يوسف زيدان (٢): الديانات الإبراهيمية
مساء الخير، أيها الأساتذة الأفاضل،
نتحدث اليوم عن أديب ومؤرخ مصري عظيم، هو ابن فضل الله العمري، الذي عاش في منتصف القرن الثامن الهجري. ألف هذا العلم كتابًا ضخمًا بعنوان **"مسالك الأبصار في ممالك الأمصار"**، وكان يتميز بأسلوب أدبي رفيع، بحيث كان إذا أراد الحديث عن شخصية ما، يستهل حديثه بمقدمة بلاغية عالية تصف تلك الشخصية بدقة وإبداع، ثم ينتقل إلى المعلومات المتعلقة بها.
عندما تحدث ابن فضل الله العمري عن ابن النفيس، ذكر عبارة لافتة أثارت انتباهي منذ زمن بعيد، وهي قوله عن ابن النفيس، أو علاء الدين: "وهو الذي جسّر الناس على كتاب **القانون في الطب** لابن سينا". هذه العبارة ظلت عالقة في ذهني لسنوات، فبحثت عنها، فوجدت أن ابن سينا، الشيخ الرئيس أبو علي، توفي سنة 428 هـ، وكتابه **القانون في الطب** يُعد من أعظم الموسوعات الطبية في التاريخ الإنساني، بشهادة الشرق والغرب. وقد رأيت بنفسي في جامعة **سينا**، خلال معرض للكتب النادرة والمخطوطات الأولى، نسخة مترجمة إلى اللاتينية من **القانون في الطب**، سبقت حتى أعمال أبقراط وجالينوس. هذا يؤكد، بلا جدال، أهمية هذا الكتاب.
لكنني لاحظت أمرًا مثيرًا للانتباه، استنتجته من خلال عبارة ابن فضل الله العمري. إذا نظرنا إلى الفترة الزمنية بين عصر ابن سينا وعصر ابن النفيس، وهي حوالي مئتي سنة ونيف، نجد أنه لم يكن هناك اهتمام يُذكر بكتاب **القانون في الطب**، لا شروح ولا دراسات ولا نقاشات خاصة به، حتى جاء ابن النفيس. هذا العالم قضى قرابة أربعين عامًا يشرح **القانون**، فكتب شروحًا متعددة، منها ما يتعلق بالتشريح، حيث ألف ثلاث أو أربع نسخ من شروحه لهذا القسم، وكذلك شروحًا للأمور الكلية والمفردات في الكتاب. لم يكتفِ ابن النفيس بشرح **القانون**، بل تناول أيضًا كتب أبقراط، وأفرد لها شروحًا مستفيضة. كان يقيم في القاهرة، في شارع المعز، وكان همه الأساسي أن يجعل هذه المعارف مفيدة للمتعلمين ولعامة الناس.
كان ابن النفيس، عندما يواجه موضوعًا معقدًا في شروحه، يقدم مقدمات توضيحية، يشرح فيها المصطلحات والمفاهيم الأساسية قبل الخوض في التفاصيل. ونحن اليوم، أيها السادة، مقبلون على موضوع معقد وشائك، يتعلق بالديانات الإبراهيمية. لذا، دعونا نتشبه بابن النفيس، ونبدأ بوضع مقدمات ضرورية لفهم هذه المسألة.
قبل الخوض في الموضوع، دعوني أشير إلى أننا نعيش في زمن تكثر فيه التفاهات والملهيات. على منصات التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك ويوتيوب، نجد محتوى يروّج للسطحية، من فيديوهات تافهة إلى مواضيع تافهة تهدف إلى تدمير العقل. من أراد أن يدمر عقله، فليذهب إلى تلك المنصات، ولكن من يريد الفهم والتحليل، فعليه بالصبر معنا اليوم. أنا مؤمن بأن القلة الواعية هي التي تحرك المجتمعات. كما قلت لكم سابقًا، إن الذين أخرجوا أوروبا من العصور الوسطى إلى العصر الحديث لم يكونوا الجماهير، بل حوالي 250 شخصًا في القارة بأكملها، يمكننا أن نذكر أسماءهم، من علماء وسياسيين ومفكرين. الأمر ليس بالعدد، بل بالتأثير.
