بلال فضل (١): عن الغربة والحنين للوطن

بسم الله الرحمن الرحيم، أهلًا بكم، وحديثنا اليوم يتناول الغربة، المهجر، المنفى، والطيور المهاجرة. سأحاول، بطبيعة الحال، أن ألقي أضواء حزينة على هذا الموضوع المثير للشجن، لأسباب تتعلق بالتركيبة الجينية لثقافتنا العربية، وبشكل عام، وارتباطها بالغربة وبالوطن. في ثقافتنا العربية، ثمة فكرة البكاء على الأطلال، كما في قول الشاعر: "ودّع هريرة إن الركب مرتحل"، و"هل تطيق وداعًا أيها الرجل؟"، و"لخولة أطلال ببرقة ثهمد تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد". هذا الارتباط بالبكاء على الأطلال، بفراق الوطن، يتجلى بوضوح، ويتعمق أكثر في التركيبة الجينية المصرية، لأن الفلاح المصري ارتبط بالأرض عبر سنين طويلة، بل قرون. فكرة اقتلاعه من أرضه قسرًا كانت دائمًا تأتي بشكل قاسٍ، سواء عندما كان يُجند في الجيش، فيما يُطلق عليه "التغريبة" أو "التجريدة"، التي كانت تأخذ الفلاحين من أراضيهم لتلحقهم بالجيوش عبر العصور المختلفة، أو عندما كانوا يُضطرون لذلك بسبب إغراءات الحاكم. لكن الفكرة الأساسية هي أن من كان يُؤخذ من قلب أرضه، كان يلجأ أحيانًا إلى قطع أصابعه للهروب من الجيش ومن مفارقة الأرض.

هذا الارتباط الجيني بالأرض تجسد في الفلاح المصري، الذي ربما لم يعرف فكرة الغربة إلا منذ تجريدة قناة السويس، أو ما قام به محمد علي وإبراهيم باشا قبله. يمكن العثور على تفاصيل تاريخية رائعة في كتاب الدكتور خالد فهمي "كل رجال الباشا". ثم جاءت فترة الخمسينيات والستينيات، حيث اضطرت بعض الأقليات، مثل اليهود المصريين، الأرمن، واليونانيين، وبعض أبناء ثقافات أخرى مرتبطين بمصر، إلى مغادرة البلاد، خاصة بعد تصاعد العداء للأجانب عقب حرب 1948 والعدوان الثلاثي. أذكر، عند قراءتي لكتاب "الرجل ذو البدلة الشركسكين" الذي كتبته لوسيت لانيادو، وهي يهودية أمريكية من أصل مصري، عن والدها وكيف كان يبكي بدموع وهو على متن السفينة، رافضًا السفر إلى إسرائيل. كان يهوديًا مصريًا، مضطربًا من فكرة السفر، وبقي يبكي حتى وفاته، يرغب في العودة إلى مصر. نرى هذا كثيرًا في أدبيات اليهود الذين غادروا مصر قسرًا، رغم عرضه عليهم مزايا وإغراءات. هذا النمط تكرر أيضًا مع يهود غادروا دولًا عربية أخرى، على الرغم من المغريات التي قُدمت لهم.

ثم جاءت موجة الخروج في الستينيات بسبب القهر، التأميم، اضطراب الأوضاع السياسية، التضييق الاقتصادي، والتضييق الطائفي في بعض الأحيان. تلتها موجة السبعينيات، حيث أصبح الخروج مدفوعًا بإغراءات السفر إلى الخليج أو أوروبا، وتزايدت وتيرة السفر حتى وصلنا إلى أيامنا هذه، حيث أصبحت فكرة رمي الناس لأنفسهم في البحر لمغادرة بلادهم أمرًا صادمًا للمصريين، لكنه لا يزال مستمرًا. أذكر في صحيفة "الدستور" عام 1995 أو 1996، كتب الصحفي الرائع أسامة الرحيمي، صديقنا وزميلنا في مجلة "نصف الدنيا"، تحقيقًا عن المصريين الذين يسافرون إلى إسرائيل للعمل، وكان تحقيقًا صادمًا. رفضت مجلة "نصف الدنيا" نشره لأسباب سياسية ورقابية، فنُشر في "الدستور"، وأثار حالة من الصدمة والهلع، حيث لم يصدق الناس أن هذا واقع، حتى أدركوا حقيقته.

