وسيم السيسي (١): المسكوت عنه في التاريخ
**المقدم**: نناقش في هذا اللقاء، ولا سيما أنه يسلط الضوء على مساحات مظلمة في العقل الجمعي. هذه المساحات المظلمة يجب أن نلقي الضوء عليها. قد يتساءل البعض: ما أهمية مثل هذا الأمر؟ إنها أهمية كبرى، لأن الشيء الوحيد الذي نمتاز به ككائنات حية هو أننا نملك تاريخًا. وما أهمية التاريخ؟ أهميته تكمن في أننا نتعلم منه. لكن، [موسيقى] للأسف، لا نذكر من التاريخ إلا ما نريد، ونخفي ما نريد. نبرز الإنجازات، ونُخفي الانتكاسات، مع أن التعلم من الانتكاسة قد يكون أشد أثرًا من التعلم من الإنجاز، لأن الانتكاسة مؤلمة. كما يقولون: "تجربة ألمتني، تجربة علّمتني". نتعلم أكثر مما يؤلمنا. نتعلم أكثر من هزيمة عام 1967، فننجح في السادس من أكتوبر 1973، لأننا تجنبنا كل ما أدى إلى هزيمة 1967. كان نصر مصر في السادس من أكتوبر، الذي جعل جولدا مائير تصرخ وتطلب من أمريكا قائلة: "أنقذونا، إسرائيل تنتهي". إذن، دراسة التاريخ ومعرفته مهمة جدًا. وللأسف، جرّفوا تاريخنا، خاصة التاريخ المصري القديم، ولهذا لم يكن هناك تقدم. والأمر المؤسف أيضًا أن 2500 سنة من الاحتلال لا نذكر منها إلا بعض الأمور الإيجابية، ونتجاهل الكوارث التي حدثت خلال هذه الفترة. ولهذا، يظهر من يطالبون بعودة الخلافة مرة أخرى. أي خلافة؟ إن أسوأ احتلال عانينا منه على مدى 400 سنة كان الاحتلال التركي العثماني. إذن، أهمية التاريخ تكمن في أن نتعلم منه، خاصة من الأمور المسكوت عنها. ومن هنا جاءت فكرة هذا الكتاب. الأستاذة هبة ستبدأ الآن بتسليط الضوء على بعض المواضيع الواردة فيه، وسنشارك معًا في مناقشتها. تفضلي، يا أستاذة.
**الأستاذة هبة**: حسنًا، سأبدأ من حيث انتهيتَ. سنبدأ بموضوع المعلم يعقوب، أو الجنرال يعقوب. للأسف، ربما ظُلم الجنرال يعقوب كثيرًا في التاريخ، وصُوِّر بصورة مغلوطة تمامًا. كان الدكتور وسيم يتحدث الآن عن مشاريع الاستقلال، وعن الخلافة العثمانية، أو بالأحرى الاحتلال العثماني. لا أعرف لماذا يُطلق عليه خطأً "الخلافة العثمانية". لكن دعنا نسمع من الدكتور وسيم قصة الجنرال يعقوب، أو المعلم يعقوب، وأول مشروع للاستقلال. أعتقد، يا دكتور، أنه منذ حوالي 2500 سنة، بدأت أول فكرة للاستقلال خلال الحملة الفرنسية.
**د. وسيم**: قبل أن أتحدث عن هذا الموضوع، أود أن أشير إلى أنني حرصت على جمع كل المراجع أولاً. موضوع المعلم يعقوب تناوله مؤرخون مثل أحمد شفيق غربال باشا، وبالطبع مراجع أجنبية ممن كانوا موجودين آنذاك. باختصار شديد، ظلم الأتراك العثمانيين كان بشعًا. يكفي أن الحملة الفرنسية، عندما وصلت وأجرت تعدادًا لسكان مصر، وجدت أن عددهم 2.2 مليون نسمة فقط. تخيلوا، مصر كلها 2.2 مليون! بينما إذا رجعنا إلى المقريزي، في كتابه "خطط المقريزي"، المجلد الأول، الصفحة 76، نجد أن المقريزي يقول إن عمرو بن العاص كان يجمع الجزية من ثمانية ملايين. كلمة "مليون" لم تكن مستخدمة آنذاك، فكانوا يقولون "ألف ألف"، أي ثمانية ملايين، من غير شيخ ولا امرأة ولا فتاة. هذا يعني أن تعداد مصر كان على الأقل 24 مليون نسمة في عهد عمرو بن العاص. بعد ألف سنة وأكثر، كان يُفترض أن يصبح هذا العدد 124 مليونًا، لكنه أصبح 2.2 مليون فقط. هذا يعني أن مصر كانت على وشك الانقراض. لا عجب أن نجد أحد الولاة أو الخلفاء يرسل إلى واليه في مصر قائلاً: "احلبها حتى الدم، احلبها حتى الصديد، احلبها ولا تتركها تصلح لأحد بعدي". إذن، 2500 سنة من الاحتلال أنهكت مصر تمامًا من الأول إلى الآخر. كانت مصر تعاني، خاصة من الاحتلال الأخير، وهو احتلال سليم الفاتح. يكفي أن الجبرتي يقول إن الأتراك، خلال هذا الاحتلال، نقلوا جميع العمال المهرة والصناع من مصر إلى تركيا، فتوقفت في مصر 40 حرفة. تخيلوا، 40 حرفة توقفت! كيف كان شكل مصر آنذاك؟ كان الوضع سيئًا ومؤلمًا جدًا. على سبيل المثال، مصر استجارت بالعرب من ظلم الرومان، ثم أرادت أن تستجير بالفرنسيين من ظلم الأتراك العثمانيين، خاصة أنهم كانوا في حالة يُرثى لها. الحملة الفرنسية، التي نسميها حملة، لم تدم سوى سنتين وبضعة أشهر، من 1798 إلى 1801. عندما جاء نابليون بونابرت على بارجته، التي كانت تحمل 160 عالمًا، وصفوا مصر. والأخطر أنهم وضعوا مفاهيم جديدة للمواطنة. كانت المواطنة خلال الاحتلالات السابقة تُقاس بأربعة معايير: هل أنت تركي أم فلاح خراجي لا قيمة له؟ هل أنت مسلم أم كافر؟ هل تقرب للحاكم بالدم أم تعمل معه؟ هل أنت غني أم فقير؟ جاءت الحملة الفرنسية ووضعت مفهومًا جديدًا للمواطنة بكلمتين: حادثة الميلاد. بمجرد أن تُولد على هذه الأرض، فإن لك كل الحقوق وعليك نفس الواجبات التي لأي إنسان آخر، بغض النظر عن العرق أو الدين أو القرب من الحاكم أو القوة المالية. هذا هو مفهوم المواطنة في الدولة الحديثة الذي وضعته الحملة الفرنسية، والذي تبناه نابليون بونابرت. بعد أربع سنوات من مغادرة الحملة الفرنسية عام 1801، جاء محمد علي باشا عام 1805 وتولى الحكم. نجد أنه، لأول مرة، أعطى حق التمليك للمصريين، ولأول مرة دخل المصريون القوات المسلحة، واعتمد على الأكفأ لا على الأقرب. نجد، على سبيل المثال، سليمان باشا الفرنسي يصبح رئيس القوات المسلحة، ونجد رجلاً أرمينيًا، نوبار باشا، يصبح رئيس الوزراء، وهكذا. المهم أنه خلال فترة الحملة الفرنسية، استعان الفرنسيون بشخصية قوية جدًا كان لها مكانة في الجيش، واستخدموه في محاربة المماليك. عندما تدخلت إنجلترا وهزمت الفرنسيين في موقعة أبو قير، كان الاتفاق، وهو إذلال للفرنسيين بالطبع، أن يعود الفرنسيون إلى بلادهم على البوارج الفرنسية. وكان من ضمن الشروط أن تأخذ إنجلترا حجر رشيد، الذي اكتشفته الحملة الفرنسية. وكان من ضمن الشروط أيضًا أن الجنرال يعقوب، الذي تدرج حتى أصبح جنرالاً، أراد أن يطلق مشروعًا لاستقلال مصر عن الأتراك العثمانيين. فقرر الذهاب إلى فرنسا للدعوة إلى هذا المشروع، وكان على بارجة إنجليزية. عندما أصابه مرض الموت، طلب أن يتحدث إلى قائد البارجة. ولحسن الحظ، سُجل كل ما قاله، ورفع إلى قائد البحرية البريطانية. لاحقًا، أفرجت إنجلترا عن هذه الوثائق، وترجمها ونشرها أحمد شفيق غربال. كان يطالب فيها بأول مشروع لاستقلال مصر عن الخلافة العثمانية. صحيح أنه توفي بحمى في البحر، لكن جاء بعده محمد علي باشا، الذي حقق استقلالاً عسكريًا. لكن إنجلترا أيضًا أحبطته، إذ في غضون 25 عامًا، كوّن محمد علي باشا أسطولاً يُعتبر الرابع عالميًا، وجيوشه تقدمت إلى الشام واستولت عليها، وخاض حروب المورة مع اليونان، ووصل إلى الأستانة. كانت هذه محاولة لاستقلال مصر بعيدًا عن الخلافة العثمانية. لكن لاحقًا، ظهر أن عباس بن سعيد، وبعده سعيد، ثم إسماعيل، أراد إسماعيل أن يعلن الاستقلال رسميًا. طلب من بارتولدي، النحات الفرنسي، أن يصنع له تمثالاً أسماه "تمثال الحرية"، وهو فلاحة مصرية تعلن الاستقلال. هذا التمثال موجود الآن على جزيرة مانهاتن في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية. بارتولدي تعب في صنعه لمدة خمس أو ست سنوات، وطلب مبلغًا كبيرًا. لكن إسماعيل باشا قال إن الخزينة فارغة ورفض شراءه. بارتولدي، أو فريدريك أوغست بارتولدي، جنّ جنونه، وازداد غضبه عندما أهدته فرنسا لأمريكا في عيد استقلالها. فقرر الانتقام من الخديوي إسماعيل، فصنع تمثال العار الموجود في كوليش دي فرانس في باريس، بالسوربون، حيث وضع قدمه على رأس أحد ملوك مصر. بالطبع، شامبليون ليس له ذنب في هذا التمثال، لأنه توفي عام 1832، بينما صُنع التمثال عام 1875، أي بعد وفاة شامبليون بحوالي 40 عامًا. كان هذا انتقامًا من بارتولدي لأن إسماعيل، بعد تعبه لمدة أربع أو خمس سنوات في صنع تمثال الحرية، رفض شراءه. إذن، قصة الجنرال يعقوب هي أول محاولة لاستقلال مصر بعد 2500 سنة من الاحتلال، بدأت بالآشوريين، لكن مصر انتصرت عليهم وطردتهم. ثم جاء الفرس، وللأسف، رغم أن مصر قدمت لكورش عام 550 قبل الميلاد أطباء مهرة عندما أصيب بالماء الأبيض، وحفظ الجميل، إلا أن ابنه المجرم قمبيز – الذي للأسف لدينا شارع باسمه في الدقي، وهذا أمر غريب جدًا، كأن تجد في فرنسا شارعًا باسم هتلر – جمع جيشًا من المرتزقة بستة أضعاف الجيش المصري. تبع ذلك الغزو الفارسي الأول، ثم الثاني، ثم أنهكت مصر الفرس. ثم جاء الإسكندر الأكبر، الذي ادعى أنه ابن آمون، فقبلته مصر ليساعدها في التخلص من الاحتلال الفارسي. اليونانيون، وهم تلاميذ المصريين، أسسوا جامعة الإسكندرية ومكتبتها. ثم جاء الرومان، وكانوا بربريين للأسف. حكم اليونانيون حوالي 300 سنة، من 331 قبل الميلاد إلى 31 قبل الميلاد، ثم حكم الرومان لمدة 670 سنة، من 31 قبل الميلاد إلى 641 ميلادية. ثم جاء العرب وحكموا 200 سنة، ثم الفاطميون، والأيوبيون، والأتراك العثمانيون، وهكذا احتلالات متتالية حتى نجونا أخيرًا. لكن أول من طالب بالاستقلال كان الجنرال يعقوب، وهذا من المسكوت عنه، رغم أن الأدلة والوثائق التاريخية التي أحضرتها واضحة جدًا. قراءتها تُظهر الوفاء، وهي أمر جميل.