الآن، دعونا نبدأ بالمقدمات السبع التي أراها ضرورية لفهم مسألة الديانات الإبراهيمية:
**المقدمة الأولى: المصطلح**
يظن البعض أن مصطلح "الديانة الإبراهيمية" قديم، مستمد من قول القرآن الكريم: **"مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا"**. لكن هذا المصطلح، في سياقه القرآني، يشير إلى الحنيفية، وهي صفة الإسلام، وليس إلى دين محدد يسمى "الديانة الإبراهيمية". المصطلح الحديث، الذي يُستخدم هذه الأيام، يختلف تمامًا عن مفهوم "ملة إبراهيم". وقد تحدثت عن هذا سابقًا في حلقة من برنامج **رحيق الكتب**، عندما ناقشنا كتاب **إسرائيل والفلسفة** للباحث المصري أبو زهيرة، تلميذ طه حسين. ذكر أبو زهيرة أن "الملة" في السياق اليهودي تشير إلى عملية الختان، التي كانت تُسمى "ملة إبراهيم"، أي اتباع نهج إبراهيم، وليس دينًا بالمعنى الحديث. استخدمتُ مصطلح "الديانة الإبراهيمية" في كتابي **اللاهوت العربي** لغرض بحثي، وليس بقصد سياسي أو عقائدي، وذلك ضمن مقدمات تمهيدية للموضوع.
**المقدمة الثانية: الديانات السماوية**
عندما تحدثت عن الديانات السماوية الثلاث، أوضحت أن كل دين في العالم يمكن أن يُسمى سماويًا، لأن الدين يرتكز على رفع المعتقد من الحيز المادي إلى مستوى أعلى، أي إلى "السماء". لذا، حتى معابد السيخ تُعتبر سماوية. لكن المصطلح الصحيح، لغويًا وعلميًا، هو "الديانات الإبراهيمية" أو "الديانات الرسالية"، لأنها تقوم على فكرة الرسالة الإلهية التي يحملها رسول من الله. وإبراهيم، سواء في الإسلام أو اليهودية، ليس نبيًا بالمعنى التقليدي، بل هو "أبو الأنبياء".
**المقدمة الثالثة: عدم جدوى الجدل الديني**
قد يعترض البعض قائلين: لماذا تتحدث عن الديانة الإبراهيمية، وقد قلتَ في محاضرة سابقة بطنجة، وهي متوفرة على يوتيوب، إنه لا جدوى من الجدل الديني؟ أجيب: أنا لا أتحدث عن الدين بحد ذاته، ولا أظن أنني سأعود للحديث عنه بالمعنى التقليدي. بعد سنوات طويلة من البحث، توصلت إلى أن من يؤمن بشيء، فليؤمن به، ومن لا يؤمن، فالمهم هو كيف يفكر وكيف يتعامل مع العالم من حوله. لا يهمني اعتقادات الآخرين، ولا ينبغي أن ينشغل أحد باعتقادات غيره. لكنني أتحدث عن الديانة الإبراهيمية اليوم لأنني أرى موجة بدأت تتحرك في الأسابيع الأخيرة، قد تؤدي إلى طغيان سلبي وإفساد هائل في منطقتنا، ونحن لسنا بحاجة إلى مزيد من الفتن.
**المقدمة الرابعة: تحذير شيخ الأزهر**
فوجئت قبل أسابيع قليلة بتصريح للدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، شديد اللهجة، يحذر فيه من "الديانة الإبراهيمية"، واصفًا إياها بأنها موجة إلحادية تهدف إلى القضاء على الإسلام. استغربت هذا التصريح، لأنني، خلال خمسين عامًا من دراسة العقائد والأديان، لم أقابل أحدًا يدين بدين يُسمى "الديانة الإبراهيمية". ثم رأيت بيانًا منسوبًا إلى "علماء الإسلام"، يزعم أن دولة الإمارات العربية المتحدة أعلنت أن دينها الرسمي هو "الديانة الإبراهيمية". تفاجأت بهذا الادعاء، وبحثت عنه سريعًا عبر جوجل، فلم أجد أي مصدر موثوق يؤكد هذا الخبر.
والآن، أيها السادة، ننتقل إلى جزء أكثر خطورة في هذا النقاش. فقد اطلعتُ على بيان منسوب إلى ما يُسمى "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، يتضمن عشر نقاط، وسأتناولها معكم بصبر وتأنٍ، لأن الأمر يستحق التدقيق. هذا البيان يتحدث عن ما أسموه "الديانة الإبراهيمية المخترعة"، وكأن هناك دينًا جديدًا يُصنع في الخفاء! دعونا نستعرض هذه النقاط ونحللها واحدة تلو الأخرى، بعيدًا عن الانفعالات التي تُغذي الفتن.