ثم بدأت أخبار رمي الناس لأنفسهم في البحر تتصاعد، وتذكرنا فكرة هجرة العقول ونزيف الأدمغة منذ الخمسينيات والستينيات مع تصاعد القهر السياسي، وهروب الكفاءات المتميزة من مصر والعالم العربي إلى الخارج. بعض من ذهبوا في بعثات دراسية كانوا يبلغون "فرارًا" ولا يعودون، وهذا المصطلح مرتبط بفكرة التجنيد أو أخذ الناس قسرًا إلى الجيش. هذه الصورة التي أحاول التعبير عنها بسرعة وصلت إلى ذروتها في العشر سنوات الأخيرة، حيث أصبح السفر الحلم القومي الأبرز لملايين المصريين. لا أظن أنني أو أنتم تعرفون أحدًا إلا ويقول: "ألا تملك عقد عمل؟ ألا توجد فرصة سفر؟". هناك من يريد السفر بشكل شرعي، ومن هو مستعد للسفر بشكل غير شرعي، لدرجة أن الناس يرمون أنفسهم في التهلكة عبر الصحراء على الحدود مع ليبيا في مغامرة غير مضمونة، فقط للوصول إلى ليبيا، ثم مغامرة أخرى غير مضمونة للغوص في المحيط. بعضهم يكمل طريقه عبر الساحل الليبي ليصل إلى تونس، لأنها أقرب إلى إيطاليا، وبعضهم يصل إلى الجزائر للوصول إلى إسبانيا.

قد نسمع هذه القصص عن إخواننا في سوريا، نسأل الله أن يفك كربهم، لأنهم كانوا في خضم الحرب والدمار. لكن المصريين يسمعون هذه القصص منذ فترة طويلة. أذكر في عام 2007، عندما كان الدكتور علي جمعة مفتيًا، أدلى بتصريح استفزازي عن الشباب الذين غرقوا في البحر، متهمًا إياهم بأنهم يلقون بأنفسهم إلى التهلكة. كتبت وقتها مقالًا بعنوان "مفتي الديار الغارقة"، كان واضحًا أن البلد أصبحت طاردة لأهلها، ونشأت رغبة في الهروب منها.

لنخفف الأجواء قليلًا، فكرة الغربة في ثقافتنا تتجلى في الأغاني، مثل "غريب الدار على جار"، و"يا ليل هون غربتنا" لمحمد منير. هذه الفكرة تُوضع في أي جملة مع كمنجتين وراء مضمون الدموع. حتى وديع الصافي، المطرب اللبناني الشهير، عندما غنى باللهجة المصرية "دار يا دار، راحوا فين حبايب الدار"، كان يدرك أن هذا الموضوع يلامس المصريين. اللبنانيون سبقونا في فكرة المهجر منذ عقود، مع أدباء المهجر وهجرة اللبنانيين والشوام إلى مصر، ثم إلى الأمريكتين وإفريقيا. أغاني فيروز، مثل "سنرجع يومًا"، تعبر عن الوطن والعودة إلى الأهل. لكن لبنان تحولت فيه الهجرة إلى حقيقة، فلا تستطيع الدولة العيش بدون المهاجرين. وأرى أن مصر تسير بقوة في نفس الاتجاه.