**الأستاذة هبة**: الحقيقة، دكتور وسيم ذكر المراجع والوثائق التاريخية، لأن هذا بالفعل من المسكوت عنه في التاريخ. لماذا لا نذكره؟ هذا رجل مصري طالب بالاستقلال، وصاحب أول مشروع للاستقلال بعد 2500 سنة، كما قال دكتور وسيم. وللأسف، الثقافة المنتشرة بيننا في التاريخ تصور الجنرال يعقوب كجاسوس. كثيرون يكتبون عنه بهذه الطريقة ويتهمونه بتهم باطلة. كان الجنرال يعقوب من المسكوت عنه في التاريخ. بما أن الرئيس كان يكرم المرأة أمس، وشهر مارس هو شهر المرأة، فلننتقل إلى المرأة في التاريخ. من أشهر النماذج والأمثلة كانت عروس النيل. أعتقد أن معظم الحضور، أو ربما الجميع، شاهدوا فيلمًا بعنوان "عروس النيل"، بطولة لبنى عبد العزيز. دكتور وسيم سيحكي لنا عن المسكوت عنه في التاريخ بخصوص عروس النيل، لأن كثيرًا من المستشرقين أو في الغرب يتهموننا بأننا كنا نتعامل بلا إنسانية، وأننا كنا نرمي عروسًا في النيل كل عام. هذه معلومة خاطئة تمامًا. دكتور وسيم سيتحدث عنها بالتفصيل.
**د. وسيم**: من المؤسف أن هناك أمرين متلازمين، كلاهما يحمل كذبة كبيرة ومسكوت عنهما: مكتبة الإسكندرية وعروس النيل. بالنسبة لمكتبة الإسكندرية، أربعة من المؤرخين العرب – الكندي، والبغدادي، والمالطي، وعبد اللطيف البغدادي – بعد عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب بحوالي 260 سنة، اختلقوا قصة، والهدف منها إظهار قداسة عمرو وعمر. قالوا إن عمرو بن العاص أرسل إلى عمر بن الخطاب وقال له إن هناك مكتبة عظيمة. فرد عمر قائلاً: "إذا كان ما فيها يتفق مع القرآن الكريم، فلا حاجة لنا بها، احرقها. وإذا كان لا يتفق مع القرآن، احرقها". فأحرقها في كلتا الحالتين، وقيل إن النار استمرت أسبوعًا. هذه القصة مفبركة من الأول إلى الآخر، وليس لها أساس من الصحة. الدليل على ذلك أن مؤرخين أجانب كبار مثل إدوارد جيبون، وإرنست رينان، وألفرد باتلر، وجوستاف لوبون، قالوا إن مكتبة الإسكندرية احترقت خلال ثورة الإسكندرية الكبرى ضد الرومان عام 275 ميلادية. ولتأكيد ذلك، جاء رحالة ومؤرخ يوناني عام 416 ميلادية، أي قبل مجيء العرب بحوالي 200 سنة، وقال إنه دخل مكتبة الإسكندرية ووجدها خالية من الكتب. إذن، العرب ليس لهم علاقة بحرق مكتبة الإسكندرية، إذ احترقت قبل مجيئهم بـ400 سنة، وأكد أوريستوس أنها كانت فارغة قبل 200 سنة. نفس القصة كررها المؤرخون العرب مثل القفطي وعبد اللطيف البغدادي منذ 1000 سنة. أما قصة عروس النيل، فهي أيضًا مظلومة. مؤرخ إغريقي يُدعى بلوتارخ اختلق قصة لا أعرف لماذا وكيف، قال فيها إن ملكًا مصريًا يُدعى إيجيبتوس – وهو غير موجود في قوائم الملوك، سواء عند مانيتون أو في قوائم الكرنك – لم يأتِ الفيضان لسبع سنوات، فقدم ابنته قربانًا لنهر النيل، لكن الفيضان لم يأتِ، فانتحر إيجيبتوس حزنًا وبكاءً على ابنته. التقط المؤرخون العرب هذه القصة من بلوتارخ، وأضافوا إليها أن عمرو بن العاص استشار عمر بن الخطاب وقال له إن المصريين اعتادوا أن يرموا عروسًا في النيل كل عام. فأرسل عمر جوابًا قال فيه: "ألقه في النهر"، وكتب في الجواب: "إذا كنتَ تجري بأمرك فلا تجري، وإذا كنتَ تجري بأمر ربك فاجري". فجرى النهر في ليلة واحدة بـ16 ذراعًا، أي 52 سم للذراع، أي ارتفع 8 أمتار في ليلة واحدة. مؤرخون مثل إدوارد جيبون، وجوستاف لوبون، وألفرد باتلر، قالوا إن هذه القصة كذبة من الأول إلى الآخر، وأكدوا أن التضحيات البشرية لم تكن معروفة في مصر، ولا حتى التضحيات الحيوانية. كانت القرابين تُقدم كطعام، ولم يكن هناك ذبح. إذن، هاتان كذبتان كبيرتان مسكوت عنهما في التاريخ: حرق مكتبة الإسكندرية، وعروس النيل. والمؤسف أن يُنتج فيلم مثل فيلم لبنى عبد العزيز ورشدي أباظة، فيشاهده أولادنا ويترسخ في أذهانهم أننا كنا ظالمين وفراعنة، وكنا نقدم عروسًا كل عام. هذه أكاذيب، وقد حان الوقت لكشف هذه الأكاذيب المسكوت عنها في التاريخ.
**نص الحوار المُصحح باللغة العربية الفصحى مع مراعاة علامات الترقيم (تابع):**
**الأستاذة هبة**: بعد قصة المرأة، سننتقل إلى مساحة لطيفة جدًا، وهي المساحات الصامتة في العقل البشري. الحقيقة، توقفتُ عند هذه النقطة في الكتاب، وقصة خوليو وخروجه من كارثة عاطفية وتأثيره على المتحف. دكتور وسيم سيحكي لنا عن المسكوت عنه في هذه الجزئية.
**د. وسيم**: المخ البشري يتكون من جزأين: المخ القديم (Paleobrain)، وهو موجود منذ ملايين السنين، والمخ الحديث (Neobrain)، وهو الفصان الكبيران. الحيوانات لا تملك هذين الفصين الكبيرين، بل تملك المخ القديم فقط. الفصوص الأمامية في المخ الحديث وصلت إلى حجمها الحالي، وهو 1500 سنتيمتر مكعب، قبل 40 ألف سنة بالضبط. هذه الفصوص الأمامية، التي نسميها "الفصوص الأمامية" (Frontal Lobes)، تتكون من فص أيمن وفص أيسر. الفص الأيسر نسميه الفص التقليدي (Conventional Lobe)، وهو يشبه الكمبيوتر: ما تضعه فيه تأخذه منه. أما الفص الأيمن فهو فص الإبداع، الذي يأتي بالجديد، ويبتكر، وهو الذي تتقدم به الشعوب. الشيء الغريب أن تنمية الفص الأيمن تتم بالفنون، مثل الموسيقى، والرسم، والنحت، والتصوير، والأدب، والشعر. هذا هو الفص الأيمن، ولهذا السبب تكمن أهمية تنمية الفص الأيمن، لأن الفص الأيسر، كما قيل للشيخ محمد عبده عندما قال له أحدهم: "حفظت البخاري من الجلدة إلى الجلدة"، فقال له: "زادت نسخ البخاري نسخة، فماذا استفدت؟" [موسيقى]. كل طالب طب وكل طبيب يعرف أن هذين الفصين يحتويان على مساحات تُسمى المساحات الصامتة (Silent Areas). عندما نشرح، نقول: هذه مساحة صامتة، وتلك مساحة صامتة. فما معنى المساحات الصامتة؟ إنها كانت تؤدي وظائف في الماضي، قبل ظهور اللغة. اكتشف جين اللغة عالم يُدعى فوكس، ولهذا سُمي الجين بـ"Fox Gene". يُقال إن التواصل باللغة بدأ قبل 300 ألف سنة، لكن قبل ذلك، كيف كان التواصل؟ كان يتم عبر المساحات الصامتة. هذه المساحات قد تُفعَّل عند بعض الأشخاص، فتصبح كالتلفاز، أي تستقبل إشارات. يُطلق على هذه الظاهرة اسم "ESP"، وهي اختصار لثلاث كلمات: Extra Sensory Perception، أي الإدراك خارج الحواس الخمس. بمعنى أن الشخص لا يراها، ولا يسمعها، ولا يتذوقها، ولا يلمسها، ولا يشمها. على سبيل المثال، التخاطر (Telepathy)، أو ما يُسمى بالحاسة السادسة، أو الرؤية الجلية (Clairvoyance). مثل خليفة عمر بن الخطاب عندما قال: "يا سارية، الجبل!"، أو زرقاء اليمامة التي قالت يومًا: "العدو قادم، الشجر يتحرك نحونا". كذبوها، لكنهم كانوا مختبئين تحت الأشجار. ظنوا أن عينيها ترى، لكن من الواضح أنها كانت تملك رؤية جلية، لأن عينيها لا يمكن أن ترى لكيلومترات. كانت لديها مساحة صامتة مُفعَّلة، تتيح لها الرؤية الجلية. هناك أيضًا التنبؤ (Precognition)، أي معرفة الشيء قبل وقوعه. على سبيل المثال، السيدة ديكنسون، التي قالت إنه سيتم اغتيال كينيدي في يوم معين، في ساعة معينة، في تكساس. وقبل أربع ساعات من اغتياله، دخلت في حالة شبه غيبوبة، واستيقظت منزعجة وقالت: "لقد قُتل!" فسألوها: "من؟" قالت: "الرئيس، بالطبع". هذا يُسمى التنبؤ (Precognition). وهناك أيضًا معرفة الشيء بعد وقوعه (Postcognition)، مثل أن يموت شخص، ثم يقول أحد أقربائه بعد ساعتين أو ثلاث: "فلان مات"، ثم يأتي الخبر بوفاته. هناك أيضًا السايكومتري (Psychometry)، وهي أن تعطي شخصًا شيئًا من متعلقاتك، مثل مفاتيحك، فيلمسها ويخبرك بكل شيء عنك. هناك حادثة شهيرة أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث سقط شاب من سقالة أثناء مساعدته لوالده في طلاء عمارة، فدخل في غيبوبة ثلاثة أيام. عندما استفاق، كان كل من يلمسه يعرف عنه كل شيء. أخبر الناس الطبيب بهذا، فلم يصدق كعادة الأطباء. ذهب إليه وسط طلابه الصغار وقال: "سمعت أنك تعرف كل شيء". فقال: "نعم". قال: "ماذا تعرف عني؟" فقال: "أعطني شيئًا من متعلقاتك". فأعطاه مفاتيحه، فقال الشاب: "لديك بيجامة". فانفجر الطبيب ضاحكًا وقال: "ألأن كل شخص لديه بيجامة؟" فقال الشاب: "أخرج الطلاب الصغار". فأخرجهم، ثم قال: "البيجامة التي أهدتها لك حبيبتك، وتلتقيان بها في نهاية الأسبوع في مكان ما". فقال الطبيب: "أخرج الطلاب!" ثم سأل: "هل ستعرف زوجتي؟" فقال: "لا، لن تعرف، لكن احترس". هذه تُسمى السايكومتري، أو كما نسميها "القطعة"، مثل أن تعطيني منديلاً أو خصلة شعر. هذا يندرج تحت الإدراك الخارق (ESP). هناك أيضًا الطاقة النفسية (Psychokinesis أو PK)، وهي تحويل الطاقة النفسية إلى طاقة حركية. [موسيقى] هناك شاب من سنغافورة، وأختي تغريد موجودة الآن وشاهدة على ما أقول. في سهرة بالمعادي، كان هذا الشاب يضع إصبعه على السكينة فتنقسم إلى نصفين، وكذلك الملعقة. طلب عملة معدنية، فأعطته تغريد ربع جنيه معدني. أمسكها وبص لها، فذابت كالشمع أمامنا. لم نتمكن من إعادتها لأنها صلبة. هذا شاهدته بعيني. هذه طاقة نفسية تتحول إلى طاقة حركية، وتُسمى Psychokinesis. أشهر من مارس هذه القدرة هو يوري جيلر، شاب إسرائيلي صهيوني، ظهر في التلفزيون البريطاني. رفع عليه امرأة دعوى قضائية، زاعمة أنه تسبب في حملها لأنه أتلف وسيلة منع الحمل النحاسية في رحمها. بالطبع، لم تفز بالقضية، لكنه كان قادرًا على فعل ذلك. كتب عنه كتاب كامل في مجال الخوارق. وضعوه في أنبوبة تحتوي على مادة التنجستن، التي لا يمكن أن تتغير إلا بتغيير تركيبتها الجزيئية، ونجح في ذلك. الأستاذة هبة ذكرت قصة خوليو فاسكويز، مدير متحف في كولورادو، الذي اتصل بضابط شرطة وقال: "التحف تطير في الهواء وتتحطم". فقال الضابط: "ألعن اليوم الذي أصبحت فيه ضابط شرطة، هذه المهنة تجبرني على الاستماع لأشخاص مثلك. تحف تطير؟" فقال: "أنا آسف". فقال الضابط: "لكن بما أنك أبلغت، سأذهب لأرى". ذهب الضابط متضررًا وسط موظفي المتحف، وفجأة طارت تحفة في الهواء وتحطمت. ركض إلى الرف، فوجده ثابتًا. أول ما فعله هو الاعتذار لمدير المتحف وقال: "آسف، ظننت بك ظنونًا سيئة، لكننا نتعامل مع مجرمين فوق الأرض، وليس تحتها". فقال: "ماذا أفعل؟" قال: "اتصل بالبروفيسور برات، وهو مهتم بالباراسيكولوجي". اتصل بالبروفيسور، فقام هو وفريقه بإقامة سنة في المتحف. تحطمت 200 تحفة، وشاهدوا 70 حالة عنيفة. وصلوا إلى أن مسار التحفة عندما تطير وتتحطم يخضع لقانون رياضي يُسمى التضاؤل الأسي (Exponential Decay). بعد جهد، اكتشفوا أن العامل المشترك في كل حادثة هو فتى فلبيني يُدعى خوليو فاسكويز، كان يمر بكارثة عاطفية. كلما تذكر ما حدث له، طارت تحفة بجواره. عزلوه، فهدأت الأمور. أخذوه إلى نيويورك، وأجروا عليه تجارب في معهد فرداي، لكنهم لم يجدوا أي طاقة تخرج منه. لكن الشاب من سنغافورة، عندما سألته بعد أن أذاب العملة المعدنية: "ماذا تشعر؟" قال: "أشعر بالتعب لأنني أركز بشدة لإخراج هذه الطاقة". نسمع أحيانًا تعبيرًا: "عينه فلقت الحجر"، لأن العين هي العضو الوحيد الذي يرتبط مباشرة بالمخ عبر العصب البصري، وهو جزء من المخ. حتى شكسبير قال: "العين مرآة الروح". يمكنك معرفة الإنسان من عينيه: نظرة شريرة، طيبة، حقودة، حاسدة، بريئة، أو نظرة أفعى (Serpentine Look). العين فعلاً مرآة الروح، وتخرج منها طاقة. جورج سيدهم حكى لي مرة قصة عن قسيس في الصعيد، كان يضع غطاءً على عينه مثل نظارة القراصنة. سأله: "لماذا تضع هذا الغطاء؟" قال: "هذه العين الشريرة". قال: "كيف؟" قال: "هل تريد أن ترى؟" قال: "نعم". قال: "ابتعد". أزال الغطاء، وكان هناك زجاج أمامهم، فتحطم. غطى عينه السليمة، ونظر بالعين الشريرة إلى زجاج آخر، فتحطم أيضًا. قال جورج: "توقفت عن الذهاب إلى الكنيسة خوفًا من أن يزيل الغطاء وينظر إليّ فأهلك". هذه المساحات الصامتة تُفعَّل عند بعض الأشخاص، فتصبح كالتلفاز، تستقبل (ESP)، أو ترسل كما يفعل سبيرو، أو تتحول إلى طاقة حركية (PK). هذا هو المسكوت عنه.
**الأستاذة هبة**: لن نبعد كثيرًا عن المساحات الصامتة، وسننتقل إلى المسكوت عنه في التعليم. قبل أن أعطي الكلمة لدكتور وسيم، هناك حوالي 53 موضوعًا من المسكوت عنه في التاريخ. الحقيقة، لا أعرف كيف أرتبها أو أختار، لكن الحديث يجر بعضه بعضًا. لدينا مشكلة كبيرة جدًا في التعليم، وأعتقد أننا جميعًا في جمهورية مصر العربية نعاني منها، وهي عدم توحيد التعليم. أعتقد أن دكتور وسيم سيوافقني على ذلك. الدكتور طه حسين تحدث عن هذا في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر"، الذي نُشر عام 1938. للأسف، لدينا أنواع متعددة من التعليم: التعليم الأزهري، والحكومي، والدولي، الذي ينقسم بدوره إلى تعليم أمريكي، وإنجليزي، وألماني. النتيجة أننا ننتج جيلاً يشبه المسخ، أو فاقدًا للهوية. أذكر دائمًا هذا المثال الشخصي: ابنتي عادت من المدرسة وسألتني: "يا مامي، هل عبد الناصر السادات لا يزال حيًا؟" كانت تظن أن عبد الناصر والسادات شخص واحد. في الوقت نفسه، قد تحكي لي عن إبراهام لنكولن أو شخصيات لا تنتمي إلينا. هذه مشكلة كبيرة. الدكتور طه حسين تطرق لهذا منذ زمن بعيد، ولو قرأنا كتابه الآن، سنشعر أنه يخاطبنا اليوم. نريد أن نعرف من دكتور وسيم السيسي المسكوت عنه في التعليم، لأن هناك كلامًا خطيرًا، وأعتقد أن معظمنا، وأنا شخصيًا، لم نكن نعرفه قبل قراءة هذه الجزئية.
**د. وسيم**: سُئلت سيدة تُدعى سوزان باورز: "لماذا اخترتِ مهنة التعليم؟" قالت: "لأنني أحب الدفاع عن المظلومين". قالوا: "ماذا تقصدين بالمظلومين؟" قالت: "الجاهل مظلوم". ربما لهذا السبب كانوا في مصر القديمة يقولون: "العلم غاية الإيمان بالله، والجهل غاية الكفر به". العلم نور، والله نور السماوات والأرض، والجهل ظلام. فكيف يعرف الجاهل ربه؟ منذ سنة أو اثنتين، جاءني مريض وقال: "يا دكتور، اللبوس الذي وصفته لي سيء جدًا". قلت: "لماذا؟" قال: "يجرحني". اتضح أنه يستخدم اللبوس بورقته. نظرت إليه بدهشة وقلت: "هل يفعل أحد هذا؟" قال: "الجهل أعمانا يا بيه". الجاهل مظلوم، ولهذا اختارت سوزان باورز مهنة التعليم. سألوها: "ما طريقتك في التعليم؟" قالت: "لا أحفّظهم معلومات كثيرة. أضعهم في مأزق وأرى كيف يخرجون منه". نحن لم نتعلم هكذا. تعلمنا الحفظ، وهذا ما قاله زكي نجيب محمود في كتابيه "مجتمع جديد أو الكارثة" و"ثقافتنا في مواجهة العصر". قال: "نحن لا نختلف عن القرن الحادي عشر. كانوا يحفظون ألفية ابن مالك، ونحن نحفظ الطب، والصيدلة، والهندسة، والمحاسبة، والاجتماع، والقانون". هذا ليس تعليمًا. التعليم هو أن يعلمنا كيف نفكر. التعليم هو أن يزرع فينا أنبوبة اختبار تمتد من أذن إلى أذن، بحيث تمر أي معلومة عبر هذه الأنبوبة التي تحتوي على خمسة أسئلة تبدأ بحرف "W": من (Who)، ماذا (What)، متى (When)، أين (Where)، كيف (How). لكننا لا نناقش. في مصر، نقول: "كليوباترا وأمير الشعراء يقولان: لونزرديون، الشعب كيف يحن إلى ملأ الجو هتافًا بحياة قاتليه". تأملوا، يا للعجب! شعب ببغاء، عقله في أذنيه. ما نقوله له يردده دون أن يفكر. لا يسأل: كيف؟ متى؟ لا يستقيم هذا. هذه هي العقلية النقدية التي تحدث عنها فرانسيس بيكون عام 1651. ربما هو من وضع أسس النهضة في إنجلترا بكتابه "الأورجانون الثاني" (The New Organon). كلمة "أورجانون" يونانية تعني الأداة، وأول من استخدمها هو أرسطو. لكن فرانسيس بيكون هدم ما بناه أرسطو وقال إن العقلية النقدية الحرة لا تتحقق إلا إذا تحررنا من أربعة أمور: أولاً، المفاهيم الشائعة في الجنس البشري، يجب أن نتحرر منها. ثانيًا، الكهف (The Cave)، حيث كل فرد محصور بكهفه الخاص: معتقداته، دينه، مدرسته. لو خرج من الكهف، سيرى عالمًا مختلفًا. ثالثًا، السوق (The Market)، وهي المفاهيم أو الألفاظ التي تأتي من السوق. على سبيل المثال، استبدلنا كلمة "شكرًا" بكلمة "ماشي". تعطي شخصًا شيئًا فيقول: "ماشي". أين "ميرسي"؟ أين "ثانك يو"؟ أين "شكرًا"؟ هناك الكثير من هذا. لكن الأخطر عند فرانسيس بيكون هو ألا تجعل عقلك خشبة مسرح لأقوال الآخرين. لا مانع أن يقول فلان كذا، لكن لا تجعل عقلك خشبة لأقوال القدماء أو الموروث، مهما كان. بل اجعل عقلك حرًا. لهذا سماه الأصنام الأربعة أو الأوهام الأربعة. ومن هنا بدأت أوروبا تتحرر.