**أولًا:** يبدأ البيان بالقول إن القرآن الكريم هو أعظم كتاب احتفى بإبراهيم عليه السلام. وهذا صحيح، ولكن ما علاقة هذا بالموضوع؟ إبراهيم عليه السلام شخصية مركزية في الإسلام واليهودية والمسيحية، وقد عرفناه من خلال النصوص المقدسة المختلفة، سواء القرآن أو الأسفار التوراتية. لكن هذه النقطة تبدو تمهيدًا غامضًا لا يوضح المقصود.
**ثانيًا:** يعلن الاتحاد، الذي يمثل تسع عشرة دولة إسلامية، وقوفه ضد "تحريف الإسلام وتشويه الأنبياء". وهنا أتساءل: ما المقصود بـ"التحريف"؟ في السياق الإسلامي، كنا نسمع أن التوراة والإنجيل هما المحرفان، ولكن التحريف في القرآن يعني، كما جاء في الآية الكريمة، "تحريف الكلام عن مواضعه"، أي تغيير المعاني عن سياقها الصحيح. فكيف يُتهم مشروع مثل "الديانة الإبراهيمية" بالتحريف؟ وما التشويه الذي يتحدثون عنه؟ أحيانًا ينتقد البعض الإسلام بأقوال مثل "النبي كان يحب النساء"، وهذا موجود في سياق حديث نبوي يقول: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وجُعلتْ قرة عيني في الصلاة". هذا الحديث يُفهم في سياقه اللغوي والروحي، وليس كما يُروَّج له بسطحية. لكن البيان لا يوضح كيف تُشوَّه صورة الأنبياء في هذا السياق.
**ثالثًا:** يزعم البيان أن فكرة وجود مشتركات بين عقيدة الإسلام وغيرها من العقائد هي فكرة باطلة. وهذا الادعاء غريب جدًا! حوالي 80% من المعتقدات الإسلامية تشترك مع اليهودية والمسيحية في أصولها. فالمسلم لا يأكل الخنزير، كما في اليهودية، ويؤمن بإبراهيم كأبي الأنبياء، ويصلي خمس مرات، وهو أمر يشبه صلوات الزرادشتية الخمس. فهل هذا عيب أو حرام؟ المشتركات بين الأديان حقيقة تاريخية، فلماذا تُعتبر فكرة باطلة؟
**رابعًا:** يتحدث البيان عن "تسويق دين جديد يؤجج التطبيع السياسي"، ويُشير إلى تحسين بعض دول الخليج لعلاقاتها مع إسرائيل. هنا يُربط الموضوع بالسياسة، ويُوصف التطبيع بأنه أمر مرفوض. أنا، شخصيًا، توقفت عن الحديث عن إسرائيل منذ سنوات، لأن النقاش حولها يثير ضجيجًا دون فائدة، والناس لا تريد أن تفكر بعمق. المشكلة بين العرب وإسرائيل ليست مجرد حدود، بل هي مشكلة وجود. لكن هل بناء بيوت عبادة متجاورة، كما فعلت الإمارات، هو "تسويق لدين جديد"؟ هذا اتهام غير منطقي.
**خامسًا:** يصف البيان الاستجابة لما يسمونه "الديانة الإبراهيمية" بأنها طاعة لأعداء الملة والدين، ويعتبرها كفرًا. هذا التصعيد الخطير في الخطاب يُثير الفتنة بدلًا من تهدئتها. كيف يُعتبر التعايش بين الأديان كفرًا؟ وما علاقة هذا بـ"صفقة القرن" أو "حل الدولتين"؟ البيان يخلط بين قضايا سياسية ودينية دون دليل واضح.
**سادسًا:** يحذر البيان من "الدعوات المغرضة" التي تُشعل نار الفتنة، وهنا أتساءل: من يُشعل الفتنة؟ أليس إصدار مثل هذه البيانات التحريضية هو ما يُقسم المجتمعات ويُحرّض على العنف؟
**سابعًا:** يطالب البيان وزارات التربية والإعلام بالكف عن "العبث" بمناهج تعليم الإسلام، وتحصين النشء من "الانحرافات الفكرية". لكن ما هي هذه الانحرافات؟ البيان لا يوضح، ويترك الأمر مفتوحًا للتأويلات الخطيرة.