أدركت الدولة هذا الأمر، كما أشرت في حلقة سابقة، وقررت الاستفادة من المغتربين، حتى لو سافر الأطباء. هذه سياسة متبعة: يسافرون، يدفعون غرامات، ويُصدرون كسلعة، بينما يتم استبدالهم بأطباء وممرضين هنود وبنغاليين بتكلفة أقل. هذه ليست تكهنات، بل معلومات. الطبيب المصري الآن موجود في كل الدول الإفريقية، مثل سيراليون وغيرها، لأنه يكسب هناك ألف دولار على الأقل، وربما ألفي دولار في بعض الدول. هذا الرقم، حتى لو كان سعر الدولار ستة جنيهات كما في الماضي، يظل مغريًا. تحويلات المغتربين أصبحت مصدرًا اقتصاديًا، مثل لبنان الذي يعيش على السياحة وتحويلات المغتربين. مصر تسير نحو ذلك، ونسبة "الصعبانيات" ستقل، لأن الإنسان كائن يتكيف، والتغيير الجيني قد يستغرق جيلًا أو جيلين، لكنه يحدث.

بالمصادفة، في القلعة، احتفى الناس بأغنية "الغربة" لإسماعيل البلبيسي: "أنا من زمان يا غربة بتحمل". هذه الأغنية دليل على أن "الصعبانيات" بدأت تتكسر. اشتهرت في وقتها، ثم عادت بقوة عبر أحمد مكي (حزلقوم) في فيلم "لا تراجع ولا استسلام"، حيث رقص على الأغنية بطريقته المميزة. بعد يناير 2011، بدأ الناس الذين يسافرون ويتغربون يستمعون إليها. أغاني مثل "واسيبك لمين"، وأغاني فيلم "عسل أسود"، مثل "ما شربتش من نيلها"، وأغنية عايدة الأيوبي "ليه مصري لا تهجر بلدك لا"، كلها تعبر عن فكرة السفر والعودة.

إسماعيل البلبيسي روى في برنامج أن هذه الأغنية لم تكن عن الغربة أصلًا، بل كانت أغنية راقصة كتبها عنتر هلال، الشاعر المعروف بالأغاني "المطرقعة". اقترح محمد فؤاد تحويلها إلى أغنية عن الغربة لأن أغنية عايدة الأيوبي كانت "مكسرة الدنيا". فكتب عنتر هلال الكلمات بسرعة، وأصبحت الأغنية رمزًا للغربة، رغم أنها لم تأتِ من تجربة حقيقية. هذا يُظهر كيف تُصنع الأساطير، حتى لو لم تكن الأغنية مرتبطة بمعاناة السفر.

في المستقبل، ستظل أغاني مثل "الطير المسافر" و"خلاص مسافر" تؤثر فينا، لكن السفر سيصبح ضرورة للحياة، لأن الأوضاع في الوطن ستصبح صعبة، وربما لا تصل إلى درجة المستحيل. الوطن بالنسبة لملايين الصينيين والهند ومستوطني أمريكا من الجيل الثاني والثالث أصبح ارتباطًا ثقافيًا. في نيويورك، مثلًا، هناك "تشاينا تاون" و"كوريا تاون" و"كاري هيل"، حيث المطاعم الهندية تعكس التنوع الثقافي. هذا بدأ يحدث مع المصريين، رغم مقاومتهم الطويلة. نشهد الآن مرشحة سياسية مصرية الأصل في نيويورك، رنا عبد الحميد، كادت أن تنجح في الكونغرس، ومسيحيو مصر في نيو جيرسي وصلوا إلى مناصب سياسية كبيرة.

في بداية سفري، قابلت رجلًا هنديًا لم يزر الهند منذ 45 عامًا. قال إنه لا يشتاق لها، لأن أهله يطالبونه بالمال، فيذهب إلى "جاكسون هايتس" في كوينز، حيث يلتقي بأناس من ولايته. هذا الحي يضم تنوعًا عرقيًا هائلًا، بأكثر من 130 جنسية. تأثرت به في بداية سفري، لكن عندما قرأت أكثر، وجدت أن الهند لديها أيضًا بكائيات الأوطان، مثل الصين وغيرها. التغيرات الاجتماعية، عندما تُفرض بواقع لا بقرارات عليا، تُحدث خلخلة في البنية النفسية للشعوب. الناس الذين يتعاملون مع الغربة بدراما لا يجدون الوقت لاستمرار هذا الشعور.