**نص الحوار المُصحح باللغة العربية الفصحى مع مراعاة علامات الترقيم:**
**د. وسيم**: بالطبع، شهدت أوروبا ثورات فكرية كثيرة جدًا بعد ذلك. أما التعليم عندنا هنا، فهناك أمور كثيرة تحتاج إلى إصلاح. على سبيل المثال، في بولندا، التعليم موحد للجميع حتى سن الثانية عشرة، وبعدها يُترك للفرد حرية اختيار مساره. أما عندنا، فإن 40% من التعليم هو تعليم أزهري. ليس لديَّ مانع من التعليم الأزهري، لكن ينبغي ألا يقتصر على الجوانب الدينية فحسب. فهناك كلية طب أزهرية، وكلية حقوق أزهرية. لكن، هل يُعقل أن يحكم قاضٍ تخرج من الأزهر بطريقة تختلف عن قاضٍ تخرج من كلية الحقوق بجامعة القاهرة؟ بالطبع يختلفان، وهذا يفتقر إلى التوحيد. لهذا السبب، عندما كنت عضوًا في لجنة الخمسين، طالبت بأن تقتصر الكليات الأزهرية على الكليات الدينية، أما باقي الكليات الجامعية فيجب أن تخضع للمجلس الأعلى للجامعات. طالبت بذلك مرة واثنتين وأكثر. 40% من الشعب يتخرجون بفكر معين، و60% الآخرون يتخرجون بأفكار مختلفة: هذا ألماني، وذاك إنجليزي، وآخر فرنسي، وهناك ياباني. ما هذا التنوع المزعج؟ كيف يخرج الشعب بهذا الشكل؟ أين الهوية الموحدة؟ أين الانتماء؟ لا وجود لهما. إذن، التعليم عندنا يحتاج إلى هزة كبيرة جدًا، ويحتاج إلى شجاعة من الحاكم. الحكام نوعان: السياسي، وهو من يركز على كرسي الحكم حتى لو تعارض ذلك مع مصلحة الشعب، والمصلح، وهو من يركز على مصلحة شعبه حتى لو كلفه ذلك منصبه أو حياته. نحن بحاجة إلى مصلح (Reformer). التعليم عندنا، منذ ثلاثين أو أربعين سنة مضت، كان يتيح لأي طبيب أن يسافر إلى إنجلترا ويكمل تعليمه بسهولة، ويحصل على الدكتوراه وغيرها. أما الآن، فهناك امتحانات زمالة، وامتحانات معادلة، وغيرها، ومع ذلك، النتائج – للأسف – محزنة. التعليم عندنا يعاني على كل المستويات: أولاً، لأنه قائم على الحفظ، وهذا خطأ. ثانيًا، لأنه يعاني من التفرقة الخطيرة جدًا، التي لا تنتج شعبًا متجانسًا، وهذا خطأ أيضًا. سمعتنا في الخارج أصبحت، للأسف، سيئة. يكفي أن خريجي الكليات الأزهرية، إذا أرادوا إكمال دراستهم في الخارج، يجب أن يلتحقوا بكلية طب بجامعة عين شمس، أو الإسكندرية، أو القصر العيني، لأن الجامعات الأجنبية لا تعترف بأي جامعة تمارس التمييز بين أبناء الوطن الواحد أو الشعب الواحد. التعليم عندنا، إذن، بحاجة إلى إصلاح جذري. أي ثورة في أي بلد، إذا لم تُبنَ على التعليم، فهي فاشلة. عندما خصصت الهند 45% من ميزانيتها للتعليم، قالوا: هذا كثير جدًا. فقالوا: نفعل ذلك لأننا دولة فقيرة، لأن التعليم يوفر 30% من ميزانية الدولة في الحروب. بعد كارثة 1967، التي نجمّلها بكلمة "نكسة" وهي كارثة بحق، لا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم: الجولان ذهب، والضفة الغربية ذهبت، والقدس ذهبت، ومصر – سيناء – منزوعة السلاح منذ 1956، وليس من 1967، بسبب العدوان الثلاثي. هذه الكارثة التي حدثت في 1967، عندما بدأنا تسليح الجيش بخريجي الجامعات، كانوا يقولون إن الشخص غير المتعلم يحتاج إلى أشهر ليستوعب كيفية تشغيل دبابة، بينما الشاب الجامعي يحتاج إلى أسبوع فقط. أهمية التعليم تكمن في أن يعلمنا كيف نفكر، كيف نبدع، كيف نأتي بالجديد. لهذا السبب، ينشطون هذا الجانب باستمرار. هناك قصة سعيدة جدًا عن معلمة اكتشفت طفلاً عبقريًا مبدعًا. قالت لتلاميذها: "ارسموا شارعًا". فرسموا جميعًا شوارع تحتوي على بيوت وأشجار. ثم قالت: "ارسموا شارعًا بدون سيارات". فأخذوا الأوراق ليرسموا من جديد، إلا أن طفلاً عاد إليها في ثانية واحدة. نظرت إلى ورقته، فوجدت أنه رسم يافطة مكتوب عليها: "ممنوع دخول السيارات". انتهى الأمر! هذا مبدع. شارع لا تدخله السيارات لأننا منعنا دخولها. هذا الطفل يجب أن يُرعى، لأن تعريف الإبداع هو الاستجابة المغايرة للأحداث. الكل يسير بطريقة معينة، فيأتي شخص ويسير بطريقة أخرى. عندما أرادوا هدم قنبلة نووية، جاء لواء واقترح قنبلة مائية، أي خرطوم مياه لتفكيكها. هذا إبداع. هذه هي الجينات المصرية. إذا وجدت الجينات المصرية بيئة رائعة وصالحة، فإنها تسود العالم كله. حتى أمس، كتبت في مقالتي الأسبوعية عن مسمار في ركبة مصرية منذ 3000 سنة. عندما صوّروا مومياء في المتحف البريطاني باستخدام الأشعة السينية، تفاجأوا بوجود مسمار يشبه المسامير التي نستخدمها اليوم. جراح بريطاني قال: "يا ليتني رأيت هذه المومياء قبل 100 سنة، لكانت وفرت علينا جهد تطوير المسمار الذي نستخدمه الآن". المسمار كان حلزونيًا، له أجنحة، ومثبت في وسط راتنجات عضوية، أي صمغ، مثل ما نستخدمه الآن. هذا من المسكوت عنه منذ 3000 سنة. الحضارة المصرية وإنجازاتها العظيمة نكتشفها الآن، وما زال هناك المزيد. قبل أن نبدأ، كنتَ تقول لي إنه إذا تمكنوا من صنع هذا المسمار، فلا بد أنهم توصلوا إلى التخدير أيضًا. حتى الآن، لم نصل إلى ما توصل إليه المصريون القدماء، لأن لا ألم يضاهي ألم العظم. من المستحيل أن يضعوا مسمارًا في نخاع العظم دون تخدير عام. نعلم أنهم توصلوا إلى التخدير الموضعي، كما هو واضح في الجداريات. كان ختان الذكور يُجرى بعد سن السادسة أو السابعة. بالمناسبة، الدراسات الحديثة في عيادات أمريكا الشمالية تؤكد أنه لا ينبغي إجراء الختان للذكور قبل ثلاث سنوات، لأن ذلك يتيح انفصالاً طبيعيًا بين القلفة ورأس القضيب. إذا أُجري قبل ذلك، يحدث انفصال تعسفي يدمر نهايات الأعصاب. القدماء المصريون كانوا يجرونه في السابعة، بينما العلم الحديث يقول: ليس قبل الثالثة. لكن، للأسف، في بلادنا، يُجرى الختان للطفل حديث الولادة قبل خروجه من المستشفى، وهذا خطأ. كيف كانوا يستخدمون المخدر الموضعي؟ كانوا يأتون برخام من حجر ممفيس، يطحنونه إلى بودرة، ويرشونها على المنطقة، ثم يضعون إصبعًا أو خلًا بتركيز معين، فيتفاعل ويطلق ثاني أكسيد الكربون السائل، الذي يخدر المنطقة، فيجرون عملية الختان. مصر القديمة لم تمارس ختان الإناث أبدًا، وهو ما نسميه الآن "FGM" (Female Genital Mutilation)، أي تشويه الأعضاء التناسلية للإناث. هذه العملية ليست طهارة، بل هي قذارة. قطع هذه المنطقة يتسبب في نزول البول على فخذي الطفلة الصغيرة. البول يحتوي على يوريا، واليوريا تتحلل إلى أمونيا، والأمونيا تسبب التهابات، والالتهابات تؤدي إلى بكتيريا، والبكتيريا تسبب التهابات في المثانة والكليتين. قال الله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"، وقال: "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ". الله لم يترك هذه المنطقة عبثًا. أي طبيب يجري هذه العملية لفتاة، أقول له من هنا: "شل لسانك، وقطعت يدك"، لأنك طبيب وتعلم، ولا تجري هذه العملية إلا من أجل المال. أنت لا تصلح أن تكون طبيبًا، ويجب فصله من نقابة الأطباء، ومنعه من ممارسة المهنة نهائيًا، لأن هذه جريمة بحق أي طفلة. تشويه الأعضاء التناسلية للإناث جريمة حقيقية. لهذا قلنا في البداية إن الجهل ظلم. الجهل ظلم فعلاً. لكن هنا، هل الطبيب جاهل؟ الجهل هنا جهل الأهل. يجب علينا توعية الأهل. هذا الطبيب، لو أجرى هذه العملية في بلد أجنبي، لقُطعت رقبته، وليس يده فقط. هذه جريمة.
**الأستاذة هبة**: بدأنا بالسياسة. في الدقائق العشر الأخيرة أو الربع ساعة، سنفتح المجال للجمهور.
**نص الحوار المُصحح باللغة العربية الفصحى مع مراعاة علامات الترقيم:**
**الأستاذة هبة**: قبل أن نختتم، دعونا نمر على نقطة مهمة. بدأنا بالسياسة والجنرال يعقوب، ثم تحدثنا عن المرأة وعروس النيل، وانتقلنا إلى المساحات الصامتة في العقل البشري، وتناولنا التعليم. بالنسبة للمرأة، كانت الشعوب المحيطة بمصر القديمة تُعد المرأة ضمن الدواب، فيقول الرجل مثلاً: "كان لديه ثلاث بقرات وامرأتان". لكن في مصر القديمة، كانت المرأة تُوصف بأنها "صانعة النساء والرجال"، و"شريكة الإله في الخلق". الله يأمر، وهي تكمل تسعة أشهر في تربية الطفل القادم إلى الحياة. كانت النظرة مختلفة تمامًا. منذ الأسرة الأولى، كانت هناك ملكة تُدعى مريتنت، وجُدت مقبرتها ووزراؤها يجلسون حولها. كما كانت هناك سيدة تُدعى بيسيشت، رئيسة قسم طب الأسنان، تزرع الأسنان، وتقول لنا ما لا نعلمه: إذا كان السن المزروع من توأم، فإنه يثبت، لأن التوأم المتوفى يمكن استخدام أسنانه للتوأم الحي، أما إذا كان السن من غريب أو قريب، فلا يثبت. كانت المرأة كاهنة، وراقصة، وموسيقية، وطبيبة. وفي وثيقة الزواج، كان هناك بند على لسان الزوجة يقول: "إذا هجرتك كزوج، أرد إليك مهرك ونصف ما جمعناه في حياتنا الزوجية". هذا هو الخلع. إذا تعرضت المرأة للقسوة باليد أو اللسان من زوجها، كانت تطلب المثول أمام المحكمة. وفي مصر القديمة، لم تكن المحاكم تحتاج إلى محامين، بل يستطيع أي شخص الحضور بعد تحديد موعد مسبق. كان يُعيَّن ثلاثة قضاة، وكانت تشكو قسوة زوجها باليد أو اللسان، فيُنذَر الزوج في المرة الأولى، ويُجلد في الثانية، ويُخلَّع في الثالثة. وإذا مات الأب، كانت الابنة الصغرى هي من توزع الثروة على إخوتها الذكور الكبار، تمجيدًا وإعلاءً لشأن المرأة.
