هيكل (١): كيف نرى تجربة عبد الناصر؟

**محاضرة: كيف نروي قصة ثورة 23 يوليو؟ تحديات التاريخ والوعي العام**

مساء الخير، أيها الحضور الكريم،  
في الأسبوع الماضي، حاولت تقديم ما يشبه أوراق الاعتماد، وأرجو أن تكون قد لاقت قبولكم بقدر ما تستحق. لكن هذه الليلة، عليّ أن أمضي قدمًا في المهمة ذاتها، بعد تقديم تلك الأوراق. كل من يقدم أوراق اعتماد، يُنتظر منه أن يحمل رسالة، أن يقول شيئًا. فما الذي أريد قوله؟ الحقيقة، أجد نفسي حتى هذه اللحظة في حيرة شديدة. الموضوع الذي أحاول تناوله معقد للغاية، وقد قيل فيه الكثير خلال الخمسين عامًا الماضية. والآن، يأتي شخص متأخر، يحاول ترتيب أفكاره، واستعراض الأساليب التي يمكن أن يتبعها، وتلك التي ينبغي أن يتجنبها. فما هي هذه الأساليب؟ وكيف يمكننا أن نروي قصة مثل ثورة 23 يوليو دون الوقوع في فخ التبسيط أو التشويه؟

أولًا: الأساليب الممكنة لرواية التاريخ
عندما نتحدث عن حدث تاريخي كبير مثل 23 يوليو، هناك عدة أساليب يمكن اتباعها. دعوني أستعرضها باختصار:

1. الأسلوب السياسي أو التاريخي:  
   يعتمد هذا الأسلوب على ربط الحاضر بالماضي، أو العكس. قد يتحدث المرء عما يجري الآن ويطبق عليه معايير الماضي، أو يعود إلى الماضي ويحاكمه بمعايير الحاضر. لكنني أرى أن هذا الأسلوب قد يكون مضللًا. فالتاريخ لا يُقاس بمعايير خارج سياقه، والحاضر لا يمكن فهمه بمعزل عن تطوراته الخاصة. على سبيل المثال، لو حاولنا الحديث عن ثورة 23 يوليو وكأنها حدث معزول، أو حاكمناها بمقاييس اليوم، فقد نظلم الحقيقة.

2. أسلوب الرواية الشخصية:  
   هناك من يروي التاريخ من خلال تجاربه الشخصية، كما فعل عبد الحكيم عامر، الذي كان يحكي عن تجربته بأسلوب درامي، كأنه يروي قصة سيدنا يوسف: صبي تاه، ثم عُثر عليه، ثم عاد. هذا الأسلوب قد يكون جذابًا، لكنه غالبًا غير دقيق، لأنه يعتمد على المشاعر أكثر من الحقائق.  
   أسلوب آخر في الرواية نراه عند جواهر لال نهرو، زعيم الهند، الذي كان يستلهم طريقة وزيره كريشنا مينون في سرد القصص. كان مينون يبدأ كل قصة منذ آدم وحواء، مستعرضًا التاريخ من بدايته. هذا الأسلوب قد يكون شاملًا، لكنه يطول جدًا، وقد يفقد الجمهور تركيزه.

3. الأسلوب النقدي أو التحليلي:  
   هذا الأسلوب يعتمد على تقييم التجربة بموضوعية، دون تقديس أو هدم. لكن حتى هذا الأسلوب يواجه تحديات، خاصة عندما نتحدث عن تجربة مثل ثورة 23 يوليو، التي لا يمكن اختزالها في كلمة واحدة: ثورة، انقلاب، أو حتى "انقلاب تحول إلى ثورة بتأييد الشعب". الحقيقة أكثر تعقيدًا من ذلك.

ثانيًا: تحدي تسمية 23 يوليو
أجد نفسي في حيرة حتى في اختيار الاسم المناسب لهذا الحدث. إذا قلت إنها "ثورة" منذ البداية، أخشى أن أظلم الحقيقة، لأنها لم تكن ثورة شعبية بالمعنى التقليدي. وإذا قلت إنها "انقلاب"، فأنا أيضًا أظلم الحقيقة، لأنها لم تكن مجرد عمل عسكري محدود. وإذا قلت إنها "انقلاب تحول إلى ثورة بتأييد الشعب"، فهذا أيضًا غير دقيق تمامًا. ما حدث في 23 يوليو 1952 كان أكثر تعقيدًا: كان بمثابة لحظة استيقاظ لأمة، فتحت عينيها على عصرها وعالمها، وبدأت تبحث عن طريقها، ربما دون أن تكون جاهزة تمامًا لفهم ما يحيط بها، سواء القريب أو البعيد.