في هذه الحلقة، لا أدافع عن السفر أو الغربة، ولا أحاول تصبير النفس. أتأمل ظاهرة اجتماعية، وأشارك تجربتي الشخصية، التي تتزامن مع بلوغي الخمسين وإكمالي عشر سنوات في الغربة. أقول "السفر" بدلًا من "الغربة"، مستلهمًا قول الإمام علي: "الفقر في الوطن غربة". خرجت من مصر في 2014 اضطراريًا، ليس هجرة مخططة، ولا نفيًا رسميًا، لكنني اخترت الخروج قبل أن تُقيد حريتي. كان السبب مقالاتي في "الشروق" عقب مذبحة رابعة، وتحذيري للجيش من التورط في السياسة، ومسلسل "الهروب" الذي كتبته عن الأمن الوطني، وما تلا ذلك من منعي من العمل.

لم أضع نفسي تحت إطار المنفى، لأن ذلك كان سيدمرني نفسيًا. اخترت أن أعتبر نفسي في رحلة اكتشاف، سافرت في 4 سبتمبر لأصل نيويورك في 5 سبتمبر، يوم عيد ميلادي الأربعين، كبداية جديدة. حملت معي أرشيفي، وهو ثروتي، ليس أسرارًا، بل مسودات وقصص وكتب. في نيويورك، بدأت من الصفر، أعمل يومًا بيوم، أكتب في سبعة مواقع لأتمكن من العيش، ثم خففت إلى موقعين. استعدت روح الهواة، أبحث عن الأخبار، أغطي الفعاليات الثقافية، من حفلات ريكي مارتن إلى معارض في المتاحف.

تجربتي ليست قاعدة. الغربة تجربة شخصية، مصممة حسب ظروف كل إنسان. الحنين للوطن لا يزول، لكنه يمكن أن يتحول إلى وقود للطاقة، لا إلى هباب يخنق. 


بسم الله الرحمن الرحيم، أهلًا بكم، وحديثنا اليوم يكمل تأملاتنا حول الغربة، المهجر، المنفى، والطيور المهاجرة، مع الاحتفاظ بأبيات الشعر كما وردت دون تغيير، وتصحيح العبارات إلى لغة عربية فصحى سليمة دون حذف أو تعديل في المضمون.

لا أستطيع أن أقول إنني كنت قادرًا على تحمل عشر سنوات من الغربة دون وجود زوجة محبة ومتفهمة، تشاركني الألم ذاته والاضطرار ذاته للسفر دون ذنب اقترفته. لقد خاضت خلال هذه الفترة محنة كبرى، حيث مرض والدها ووالدتها ولم تكن إلى جانبهما، رغم قربها الشديد منهما. ثم توفاهما الله ولم تتمكن من التواجد إلى جانبهما، فعاشت هذا الحزن، تحملته، صمدت، صبرت، وكانت سندًا وشريكة وداعمة. فإذا لم يكن لديك هذا السند والداعم، الذي حتى إذا ضعف أو تعب، يمنحه الله الصبر والقوة، فقد لا تجد في نفسك القدرة على تخيل أن التجربة سهلة أو أنها تحمل حالة رومانسية. صحيح أنني عندما أرويها تبدو كقصة أو رحلة، وكأن إنسانًا يبدأ من جديد، وقد قال لي العديد من الأصدقاء: "لم أكن أتوقع أن تكون هكذا". بل لاحظت أن بعض الأصدقاء، عندما زاروني هنا بعد فترة من الابتعاد، تفاجأوا. أحدهم قال لي ذات مرة: "الناس رحلوا، كان لدينا أصدقاء مشوا، وبقينا أنا وهو، ونحن أصحاب منذ زمن طويل". ثم قال: "من الأفضل أن تقولها صراحة، أراك كالفراشة لا تبالي". كنت دائمًا أسخر من جملة عبد الوهاب "فراشة لا تبالي"، فقال لي: "هل ستبكي الآن وتقول إنك تشتاق؟". فأجبته: "نعم، أشتاق، أشتاق لكذا وكذا، لكن لماذا أبكي؟ ليس بيدي أن أعود، فلماذا أبكي على اللبن المسكوب؟ أمامي تحديات". قال: "ما هي التحديات؟". فقلت: "دفع الإيجار أول كل شهر، هذا تحدٍ. الوفاء بالالتزامات، ألا أكون مدينًا لأحد، أن أبدأ من جديد. بعد أن أستعيد عافيتي قليلًا، بدأت أفكر تدريجيًا في إنجاز الرواية التي كنت أكتبها منذ سنوات، إتمام الكتاب الذي كنت أحلم بإنجازه، العودة للعمل في الدراما بعد انقطاع سنوات، والحفاظ على صلتي بهذا العالم". هذه كانت التحديات بالنسبة لي، التي منعتني من الخوف من فقدان الهوية. 