حسنًا، دعونا ننتقل بعد السياسة والتعليم والمساحات الصامتة وكل هذه الموضوعات إلى الحب عند قدماء المصريين. سأسأل دكتور وسيم: هل الحب أمنية نتمناها، أم مصيبة نحاول أن نتقيها؟ هذا السؤال طُرح على العقاد، فماذا تقول لنا عن المسكوت عنه في الحب؟
**د. وسيم**: الحقيقة، لم أقرأ تحليلًا رائعًا عن الحب مثلما قرأته للأستاذ عباس محمود العقاد. له كتاب رائع جدًا بعنوان "أنا"، كتبه طاهر طناحي. عندما سُئل عن الحب، فكَّر وقال: "من السهل أن أقابل شخصًا في الطريق، فأقول: هذه ليست هبة، أو أقابل هبة وأقول: هذه هبة. فإذا سألني أحدهم: لماذا هذه هبة؟ أقول له: لكذا وكذا". أراد أن يقول إن من السهل تعريف الحب بالنفي أكثر من تعريفه بالإيجاب. فعرَّفه بالنفي، قائلاً: الحب ليس صداقة، لأن الصداقة تكون أقوى بين شخصين من جنس واحد، بينما الحب يكون أقوى بين شخصين من جنسين مختلفين. ومع ذلك، فإن الصداقة أحد عناصر الحب. الصداقة تنمو بمرور الأيام. قد لا يستطيع المحبان مصارحة بعضهما ببعض الأمور في حياتهما في البداية، لكن مع قوة الحب ومرور السنين، يبدأ عنصر الصداقة بالظهور. أجمل تعريف للصداقة هو أن تفكر أمام صديقك بصوت مسموع. لهذا قال إيمرسون: "الصديق في حياتي حدث عظيم". كلمة "صديق" (Friend) تختلف عن "معرفة" (Acquaintance). المعرفة هي شمس معرفة، لكن الصديق هو من تستطيع أن تفكر أمامه بصوت مسموع. ثم قال العقاد: الحب ليس صداقة، وإن كانت الصداقة أحد عناصره، لأن الصداقة أقوى بين رجل ورجل، أو امرأة وامرأة، والحب أقوى بين رجل وامرأة. حسنًا، الحب ليس غريزة، وإن كانت الغريزة أحد عناصره، لأن الغريزة تعم الفرد تجاه أي فرد من الجنس الآخر، فيشتهي أي امرأة، وقد تشتهي هي أي رجل. هذه غريزة. لكن الغريزة في الحب، كعنصر من عناصره، لا تكون إلا على نطاق التخصيص والتمييز: امرأة بعينها لرجل بعينه، ورجل بعينه لامرأة بعينها. إذن، الحب ليس غريزة، وإن كانت الغريزة أحد عناصره. لهذا، الحب شعور أرقى من الغريزة، مختلف تمامًا. الغريزة في الحب هي لغة الجسد للتعبير عن الحب. دليل ذلك أنه عندما يزول الحب، تزول الغريزة معه. لا يرغب في لمسها، ولا هي ترغب في لمسه بالبطء. لماذا؟ كانت في البداية كذلك لأنها كانت تعبيرًا عن الحب. فإذا زال الحب، زالت الغريزة. الحب ليس اختيارًا، لأن الإنسان قد يختار ويحاول أن يحب فلا يستطيع، وقد يحب ويجد نفسه واقعًا في الحب، ويحاول النجاة منه فلا يستطيع. الحب ليس رحمة، لأن المحبوب يقبل القسوة مع الاقتراب، ولا يقبل الرحمة مع الافتراق. ثم عاد وقال: في الحب شيء من الغرور، كيف لا وقد فضلتها على آلاف مثلها، وفضلها على آلاف أشباهه؟ وفي الحب شيء من الخداع، ليس بمعنى أنهما يخدعان بعضهما، بل هو يراها كل شيء، وهي تراه كذلك. لكن إذا زال الحب، أصبحت شيئًا عاديًا جدًا، وهي هي نفسها. بالنسبة لشخص آخر، هي عادية جدًا. لهذا، في الحب، هي ترى فيه ما لا يراه الآخرون، وهو يرى فيها ما لا تراه الأخريات. هي تتعامى عن بعض العيوب لأنها ترى جمالاً آخر. يقول العقاد: ثلاثة أشياء تملك الإنسان ولا يملكها: ميلاده، وحبه، وموته. لأن إعطاء الحياة، وتجديد الحياة، وفقدان الحياة، هي أشياء تملك الإنسان ولا يملكها. إذا سُئلت عن الحب، قل: كما قال العقاد، إنه اندفاع روح إلى روح، واندفاع جسد إلى جسد. وإذا سُئلت عن الجسد، قل: إنه وعاء للروح. وإذا سُئلت عن الروح، قل: إنها من أمر ربي، خالق الأرواح. خلاصة العقاد: إذا سألني سائل: هل الحب أمنية نتمناها، أم مصيبة نحاول أن نتقيها؟ أقول: إنها مصيبة واجبة الاتقاء إذا كنت تحمل بها نفسًا تريدها وهي لا تريدك، لكنها أمنية عزيزة المنال إذا كانت الروحان متجاوبتان. ثق أنهما في سهو من سهوات العمر والأيام. المهم هنا هو التوافق. هذا رأي عباس محمود العقاد. الحب في مصر القديمة كان شيئًا رائعًا. كان على مستويات عدة: الحب لله، وهو الإيمان؛ الحب للناس جميعًا، وهو عمل الخير؛ الحب للأقربين، وهو الود؛ والحب لأقرب الأقربين، وهو الحب نفسه. كانت لهم تعبيرات راقية جدًا. إذا حملت الزوجة من زوجها، تقول: "لقد أعطاني زوجي بضعة من قلبه". يا للرقي والجمال! كانوا يطلقون على دور الرجل في العلاقة الزوجية "دور الرجل الجميل". كانت ألفاظهم راقية جدًا. لدينا خطابات حب كثيرة في غاية الجمال، مثل: "ليت عيني مثل منف حتى أراك من كل صوب، وليت قلبي مثل طيبة حتى أحبك من كل جنب"، أو "سأتصل بالنجار ليصنع باب بيتك من المزلاج من الخيزران حتى أتمكن من فتحه والدخول إليك"، أو "سأتظاهر بالمرض حتى تأتي لزيارتي وأراك"، أو "سأعبر النيل وأتحدى التماسيح لأصل إليك". يا للرقة والجمال! هذه حضارة. لا تخلطوا بين الحضارة والتقنية. الحضارة (Civilization) ليست تكنولوجيا (Technology). لو فتحتم القاموس، ستجدون أن الحضارة هي الأدب، ورقة التعامل مع الإنسان الآخر. التكنولوجيا هي استخدام الآلة. أول استخدام للتكنولوجيا كان عندما أمسك شمبانزي بغصن شجرة وضرب به شمبانزيًا آخر، لا أعلم لماذا كان مضايقه! لكن الحضارة هي الأدب والرقة. في مؤتمر بنيويورك، دعتنا سيدة تُدعى د. جروس، سويسرية الأصل، متزوجة من د. جروس. كان معنا د. محمود بدر، أستاذ المسالك البولية، ود. رمسيس توفيق. قالت لنا: "درستُ الحضارات كلها، وجبت العالم، ورغم الأمية والفقر في مصر، فإن الحضارة تحت جلود المصريين". عندما سألتها: "ماذا تقصدين بتحت جلودهم؟"، قالت إنها جاءت من كلمة "سفيتي" (Safety)، وتعني الأمان. بحثت عن الكلمة لاحقًا، فوجدتها كما قالت. رددت عليها: "أنتِ محقة". ويكفي أن قانون الأخلاق الذي كان يحفظه المصري القديم عن ظهر قلب، لأنه يعلم أنه سيعترف به في الاعتراف الإنكاري أمام محكمة العدل الإلهية أمام 42 قاضيًا يمثلون 42 محافظة، يتضمن: "لم أوسخ النيل، ولم أقتل، ولم أكذب، ولم أشته زوجة جاري". أضع جانبًا الديانات السماوية التي تضمنت هذه المبادئ، لكن أتوقف عند: "لم أكن سببًا في دموع إنسان، ولم أكن سببًا في شقاء حيوان، ولم أعذب نباتًا بنسياني سقايته بالماء، ولم أتعالَ على غيري بسبب علو منصبي، ولم أرفع صوتي على غيري أثناء الحوار". يا للرقي! "كنت عينًا للأعمى، ويدًا للأعرج، ورجلاً للكسيح أحمله، وأبًا لليتيم. عمر قلبي نقي، ويداي طاهرتان". له حق كارن شوبيرت، عمدة برلين، حين قال: "كيف كان سيكون شكل العالم اليوم لو لم تكن الحضارة المصرية القديمة؟" ويأتي ويليام بادش، عالم المصريات البريطاني، فيقول: "نحتاج إلى 200 سنة لنصل إلى هذا المستوى الرفيع من الحضارة الإنسانية". نحن حتى اليوم نصنع فيديوهات عن كيفية دحر بني آدم، بينما هم منذ 4000 أو 5000 سنة كانوا يقولون: "لم أكن سببًا في شقاء حيوان". الحقيقة، أتذكر من قال: "أنتم أطفال بالنسبة لنا". كان هذا سولون. اضطر سولون إلى اعتناق الآمونية ليتمكن من دخول المعابد المصرية، حيث المكتبات، ليدرس القانون. حكى أنه طبطب على أحد الكهنة المصريين وقال له: "أنتم اليونانيون أطفال بالنسبة لنا". ويؤكد الدكتور طه حسين في كتابه "مستقبل الثقافة في مصر" أن اليونانيين يعرفون أنهم تلاميذ للمصريين في حضارتهم الراقية. وجاء مارتن برنال بعد طه حسين بخمسين سنة، في كتابه "أثينا السوداء"، أو أثينا الإفريقية، أو أثينا المصرية، قائلاً إن الحضارة اليونانية، بل الأبجدية اليونانية، مأخوذة من مصر. لماذا نذهب بعيدًا؟ أفلاطون نفسه جاء إلينا، علمناه الفلسفة 13 سنة، وقال: "ما من علم لدينا إلا وقد أخذناه من مصر". فيثاغورس، علمناه الرياضيات 22 سنة. وجُدت أخيرًا 36 وثيقة أصلية في الرياضيات المصرية، عثر عليها أربعة علماء: أرشيبالد، تشيزمان، جنبيل، وبيل. قسموها إلى مجموعة خاصة بالدائرة ومجموعة خاصة بالمثلث. مصر، منذ 3500 سنة قبل الميلاد، توصلت إلى قيمة "باي" (π) = 22/7، التي حتى اليوم، وبعد مئة سنة، لا يمكن لقانون الكم لبلانك، ولا النسبية لأينشتاين، ولا نظرية بور للذرة، ولا قانون كبلر الثاني لحركة الأجرام السماوية، أن تعمل بدون "باي" = 22/7، التي توصلت إليها مصر قبل 3500 سنة. نحن شعب حكم العالم وساد، ونما، وظهر في المهد صغيرًا. كنت في المتحف البريطاني، أمام صندوق زجاجي يحتوي جمجمة، وامرأتان تقفان أمامي. مكتوب على الجمجمة: "أول جراحة مخ في التاريخ، منذ 4000 سنة". قالت إحداهما: "جراحة مخ منذ 4000 سنة؟ كنا أين؟" قالت الأخرى: "كنا في الكهوف". نعم، كانوا في الكهوف، ونحن نجري جراحة مخ. وبعد ذلك، 2500 سنة من الاحتلال. أنتقم منكم، يا وزراء التربية والتعليم، لأن أحدًا لم يعلمنا تاريخنا. للأسف، لأنهم يحملون جوازات سفر مصرية ودماء أجنبية. عندما تكون الدماء مصرية، سنتعلم تاريخنا الصحيح. هذا هو الهدف من كتاب "المسكوت عنه في التاريخ"، أن نعرف تاريخنا. دكتور وسيم يقول إن التاريخ هو وعاء الإنسانية. كما بدأنا الكلام، نحن بحاجة إلى معرفة إنجازاتنا وانتكاساتنا لنتعلم منها. حضارتنا قامت على الأخلاق والمحبة. دعوني أنقل لكم جزءًا كتبَه دكتور وسيم في الجزئية الخاصة بالمسكوت عنه في الحب، لأنها دعوة للحب. نحن اليوم نعاني من مشكلة الطلاق، التي وصلت إلى حوالي 40% وفق إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عام 2018. كان الأجداد ينصحون الأبناء قائلين: "إياك والطلاق، فهو تصرف الرجل الأحمق". عندما سُئلوا: هل الحب ضرورة؟ كان الرد: إنه ضرورة صحية، فالأمراض أقل عند المحبين؛ وضرورة نفسية للسلامة الداخلية للإنسان؛ وضرورة اجتماعية للسلام الاجتماعي؛ وضرورة جمالية، فقد فشلت ثلاث عمليات تجميل لوجه امرأة، واكتشف الجراح أنها تحمل حقدًا وغلًا على الناس. كلام رائع ودعوة للمحبة. حضارتنا قامت على الأخلاق والحب. دكتور وسيم، في مقدمة الكتاب، تحدث عن أهمية الحب حتى في دراسة التاريخ وقراءة هذا الكتاب أو أي قراءة أخرى، سواء في التاريخ أو غيره. الحقيقة، لا أعرف كم بقي من الوقت للندوة، لكن أعتقد أننا اقتربنا من النهاية. أشكر دكتور وسيم جدًا. ربما أرهقناك بالكثير من الحديث، لكن هناك أكثر من 53 موضوعًا مسكوتًا عنه، كما قلت، نحتاج إلى مناقشتها أكثر وأكثر. سنعطي فرصة للجمهور. أشكركم جميعًا على حسن استماعكم. أعتقد أننا يمكن أن نفتح الأسئلة أو النقاش. هانسون، جراح التجميل السويدي، أجرى تسع عمليات تجميل لوجه امرأة لتتحسن، لكن دون جدوى. قال لها: "يا سيدتي، أنتِ كارهة وتكرهين الناس. أفضل ما تفعلينه هو أن تعودي لتحبي الناس. فشلتِ في عملية التجميل لأن ما في قلبك يظهر على وجهك". كلام خطير جدًا، يؤكد أن الحب ضرورة صحية. دكتور محمد حسين كامل له كتابان رائعان: "قرية ظالمة"، وهي أورشليم، وكيف ظلمت السيد المسيح، و"الوادي المقدس". يقول إن الحب مادة حرمان. ماذا يعني مادة حرمان؟ إذا حُرمنا منها، لا نشعر بالحاجة إليها، لكننا نضطرب اضطرابًا شديدًا بدونها، مثل فيتامين سي. اكتشفوا جزيرة مات فيها 1600 بحار بالإسقربوط، ولم يعرفوا أن عصير الليمون يشفيهم. كانوا يتضخمون، وتنزف لثتهم. الإسقربوط يأكل أكثر، لكن دون جدوى، مع أن فيتامين سي كان متاحًا في الخضروات، لكنهم لم يعرفوا. هذه مادة حرمان. اليود، إذا نقص، تُصاب الغدة الدرقية بالخلل، مع أن اليود موجود في الأسماك. الماء ليست مادة حرمان، فإذا نقصت تشعر بالعطش. الطعام ليس مادة حرمان، فإذا نقصت تشعر بالجوع. الجنس كغريزة ليس مادة حرمان. لكن الحب مادة حرمان: إذا نقص من حياة الفرد، لا يشعر بالحاجة إليه، لكن حياته تضطرب اضطرابًا شديدًا. يحاول تعويض ذلك بالشهرة، لكن دون جدوى، أو بالثروة، أو بالجنس الآخر، لكن دون جدوى. الحب، بعناصره كلها، سواء مع الناس، أو مع الله، أو مع الأقربين، أو الحب العاطفي، هو ضرورة. آخر شيء أقوله لكم: جمع إبليس الشياطين ليسرقوا أجمل شيء عند الإنسان. قال شيطان: "نسرق ثروته". قال: "هذه تسبب مشاكلهم. انظر إلى الإخوة ماذا يفعلون ببعضهم عندما يموت أحدهم". قال آخر: "نسرق عقله". قال: "اذهب إلى مستشفى الأمراض العقلية، ستراهم يركضون ويضحكون سعداء. لهذا قالوا: ما أسعد المجانين". فقالت شيطانة: "الجميع يبحث عن السعادة والسلام الداخلي. نسرق السعادة". فأرسل أربعة شياطين إلى الجهات الأربع، فسرقوا شيئًا جميلًا يلمع كالزمرد والماس. حدثت مشكلة: أين يخبئونها حتى لا يجدها الإنسان؟ قال أحدهم: "في المحيط". قال: "بعد 30 سنة سيخترعون الغواصات". قال آخر: "في القطب الشمالي أو الجنوبي". قال: "سيصنعون طائرات عابرة للقارات". فقالت الشيطانة: "أخفها في أعماق نفسه، داخله. سيبحث عنها في الشهرة والثروة والجنس الآخر، لكن دون جدوى، لأنها في مكان لا يخطر على باله، أعماق نفسه، السلام الداخلي". منذ ذلك التاريخ، في هذه الأسطورة، قلع إبليس جمرة النار ولبسها لنصيحته، وأخفى السعادة في أعماق قلب الإنسان. الإنسان يبحث عنها في كل مكان ولا يجدها، لأنها في داخله. ربما شادية قالت: "دور عليها، اللي عينيك مش شايفاها". هذه دعوة للحب والمحبة. للأسف، الوقت يقترب من النهاية، لكن أود أن أشير إلى أن كتاب "المسكوت عنه في التاريخ" متوفر في جناح الدار المصرية اللبنانية. يمكنكم اقتناؤه، وسيوقعه دكتور وسيم. العنوان جذاب جدًا: "المسكوت عنه في التاريخ". إذا رأيتم غلاف الكتاب، ستلاحظون أن الفم مغطى، وهذا لفت انتباهي جدًا، خاصة إذا تُرجم للخارج. هل يمكننا فتح الأسئلة؟ منى، تفضلي. الصوت واضح، لكن لو تكلمتِ بصوت أعلى قليلاً.
**منى**: أولاً، أرحب بحضرتك جدًا. أتشرف بلقائك هنا بعد أن لم أتمكن من لقائك في المعرض. كان بيننا نقاش عن رأيي في كلامك حول عبد الناصر. الجزء الذي أزعجني هو أنه خلال حوار مع بعض الأشخاص الذين يدافعون عن عبد الناصر بشدة، عندما نتحدث عن أخطائه، يحولون الحديك إلى السادات. وعندما نتحدث عن انتصار السادات، يقولون إن عبد الناصر هو السبب. على سبيل المثال، عندما نتحدث عن حرب اليمن، يقولون إن السادات هو من أشار عليه، مع أن عبد الناصر هو من اتخذ القرار. وعندما نتحدث عن انتصار أكتوبر، رغم أنه بعد وفاة عبد الناصر بثلاث سنوات، يقولون إنه من خطط له. هذه من الأمور التي أراها دائمًا: إذا أحببت شخصًا، فأخطاؤه غير موجودة عندي ومبررة، وإذا لم أحبه، أنتقص من حقه حتى في الإنجازات. أشكرك لأن الفيديو الخاص بك على يوتيوب، وأنصح الجميع بمشاهدته، مبني على وقائع وحقائق. أقواها في نظري أن عبد الناصر هو أول رئيس أو حاكم في تاريخ مصر يلغي اسم مصر من التاريخ. عندما كانت مصر والسودان في وحدة، كان الاسم "مصر والسودان"، لكن بعد الوحدة مع سوريا، سماها "الجمهورية العربية المتحدة". كان يمكن أن يسميها "مصر وسوريا" أو أي شيء آخر، لكن أن يُلغى اسم مصر نفسه؟ أحييك على ذلك. لدي استفسار عن رأيك في فترة حكم السادات، وهل كان ممكن أن يحدث تغيير إذا عاش أكثر؟ ماذا كان سيحدث، بما أن كثيرين، وأنا منهم، يرون أنه كان رجلاً سابقًا لعصره، يرى ما لا يراه الآخرون؟ لكن لدي تعقيب على كتابك، في صفحة 32، تقول: "ومهما توغلت فيها، لا يعلو الماء عن وسطي"، وأن عبور البحر الأحمر أكذوبة مسكوت عنها، وأن الماء لم يكن عميقًا. أتمنى أن أكون فهمت هذه الجزئية بشكل صحيح. السؤال: إذا كان الماء غير عميق، كيف غرق فرعون؟ شكرًا جدًا، وأتشرف بوجودي معك اليوم، وبتوقيعك للكتاب.
