سيد جبيل (١): محاولة فهم الصورة الكلية للساحة الدولية
مساء الخير، ما دمتَ قد قررتَ الإصغاء إليَّ. أنتَ، مثلي، مشغولٌ بمحاولة فهم الظواهر وتفسيرها، وربط الأحداث بعضها ببعض. اليوم، لا نحاول فهم تفسير سلوك زعيم سياسي معين، ولا تفسير حدث بعينه، كما فعلنا في حلقات سابقة عديدة. لكننا اليوم نطمح إلى محاولة أكثر طموحًا، ألا وهي فهم الصورة الكلية لما يجري على الساحة الدولية، تلك الصورة التي يُطلق عليها، على كل حال، صحة العالم. إن الخطوط الرئيسية التي نستطيع من خلال فهمها أن ندرك الكثير من الأحداث على الساحة الدولية، وتأثيرها على منطقة الشرق الأوسط، وعلى كل دول المنطقة بلدًا بلدًا.
المدخل الأول: تغيير النظام العالمي القائم
الحقيقة أن المدخل الأول لفهم ما يحدث على الساحة الدولية يتطلب منا إدراك أن هناك شبه إجماع بين المراقبين الذين يتابعون الأحداث الدولية على وجود تغيير كبير فيما يُسمى بالنظام العالمي القائم. النظام العالمي القائم يُشبه مجلس إدارة العالم بعد تشكيله. ولكي نفهم التغيير الجديد، يجب أن نفهم الوضع القديم. كان الوضع القديم مستقرًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، وهو نظام قائم على الهيمنة الأمريكية، حيث كانت الولايات المتحدة رئيس مجلس إدارة العالم،-dot-، تمتلك أكبر نسبة من الأسهم، ولها القدرة على التصويت. هذا النظام تجلى في شكل مؤسسات كبيرة أشرفت الولايات المتحدة على تأسيسها، وحرصت على أن تحافظ هذه المؤسسات على وضعها المميز، سواء كانت اتفاقية "غات" (التي أصبحت الآن منظمة التجارة العالمية)، أو صندوق النقد الدولي، أو البنك الدولي، أو مؤسسات أخرى يمكن وصفها بالاقتصادية والعسكرية والثقافية على جميع المستويات.
أساس النظام العالمي: القوة الاقتصادية الأمريكية
هذا النظام، بقيادة الولايات المتحدة وبدعم من حلفائها، خصوصًا في العالم الغربي مثل دول أوروبا الغربية واليابان وأستراليا وكندا، يقوم على أساس القوة الاقتصادية الأمريكية المطلقة. كانت الفجوة الاقتصادية هائلة جدًا. تخيلوا أن العضلات الاقتصادية الأمريكية، بعد الحرب العالمية الثانية ولسنوات ليست قليلة بعدها، كانت تنتج أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي للعالم بأسره. بل إن هذه النسبة وصلت في بعض السنوات إلى 45%. على هذا الأساس، كانت السيطرة الأمريكية واضحة تمامًا بعد سنوات الحرب العالمية الثانية، رغم وجود قوى أخرى، لكنها كانت أقل تأثيرًا عسكريًا، ولم تستطع منافستها اقتصاديًا. وتأكدت سيطرة الولايات المتحدة ونفوذها على العالم، ليس فقط خلال الحرب الباردة، بل بشكل أكبر بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، الذي استُنزف اقتصاديًا أمام الولايات المتحدة في مطلع التسعينيات.
تداعي النظام العالمي: تراجع القوة الاقتصادية الأمريكية
النظام الجديد الذي نتحدث عنه يتداعى للسبب ذاته الذي قام عليه، ألا وهو القوة الاقتصادية الأمريكية. لقد تراجعت هذه القوة بشكل كبير. مثال واحد يوضح هذا التراجع: وفقًا لتقديرات البنك الدولي، كان الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في عام 1960 يعادل 40% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، بينما في عام 2014، ظل الأكبر في العالم، لكنه لم يتجاوز 20%، أي نصف ما كان عليه. هذا التراجع الكبير في الاقتصاد الأمريكي، من جهة، وصعود قوى أخرى لم تكن موجودة بشكل بارز على الخريطة سابقًا، مثل الصين اقتصاديًا، وروسيا التي استعادت قوتها نسبيًا، إضافة إلى ظهور دول أخرى مثل مجموعة دول "بريكس" (البرازيل، جنوب إفريقيا، الهند)، ساهم في تغيير المشهد.