فأنا أعيش في نيويورك، ولست في مدينة في الغرب الأوسط تضم ثلاثين مهاجرًا مثلي وسط الثلج والزمهرير. نيويورك فيها برد، كتبت عنه في فصل من كتابي الأخير "فندق الرجال المنسيين" بعنوان "برد عم عبد البر". كنت أرى أشياء لم أتخيل يومًا أنني سأعيش في هذا البرد القارس والعواصف، لكن ما البديل؟ ما الذي بيدي؟ ليس لدي خيار سوى القيام بذلك. فكرة أن أواجه خطر السجن لفترة، وأن يضطر أهلي للتنازع على البطانيات والأدوية، أو أن يقال لي: "ألا تخاف على هويتك وعلى هوية أبنائك؟"، تجعلني أتساءل: أي هوية؟ وأي هوية يمكن أن يحظى بها أبنائي إذا لم أتمكن من إكمال تعليمهم وتعليمهم وإدخالهم الجامعة؟ بالتأكيد، فكرة الخوف على الهوية وعلى طريقة تربية الأبناء أمر مهم، ولا أستطيع التقليل منه. ليس من حق أحد أن يتعالى على تساؤلات الآخرين أو مخاوفهم. لكن بالنسبة لي، بعد سن معينة، بدأت أرى ما أريده من الوطن. أريده ببساطة: أولًا، الحرية. ثانيًا، الحديقة التي لا أدفع ثمنها، وألا أضطر للعيش في كومباوند أو دفع اشتراك في نادٍ لأحصل على حقي في التنزه والتجوال. ثالثًا، الرصيف. رابعًا، التأمين الصحي. موضوع التأمين الصحي في أمريكا ليس مثاليًا، لكنه – الحمد لله – أفضل من حال آخرين. هذه هي متطلباتي من الوطن.

هنا، أود أن أشير إلى نقطة تذكرتها، وهي تفسير قوله تعالى: "ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغمًا كثيرًا وسعة". في تفسير ابن كثير، ينقل عن مجاهد، المفسر التابعي، أن "مراغمًا كثيرًا" تعني التحصن مما يكره. ويعلق ابن كثير بأن المراغم هو البرج الذي يتحصن به الإنسان ويرمي منه أعداءه. فكأنك، عندما تهاجر في ظروف العداوات والاضطرار، تجد برجًا تتحصن به. بالنسبة لي، لم تكن الفكرة أن أكتب وأعارض فقط، فأنتم تعلمون أنني حتى في معارضتي أعبر عن رأيي دون حث أحد على الخروج أو غيره. لكنني تذكرت، في سياق ما أريده من الوطن، تعبيرًا سُئل عنه أبو علي الجبائي، أحد كبار المعتزلة. كانوا يتحدثون في عصرهم عن "دار الإسلام" و"دار الكفر"، فسُئل عن دار الإسلام، فأجاب بتعبير رائع: "حيث أقيم شعيرتين خائفًا". أي أن الوطن بالنسبة له هو المكان الذي يكفل له حرية العبادة وإبداء الرأي دون خوف من السجن أو الاعتقال أو التنكيل. فهو لخص الموضوع قديمًا، حيث كانت دار الكفر بالنسبة له، مثل ما حدث مع ابن المقفع، الذي قُطعت أعضاؤه ورُميت في التنور وهو حي. فدار الإسلام هي المكان الذي يتيح له قول رأيه دون خوف، ويتركه يصلي ويصوم. هذا التضاد بين دار الإسلام ودار الكفر لم ينته، ولا يزال هناك من يؤمن به، ومن يتناوله ويتشبث به.