ثالثًا: تجربتي الشخصية مع عبد الناصر
لكي أوضح كيف يمكننا الاقتراب من هذه التجربة، دعوني أشارككم تجربة شخصية. بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عام 1970، طُرحت فكرة إنشاء لجنة لتخليد ذكراه. تحدث إليّ الرئيس أنور السادات يومها وقال إنه لا يرى أحدًا أنسب مني لقيادة هذه اللجنة، نظرًا لقربي من عبد الناصر. لكنني رفضت هذه المهمة لسببين أساسيين:

1. رفض فكرة التخليد:  
   أنا لا أؤمن بفكرة تخليد الأفراد أو المراحل. كل مرحلة وكل شخص يجب أن يُترك للتاريخ ليحكم عليه بناءً على الظروف والسياقات. التخليد يجمد التجربة، يحولها إلى تمثال، ويمنع الحوار معها. التاريخ يحتاج إلى أجيال قادمة تحكم بنوع من التجرد، بعيدًا عن العواطف أو اللحظة الراهنة. أتذكر أنني قلت للسادات: "التاريخ ينصف أكثر مما يظلم، فلننتظر".

2. حماية المصداقية:  
   كنت أعمل كاتبًا، وأعيش من كتاباتي في الخارج، وكنت أنوي الكتابة عن عبد الناصر. لو قبلت رئاسة لجنة التخليد، لكان من السهل اتهامي باستغلال موقعي للحصول على معلومات أو وثائق، مما قد يشكك في نزاهتي. لذا، رفضت المهمة لأحافظ على استقلاليتي.

أتذكر أيضًا أن السادات اقترح يومًا أن تنشر جريدة "الأهرام" صورة رسم لعبد الناصر يوميًا مع كل عدد، لتبقى ذكراه حاضرة. رفضت الفكرة، وقُلت له: "لا أريد أن نضع صورة اليوم، لتُزال غدًا". استغرب وقال: "لماذا تُزال؟"، ثم ذكّرني بأن جريدة "برافدا" السوفيتية كانت تنشر صورة لينين على صفحتها الأولى. أجبته أن الصورة في "برافدا" ليست للينين نفسه، بل لوسام لينين، الذي حصلت عليه الجريدة مرتين، وهذا شيء مختلف. لم أكن متحمسًا للمقارنة، لكنني أردت توضيح الفارق.

رابعًا: الجدل حول عبد الناصر
في أوائل السبعينيات، كتبت مقالًا بعنوان "عبد الناصر ليس أسطورة"، أثار جدلًا كبيرًا، حتى وصل الأمر إلى تحقيق معي أمام اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي، بحضور السادات وعلي صبري وآخرين. اتُهمت بالإساءة إلى عبد الناصر. دافعت عن موقفي قائلًا إنني لا أسعى إلى الإساءة، بل إلى الحفاظ على عبد الناصر كتجربة إنسانية حية، يمكن نقاشها وتقييمها. تحويله إلى أسطورة أو تمثال يعني تجميد هذه التجربة، ومنع الحوار معها. قلت لهم: "إذا جعلناه أسطورة، فلن نستطيع الحوار معه إلا بكسره، وهذا لا يصح".

كنت أقلق من أسلوبين متطرفين: الأول هو تقديس عبد الناصر وتحويله إلى رمز لا يُمس، والثاني هو الهجوم العنيف عليه، الذي بدأ بعد وفاته. لم أفهم هذا الهجوم، خاصة أنه لم يأتِ في إطار ثورة جديدة أو نظام جديد يرفض إرث عبد الناصر. كنت أرى أن النقد والتقييم جائزان، لكن الهدم غير مبرر. كنت أقول دائمًا: "ليس هناك قداسة لمخلوق. كل إنسان له دور، وله حساب على هذا الدور".

خامسًا: ثورة 23 يوليو في سياقها العالمي
لكي نفهم 23 يوليو، لا بد أن نضعها في سياقها العالمي. لا يمكن عزل أي حدث تاريخي عن النظام العالمي الذي جرى في إطاره. أنا أؤمن أن البشرية شهدت خمسة نظم عالمية حتى الآن، ونحن على أعتاب نظام سادس:

1. النظام الزراعي: نشأت فيه الإمبراطوريات القديمة، مثل مصر والرومان، حول البحر الأبيض المتوسط.
2. نظام الأديان السماوية: بدأ مع إبراهيم وامتد إلى محمد (صلى الله عليه وسلم)، وأنشأ إمبراطوريات قائمة على الرسالات الإلهية.
3. نظام التجارة العالمية: مع ظهور المطبعة والخريطة، وفتح آفاق جغرافية جديدة.
4. نظام بداية الصناعة: مع الثورات الإنسانية الكبرى، مثل الثورة الفرنسية وثورة الاستقلال الأمريكية.
5. النظام الصناعي الحديث: الذي سيطرت فيه الولايات المتحدة، باستخدام البترول والكهرباء والتكنولوجيا.