صعود الصين وتغيير موازين القوى
لنأخذ مثالاً: في عام 2016-2017، كان حجم الناتج المحلي الإجمالي للصين يمثل حوالي 14-15% من الناتج العالمي، وهو رقم تضاعف خمسة عشر ضعفًا خلال حوالي ثلاثين عامًا. في الثمانينيات، كان الناتج المحلي الإجمالي للصين يعادل تقريبًا ناتج دولة متوسطة الحجم اقتصاديًا، لا تشكل أكثر من 1.1% من الناتج العالمي. هذا التقدم الكبير في الصين، وفي دول أخرى كانت متخلفة ثم أصبحت مهددة، يقابله تراجع كبير في الاقتصاد الأمريكي. النتيجة هي أننا أمام نظام عالمي يتشكل، لكنه لم يظهر إلى الوجود بعد. نحن في مرحلة يُطلق عليها المراحل الانتقالية.
المراحل الانتقالية: اضطرابات وصراعات
في المراحل الانتقالية بين نظام عالمي قائم ونظام عالمي جديد، تحدث اضطرابات كثيرة، وتسود حالة من انعدام الرؤية، وعدم الوضوح، والالتباس، وكثرة التوجهات، وقلة الثقة، والشك. الدولة المهيمنة القائمة، الولايات المتحدة وبعض حلفائها، ترى مصالحها في الحفاظ على الوضع القائم، بينما الدول الصاعدة، مثل الصين وروسيا وغيرهما وحلفاؤها، تحاول خلق واقع جديد. عندما يكون هناك معسكران، أحدهما يحاول الحفاظ على الوضع القائم، والآخر يسعى لخلق واقع جديد، تنشأ ظواهر من النوع الذي نشاهده يوميًا في نشرات الأخبار.
الحروب التجارية: مواجهة التفوق الصيني
الخبر الأول: الحروب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. منذ مارس من العام الماضي، فرض الرئيس الأمريكي تعريفات جمركية وعقوبات اقتصادية على الصين وغيرها. في ساحة مفتوحة، لا تستطيع الولايات المتحدة مواجهة التفوق الاقتصادي الصيني، فحاولت فرض سياسات حماية. في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، أو في الستينيات والسبعينيات، لم تكن هناك حاجة لهذه السياسات، لأن الولايات المتحدة كانت المتفوقة كمًا ونوعًا، فلم تمانع فتح حدودها واستقبال البضائع. لكن الوضع تغير: أصبحت الولايات المتحدة تستورد أكثر مما تصدر، رغم أنها لا تزال من أكبر دول العالم. النتيجة هي الخوف من أمرين: أولاً، أن تغرق البضائع الصينية السوق الأمريكية، وثانيًا، أن تتحول الصين إلى قوة اقتصادية تتجاوز الولايات المتحدة. بعض التقديرات تشير إلى أن الاقتصاد الصيني قد يتجاوز الاقتصاد الأمريكي بحلول عام 2050.
الصراع في بحر الصين الجنوبي: طموحات الصين المتزايدة
نتيجة هذا الصراع تتجلى في مناطق حيوية بالنسبة للصين، مثل بحر الصين الجنوبي، وهو منطقة استراتيجية ومهمة للغاية. كان هذا البحر تحت النفوذ الكامل للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، بينما كانت الصين منكفئة على نفسها لأكثر من عشرين أو ثلاثين عامًا، معتبرة نفسها دولة فقيرة تسعى فقط لتكون جزءًا من دول العالم الثالث. لكن مع الصعود الاقتصادي والتطور، بدأت الصين تنافس الولايات المتحدة اقتصاديًا، وتغيرت طموحاتها. أصبحت تسعى لتعزيز نفوذها العسكري والسياسي، مما أدى إلى تصادم يومي بين الأساطيل الصينية والأمريكية في المناطق التي تعتبرها الصين استراتيجية، مثل بحر الصين الجنوبي.