عندما تقرأ في كتب التراث، تجد أحيانًا أن الوطن قد لا يساعدك على عيش حياة صالحة، فالبيئة التي تعيش فيها قد تشجع على الفساد. يروون قصة – وهي بلا سند تاريخي، لكنها للوعظ – عن رجل كان يعيش في بلده، وكلما تاب ارتكب جريمة، لأن البيئة من حوله تشجعه على الجرائم. فنصحه أحد المشايخ بالهجرة إلى وطن آخر، لأنه طالما بقي في هذه الدائرة، سيظل يقع في الخطأ. فسافر، ومات في الطريق. في القصة، تنازعت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب – وهذا توصيف درامي، لأن الحساب يكون يوم القيامة – لمن ينتمي هذا الرجل؟ هل إلى البيئة الفاسدة التي ارتكب فيها جرائمه، أم إلى البيئة التي كان يحلم أن يتغير فيها؟ انتهت القصة بأنه كان مقبلًا بوجهه إلى الدار الجديدة، فاستحق الرحمة. لا يهمني الجانب الدرامي في القصة، بل المعنى: أحيانًا، الحياة في وطنك لا تُظهر أفضل ما فيك، وقد يكون الحل هو الخروج إلى بلد آخر يُريك محاسن وطنك التي كنت تجهلها، أو يُخرج أفضل ما فيك. 

هنا تأتي فكرة الحالة العقلية أو النفسية. السفر مرتبط بحالتك النفسية وتوجهك. إذا كنت تعتقد أن أفضل طعام في العالم هو المحشي أو المكرونة بالبشاميل، فهذا تصورك. لكن إذا قدم لك أحدهم طعامًا دون أن يخبرك أنه من مكونات غير معتادة، فقد تستمتع به، لكن لو علمت مسبقًا، قد ترفضه. الإنسان عدو ما يجهل. إذا بدأت السفر بتصور مسبق يقاومه أو يراه بكائيات وحنينًا، خاصة إذا كان لديك خيار العودة لقضاء أشهر الصيف في وطنك، فهذا يختلف. لكن لا يعني ذلك أن الحنين إلى مسقط الرأس يزول. يقول أبو تمام:  
"كان منزلًا في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدًا لأول منزل  
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول"  
الإنسان لا يحب شيئًا أجمل من ملاعب الصبا ومراتع الشباب. لماذا لا نحول هذا الحنين إلى وقود للطاقة بدلًا من هباب يحرق وثاني أكسيد الكربون يخنق؟ هذه عملية ليست ميكانيكية، لكنني أتصور أن الإنسان، حتى لو كنت أوهم نفسي بسبب اضطراري، يمكنه ذلك. أعرف أناسًا يعيشون التجربة بالاختيار، لا بالاضطرار، ولا بمنطق الرجل الهندي الذي يتجنب أهله لأنهم يطالبونه بالمال. هم ارتضوا التصالح مع المكان الذي يعيشون فيه، مع الحفاظ على حنينهم الجميل لمصر أو أوطانهم، ويربون أبناءهم على الاعتزاز بثقافتهم، بالحديث عن العيوب والمميزات، الأحلام والكوابيس، دون خداع. الأطفال ليسوا سذجًا، سيفهمون مع الوقت، وسيصبح ذلك جزءًا من ثقافتهم. يكون لهم انتماء للوطن الجديد، يحترمونه، ويسعون لتغييره للأفضل، ويرفضون ما فيه من قبح، ويدفعون ثمن ذلك إذا لزم الأمر، مع اعتزاز بأصلهم.