ثورة 23 يوليو جرت في إطار النظام العالمي الخامس، حيث كانت الولايات المتحدة تسعى لوراثة الإمبراطوريات القديمة، خاصة الفرنسية والبريطانية، بعد الحرب العالمية الثانية. في هذا السياق، كانت مصر، ومعها دول العالم الثالث، تحاول استعادة استقلالها والانضمام إلى العصر الحديث بعد قرون من الاستعمار.

سادسًا: ديجول ودروس المقاومة
لتوضيح كيف يمكن للضعيف أن يقاوم القوى العظمى، دعوني أستعرض تجربة شارل ديجول. بعد هزيمة فرنسا في الحرب العالمية الثانية، رفض ديجول الاستسلام، وأعلن من لندن أنه يمثل "فرنسا الحرة". كان مجرد وكيل وزارة، لكنه تصرف كرجل تاريخي، وليس كواقعي محض. عندما خطط الحلفاء لغزو فرنسا لتحريرها من النازيين، أصر ديجول على أن تكون القوات الفرنسية في الطليعة، وأن تكون الإدارة الفرنسية هي التي تحكم بعد التحرير. رفض أن يُعامل كتابع، وأصر على أن فرنسا ليست مجرد بلد محتل، بل شريك في النصر.

في مذكرات داف كوبر، ضابط الاتصال البريطاني مع ديجول، نرى كيف شعر ديجول بمحاولات أمريكا للاستيلاء على الإرث الفرنسي. كان يقول للسفير البريطاني: "أنتم تحاولون وراثة فرنسا وهي على قيد الحياة، وستأتون إلى إنجلترا بعد ذلك". استخدم ديجول كل أدواته المتاحة، من الخطابات إلى التحالفات، ليحافظ على شرعية فرنسا. بل إنه استقال يومًا من رئاسة اللجنة المؤقتة، طالباً تفويضًا شعبيًا جديدًا، ليستطيع مواجهة الضغوط الأمريكية.

هذه التجربة تعلمنا أن وسائل الضعفاء ليست قليلة. يمكن للأمم، حتى في لحظات ضعفها، أن تجد قوتها في رموزها وتاريخها وإرادتها.

سابعًا: كيف نروي 23 يوليو؟
في النهاية، أرى أن أفضل طريقة لرواية تجربة 23 يوليو هي وضعها في سياقها الإنساني والتاريخي. لا ينبغي أن نتحدث عن أبطال خارقين، فالتاريخ ليس تاريخ أبطال. الأبطال الحقيقيون هم من يعطون كل ما لديهم دون انتظار مقابل. السياسيون، حتى لو كانوا عظماء، يسعون إلى السلطة، وهذا يجعلهم تاريخيين، لكنهم ليسوا أبطالًا بالمعنى المطلق.

ثورة 23 يوليو، أو ما حدث في ذلك اليوم، كانت لحظة استيقاظ لأمة، لكنها لم تكن جاهزة تمامًا لفهم عالمها. جرت في ظل نظام عالمي تسيطر عليه الولايات المتحدة، وكانت جزءًا من حركة عالمية للاستقلال. لا يمكن عزلها عن معركة السويس، أو حرب 1967، أو 1973، أو عن الصراعات الإقليمية والدولية.

الخاتمة
أخيرًا، أقول إن رواية التاريخ تحتاج إلى توازن بين العاطفة والعقل، بين السياسة والحقيقة. لا ينبغي أن نصنع تماثيل، ولا أن نهدم بلا مبرر. التاريخ يحتاج إلى صبر، إلى أجيال تنظر إليه بعين الناقد الحصيف، لا بعين العاشق أو الكاره. ثورة 23 يوليو ليست قصة ماضٍ ذهبي، بل تجربة إنسانية لها معنى إذا استطعنا أن نستخلص منها دروسًا للحاضر والمستقبل.

شكرًا لكم على استماعكم، وأدعوكم للنقاش حول كيف يمكن أن نروي تاريخنا بمسؤولية وصدق. تصبحون على خير.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فهد القحطاني: لماذا فقدنا الشعور بالمعنى؟

إبراهيم عيسى (١) : أين تكمن أزمة المثقف العربي؟

ألف باء الزواج (١): مقدمة