التوسع الصيني: من الجزر الاصطناعية إلى الحزام والطريق
هناك اتهامات يومية من الأمريكيين بأن الصين تتحرك في هذا البحر، وتتدخل في شؤون الدول الحليفة للولايات المتحدة، وتبني جزرًا اصطناعية لتوسيع حدودها الإقليمية، مما يتيح لها نشر أساطيل وصواريخ. هذا الصراع لم يقتصر على الحروب التجارية أو على بحر الصين الجنوبي. الآن، تبني الصين قواعد عسكرية في الشرق الأوسط وخارجه. وفي عام 2013، طرحت الصين مشروع "الحزام والطريق"، وهو تصور طموح لقيادة العالم من خلال شبكة ضخمة من الطرق والجسور ومحطات الكهرباء والطاقة والاتصالات، تربط أكثر من 73 دولة.
تراجع الولايات المتحدة: انسحاب وفراغ
في ظل تراجع الولايات المتحدة، ومعارضتها الشديدة للصين، نرى ظواهر مثل عدم قدرة الولايات المتحدة على ممارسة مهامها الإمبراطورية كما اعتادت، فتنسحب من بعض المناطق، مثل الشرق الأوسط. عندما تنسحب، تملأ قوى أخرى الفراغ. نتيجة هذا الانسحاب، وجدت دول الخليج نفسها، لأول مرة منذ استقلالها، بأقل قدر من الحماية الأمريكية. بدأت هذه الدول تسلك سلوك الدولة القومية، فاشترت كميات ضخمة من الأسلحة، وفكرت في إنشاء "ناتو عربي" أو قوات عربية مشتركة، أو حتى الاستعانة بمصر أو باكستان.
دور إسرائيل: استغلال الفراغ وتقديم البديل
الأخطر من ذلك أن إسرائيل تستغل هذا الوضع. فهي تطرح نفسها كحليف للدول العربية والخليجية، قائلة إنها يمكن أن تكون شريكًا في مواجهة إيران وغيرها، خاصة أن أمريكا لا تمانع هذه الخطوة. إسرائيل تستغل مخاوف دول الخليج من إيران، بعضها مبرر وبعضها غير مبرر، وتقدم نفسها كشريك استراتيجي.
الغضب الشعبي الأمريكي: صعود التيارات الشعبوية
في ظل تراجع الولايات المتحدة، يظهر غضب شعبي داخل بعض فئات المجتمع الأمريكي التي تشعر بفقدان مزاياها بسبب التراجع الاقتصادي. يُعزى هذا الفشل إلى النخب الحاكمة المعتدلة التي حكمت أمريكا منذ الحرب العالمية الثانية. نتيجة ذلك، ظهرت تيارات شعبوية ومتطرفة، مثل التيارات الدينية المتشددة التي تسعى لاستعادة "المجد الماضي". هذه التيارات تدفع نحو سياسات حماية، مثل فرض تعريفات على دول الاتحاد الأوروبي أو دول الخليج، أو التركيز على استثمارات في الطاقة غير النظيفة لتوفير فرص عمل.
تغيير النظام العالمي: طموحات إقليمية ودولية
النتيجة هي تغيير في النظام العالمي، مع طموحات متزايدة ليس فقط من إسرائيل، بل من دول مثل إيران وتركيا، التي تحاول كل منها ملء الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة. هذا التضارب بين إيران وتركيا وإسرائيل، مع تراجع أمريكا، يؤدي إلى قرارات دولية مضطربة. في المنطقة العربية، يتفق الجميع على أن مصالحهم تكمن في تفتيت الدول العربية إلى دويلات صغيرة، كما حدث في العراق وسوريا، وربما يحدث في اليمن.
خاتمة: المنطقة العربية في ظل الصراعات العالمية
هذه صورة بانورامية للمشهد على الساحتين الدولية والمحلية. المؤكد أن الصراعات والمعاناة في المنطقة ستظل مستمرة حتى يتشكل نظام عالمي جديد، تحتفظ فيه الدول الكبرى بأوزان أكبر بكثير من الدول العربية. في النظام العالمي الحالي والقادم، إذا كانت الدول الكبرى هي الأفيال، فنحن العشب الذي يُداس تحت أقدامها، ضحايا هذه الصراعات والحلقة الأضعف فيها. أشكركم، وإلى لقاء آخر إن شاء الله.
تعليقات
إرسال تعليق