أمريكا، في تجربتي، تختلف عن أوروبا. ربما هناك من أحبوا الحياة في ألبانيا أو تركيا، حيث لم أرَ العنصرية واضحة بسبب أصدقائي الأتراك من أصول عربية. لكنني لا أستطيع الحكم على تجارب الآخرين في فرنسا أو ألمانيا بناءً على ما رأيته. أمريكا، خاصة نيويورك وبوسطن وسان فرانسيسكو ولوس أنجلوس وشيكاغو، أفضل بكثير من الغرب الأوسط، وبعض المناطق في الجنوب، مثل تكساس، أصبحت أفضل بفضل وجود الجاليات العربية والإسلامية. أحاول تسليط الضوء على ذلك في زياراتي ورحلاتي، وستجدون إشارات مفصلة في الفيديوهات القادمة. لا أستطيع تطبيق تجربتي على من يعيش في ألمانيا، ويخاف من الإعجاب بمنشور عن فلسطين، لأن الوضع قد يتغير في أمريكا مع تغيرات سياسية. هذه ليست أوطاننا، لكنها أصبحت أوطاننا. كيف كان حالها؟ هل كانت رحيمة بنا، تحتضننا، وتحمينا كما نضعها في قلوبنا؟ هذا يقودنا إلى مقولة كيندي الشهيرة، التي حولها صلاح جاهين إلى أغنية: "ما تقولش إيه أدتنا مصر، قول هنادي إيه لمصر، قول كمان مصر أدتنا إيه". مصر كدولة، وليس كمعنى في القلب.

في هذا السياق، أود قراءة قصيدة لابن الرومي، الشاعر العظيم الذي لم يُكتشف بعد بالشكل الكافي رغم دراسات طه حسين وعباس العقاد:  
"ولي وطنٌ آليتُ ألَّا أبيعهُ وألَّا أرى غيري له الدهرَ مالكًا  
بترابِه افتديته وعمري ما أبيعهُ ولا أبدِّلهُ  
عهدتُ به شرخَ الشباب ونعمةً كنعمةِ قومٍ أصبحوا في ظلالِكا  
فقد الفتْهُ النفسُ حتى كأنه لها جسدٌ إن بان غدرتْ هالكًا  
وحبَّبَ أوطانَ الرجالِ إليهم مآربُ قضاها الشبابُ هنالكا"  
أرى أن بيت "وحبَّبَ أوطانَ الرجالِ إليهم مآربُ قضاها الشبابُ هنالكا" طليعي جدًا. يخفف ابن الرومي المعنى بعد ذلك بقوله: "إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهم عهودَ الصبا فيها فحنُّوا لذلكا"، لكن البيت الأول يعبر عن أن حب الوطن ليس فقط بما أعطاك، بل بالحالة التي عشتها فيه. إذا كانت ذكرياتك عن الوطن تعذيبًا وسجونًا، فلن تكون كذكريات من عاش فيه أيامًا سعيدة. كل إنسان له "هنالك" الخاص به. إذا كان "هنالك" مليئًا بالذكريات المؤلمة، مثل من ضُرب هو وأمه في مدخل معهد الأورام، فمن حقه أن يرمي نفسه في البحر ليضمن لها علاجًا كريمًا. هذا رأيته بعيني، ولست أتحدث عن تجارب خيالية. لا أريد الخوض في آلام الظلم والمآسي، فكلنا نعيش هذا الهم.

فكرة "هنالك" هي ما يذكرك الإنسان بنفسه، ومن الأمور المهمة بالنسبة لي إدراك أن الوطن نفسه يتغير، وكما نتغير نحن، تتغير أوطاننا، وتتغير المآرب و"هنالك". لا تستطيع صنع وطن جديد أو ذكريات جديدة، لكنك تستطيع صنع حقيقة أنك مكون من عوالم وأكوان متعددة. لم يعد هناك إنسان يعيش حياة أبيه أو جده، يولد ويموت في نفس المكان. هذا كان جميلًا، لكن للدنيا تصاريف وظروف مختلفة. 