**ثامنًا:** يدعو البيان العلماء وطلبة العلم لمواجهة "فتنة تبديل الدين"، مستندًا إلى حديث مروي: "من بدَّل دينه فاقتلوه". هذا الخطاب العنيف يُشجع على العنف بدلًا من الحوار، وهو أمر مرفوض تمامًا.
**تاسعًا:** يقترح البيان تشكيل هيئة لإصدار بيانات حول "الشبهات"، تتجمع في شهر رجب من كل عام. وهذا، في رأيي، مجرد محاولة لخلق وظائف ومصالح شخصية تحت ستار الدين.
**عاشرًا:** يُكرر البيان تحذيراته العامة دون تقديم أدلة ملموسة على وجود "ديانة إبراهيمية" فعلية.
**بعد هذه المقدمات، دعونا نتحدث بوضوح:** منذ ثلاث سنوات، وقّع الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، مع بابا الفاتيكان وثيقة تُسمى **وثيقة الأخوة الإنسانية** في الإمارات. هذه الوثيقة تتحدث عن التعايش بين الأديان والإنسانية التي تجمع البشر، بغض النظر عن اختلاف معتقداتهم. وقد أثنت الأمم المتحدة على هذه الوثيقة، وأعلنت يومًا عالميًا للأخوة الإنسانية. الإمارات، بناءً على هذه الوثيقة، أنشأت مجمعًا يضم مسجدًا وكنيسة ومعبدًا يهوديًا، بأسماء رمزية: **مسجد الإمام الطيب**، **كنيسة القديس فرنسيس**، و**معبد موسى بن ميمون**. هذا المشروع ليس جديدًا، ففي مصر وغيرها من المدن القديمة، تجد المساجد والكنائس والمعابد متجاورة منذ قرون، كما في منطقة الحسين أو سوق باكوس.
لكن ما أثار استغرابي هو موقف شيخ الأزهر، الذي وقّع على الوثيقة، ثم أصدر بيانًا ناريًا يحذر من "الديانة الإبراهيمية". فكيف يُوقّع على وثيقة تروّج للتعايش، ثم يُحذر منها؟ هذا تناقض يحتاج إلى توضيح. أما اتهام الإمارات بتغيير دينها الرسمي إلى "الديانة الإبراهيمية"، فهو كذب صريح، لم أجد له أي دليل في بحثي.
**من الناحية العقائدية:** إبراهيم في القرآن هو رجل فاضل، يدعو إلى توحيد الله ويرفض الوثنية. أما إبراهيم التوراتي (أو "أبرام")، فهو شخصية مختلفة، تُروى عنها قصص لا تتفق مع الرواية القرآنية، مثل سفره إلى مصر وتقديمه زوجته كجارية. هذه الاختلافات تاريخية ومعروفة، ولا تحتاج إلى تأجيج. لكن المشكلة ليست في إبراهيم، بل في محاولة خلق "دين جديد" وهمي لأغراض سياسية.
**من الناحية السياسية:** يربط البيان هذا المشروع بالتطبيع مع إسرائيل و"صفقة القرن"، وهو ربط غير منطقي. التطبيع قرار سياسي يتعلق بمصالح الدول، وليس له علاقة ببناء بيوت عبادة متجاورة. القضية الفلسطينية، التي استنزفت ثروات الشعوب العربية، تحتاج إلى حلول عملية، لا إلى شعارات تحريضية. إنشاء مجمع الأديان في الإمارات ليس مؤامرة على الإسلام، بل هو محاولة لتهدئة التوترات في عالم يعاني من الصراعات.
**في الختام:** لا أرى في مشروع الإمارات، أو في وثيقة الأخوة الإنسانية، أي تهديد للإسلام أو للقضية الفلسطينية. على العكس، قد يكون هذا المشروع خطوة إيجابية لتعزيز التعايش. لكن البيانات التحريضية، مثل بيان "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، تُشعل الفتنة وتُعمّق الانقسامات. دعونا نتحلى بالعقلانية ونتجنب الوقوع في فخ الشائعات والتأويلات المغرضة.
شكرًا لصبركم، وقد تجاوزنا الوقت المحدد، لكنني سأترك المجال لأسئلتكم ومناقشاتكم عبر الصفحة. إلى اللقاء، ومع السلامة.
-
تعليقات
إرسال تعليق