**د. وسيم**: أولاً، التاريخ كعلم يبحث في الموجودات، أما الغيبيات مثل غرق فرعون، فهي غيبيات دينية. حتى الآن، ليس لدينا ما يثبت ذلك. لدينا 20 إلى 30% فقط من الآثار التي عرفناها، و70% قد تظهر لاحقًا دلائل عن غرق فرعون. بخصوص هذه النقطة بالذات، لدي تعليقان. التعليق الأول: الذين يعملون في هذا المجال وجدوا أن "فرعون" كان اسمًا، وليس صفة. بدليل أن القرآن الكريم يقول: "يا فرعون"، ولم يقل: "يا ملك". أي أنه يناديه باسمه. ما يؤكد ذلك أنه لا توجد كلمة "فرعون" أو "فراعنة" في التاريخ المصري مع 561 ملكًا. الخراطيش التي تحتوي على اسم الملك وصفاته لا يوجد فيها واحدة تحمل اسم "فرعون". بالمناسبة، "خرطوش" أو "كارتوش" كلمة يونانية، لكن الاسم المصري للخرطوش هو "شنران"، الذي يوضع فيه اسم الملك. حتى اليوم، نقول عن شخصية كبيرة: "له شنة ورنة"، وهي "شنران" المصرية القديمة. لكن إطلاق صفة "الفراعنة" جاء لتفعيص كلمة "فرعونة" التي وردت في العهد القديم، ليُظهر أن لها وجودًا في التاريخ المصري. فلاندرز بيتري، بريطاني المولد، يهودي الديانة، صهيوني الهوى، قبره في القدس، فعل أمرين سيئين. الأول: أخذ كلمة "بير رعا"، وتعني البيت العالي ("رعا" = عالي، "بير" = بيت)، وقال إن "رعا" يمكن أن تكون "فرع"، و"فرع" تصبح "فرعو"، و"فرعو" تصبح "فرعون". فأطلق اسم "فرعون" على الجميع. لا يوجد شيء اسمه "فرعون" لملوك مصر القديمة. هم الملوك المصريون القديمون، وليس "فراعنة". الأمر السيء الثاني: هو من عثر على "أنشودة النصر" أو "لوحة النصر" الموجودة في المتحف المصري، التي كتبها مرنبتاح، الابن الثالث عشر لرمسيس الثاني. مكتوب فيها: "أما حورو، وهي فلسطين، فقد أصبحت أرملة لمصر"، أي خاضعة لها. و"أما يسريار" (ستة حروف: يسريار)، "فقد قضيت على بذرتها". مرنبتاح هو من قال ذلك. بدأ فلاندرز بيتري يحاول جعل "يسريار" تصبح "يسريير"، ثم "إسريير"، ثم "إسرائيل". لكن اكتشفنا أن هناك قبائل بحرية في كريت وجزر اليونان تُدعى "يسريار"، وهي التي قضى عليها مرنبتاح، وليس لها علاقة بإسرائيل. النقطة الثانية: عندما نقرأ في العهد القديم أنهم عبروا "يام سوف"، أي بحر البوص، كان اسمه حتى القرن الثامن عشر في النسخة الإنجليزية "Reed Sea" (بحر البوص). ترجمة صحيحة. لكن بعد القرن الثامن عشر، حذفوا كلمة "Reed"، فأصبح "Red Sea" (البحر الأحمر). البحر الأحمر مياهه مالحة، والمياه المالحة لا ينمو فيها البوص (البردي). البردي يحتاج إلى مياه عذبة. ثم ظهرت الأفلام مثل "الوصايا العشر"، والبحر الأحمر ينقسم إلى اثنين. قالوا إنهم عبروا بحر البوص، وهو البحيرة المرة. نزلتُ بنفسي إلى هناك، كانت الأرض تحت قدمي طينية، ليست رملية، أي أنها كانت مياهًا عذبة. الآن أصبحت مالحة لأننا فتحنا عليها قناة السويس. لكن في ذلك الوقت، لم تكن قناة السويس موجودة، ومهما مشينا فيها، كان الماء يصل إلى الخصر. هذه ملاحظاتي. لا أحب دائمًا ركوب هذا على ذاك، لكن عندما أشعر أن هناك ظلمًا يقع على تاريخي، أبدأ بالتصدي له. لا، يا سيدي، إذا قلتَ بحر البوص، فالتزم ببحر البوص. بحر البوص هو "Reed Sea"، فمن أين جئتَ بالبحر الأحمر؟ أنت تناقض نفسك. البحر الأحمر لا ينمو فيه بوص، لأنه مياه مالحة. هذا تعليقي.
**الأستاذة هبة**: الحقيقة، لدينا أسئلة كثيرة، لكنني مضطرة لأن لدينا حوالي عشر دقائق. أعتقد أننا تجاوزنا الوقت. في هذه العشر دقائق، أسئلة بدون مقدمات. سآخذ من الأستاذة، ثم الأستاذ. أستاذ، كنتَ طلبت الأسئلة، أعتذر لكم. أعلم أنكم جميعًا تريدون طرح أسئلة، لكن للأسف، نحن ملتزمون بوقت محدد. دكتور وسيم، نورتَ الإسكندرية. بابايا يُرسل لك السلام، ونحن نحبك جدًا.
**هبة حشاد (من قسم العلوم السياسية، جامعة الإسكندرية)**: درسنا أن التاريخ الذي نتعلمه الآن كان يُكتب في الماضي بطريقة تعكس عقلية الملوك وأفكارهم، وليس الأحداث الحقيقية التي وقعت. كيف يمكننا استنتاج الوقائع الفعلية التي حدثت بالفعل، وليس ما كتبوه بطريقتهم؟ هناك بعض التزييف في التاريخ. ما هو المرجع الذي يمكننا الاعتماد عليه؟ شكرًا.
**د. وسيم**: الناس دائمًا يقولون: لماذا يختلف الناس في التاريخ؟ إنهم لا يختلفون في الواقع، بل في الرأي. من يختلف في أن الرئيس جمال عبد الناصر أمَّم قناة السويس عام 1956؟ لا أحد يختلف. الاختلاف يكون في التأميم: هل كان صوابًا؟ يقول أحدهم: كان خطأً، ويدعمه برأيه. ويقول آخر: لم يكن خطأً، ويدعمه برأيه. الاختلاف في وجهات النظر، لكن الواقعة واحدة. لدينا عقولنا لنستنتج. على سبيل المثال، يأتي رمسيس الثاني ويقول: انتصرت في معركة قادش. وكتب ذلك عنده. لكن عند الحيثيين، هم من انتصروا. أقرأ هنا وهناك، وأنظر: لماذا لم تستعدها في السنة السادسة من حكمك؟ تركتها لهم، إذن هم من انتصروا. أستخدم عقلي. لكن في الحملة السادسة عشرة، أخذها، بدليل أن ملك الحيثيين زوَّج ابنته لرمسيس لإتمام معاهدة السلام. الاستقراء يأتي هنا. الحدث لا أحد يختلف فيه، لكن التفسير يعتمد على الرأي. من يقول: عبد الناصر لم يؤمم قناة السويس لأننا لم نكن نعرف كيف نديرها، أو أرادها للسلاح. يرد آخر: كانت القناة ستعود إلينا بعد 10 أو 12 سنة، لكنها أُغلقت 10 سنوات، ولم يخرجوا إلا بعد أن أصبحت سيناء منزوعة السلاح، وتنازلت مصر عن ديون إنجلترا وفرنسا لعشر سنوات، وباب المندب أصبح تحت سيطرة إسرائيل. لهذا، أنا ضد تأميم قناة السويس. يرد آخر: حتى لو انتظرنا، لم يكونوا سيعيدونها. يقول آخر: ألم تُعد هونغ كونغ؟ حتى لو لم يعيدوها، فالتأميم جعل العالم يساندنا لأن موعد عودتها كان عام 1969، ولم يعيدوها، فأخذناها رغمًا عنهم. لا أحد يختلف في أن التأميم حدث عام 1956. التاريخ كذلك: اذكر الواقع، واستخدم عقلك. حسنًا، لنأخذ سؤالاً آخر.
**سائل**: أهلاً وسهلاً، نورتنا. أوجه التحية لإدارة الندوة وللأستاذة هبة. هل سيكون هناك توقيع للكتاب؟
**الأستاذة هبة**: سيكون هناك توقيع في جناح الدار المصرية اللبنانية.
**سائل**: تحية للأستاذة الموهوبة. أشكرك جدًا. تحية للجميع. شكرًا دكتور، لأن "المسكوت عنه في التاريخ" يحتاج إلى موسوعات وقواميس. تعالوا للتاريخ، واعرفوا من هو أحمس، ومن هو مينا، ومن هو رمسيس. ضيفنا الكريم، بإبداعاته وكتاباته القيمة، يستفيد منها العالم والمفكر ومن يعمل في التدريس. كتبتُ اسمه في أوراقي ودفاتري. يا رب، احفظ مصر وشعبها من كل ظالم وخائن وخسيس. أقدم تحية ود وتقدير للمفكر الكبير دكتور وسيم السيسي. شكرًا جدًا.