لأختم هذه النقطة، أقرأ قصيدة لكفافي، الشاعر السكندري، ترجمها الدكتور نعيم عطية:  
"قلتُ سأذهب إلى أرضٍ أخرى سأذهب إلى بحرٍ آخر  
مدينةٌ أخرى ستوجد أفضلَ من هذه  
كلُّ محاولاتي مقضيٌّ عليها بالفشل  
وقلبي مدفونٌ كالميت  
إلى متى سيبقى فكري حزينًا  
أينما حملتُ بعيني أينما نظرتُ حولي  
رأيتُ خرائبَ سوداءَ من حياتي  
حيث العديدُ من السنين قضيتُ وهدمتُ وبدَّلتُ  
لن تجدَ بلدانًا ولا بحورًا أخرى  
ستلاحقكَ المدينةُ وستهيمُ في الشوارعِ ذاتها  
وستدركُ الشيخوخةَ في هذه الأحياء بعينها  
وفي البيوتِ ذاتها سيدبُّ الشيبُ إلى رأسك  
ستصلُ على الدوام إلى هذه المدينة  
لا تأمل في بقاعٍ أخرى  
ما مِن سفينٍ من أجلك وما مِن سبيل  
وما دمتَ قد خرَّبتَ حياتكَ هنا في هذا الركنِ الصغير  
فهي خرابٌ أينما كنتَ في الوجود"  
كفافي، الذي عاش في الإسكندرية، كان ينتمي إلى اليونان، ويعيش التعلق بين عالمين، حيث الوطن والوطن الآخر. الخراب أو العمار يكمن في داخل الإنسان، وليس في المكان.

أتذكر مقتطفًا رائعًا للأديبة سمية رمضان، في روايتها "أوراق النرجس"، حيث تقول: "خريطة تتبدل وتعكس الحنين إلى وطن متخيل، لا ينطبق ولا يتماثل، ولا يستطيع الشهادة على وجوده أحد. وطن يعاد تركيبه حسب الحاجة، وحده الحنين. مكان جميل وفقير يملؤه الشجن، لا يعرفه أحد ممن تعاشرهم هنا في الغربة، ولا يهم أحد أن يعرفه. ولما كانت تضطر إلى تعريفه، كانت ترتبك. إذا تصادف وسُئلت، ففي مثل تلك الأثناء كان عليها أن تكون هي هو. كيف يتحمل المرء مثل هذا إلا إذا كذب أو لفَّق أو تشبث بعناد أو نسي ما جاء به إلى الغربة، ولبث في الغربة لا يبحث إلا في الوطن". هذا أهم درس ساعدني على اجتياز العشر سنوات بأقل الخسائر الممكنة: ألا أقع في فخ البحث عن الوطن فقط في الغربة. أظل متعلقًا به، أعبر عن قضاياه، لكنني لا أعيش طوال الوقت في همومه، بل أتعلم وأبحث عن معانٍ جديدة. ساعدني في ذلك الأدب، الفن، الحياة العائلية، الحمد لله، والحب. صلاح جاهين صدق حين قال: "غير بس هو الحب قارب نجاة". التحديات مع الأسرة والأبناء ليست سهلة، لكن القراءة والمعرفة، وتجربة كاتب فرنسي كبير – سأتحدث عنه لاحقًا لأنني لا أريد حرق القصة – ساعدتني.

أتمنى أن تكون هذه التجربة قد وصلتكم بمعناها الأوسع، وأن ترى كيف أعتبر السفر والهجرة مشروعًا قوميًا في مصر. الناس مطالبون بالتفكير في هذا الأمر، وكيفية التعامل معه، وإيجاد حلول لأنفسهم. أشير إلى بعض الرسائل التي تتحدث عن تعقيدات السفر والعالم الجديد، وأناقشها، آملًا أن يكون ذلك مفيدًا لمن خاض التجربة أو يفكر في خوضها. شكرًا جزيلًا لكم، وأسعد الله أوقاتكم في أي وطن كنتم، وفي أي بقعة من بقاع الأرض. نكمل حديثنا في الحلقة القادمة إن شاء الله.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة