من الدين نفسه. هذا التحول الرمزي ينتج خطابًا أخلاقيًا مهووسًا بجسد المرأة، لا يترك لها مساحة لامتلاك صوتها أو تعريف هويتها خارج هذا اللباس، بل يحول وجودها إلى كيان مراقب باستمرار، خاضع لمنظومة تأديب اجتماعي تتغذى من فتاوى الشيوخ، وتتجسد في العائلة، والشارع، والمدرسة، والوظيفة، والوعي الذاتي نفسه.
في هذا السياق، لم تعد فتاوى الحجاب تشتغل كأدوات فقهية ترشد المكلف، بل باتت تُستخدم كقنوات لإعادة إنتاج التراتب الجنسي، حيث يُعرف الحجاب ضمن تصور ذكوري يتعامل مع المرأة بوصفها عورة، ليس فقط فيزيائيًا، بل وجوديًا، أي إن وجودها في المجال العام يُنظر إليه كخطر محتمل يجب تقنينه وحصره. والحجاب هنا ليس غاية، بل وسيلة لإلغاء التهديد، تهديد الذكورة وتهديد النظام القائم. تُوظف الفتوى إذًا كآلية لإعادة النساء إلى الهامش، ويتم التسويق لها بوصفها حماية للمرأة، بينما هي في حقيقتها نظام سيطرة ناعم، لا يُفرض بالقوة دائمًا، بل يُزرع في الوعي من خلال اللغة الدينية التي تلبس الإكراه لبوس المحبة، وتقنع الخضوع بأنه طاعة، والإنكار بأنه غيرة، والرقابة بأنها حرص.
يتضح هذا التوظيف السلطوي أكثر عندما ننظر إلى الانفصام في الخطاب الديني حول الحجاب، حيث لا يُسمح بالجدل الفقهي ولا يُفتح باب الاجتهاد، بل تُطرح المسألة وكأنها محسومة منذ قرون. بينما الواقع يظهر أن المذاهب الإسلامية لم تتفق أصلًا على تعريف واضح للحجاب ولا على حدوده. هناك من اعتبر الوجه والكفين غير عورة، وهناك من شدد، وهناك من خفف، وكل ذلك لم يمنع الشيوخ المعاصرين من الادعاء بأن الحجاب مسألة مفروغ منها، يستخدمون فيها خطابًا مطلقًا يلغي التنوع التاريخي للمذاهب، ويعيد صياغة الدين بطريقة انتقائية. هذا الانتقاء يخفي وراءه نزعة سلطوية، هدفها ليس الدفاع عن النص، بل استخدامه لإعادة ترسيخ سلطة الشيخ كرقيب على الأخلاق، وسلطة الذكر كحارس على الأنثى، وسلطة المجتمع كقيد على الفرد.
تصبح الفتوى هنا شيفرة اجتماعية محملة بالرموز. الحجاب لا يُفرض فقط بوصفه لباسًا، بل كمؤشر على الامتثال، وكأداة لإثبات الانتماء، وكشرط للقبول في الفضاء العام. تظهر هذه الديناميكية في التفاصيل اليومية: في مقابلة العمل، في المدرسة، في وسائل الإعلام، في خطاب الأمهات مع بناتهن. يتحول الحجاب إلى شرط للصلاح، للزواج، للثقة، للأمان، وحتى للنجاة في الآخرة. ويتحول خلعه إلى لحظة فضيحة وجودية، تُقرأ وكأنها تمرد على الله، والمجتمع، والأب، والزوج، والهوية، مما يجعل المرأة تُحاصر من جميع الجهات، حتى وهي تمارس أبسط حقوقها في اختيار شكل جسدها. وبهذا تتحول الفتوى من نص يفترض أن يراعي السياق إلى نص قمعي يلغي السياق ويحوله إلى تهديد دائم، وتتحول العباءة من لباس إلى قيد.
ولأن الفتاوى لا تأتي من فراغ، بل تُنتج داخل منظومة ثقافية واجتماعية محددة، فإنها كثيرًا ما تغذي بدورها هذه المنظومة وتعيد تثبيتها. فالمجتمعات التي تهيمن فيها النزعة الذكورية تجد في فتاوى الحجاب وسيلة مثالية لضبط النساء دون الحاجة إلى العنف المباشر، إذ تُزرع القواعد في لاوعي النساء منذ الطفولة، وتُربى الفتيات على أن أجسادهن مشاريع شبهة، وأن أي ظهور لهن يجب أن يكون مبررًا بالدين، وأن الحجاب هو درعهن الوحيد من الشيطان والرجال والعالم. هذا النوع من التنشئة ينتج ذاتًا أنثوية خاضعة، تعيش على التبرير، وتخاف من الرفض، وتخشى من جسدها نفسه، وتراقب نفسها نيابة عن المجتمع، فينقلب الدين من رسالة تحرر إلى منظومة كبح.
ومن أخطر تجليات هذا الخطاب أن الشيوخ لا يتعاملون مع الحجاب كاختيار شخصي، بل كواجب جماعي يُحمل على كاهل المرأة بوصفها سبب الفتنة. وهذه الفكرة تقلب الموازين الأخلاقية، إذ تحمل المرأة مسؤولية شهوات الرجل، وتجرد الرجل من مسؤولياته الأخلاقية عن تصرفاته، وتبرر التحرش والنظرة الدونية والفصل المجتمعي والانتهاكات اليومية بذريعة أن المرأة هي من بدأت. وبهذا لا يُستخدم الحجاب لضبط الذات، بل لضبط الآخر، ولا لحماية المرأة، بل للسيطرة عليها باسمها وباسم المجتمع. الخطاب هنا ينتج منطقًا تبريريًا مشينًا يدين الضحية دائمًا ويعفي المعتدي، ويحول النص الديني إلى أداة تعيد تدوير الاضطهاد بدل أن تحرره.
أما في البنية الثقافية الأوسع، فالحجاب لا يُفهم فقط بوصفه زيًا، بل كبنية رمزية تُستخدم لفصل "نحن" عن "الآخر". أي إن المرأة المحجبة تصبح سفيرة الأمة الإسلامية، وتمثل طهارتها، بينما غير المحجبة تُقدم بوصفها رمزًا للانحلال، للغزو الثقافي، للغرب، للتغريب، وكأن الحجاب هو الساتر الأخير أمام ذوبان الهوية. هذا الخطاب يحمل النساء مسؤوليات تمثيلية ثقيلة، ويفرض عليهن تمثيل الأمة من خلال أجسادهن، بدل أن يكون لهن حق عيش فردي مستقل. الفتوى هنا لم تعد حكمًا، بل عقيدة ثقافية تنتج الشك في كل من تختلف، وترسخ عقدة ذنب دائمة، وتربط الإيمان بالخضوع، والحرية بالانحراف.
ورغم أن كثيرًا من النساء يرتدين الحجاب طواعية، إلا أن تجاهل الضغوط التي تُمارس على من يخالف، والوصمة التي تلاحق غير المحجبات، يعتبر خداعًا مؤسساتيًا يتواطأ مع القمع البنيوي. فمن النساء من أُجبرن عليه، ومنهن من خضعن تحت تهديد النبذ، أو الطلاق، أو الطرد، أو العنف، أو فتاوى الشيوخ. لا تعترف هذه الفتاوى بهذا القهر، بل تواصل الحديث عن الطاعة والرضا والستر، كما لو أن جميع النساء يعشن في فراغ اجتماعي بلا تهديدات. يتم بذلك إنكار الحقيقة، وإعادة تدوير الأكاذيب، واستخدام النص الديني لخلق واقع مزيف يخفي القمع تحت قشرة الفضيلة.
إن تفكيك هذه الفتاوى لا يعني الهجوم على الدين، بل هو واجب ديني وأخلاقي وثقافي، لأن الدين الذي يُستخدم لإسكات المرأة وقمعها وملاحقتها ليس هو دين الحرية الذي بشر به الإسلام الأول، بل هو دين السلطات الأبوية، والفقه السلطوي، والشيوخ الذين اتخذوا من النصوص سلاحًا لحماية امتيازاتهم. هذا الدين الزائف يدجن المرأة باسم الحياء، ويخيفها باسم العفة، ويسكتها باسم الطاعة، ويشعرها بالذنب لأنها موجودة أصلًا. والخروج من هذا القيد لا يعني الخروج من الإسلام، بل الخروج إلى الإسلام الحقيقي الذي يكرم الإنسان، ويحرر العقل، ويقدس النية على الشكل، ويقدم الفطرة على العرف، والحرية على القهر، والرحمة على الفتوى.
فالحجاب، متى ما تحول إلى أداة قسر، فقد معناه الروحي. ومتى ما استُخدم لتأديب النساء، سقطت عنه بركة الاختيار. ومتى ما صار مرآة لانضباط الجماعة، لا لانضباط القلب، تحول إلى قيد لا إلى عبادة. ومن هنا، فإن تحرير المرأة من سلطة الفتوى القمعية لا يعتبر خروجًا عن الدين، بل عودة إليه، لأن الدين الحق لا يكون أداة رقابة، بلقاءً للسلام الداخلي والصدق مع الذات. وحين تُجبر امرأة على الحجاب، فإن ذلك الحجاب ليس حجاب تقوى، بل حجاب خوف. والخوف لا يصنع عبادة، بل يصنع استلابًا يزينه الشيوخ بآيات مختارة ومفاهيم مجتزأة، ليعيدوا إنتاج السجن باسم الجنة.
تعليقات
إرسال تعليق