**د. وسيم**: شكرًا على ذوقك وأخلاقك الكريمة. لنأخذ سؤالاً أخيرًا.
**سائل**: أفضل الحب، لكن لدي سؤال في السياسة، قد يبدو بسيطًا لكنه يحتاج إلى إجابة واضحة. نشاهد كل يوم المساعدات الهائلة التي تقدمها أمريكا لإسرائيل. زادت هذه المساعدات، ونحن، أو دول الخليج، ساهمنا في هذا الوضع. ما سر الاهتمام اللا نهائي بإسرائيل من أمريكا؟ هل هو سيطرة رأس المال؟ أم حرب ضد الدين أو ضد الحضارات في المنطقة؟ تدمير العراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، ومصر كانت الجائزة الكبرى، كما قالت كوندوليزا رايس. ما السر أو السبب المباشر لهذا الاهتمام والدعم من أمريكا لإسرائيل على مدار السنين؟
**د. وسيم**: ما سر دعم الولايات المتحدة لإسرائيل؟ وما سر الحروب وتدمير العراق وسوريا وليبيا واليمن؟ مصر كانت الجائزة الكبرى. بدأ الأمر عام 1907، عندما قال سير هنري كامبل بانرمان: "هذه المنطقة غنية جدًا، وإذا تقدمت، ستخنقنا. لا بد من تدميرها أو منعها من التقدم". قامت صفقة بين الكيان الصهيوني، الذي كان لا يزال ينمو بقيادة ثيودور هرتزل ومن بعده، وبين إنجلترا: "سنعطيكم وطنًا في هذه المنطقة مقابل إسقاط ألمانيا وروسيا وتركيا". نجح اليهود في العالم في إسقاط ألمانيا عبر السيطرة على الطاقة، وروسيا القيصرية. عام 1954، قال بن غوريون: "لا يمكن أن تكون لإسرائيل اليد العليا إلا إذا دمرنا ثلاث دول: العراق، وسوريا، ومصر". قالوا له: "كيف؟ لا نستطيع". قال: "سنحولها إلى دول متناحرة على أسس دينية وطائفية". قالوا: "كيف؟" قال: "في العراق، شيعة وسنة. في سوريا، شيعة وسنة وأكراد ودروز وعلويون. في مصر، مسيحيون ومسلمون". رد بن غوريون: "سننجح في العراق وسوريا، لكن في مصر، الكتلة الصلبة من المسلمين والمسيحيين يصعب تفتيتها، لأنهم شعب واحد منذ آلاف السنين. لكن سنحاول". كما يحاولون الآن في الصعيد بأدواتهم الغبية الممولة التي تنفذ مخططاتهم. إسرائيل، لتكون قوية، يجب أن يكون من حولها ضعيفًا، لأنها لا تستطيع، فهي صغيرة. سيغموند فرويد، في كتابه "موسى والتوحيد"، يقول إن عقدة اليهود الأزلية هي الحضارة المصرية القديمة. لهذا يشوهون التاريخ، ويقولون إنهم بنوا الأهرام، وأن إخناتون هو النبي موسى، وغيرها من الادعاءات التي يشغلون بها العالم. لماذا تدعم أمريكا إسرائيل بهذا الشكل؟
**الأستاذة هبة**: حسنًا، دعونا نكمل النقاش حول هذا الموضوع المهم. سألنا دكتور وسيم عن سر دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، ولماذا كل هذا الدعم الهائل، وعن أسباب تدمير دول مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن، وكيف كانت مصر تُعتبر الجائزة الكبرى كما قالت كوندوليزا رايس. دكتور وسيم، بدأتَ بالحديث عن تقرير سير هنري كامبل بانرمان عام 1907، وكيف رأى أن المنطقة غنية جدًا ويجب منعها من التقدم، ثم تحدثتَ عن صفقة بين الكيان الصهيوني وإنجلترا، وعن خطة بن غوريون عام 1954 لتدمير ثلاث دول: العراق وسوريا ومصر. وأشرتَ إلى أن إسرائيل لا يمكن أن تكون قوية إلا إذا أضعفت الدول المحيطة بها، وأن هناك عقدة تاريخية لدى اليهود تجاه الحضارة المصرية القديمة. ثم تحدثتَ عن سيطرة اللوبي الصهيوني على الاقتصاد والقضاء والإعلام في أمريكا، وكيف أن الولايات المتحدة مضطرة لهذا الدعم وليس باختيارها. أريدك أن تُكمل لنا الصورة، وتوضح لنا كيف تُدار هذه اللعبة السياسية، وما الدور الذي تلعبه مصر في مواجهة هذه الهيمنة؟ وهل ترى أن هناك أملًا في تغيير هذا الواقع، خاصة مع صعود قوى مثل الصين؟
**د. وسيم**: الحقيقة، الموضوع ده زي ما قلتِ يا أستاذة هبة، هو لعبة كبيرة، لعبة دولية، لكنها مكشوفة لمن يقرأ التاريخ بعمق ويفهم خيوطها. دعيني أبدأ من حيث انتهيتِ. ليه أمريكا داعمة إسرائيل بالشكل ده؟ زي ما قلت، هو اضطرار، مش اختيار. الولايات المتحدة، منذ بداية القرن العشرين، بدأت تتحول إلى قوة عظمى، لكنها وجدت نفسها أمام تحديات كبيرة، خصوصًا بعد الحرب العالمية الأولى والثانية. الكيان الصهيوني، اللي كان لسه بيتشكل تحت قيادة ثيودور هرتزل ومن بعده، قدم نفسه كـ"حليف استراتيجي" للغرب في المنطقة. المنطقة دي، زي ما قال سير هنري كامبل بانرمان، غنية جدًا بالموارد—نفط، غاز، موقع جغرافي يربط القارات—ولو تقدمت، بتخلّي الغرب في موقف ضعف. فكانت الفكرة: لازم يكون في كيان قوي في المنطقة يكون بمثابة "كلب حراسة" لمصالح الغرب، وده اللي حصل مع إسرائيل.
الصفقة بدأت فعلًا زي ما قلت، من 1907، لكنها اتطورت بعد وعد بلفور 1917، لما إنجلترا وعدت اليهود بوطن قومي في فلسطين مقابل دعمهم في إسقاط ألمانيا وروسيا القيصرية وتركيا العثمانية. اليهود، من خلال سيطرتهم على الطاقة والمال في أوروبا، لعبوا دور كبير في الحرب العالمية الأولى، ونجحوا في إضعاف القوى دي. بعد كده، لما أمريكا أخدت زمام القيادة العالمية بعد الحرب العالمية التانية، ورثت الدور ده من إنجلترا. إسرائيل بقت الذراع الاستراتيجي لأمريكا في الشرق الأوسط، مش بس عشان تحمي مصالحها النفطية، لكن عشان تضمن إن المنطقة تبقى مشتتة وما تتوحدش أبدًا.
طيب، إزاي بيحققوا ده؟ زي ما قلت، بن غوريون في 1954 وضّح الخطة: لازم العراق وسوريا ومصر يتدمروا. ليه؟ لأن دول هم القلب النابض للمنطقة. العراق كان قوة اقتصادية وعسكرية، سوريا كانت مركز ثقافي وسياسي، ومصر—طبعًا—هي الأم الحضارية للمنطقة كلها. لو الدول دي وقفت على رجليها، إسرائيل هتبقى مجرد نقطة صغيرة في الخريطة، ومصالح الغرب هتضعف. فكانت الخطة: خلق الفتن الطائفية والدينية. في العراق، شيعة وسنة، وكرد، وتفتيت المجتمع. في سوريا، علويين ودروز وأكراد وسنة، وتحويل البلد لساحة حرب أهلية. في ليبيا، القذافي كان يمثل خطر لأنه كان بيحاول يوحد إفريقيا ويبعد عن الهيمنة الغربية، فدُمرت ليبيا واتسابت للفوضى. اليمن، نفس الشيء، صراعات داخلية غذّتها قوى خارجية عشان تبقى البلد مشلولة.
مصر، زي ما قلت، كانت الجائزة الكبرى. ليه؟ لأن مصر مش مجرد دولة، مصر هي الحضارة اللي شكّلت وجدان المنطقة. مصر هي اللي علّمت العالم القانون والأخلاق والفلسفة، زي ما قال أفلاطون وفيثاغورس. عقدة اليهود، زي ما ذكرتُ في كتاب سيغموند فرويد "موسى والتوحيد"، هي إن الحضارة المصرية القديمة هي الأصل، وهم حاولوا على مر التاريخ يشوهوا ده، سواء بقولهم إنهم بنوا الأهرامات، أو إن إخناتون هو موسى، وغيرها من الروايات المفبركة. لكن مصر صعب تتفتت، لأن الشعب المصري—مسلمين ومسيحيين—مرتبط برابط حضاري أقوى من الطائفية. مع ذلك، بيحاولوا، زي ما بنشوف في محاولات زرع الفتنة في الصعيد أو غيره، لكن دي أدوات غبية ومكشوفة.
طيب، إزاي أمريكا بقت تحت السيطرة دي؟ هنا بنجي للنقطة الحساسة. اللوبي الصهيوني في أمريكا، زي ما قلت، مسيطر على ثلاثة أشياء: المعدة (الاقتصاد)، العقل (الإعلام والتعليم)، والغرائز (الترفيه). بولفيند، في كتابه "من يجرؤ على الكلام"، قال إن اليهود في أمريكا يسيطرون على كل شيء تقريبًا. الإحصائيات بتأكد ده: 7 من 9 قضاة في المحكمة العليا (هاي كورت) يهود، الكونغرس تحت تأثير اللوبي الصهيوني، البنوك المركزية والبنك الدولي، كلها تحت سيطرتهم. حتى بنيامين فرانكلين، من 200 سنة، حذّر وقال إن خراب أمريكا هيبقى على إيد اليهود، لأنهم خططوا من زمان للسيطرة على الجهاز القضائي والاقتصادي. النهاردة، أي رئيس أمريكي بيجي لازم يرضي اللوبي ده، سواء بقرارات زي نقل السفارة للقدس، زي ما عمل ترامب، أو بتأييد ضم الجولان، أو بتقديم مساعدات عسكرية هائلة لإسرائيل. من 1946 ل2023، أمريكا قدمت لإسرائيل حوالي 158.6 مليار دولار، معظمها عسكري.
طيب، إيه دور مصر في المواجهة؟ مصر هي الوحيدة اللي لسه قادرة تقاوم الهيمنة دي، لأنها مش بس دولة، هي فكرة حضارية. مصر هي اللي قالت من 5000 سنة: "ما كنتش سبب في دموع إنسان، ولا شقاء حيوان، ولا عذبت نبات بنسياني سقايته". دي أخلاق ما تقدرش أي قوة تكسرها. مصر لما بتقف، العالم بيسمع. لكن، زي ما قلت، أنا ضد إننا ندخل في مواجهة مباشرة مع الدول الكبيرة دي دلوقتي. ليه؟ لأن اللعبة لسه فيها لاعبين جدد بيظهروا. الصين، زي ما قلتِ، هي المارد الجديد. الصين النهاردة أغنى دولة في العالم، وأمريكا أكثر دولة مديونة. الصين بتهز الاقتصاد الأمريكي، وبكده بتهز الهيمنة الغربية كلها. أنا شايف إن مصر لازم تلعب بذكاء، تتحالف مع قوى صاعدة زي الصين وروسيا، وفي نفس الوقت تحافظ على استقلالها الاستراتيجي.
هل فيه أمل؟ أكيد فيه. التاريخ بيثبت إن الهيمنة ما بتدومش. الإمبراطورية الرومانية سقطت، الإمبراطورية البريطانية سقطت، والهيمنة الأمريكية هتضعف مع الوقت. المهم إننا في مصر نعرف قيمتنا، ونعلم ولادنا تاريخنا الحقيقي، زي ما قلتِ عن كتاب "المسكوت عنه في التاريخ". لو كل مصري عرف إن أجداده هم اللي علّموا العالم الحضارة، هيبقى عنده ثقة إنه قادر يواجه أي تحدي. الكتاب ده، زي ما قلتِ، لازم يبقى في إيدين كل مصري، ويا ريت فعلًا نعمله في كتيبات صغيرة عن الأخلاق، القانون، التعليم، عشان الناس تعرف إن إحنا مش مجرد شعب، إحنا أمة شكّلت التاريخ.
في النهاية، أمريكا داعمة إسرائيل لأنها مضطرة، عشان تحافظ على هيمنتها في المنطقة. لكن المنطقة دي، وخصوصًا مصر، عندها إرادة أقوى من أي سلاح أو مال. واللي بيحافظ على مصر هو الشعب اللي عنده وعي بحضارته. عشان كده، أنا دايمًا بقول: التاريخ هو وعاء الإنسانية، لو عرفنا تاريخنا، هنعرف نقاوم ونبني مستقبل أحسن.
**الأستاذة هبة**: بجد، كلام رائع وملهم، دكتور وسيم. الحقيقة، أنت أثرت فينا كلنا، وأنا متأكدة إن الجمهور هنا في الإسكندرية مستمتع جدًا بالنقاش ده. للأسف، الوقت خلّص، وكان نفسي نكمل أكتر، لأن الموضوع فيه خيوط كتير لسه محتاجة نقاش. بس أنا هاخد وعد منك، زي ما قلت، إنك ترجع للإسكندرية قريب، ونعمل ندوات تانية، عشان نكمل النقاش الثري ده. بشكرك جدًا على حضورك وعلى كتابك "المسكوت عنه في التاريخ"، اللي فعلًا لازم يكون في كل بيت مصري. الكتاب موجود في جناح الدار المصرية اللبنانية، ودكتور وسيم هيوقّعه للي حابب. بشكركم كلكم على حسن استماعكم وعلى أسئلتكم الرائعة. وإن شاء الله، نتقابل قريب في ندوة تانية مع دكتور وسيم السيسي. شكرًا جزيلًا!
**د. وسيم**: شكرًا ليكِ يا أستاذة هبة، ولجمهور الإسكندرية الرائع. أنا بجد سعيد بالنقاش ده، ووعد إني هرجع قريب. شكرًا على حسن استضافتكم!
تعليقات
إرسال تعليق